السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلا وسهلا ومرحبا، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
هذا هو مجلسنا الثالث أيها الإخوة. أهلا وسهلا ومرحبا بأختنا أم عامر، وأخينا السماوي، وأختنا زينب، وأخينا خالد، والمهندس عبد الله حشيش، يا مرحبا بكم جميعا.
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا المجلس أيها الإخوة هو مجلسنا الثالث من سلسلة الدروس الأكاديمية في شرح كتاب «نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة» للدكتور شفيع السيد رحمه الله.
في المجلس الماضي أيها الإخوة، حتى ألخص القضية وإلى أين وصلنا، طبعا كنا نتحدث عن الكلاسيكية، والكلاسيكية هي الفترة التي شغلت ما قبل الرومانتيكية؛ هي المذهب الذي شغل المدة ما قبل الرومانتيكية. وكما قدر وعرفنا معيار التقدير، كانت هي المذهب، هذه الكلاسيكية ما تسمى الكلاسيكية الجديدة. وأقول كلاسيكية، ففي كتاب «فن الشعر» أقول: هذا المذهب هو الذي شغل القرنين السابع عشر والثامن عشر، بعد ذلك جاءت الرومانتيكية وبدأت تعمل عملها في القرن التاسع عشر، وبعد ذلك جاءت المذاهب التي عرفت بعد ذلك بالحداثية والرمزية وما إلى ذلك.
إذا تحدثنا وعرفنا لماذا نتحدث عن أوروبا؟ لا نتحدث عن الشرق، لا نتحدث عن العرب، نتحدث عن أوروبا. وقلت في أول محاضرة، وأيضا ذكرت ذلك في المحاضرة الثانية: لماذا لا نتحدث عن العرب في كتاب يحمل اسم «النظرية الأدبية» أو «نظرية الأدب»؟ لماذا لا يدخل حديثنا عن العرب؟ قلت هذا وأنا وعدت بأنني على طول الكتاب إن شاء الله أعرج على القضية العربية، حتى أعرج على القضية العربية حتى أفهم -لحظة أغلق الصوت على الهاتف- معذرة - أقول: أعرج على القضية العربية كلما سنحت الفرصة لذلك، أو ظهرت أي منطقة أو ظهر موقع يمكنني أن أبين فيه تباين المذهب العربي عن مذهب غيرهم، لأبين انفكاك الجهة، وأبين الفساد الذي يقع حينما يحاول البعض أن يجري هذه المذاهب على المذهب أو على الشعر العربي.
إذا كانت الفنية الأرسطية القديمة هي التي امتدت على طول التاريخ الأوروبي، ثم جاءت هذه العصور المظلمة في أوروبا، وكانت هناك إرهاصات بين ذلك وفي أثناء ذلك عن الاتجاهات الرومانتيكية، ولكن بعد ذلك رأينا هذا الاستقرار في القرنين السابع عشر والثامن عشر لما يعرف بالكلاسيكية الجديدة. سميت كما قلت بالجديدة لأنها جددت الكلاسيكية الأرسطية القديمة بعد فترات من ظلمة وكذا وكذا، ولذلك هي تأتي في ضمن عصر النهضة وعصر التنوير الأوروبي. وتخلل ذلك قبل القرنين السابع عشر والثامن عشر بعض اتجاهات رومانتيكية، كما حرر ذلك الأستاذ عبد الرحمن شكري في دراسات له ومقالات جمعها الدكتور محمد البيومي من تلاميذ ذاته، وكانت هناك بعض التسيبات، وجاءت بعد ذلك الكلاسيكية الجديدة إحياء للكلاسيكية أرسطو ورسخت هذا المذهب وجعلته اتجاها عاما لأوروبا باعتباره ثمرة من ثمار عصر النهضة.
ولذلك، كما سيأتي معنا إن شاء الله، سترتبط بالأفكار أو بقضية العقل عند ديكارت. هذا الاتجاه الكلاسيكي سيظاهره الاتجاه الذي يسمونه الاتجاه العقلي الذي رسخه ديكارت، هذا الفيلسوف الغربي المؤثر جدا في أوروبا حتى اللحظة، ومن تبع أوروبا في أفكارها حتى اللحظة، وأيضا هو مثار جدل عندنا في الدراسات الفلسفية والكلامية، ليس هذا موضع وضعه، ربما أتناوله في موضع آخر إن شاء الله تعالى. ديكارت هذا توفي في العام 1650م، فيما أذكر، أي أنه شغل النصف الأول من القرن السابع عشر الذي ترسخت فيه الكلاسيكية الجديدة، وكان له تأثير في ذلك.
تحدثنا في آخر ما تحدثنا عن كتاب أرسطو، الذي قال فيه الدكتور: «لا جدال في أن أرسطو بتنظيره النقدي هو الجد الأعلى لنظرية الكلاسيكية الجديدة، وإن كتابه فن الشعر هو نبعها الأول الذي استقت منه مبادئها». لا جدال في أن أرسطو بتنظيره النقدي هو الجد الأعلى لنظرية الكلاسيكية الجديدة في كتابه «فن الشعر»، وإن كتابه «فن الشعر» هو نبعها الأول الذي استقت منه مبادئها. وهذا الكتاب لم يُعرف في أوروبا حين عرف إلا في إيطاليا، حين نشر جورجي يوفيلا أول ترجمة لاتينية له عام 1498 في مدينة البندقية.
وحينها ذهبت إليكم إلى آخر هذا الفصل وقرأت لكم عجلت لكم آخر صفحتين في هذا الفصل، حين قال: «عرفت العرب كتاب فن الشعر لأرسطو، المصدر الأول للكلاسيكية الجديدة، قبل أن تعرفه أوروبا بخمسة قرون أو يزيد». وقرأنا هذا في المحاضرة الثانية، يرجع إليها من أراد الاستزادة من ذلك. وإنما أردت التأكيد؛ مثلا الآن يقولون لك: العرب الآن تتبع أوروبا وكذا، والله نحن عرفنا هذا الكتاب «فن الشعر» وترجمناه في البيئة العراقية العربية قبل أوروبا بخمسة قرون يا إخوة. قبل أن يُعرف كتاب «فن الشعر» لأرسطو وتأثرنا به، قبل أن تعرفه أوروبا بخمسة قرون.
وعرضت لكم في المحاضرة الثانية مادة مهمة جدا: كيف تعرفت إليه العرب وكذا وكذا، وأحلت كما أحال المؤلف في الحاشية على دراسات ترجع إليها في مدى تأثير هذا الكتاب في البلاغة العربية، وتحدثت أنا عن ابن سينا والفارابي والجرطاجني والترجمات القديمة.
إذا، كتاب «فن الشعر» لأرسطو هذا تلخيص لما مر أعلاه لنظرية الكلاسيكية الجديدة التي شغلت القرنين السابع عشر والثامن عشر. كل هذا تمهيد تنبهوا حتى تفهموه؛ هو جاء به هذا الفصل دكتور حتى تفهم ما الرومانتيكية التي سيستفيض في بيانها، وما الذي انقلبت عليه الرومانتيكية؛ فالرومانتيكي صاحب التعبير الذاتي والتعبير عن المشاعر الشخصية، كل هذا جاء انقلابا على الفكر الكلاسيكي. وأنا في خلال ذلك، سواء في الفكر الكلاسيكي أو في الفكر الرومانتيكي، سأقفك على مواضع تتبين بها أن الأدب العربي خارج هذه القضية بالكامل، أن الأدب العربي ليس له علاقة بهذه القضية بالكامل.
وكذلك تحدثنا عن كتاب هوراتيوس...
هوراتيوس، كما يُترجم له هنا أو كما يُكتب هنا، وهذا كتابه: هوراتيوس، قصيدة فن الشعر والكتاب الثاني من الرسائل، ترجمة وتقديم وتعليق علي عبد التواب.
يقول تحت عنوان «بين الإغريق والروم»: «ومن الحقائق المقررة تاريخياً أنه على الرغم من أن الرومان هزموا الإغريق في ميدان القتال واحتلوا بلادهم، فإن الإغريق انتصروا عليهم في ميدان الثقافة والمعرفة، فظل الرومان عالة عليهم في هذا الجانب». الرومان ظلوا عالة على الإغريق في هذا الجانب، كما أن الأوروبيين الآن في الغرب هزموا المسلمين وهزموا العرب، ولكنه يظل عالة عليهم وعلى آداب الأندلس وعلوم الأندلس، كما يعرف ذلك من قبل المؤرخين.
يقول: «فإن الإغريق انتصروا عليهم في ميدان الثقافة والمعرفة، فظل الرومان عالة عليهم في هذا الجانب، يحاكونهم ويستمدون منهم، ولا يكادون يضيفون شيئاً». وعلى العكس من ذلك، فإن النظرية الأدبية التي تلقاها الرومان عن أرسطو الإغريقي فقدت أصالتها على أيديهم عن طريق ما أدى بهم إلى التحجر والجمود.
وأوضح ما يكون ذلك لدى الشاعر الروماني هوراس أو هوراتيوس، الذي ولد في العام الستين قبل الميلاد وتوفي في العام الثامن قبل الميلاد، أي قبل أن يولد المسيح عليه السلام على هذا الحساب الذي يحسبونه بثمانية أعوام. قال في منظومته الشهيرة «فن الشعر»: فهو يعد أبرز ممثل لهذا التطور اللاتيني الذي اتخذت فيه النظرية الأدبية القديمة ذلك الشكل المتحجر، كما يعد بالنسبة للكلاسيكية الجديدة أهم نقاد التراث القديم على الإطلاق بعد أرسطو.
إذن يا إخوة، أبرز مراجع الكلاسيكية: كتاب «فن الشعر» لأرسطو، ثم على كلام الدكتور وغيره، تحجر وأخذ الشكل العلمي في قصيدة «فن الشعر»؛ هذا كله المذهب الكلاسيكي. وقد تعرضنا لما تناوله من الفرق بين كتاب أرسطو ومنظومة هوراس في الشعر. إن عمل أرسطو يتمثل فيه ملاحظات حول مفهوم الشعر وعناصر العمل المسرحي، وبخاصة المأساة (التراجيديا) ورسالتها الفنية، والملحمة، وبعض الملاحظات السريعة على الكوميديا، مؤيداً ما يكون بالاستشهاد من روائع ما كتب الشعراء في عصره وكذا إلى آخره.
على حين أن هوراس عمد في كتابه هذا إلى تقديم طائفة من القواعد المجردة والأوامر والنواهي إلى من يكتبون الشعر، واضعاً إياها في قالب النظم، فأضفى ذلك عليها طابع الرتابة والجفاف، كما سلبها الوحدة والتماسك. وهي -وطبعاً قال الدكتور- تذكرنا من بعض الوجوه بتلك المنظومات العلمية التي عرفتها الثقافة العربية في العصور المتأخرة من أمثال «ألفية ابن مالك» إلى آخره.
طبعاً أنا قلت: رحم الله الدكتور الشافعي السيد ورضي عنه؛ إنسان كريم، نبيل، وعالم جليل، رحمه الله ورضي عنه، ورحم ابنه الدكتور أسامة الشافعي السيد ورضي عنه، إنسان فاضل وكنت على صلة شخصية به، رحمه الله ورضي عنه وجزاه الله خير الجزاء، رحمهم الله تعالى جميعاً.
قلت: أنا لا أوافق الدكتور هنا على أمر النحو وأراه -رحمه الله ورضي عنه وجزاه خيراً- قد خلط بين الأمور في هذا الموضع؛ فإن ألفية ابن مالك قد يُفهم من هذا الكلام أنها اتصفت بهذا الجمود، ولا يوصف به المتن العلمي إلا إذا قصد. المشكلة هي كلمة «في العصور المتأخرة»، لأن هذه المتون تواجه ألفية ابن مالك.
كلامنا لفظ مفيد كاستقم، واسم وفعل ثم حرف، الكلمة واحدة والقول عام، وكلمة بها كلام قد يؤام بالجر والتنوين والندى والمسند، للاسم تمييز حصل بتا فعلت وأتت ويفعلي ونون أقبلن فعل ينجلي سواهما الحرف كهل وفي ولم، فعل مضارع يلي لم كيشم وماضي الأفعال بالتام، وسم بالنون فعل الأمر إن أمر فهم، والأمر إن لم يكن للنون محل فيه هو اسم نحو صح وحي، والاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مذني كالشبه الوضعي في اسمه جئتنا والمعنوي في متى وفي هناك كنيابة عن الفعل بلا تأثير وافتقار. هذه متون، هذا متن علمي.
أيضاً تعرض -للأسف الشديد- من بعض دعاة التجديد إلى أن نتحرر من دراسته، وإلى أن نأخذ النحو هكذا بالجمال وبالشعور وبالطريق، هذا كلام خطأ، ولا أرى ذلك يجري على تعلم المتون في أهل زماننا. فربما الدكتور يقصد أنه حولها إلى مثل ما يكون من ألفية ابن مالك وكذا، وهذا لا يليق بها لكن يليق بالنحو، لكن لا يليق بهذا، ربما قصد هذا الدكتور، والله تعالى أعلم.
وتناولت هذا ووقفت عنده، ثم بينت قضية سبق العرب إلى معرفة كتاب أرسطو، كان هذا مما أخذ جزءاً كبيراً في المحاضرة الماضية. هذا التلخيص كان ضرورياً لربط السياق لأننا انقطعنا أسبوعين تقريباً.
بعد ذلك يبين الدكتور أن فرنسا هي دائماً الأساس، تذكروا يا إخوة: فرنسا دائماً سابقة إلى هذه المذاهب. فرنسا تكون سابقة إلى هذه المذاهب حتى الرمزية التي جاءت بعد الرومانتيكية، التي جاءت بعد الكلاسيكية أيضاً، ظهرت من عند شارل بودلير الذي ولد في العام الأول بعد الـ 1800 وتوفي في العام السابع بعد الـ 1868، وتأثر في ذلك بإدجار بالاي، وهو الذي ولد في العام التاسع بعد الـ 1800 وتوفي في العام التاسع بعد الـ 1848.
حتى هذا الشارل بودلير فرنسي، ظهر في فرنسا وكتب أو صنف ديوانه «أزهار الشر»، وكتب قصيدته عن صخب باريس وكذا، وأراد أن ينشئ مذهباً جديداً تأثر به بعد ذلك الرمزيون من بعده، وكذلك السرياليون. هذا على وجه الدقة؛ الرمزيون على رأسهم مالارميه وفيرلي، والسرياليون رامبو، طبعاً هذا أبوهم الروحي، كل هؤلاء تأثروا بشارل بودلير وهم فرنسيون، وتأثروا بشارل بودلير الفرنسي كذلك.
كانت فرنسا، كما يبين الدكتور في الصفحة التاسعة، أسبق إلى احتضان فكر عصر النهضة، عصر النهضة الذي جاء في سياقه الكلاسيكية الجديدة. ويقول: مع أن الشروح الإيطالية لكتاب «فن الشعر» لأرسطو كان لها التأثير على النقاد الفرنسيين خلال النصف الأخير من القرن السادس عشر، بدأت تؤثر لينهض في القرن...
السابع عشر، ثم الثامن عشر: المذهب الكلاسيكي. وأنا أثبت أن ما يعرف بالكلاسيكية لا علاقة لها بقول أبي قيس؛ لما ذهبت إلى اتحاد الأدباء في العراق، عرفني المقدم أن الموضوع أُعد، وطبعًا كان باين، قال: وهو أحد أنصار الكلاسيكية. قلت له: غلط! فنظر وقال: وهو أحد أنصار الكلاسيكية، قلت له: غلط! فقال: أحد أنصار الكلاسيكية. حر، خلاص هذا غلط، هذا يعني أنهم لا يعرفون الكلاسيكية.
وبمناسبة هؤلاء الذين يظهرون تأثرهم بالمذهب الغربي، أنا إلى الآن لم أناقش أحدًا منهم يعلم مذاهبهم أكثر مما أعلمها، مع أنني أناوئها وأحارب أثرها في أدبي العربي، ومع ذلك لم أجد أحدًا منهم إلى الآن يعرفها، ويعرف تاريخها، ويعرف رجالاتها، ويعرف ولادتهم ووفياتهم، ويعرف مذاهبهم ومصنفاتهم أكثر مما أعرفه، ولا يقترب مما أعرفه، أنا أقول واقعًا لا أتصنع.
ولذلك أقول: من أين يؤمنون بهذه المذاهب؟ ستعرفون من خلال المناقشات أن الكلاسيكية لا علاقة لها بالعربية؛ لأن أبا قيس ينشر شعر امرئ القيس، والنابغة الذبياني، وزهير، وأبي سلمى وكذا، فهذه كلاسيكية أصلاً. لا فرق بين ما عند امرئ القيس والنابغة وزهير، وما عند جرير والفرزدق والأخطل، وما عند بشار بن برد وأبي نواس والبحتري وأبي تمام، وما عند المتنبي وأبي فراس ومن بعده، وما عند البردوني، وما عند محمد مهدي الجواهري، وما عند أحمد شوقي، وما عند محمود سامي البارودي، وما عند ما ينشره الشعراء الشباب؛ لا فرق من حيث الأصول. هؤلاء ليسوا كلاسيكيين، بل هؤلاء كلاسيكيون مثل هؤلاء، وليس هكذا.
بل يخرج عن هذا، يخرج عن طريقه الشعر العربي أصلاً. انظروا إلى أي أحد خرج عن هذا السلك؛ خرج عن الشعر أصلاً، ليس خرج عن الكلاسيكية. أنتم لا تجدون من خرج عن هذا يعد كلامه شعرًا يا إخوة. الذي يعد المشي على الهواء ويمشي مقلوبًا في سماء جافة ليس فيها كرسي يمشي على عجل، هذا ليس كلامًا عربيًا. الخروج عن هذا ليس خروجًا من كلاسيكية إلى غير كلاسيكية، هذا خروج عن الشعر العربي؛ فالشعر العربي ليس كلاسيكيًا، الشعر العربي هو الشعر العربي. وسأبين لكم الآن ما تضعونه في عين من يقول لكم أنتم كلاسيكيون، قل له: هذه الكلاسيكية؟ لسنا كلاسيكيين، وإلا فأنت جاهل، ائتِ بكلامك، ائتِ بدليلك، ائتِ بمناقشتك ومحاورتك.
نحن سنناقشك من أبي قيس وحدته، يرتبط البعض ويتعلق بحجة أبي قيس، يتعلل بحجة أبي قيس. دعك من الحجة، رميتها في البحر، كن في المضمون. عجبت، جبت لي كلمة سمعتها من أحدهم قديمًا قال: «دعك من الأسلوب وخلك في المضمون»، دعك من الأسلوب وتناول المضمون، خليك في المضمون.
كان كتاب الشعر يقول: كانت فرنسا أسبق إلى تبني أو احتضان فكر عصر النهضة، ومع أن الشروح الإيطالية لكتاب فن الشعر لأرسطو كان لها تأثيرها على النقاد الفرنسيين خلال النصف الأخير من القرن السادس عشر، فقد كان لكتاب هوراتيوس تأثيره عليهم أيضًا لوضوح عبارته. هذان الكتابان، فن الشعر لأرسطو وكتاب هوراتيوس، كان لكتاب هوراتيوس تأثيره عليهم أيضًا لوضوح عبارته.
انتبهوا، هذا المذهب الذي ستنقلب عليه الكلاسيكية بعد ذلك. ثم يقول: فكانت الشروح لكتاب أرسطو، وهذا الكتاب -وشروح أرسطو- كانت هي المصادر التي عكف عليها بناة النظرية الكلاسيكية الجديدة من الفرنسيين، مؤثرين الرجوع إليها والأخذ منها. كانوا يرجعون إلى المصدر الأم الذي هو فن الشعر لأرسطو، لصعوبة فهمه من جهة، ولأن الثقافة اللاتينية بعامة كانت أقرب إلى نفوسهم من الثقافة الإغريقية؛ لأن هوراتيوس كان رومانياً، وهو كما عرفنا اللاتيني الذي وضع ثقافة أرسطو الإغريقي عن طريق كتابه فن الشعر. فكان الرومان والإيطاليون أقرب إليهم من الإغريق الذين منهم أرسطو وكتابه فن الشعر.
وبدأت تظهر الكلاسيكية عن طريق شروح فن الشعر لأرسطو وعن طريق منظومة هوراتيوس. قال: فظهرت مؤلفات متعددة، وأشهر هذه المؤلفات في بداية الكلاسيكية الجديدة كتاب «فن الشعر» لبوالو. هذا الكتاب يا إخوة أنا سجلته على قناتي، موجود بالكامل صوتًا؛ كتاب فن الشعر، سجلت هذه الترجمة كاملة له على قناتي في اليوتيوب، ابحث عن فن الشعر لبوالو على قناتي تظهر لك النص الصوتي الكامل لهذا الكتاب.
قال: فظهر كتاب فن الشعر لبوالو، بوالو ولد في العام 1606 وتوفي في العام 1711، يعني هو شغل من منتصف القرن السابع عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر، في قلب المرحلة. وقال: صدر الكتاب عام 1674 ميلادي، يعني ظهر في منتصف النصف الثاني من القرن السابع عشر. وجاء في قالب النظم على غرار فن الشعر لهوراتيوس، ولا يشبهه في الصياغة الشعرية فحسب، وإنما يشبهه كذلك في طابعه ومنهجه، وفيه نفس الفروق التي بين هذا الكتاب وكتاب أرسطو. ولكنه على ذلك تشبع بالنزعة العقلية التي سادت عصر النهضة في إيطاليا.
وأنا سأتحدث الآن ونحن نتكلم عن المعالم الفنية لهذا المذهب، سأتحدث إن شاء الله تعالى عن فكرة النزعة العقلية هذه، لأن هذه أساسية في تكوين المذهب الكلاسيكي، وهي مما يتباين به الشعر العربي مع الشعر الكلاسيكي الذي يدعون أن الشعر العربي كلاسيكي، لا ترون إن شاء الله. ويصفه الدكتور بدوي بأنه كتاب تعليمي؛ كتاب تعليمي: افعل ولا تفعل.
كما ترون، إذا تعطل عندي سؤال، أقول: هذا الكتاب، هذا كتاب بوالو، مسجل عندكم في القناة صوتيًا كاملًا إذا أردتم سماعه، وربما أضعه لكم في التعليقات إن شاء الله. الآن يمكنني أن أرى ذلك، لحظة، حتى لا نضيع الوقت أو تذهب الفرصة وأنسى.
ها هو الرابط، وضعت لكم الرابط الآن إن شاء الله، هذا رابط كتاب "أداء كتاب فن الشعر". هذا الكتاب من هذه النسخة التي ترجمت في المركز القومي للترجمة والنشر، ترجمها وقدم لها رجاء ياقوت. وقد وصف بأنه كتاب تعليمي، وقالوا كذلك هو، واكتسب هذا الكتاب مكانة عالية جدًا بين النقاد والأدباء.
وغدا "إنجيل" النظرية الكلاسيكية الجديدة. تعرفون، هناك تعبير أمريكي دارج هكذا: "Father" و "Bible". "Bible" تعني المرجع أو الإنجيل، كأن يقال: "Bible of marketing" أو "Bible of management". ويقولون مثلاً عن أكبر رجل في الإدارة، مثل بيتر دراكر، "Father of management"، أي "أب الإدارة". ويقولون عن فيليب كوتلر في التسويق "Father of marketing". وكلمة "Father" هنا ليست بمعنى الأب الذي هو زوج الأم، بل هي مكانة دينية تعني الرجل الذي إليه المرجع والوحي.
فيليب كوتلر هذا، وهو في الأصل حاخام يهودي، يلقب بـ "Father of marketing". وكذلك يقال عن بيتر دراكر، الإداري الكبير والمفكر النمساوي، وهو أيضًا يهودي الأصل وإن كان ضد الفاشية والنازية ويدعو إلى التوحيد والسلام. هو رجل عبقري في الإدارة، وقد قرأت كتبه كلها تقريبًا، ويلقب بـ "Father of management"، أي "مسيح الإدارة".
كذلك الكتب والمراجع، هناك كتاب "Marketing Management" لفيليب كوتلر، يقولون هذا "Bible of marketing" أي إنجيل التسويق. وكتاب بوالو يلقب بأنه "إنجيل الشعر الكلاسيكي"، أو إنجيل النظرية الكلاسيكية. وهنا نقول: شيخ. واستخدم الشيخ هذه الثقافة المعروفة، فقال: "وغدا إنجيل النظرية الكلاسيكية الجديدة". لماذا لم يقل المؤلف "وغدا قرآن النظرية الكلاسيكية"؟ لأن هذه معروفة من الترجمات "Mateau" أو "Father of".
قال: «وكان ظهوره إيذانًا بازدهارها». هذا الكتاب هو الذي استقر فيه فكر أرسطو بشروحه وفكر هوراتيوس، وصار هذا المتن كالمتن عندنا؛ كمتن الشافعي مثلاً. الآن ماذا يدرسون؟ إما أن يدرسوا متن أبي شجاع، أو نظمه للعمريطي. وأنا أحفظ نظم العمريطي لمتن أبي شجاع، وهو: «لها مياه سبعة وهي المطر، وماء البحر، وماء البئر، ونهر، وكذاك من عين، وثلج، وبرد...». يدرس الشافعية متن أبي شجاع "الغاية والتقريب" وشرح ابن قاسم الغزي عليه والحواشي، وقليل منهم من يرجع إلى الأصول. كذلك النظرية الكلاسيكية نضجت في هذا الكتاب "فن الشعر" لبوالو، "إنجيل الكلاسيكية" بتعبيرهم.
قال: «مع أن كتابًا آخر شاركه المهمة نفسها، وأسهم في تخطيط النظرية وصوغ أصولها، وإن لم يحظَ بمكانته وشهرته، وذلك هو كتاب رابان: تأملات في فن الشعر لأرسطو، وفي مؤلفات الشعراء القدامى والمحدثين، صدر عام 1730». فالكتابان معًا يمثلان ذروة ما وصل إليه الفكر النقدي للكلاسيكية الجديدة، لا في فرنسا وحدها بل في سائر أوروبا. ومنهما أخذ النقاد الإنجليز مصطلحات الذوق الرفيع والعقل والطبيعة، وغير ذلك من المصطلحات النقدية التي كثر دورانها في النقد الإنجليزي خلال الجزء الأخير من القرن السابع عشر وطوال القرن الثامن عشر.
ثم تكلم عن عصر انتصار القواعد واستقرار النظرية الكلاسيكية وربطها بالنظام الاجتماعي. يقول: «هكذا كانت فرنسا التي حملت عبء بناء الكلاسيكية الجديدة في القرن السابع عشر، ولا سيما في الفترة ما بين عامي 1630 و1660، وهي الفترة التي تعرف باسم عصر انتصار القواعد. ثم بلغت النظرية بعد ذلك أوج ازدهارها إبان ظهور فن الشعر لبوالو، في أثناء حكم الملك لويس الرابع عشر، الذي حكم فرنسا قرابة ثلاثة أرباع القرن، ما بين عامي 1643 و1715».
لقد حكم فرنسا قرابة ثلاثة أرباع القرن، أي 75 سنة! و"شهدت البلاد في عصره تفوقًا كبيرًا في القوة العسكرية على غيرها من أقطار أوروبا، كما شهدت نهضة عظيمة في مجالات كثيرة، وحققت ازدهارًا في الفنون والآداب، وقد كان ذلك كله بفضل شيوع النظام والاستقرار».
ويقول في ضمن هذا: «حافظوا على ثنائية النظام الطبقي للمجتمع: طبقة الصفوة من الأمراء والنبلاء ورجال الدين، والطبقة الدنيا من الخدم والأرقاء ومن في مستواهم». وهذا النظام هو الذي انقلب عليه الرومانتيكيون. في هذا المناخ سادت النظرية الكلاسيكية الجديدة ونمت في ظله وتشبعت به.
لاحظوا ما الذي حصل؛ هذه النظرية، والشدة الأدبية والتحديد القوي في الموضوع، وفي طريقة رسم الشعر، ارتبطت بنظام معين، بنظام ملكي يقسم المجتمع إلى طبقة النبلاء، وهم الأمراء والملوك ورجال الدين، وطبقة السفلة من الناس، وهم عموم الشعب والخدم والأرقاء ومن في مستواهم، كل من لم يكن من رجال الدين أو من الأمراء والنبلاء. فصارت المجتمعات هكذا، وفي ظل هذا استقرت وتشبعت النظرية الكلاسيكية الجديدة. سنلاحظ الآن.
كيف تتغير طبيعة الأدب كلها عندهم بتغير النظام السياسي والاجتماعي؟ عندنا في العربية شعر الملوك، وشعر الخلفاء في الإسلام وفي الأندلس وفي غيرها، وكشعر الصعاليك في الجاهلية. لا فرق، لم يتغير الشعر. ما تقولش بقى كلاسيكية؛ يقول لك أنتم كلاسيكيون، الكلاسيكية صراحة وافقت نظامًا طبقيًا معينًا، ألزمت الشعراء فيه بأخلاقيات معينة وبمواضيع معينة لا يمكن الخروج عنها.
فهل الشعر العربي كان كذلك؟ لا، الملوك في العربية قالوا الشعر، والصعاليك قالوا الشعر، والدواوين ضمت قصيدة الملك إلى قصيدة الصعلوك، ولا ينظرون إلى تغير أول قصيدة. لا الرومانتيكية انقلاب على الكلاسيكية يا أم عامر. أول قصيدة في ديوان المفضليات، تاب شراً القافية:
يا عيدُ مالك من شوقٍ وإيراقِ .. ومرَّ طيفٌ على الأهوالِ تراقي يسري على الأينِ والحياتِ محتفيا .. نفسي فداؤك من سارٍ على ساقي إني إذا خلَّت ظنت بنائلها .. وأمسكت بضعيف الوصل أحذاقي نجوتُ منها نجائي من بجيلةٍ .. إذ ألقيت ليلةَ خبطِ الرهِ أوراقي
وأتيت بعد ذلك بقصائد لخلفاء شعراء، وأتيت بقصائد وزراء، وأتيت بقصائد ملوك في الأندلس، وأتيت بقصائد ملوك بني أمية أو خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس، ورثائيات آل البيت، وهذه كلها أشعار جليلة، كلها واحد، كلها معتبر في الفن، ولا يقال في بعضها شعر نبلاء وشعر كلاسيكي والآخر شعر صعاليك، لا يوجد؛ كله داخل في الشعر. الكلاسيكيون لا يعرفون هذا.
لماذا؟ تذكرون، قلت لكم في أول محاضرة لماذا لا نتناول النظرية الأدبية العربية في مثل هذه الكتب؟ بعض البهاليل يقول لأنهم كان عندهم ثراء في الفكر وليس عندنا. حبيبي، لأن عندنا في العربية استقرارًا وثقلًا من جهة اللغة والخصائص، فلم لم تدر اللغة؟ هذا ما قلته وأقوله الآن وأذكركم به: لم تدر اللغة مع المشكلات الاجتماعية. ها، أنتم ترون صريحًا كيف تتغير طبيعة الأدب وتفرض كلها عندهم بتغير النظام الاجتماعي، وذلك لأن الأدب عندهم لم يتمركز في اللغة المبينة، وإنما الأمر على الضد عند العرب.
الأمر على الضد عند العرب، نعم. لم تتغير قصيدة الشاعر العربي مع انقلاب كل أحوالهم من الجاهلية إلى عصور الأندلس إلى يومنا هذا. لم تتغير، لم تقل قوانين القصيدة للشاعر؛ لا. الصعلوك أراد أن يفخر بفعاله وفي ضربه بالصحراء، قالت له القصيدة: نعم. امرؤ القيس أراد أن يفعل وأن يقول ويعمل، قالت له القصيدة: نعم. أبو نواس أراد أن يقول في الخمر، قالت له القصيدة: نعم. شعراء آل البيت أرادوا أن يمدحوا، أن يرثوا الحسين ويمدحوا علي بن أبي طالب وآل بيته، قالت لهم القصيدة: نعم. جاء أبو نواس أراد أن يقول، يمدح، هو نفسه الذي كان يقول في الخمر أراد أن يمدح، قالت له القصيدة: نعم. كل من أراد أن يقول شعرًا في العربية، كان ما كان موضوعه، قالت له القصيدة: نعم.
القصيدة تقول لا عند شيء واحد: أن تنزل في مستوى الكلام بس. قل ما تشاء على أن تعلو في شرف المعنى. الشرط الوحيد، الأساس والركن الوحيد في القصيدة العربية، ولهذا أئمة الإسلام، أئمة الدين والورع، رووا أشعار الخمر والفسق والمجون؛ لماذا؟ لأنهم يعلمون أن القصيدة عند العرب تطلب لبلاغتها.
عندنا باب آخر غير هؤلاء، معيار آخر، ميزان آخر غير هؤلاء: قصيدتنا جلالتها في بيانها. ولهذا محمود شاكر وصف قصيدة امرئ القيس "ألا عم صباحًا" بأنها القصيدة النبيلة. قال في قصيدته النبيلة:
فبعضهم لما سمع القي قال نبيلة .. هذه نبيلة سموت إليها بعدما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حالي .. فقالت سباك الله إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس أحوالي .. فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ .. لناموا فما من حديث ولا صالي فلما تنازعنا الحديث واسمحت .. هصرت بغصن ذي شمااريخ بيالي وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا .. وردت فذلت صعبة أي إذلالي فأصبحت معشوقًا وأصبح بعلها .. عليه القتام سيء الظن والبالي يغط غطيط البكر شد خناقه .. ليقتلني والمرء ليس بقتالي أيقتلني والمشرفي مضاجعي .. ومسنونة زرق كأنياب أغوالي وليس بذي رمح فيطعنني به .. وليس بذي سيف وليس بنبالي أيقتلني وقد شغفت فؤادها كما شغف .. المهنوءة الرجل الطالي وقد علمت سلمى وإن كان بعلها .. لأن الفتى يهذي وليس بفعالي وماذا عليه إن ذكرت أو أنسا .. كغزلان رمل في محاريب أقيالي وبيت عذار يوم دجن ولجته .. يطفن بجماء المرافق مكسالي سباط البنان والعرانين والقنا .. لطاف الخصور في تمام وإكمال نواع يتبعنا الهوى سبل الردى .. يقلن لأهل الحلم ضل بتضلالي صرفت الهوى عنهن من خشية الرد .. ولست بمقلي الخلال ولا قالي
نبيلة طبعًا نبيلة. ما هو القرآن؟ لما لو لم تكن نبيلة ما نزل القرآن يتحدى أصحاب هذه القصائد. طبعًا نبيلة، بيانها نبيلة لأن الميزان عندنا مختلف. عندنا الشاعر يقول ما يقول، يخرج على المجتمع، يخرج على أبوه وأمه، يخرج على دينه، لا علاقة لنا. لذلك محمود شاكر يقول لك ماذا؟ يقول إذا جاء النصراني في كتاب "أباطيل وأسمار"، يقول إذا جاء النصراني لا أقرأ لكم، خلاص الكتاب الكلام موجود، موفق، يقول إذا جاء النصراني لا أقرأ لكم.
لاحظوا، محمود شاكر يقول النصراني هذا في كتاب "أباطيل وأسمار" الصفحة الثانية بعد السبعين والثالثة بعد السبعين، ويقول: «الشعر تراث عام في كل لغة من اللغات، وسواء كان المتكلم بهذه اللغة لغة مشركًا أم يهوديًا أم نصرانيًا أم مجوسيًا أم مسلمًا أم جاهدًا، لذلك كله كافر به، فمن حقه أن يستخدم شعر اللغة للبيان عما في نفسه، لا يملك أحد أن يدفعه عن ذلك». وليس يجعل شعره حسنًا، وليس ها... هذا ضرب في الكلاسيكية. هذا ضرب الكلاسيكية يا إخوة، هذا ضرب الكلاسيكية في مقتل. يقول لك محمود شاكر: وأنتم من الكلاسيكيين، أنت لا تفهم شيئًا، لا تعرف من هم الكلاسيكيون أصلاً، لا تعرف ما الكلاسيكية أصلاً. افهم الكلاسيكية جاءت موافقة لمرحلة سياسية اجتماعية معينة، طبقية، أوجدت الكلاسيكية، خلاص لا يفهمون هذا.
محمود شاكر يقول: «وليس يجعل شعره حسنًا، أن يكون اعتقاد الشاعر حسنًا عند قارئه، ولا يجعله سيئًا، أن يكون اعتقاد الشاعر سيئًا عند قارئه». الدين بمعزل عن الشعر الذي هو أقوى قيمة أخلاقية، اجتماعية. الدين أقوى قيمة اجتماعية، صح ولا لا؟ القاضي الزوجاني قال لك: الدين بمعزل عن الشعر. وأبو بكر الصولي، توفي العام السادس بعد الثلاثمئة من الهجرة، يقول...
يقول أبو بكر الصولي: «ما علمتُ أن إيماناً يزيد في شعر، ولا أن كفراً ينقص منه». ومحمود شاكر يقول: «وليس يجعل شعره حسناً أن يكون اعتقاد الشاعر حسناً عند قارئه، ولا يجعله سيئاً أن يكون اعتقاد الشاعر سيئاً عند قارئه». وإذا كان الأمر كذلك، فليس يعيب شعراً يقوله نصراني أن يأتي فيه بألفاظ أهل ملته ما دام صادقاً في التعبير عن نفسه بكلام جيد؛ يدخل في باب الشعر ما دام صادقاً في التعبير عن نفسه بكلام جيد.
أنت نصراني؟ أنت عندي إن الدين عند الله الإسلام، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. لقد كفر الذين قالوا... خلاص، هذه أحكام الدين، أحكام الشريعة، وأحكام الشعر. يعني هذه أحكام الشريعة، وأحكام الشعر.
تعالَ وريني الإجازة؛ شخص نظم القرآن ونظم التوحيد ونظم الكذا، وجاء بمعانٍ... الله عليك، أسأل الله أن يآجرك، لكن قصيدتك ليست هذه معاني القرآن والأحاديث، هذه المعاني... نحن نتكلم عن كلام يكون شعراً، بكلام جيد يدخل في باب الشعر.
نص كلام محمود شاكر هنا، ثم يقول: «فالنصراني -محمود شاكر يقول- المعتقد في خطيئة أبيه آدم أنها خطيئة لا تمحوها توبة، وأنه ورث هذه الخطيئة في دمه، وأن نكال الهلاك الخالد جاثم على روحه إذا استدفعه...». كل هذه الاعتقادات ترونها باطلة أم صواباً يا إخوة؟ هذا الذي سمعتموه كله؛ هل هذا باطل أم حق في ذاته؟ أنتم المسلمون، هذا باطل أم حق؟
يا عم السماوي، أنت مسيحي! خونا السماوي من العراق، أنت نصراني، السماوي يقول: حق! أنت نصراني، أنا لا أعرف مسلماً، يبقى حق؟ كيف يا عم الحاج؟ صحصح معي، لا تنشغل بشيء آخر. فالنصراني المعتقد في خطيئة أبيه آدم أنها خطيئة لا تمحوها توبة، وأنه ورث هذه الخطيئة في دمه، وأن نكال الهلاك الخالد جاثم على روحه، إذا استدفعه الإحساس الصادق، إذا استدفعه الإحساس الطاغي الصادق إلى الإبانة عن كل ما في نفسه من تراث دينه وعقيدته وثقافته؛ فذكر بعد ذلك الفداء والصلب والخلاص.
هذه أمور باطلة أم حق؟ أنت بوصفك مسلماً تراها باطلة أم حق؟ بوصفك مسلماً هذه باطلة أم حق؟ باطلة. فذكر بعد ذلك الفداء والصلب والخلاص في موضعه من الشعر، فقد أحسن. محمود شاكر يقول: في الكلام الكفر أحسن، في الشعر لا، في الكفر خلاص. فقد أحسن غاية الإحسان في الإبانة عن نفسه، وعسى -اسمع اسمع- وعسى أن يقرأه المسلم وغير المسلم ممن شم طرفاً من معرفة عقائد النصرانية، ليكون على علم بما يقرأ، فيهتز لهذا الشعر اهتزازه لأي شعر آخر.
يعني المسلم يسمع قصيدة في معاني الصلب والخلاص والفداء والكفر وكذا، فيهتز طرباً لشعرها لجمالها وهي في اعتقادات الكفر؛ فيهتز لهذا الشعر، لم يقل لهذه المعاني. قال محمود شاكر: «فيهتز لهذا الشعر اهتزازه لأي شعر آخر». هذا كلام محمود شاكر.
رأيتم ما لنا الكلاسيكية؟ الكلاسيكية نظام اجتماعي، وسيأتي إن شاء الله الكلام على أصولها التي تأبى أن يكون الشعر العربي منها. نحن عند الكلاسيكيين ضائعون؛ الكلاسيكيون لا يفهمون لغتنا أصلاً، لا يفهمون مقياسنا أصلاً. نعم، الكلاسيكي يتكلم في أخلاقيات وأذواق، وعنده مبدأ العقل، قلت لكم عنده مبدأ العقل، سنتكلم فيه إن شاء الله.
بعد ذلك قالوا: انتقلت الكلاسيكية إلى إنجلترا، وقالوا: كان الوضع في إنجلترا مختلفاً اختلافاً شديداً؛ لماذا؟ لأنها عانت من الفوضى والاضطراب والصراع في القرن السابع عشر، أو في أغلب القرن، ما لم تشهده في تاريخها كله. وظهرت هنا جماعة "المتطهرين" التي تُعرف بالـ (بيوريتنز).
المتطهرون هؤلاء، الجمال معهم، التي يمكن أن تقول عندنا... أنا لا أقول الدواعش، لأنني أعتقد أنهم صناعة أمريكية أصلاً، لكن هي جماعة تتشدد وحرفية، جماعة حرفية تتشدد وعندها موقف لا عقلاني من كل شيء. أنا لا أقول دواعش لأنني أعتقد أن الدواعش صناعة أمريكية سياسية محضة، يختفون في وقت الأزمة والاحتياج للأمة لهم، ويظهرون ليقتلوا الأمة، ثم لما تقاتل الأمة عدوها الحقيقي يختفون، فإذا انتصرت الأمة ظهروا وقتلوا الأمة.
ولهذا قال بعضهم: متى ستقاتل الدواعش وهذه التوجهات؟ متى ستقاتل أي الكيان؟ قالوا: إذا أسلم الكيان قاتلوه. كانوا يخرجون في غزة يقاتلون المسلمين في غزة؛ لأن هؤلاء صنيعة غربية يا إخوة، صنيعة اختفت في وقت الأزمة وظهرت في وقت محاولات الاستقرار. فهم صنيعة غربية، يجمعون حولهم، وعند الغرب تقنية عالية جداً، ويتفوق علينا في هذا جداً؛ فعنده دراسات نفسية وطبية جيدة بحيث يستطيع جمع أصحاب الأمراض النفسية حوله.
سترون أكثر من ينتمون إلى هؤلاء، عندهم أمراض نفسية حقيقية، أمراض نفسية شديدة جداً، ربما تجده يكفر ولا يصلي، يقول لك أهم شيء العقيدة، وهذه معصية وأشياء هكذا غريبة. أنا رأيت مثل هذا، لا أنا لا أفترى. متشددون، أصحاب اللهج بالتفكير بالتكفير يلهجون بالتكفير، لا يصلون، لا يقومون من النوم للصلاة، تفهمون؟ ويقعون في فواحش. هم مرضى، عندهم مرض، والغرب عنده قدرة هائلة جداً على جمع المرضى حوله وتوظيفهم. وليس كل داعش عميلاً، هو يفهم، ولكن التنظيم عميل، هم يعرفون كيف يديرونه وينشئونه أصلاً، ويخفونه في وقت اللزوم ويظهرونه في وقت اللزوم.
لكن دعونا عند "البيوريتنز" أو الجماعة المتطهرين التي انشقت عن طائفة البروتستانت، التي هي الطائفة الدينية الرسمية للبلاد؛ أعلنت الحرب على الفنون والآداب. هذا في إنجلترا، أعلنت هذه الطائفة "البيوريتنز" التي انشقت عن الطائفة البروتستانتية النصرانية الحرب. هذا يفهمكم يا إخوة أن هذه التوجهات نفسية كما قلت وعقلية وليست دينية، هي انشقاقات نفسية، حتى النصرانية عندها طائفة سميت بالمتطهرين وخرجت وكرهت الفنون والآداب، فهذا أمر نفسي.
كنت أقول لكم دائماً: هؤلاء المعاصرون الأغبياء الذين يحرمون الشعر والآداب ويتكلمون بجلافة ويتسرعون في التضليل والتكفير والتفسيق، هؤلاء لا تسموهم خوارج؛ لأن الخوارج لهم أصول كلامية، أصول اعتقادية. ليسوا خوارج، هؤلاء ليسوا خوارج. الخوارج كان لديهم الشعراء، كانوا طائفة طبيعية دينية، لكن هؤلاء مشكلتهم نفسية. فسبحان الله، موجودون في النصرانية، وموجودون في اليهودية، وموجودون في الإسلام، موجودون في كل فرقة دينية.
اتجاه ديني لا شك أنه مبني على أمور تاريخية تتعلق بالحروب الأولى بالبيت وبالحكم، وباعتقاد في الولاية: هل هي موروثة نبوية أو غير موروثة؟ هل هناك أئمة معصومون من صلب النبي ﷺ أو ليس هناك أئمة معصومون؟ إلى آخره. هذه أمور كلامية بما فيها من حق وباطل.
في كل طائفة يوجد هذا المرض، فانتبهوا؛ لا تحاسبوا الطائفة بالمرضى الذين فيها، ففي طائفتك مرضى من نفس النوع، فهمتم؟ يعني عندك مثل هذا الذي عند فلان؛ يأتي الشيعي ويقول لك: انظر، يتهمون السيدة عائشة رضي الله عنها بالزنا، أقول له: كذبت، هؤلاء عندهم خط متطرف اسمه كذا ويفعل كذا. وعندك أيضًا مثله يقول: الحسين استحق القتل لأنه كان من الخوارج وقتل بسيف جده، هناك أنا رأيت بعيني ومصري، يقول: الحسين خرج على الحاكم الشرعي وقتل بأمر جده. إذاً عندك مرضى وعنده مرضى، فلا تجلب مرضاه عليك حتى لا يجلب مرضاك عليه.
الشيخ خالد يقول: نعم، وأشهد طبعًا أن هناك مرضى في كل صف. فالمرضى شيء، والمذهب الفكري شيء؛ حتى لو كان غير صحيح، أنت تناقش صاحب مذهب وفكر، حتى لو غلط، تقول له: يا فلان، أنا أخالفك في مذهبك، أختلف معك في كذا وكذا، وأرى أن هذه الأصول التي بُنيت عليها لم تثبت عندي. خلاص، أنا أقول له نفس الشيء وهو يقول لي نفس الشيء. إنما هناك الجانب المريض، هذا مريض لا تجلبه على الفكر؛ الفكر يناقش بالفكر، إنما هذا المريض له وضع آخر، هذا يُعالج.
فهؤلاء جماعة المتطهرين "البيوريتنز" في كل جماعة، سبحان الله المنشقة عن طائفة البروتستانت، هي انشقت عن البروتستانت نفسها، أعلنت الحرب على الفنون والآداب حين دانت لها السيطرة على مقاليد الأمور. لو دانت لها السيطرة، أعلنت الحرب على الفنون والآداب حين دانت لها السيطرة على مقاليد الأمور في فترة الصراع بين الجمهوريين والملكيين، وأغلقت المسارح في العاصمة البريطانية لمدة 18 عامًا.
الذين يكلمونني عن أوروبا وتاريخ الحضارة، في بريطانيا أغلقت المسارح في العاصمة البريطانية 18 عامًا، من عام 1642 إلى عام 1660، ولم تهدأ الأحوال نسبيًا إلا بعد عودة النظام الملكي الذي أمر بفتح أبواب المسارح أمام الجمهور. شوف الكلام، وهل تتصور في هذا القرن السادس عشر والسابع عشر كيف كانت مسارح أوروبا، كان فيها عري وكذا؟ لا، أنت إلى الآن ترى أوروبا المصورة بالأبيض والأسود، حجاب وحشمة، صح فيها حشمة، ولكن هؤلاء جماعة مرضى.
فعادت الروح الغائبة إلى الحياة الأدبية، وأقبل الكتاب والشعراء على كتابة المسرحيات. الذي حصل باختصار هو أنه في الوقت الذي هجم فيه البيوريتنز، أو جماعة المتطهرين المنشقين عن البروتستانت، وأغلقت المسارح وحاربت الأدباء، نزح كثير من هؤلاء الأدباء والكتاب إلى فرنسا. فلما هدأت الأمور وعاد النظام الملكي وفتحت أبواب المسرح، عاد النازحون الذين نزحوا إلى فرنسا إلى إنجلترا أو بريطانيا وهم محملون بالمنهج الكلاسيكي أو النظرية الكلاسيكية الجديدة؛ ذهبوا إلى فرنسا وتحملوا بها ورجعوا إلى بلادهم بها.
وفي الأخير، إنجلترا لم تشهد استقرارًا حقيقيًا في الواقع إلا مع مطلع القرن الثامن عشر، وخلال العقود الأربعة الأولى منه رسخت الكلاسيكية الجديدة فيه. يعني إنجلترا تأخرت عن فرنسا بسبب البيوريتنز الذين فيها، تأخرت عنها قرنًا، يعني تأخرت عنها كل القرن السابع عشر بسبب هؤلاء.
رأيتم؟ ونحن الآن تأخرنا عشرة قرون من بعد المتنبي؛ تأخرنا بسبب عدم ربطنا بالأوائل، سواء بحكم الأعاجم الذين كانوا في منتصف القرن من الفرس وغيرهم، أو الأتراك، ثم النزول والهبوط وتقاسم الأعاجم لبلادنا العربية. تأخرنا شديدًا إلى العصر الحديث، وبدأت محاولة في عهد مدرسة الإحياء والبعث للبارودي واستقرت في شوقي.
وإن شاء الله نهضتنا التي نقوم بها الآن هي النهضة القوية الجديدة الحقيقية التي ستكون، إن كانت حركة البارودي إرهاصًا لها وتقديمًا؛ لأننا من فضل حركة البارودي وما تبعه من حركة شوقي وغيره، وكذلك من فضل ما بقي من تراث، لكن نهضة جديدة هي التي نصنعها الآن بحمد الله تعالى. وبالفعل إلى الآن، هذه النهضة التي نقوم بها الآن في التدريس وفي معرفة الشعر وشرح أصوله، لم تشهد منذ قتلوا الشعر وتوزعت البلاد بين الأعاجم من الفرس والترك منتصف القرن الرابع.
والانتهاء الحقيقي كان للمذهب العربي الذي ظل موجودًا شطرًا في العهد العباسي، وإلا في العهد العباسي الحقيقي، هذا يسقط في القرن الرابع، في العام الثالث أو في العام الرابع بعد الـ 300 أو الـ 400 لما تولى البويه؛ هنا ينتهي العصر العباسي الشعري الحقيقي. أما الذين يمدونها إلى ما بعد الـ 600 لما سقطت الدولة العباسية على يد التتار، لا، لأن الشعر سقط من قديم أصلاً، يعني من بعد المتنبي وأبي فراس هبط الشعر.
يبرز لك أحيانًا المعري، يبرز لك الشريف الرضي، الشريف المرتضى، تبرز لك أسماء، ثم خفتت تمامًا هذه الأسماء، ذهبت وخفت، ما بعدها إلى إحياء وبعث، ونحن في عصرنا هذا نحدث هذه النهضة مرة أخرى إن شاء الله تعالى بكل مصارحة ومجابهة ووضوح. فنحن تأخرنا قرونًا كما تأخرت إنجلترا بسبب هؤلاء البيوريتنز أو المتطهرين، قرنًا عن فرنسا، ثم بعد ذلك تأثرت بفرنسا وألمانيا.
كان الكاتب والناقد المسرحي الكبير ليسينج، الذي ولد في العام الأول بعد الـ 700 وتوفي في العام الأول بعد الـ 800، كان الوسيط الذي من خلاله حصل التأثير في ألمانيا؛ لأنه عرف أرسطو وكتابه فن الشعر من الكتاب الفرنسيين وتأثر به فيما وضع من قواعد الفن المسرحي والفنون بعامة في كتابيه "اللوكون" وفن المسرح في هامبورج، وفتح السبيل بذلك أمام عالمي الشعر الألماني اسميه جوته وشيلر.
جوته، طبعًا الذي ولد في العام التاسع بعد الـ 740 وتوفي في العام الثاني بعد الـ 800، أي توفي في أول القرن التاسع وولد في منتصف القرن الثامن عشر، وشيلر الذي ولد عام 1759 وتوفي في العام الخامس بعد الـ 800، وهما اللذان وضعا نظرية الشعر الألماني الجديدة، وأنت سترى تأثرات رومانتيكية عند...
جوته، وطبعًا جوته هذا هو الشاعر الألماني الذي احتفى بقصيده: ﴿إِنَّ بِالشَّعْبِ الَّذِي دُونَ السَّلْعِ لَقَتِيلًا دَمُهُمَا يَطْلُ﴾، وترجمها وجاء يحيى حقي وأعجب بالترجمة وأعجب بنثرها وأعجب بكذا. المهم، وكان محمود شاكر في ذلك ألف كتاب نمط صعب ونمط مخيف، وقدّر محمود شاكر جدًا شاعرية جوته في الشعر الفرنسي وقال: «لا شك أنه شاعر عظيم في لغته»، نعم فهو بالأصل كلاسيكي ذو مسحة بعد ذلك رومانتيكية؛ لأنه دخل في القرن التاسع عشر، الذي كان موضع الرومانتيكية المنقلبة على الكلاسيكية.
بعد ذلك، كما أن شارل بودلير الذي ولد في العام الأول بعد الـ 1800 وتوفي في العام السابع بعد الـ 1860، كان الوصلة والنقلة بين الرومانتيكية التي ستأتي معنا والرمزية بعد ذلك، وهي المرحلة التي بعدها والتي نعانيها إلى الآن في بلادنا. فنحن الآن في كلاسيكية تأتي بعدها رومانتيكية، تأتي بعدها رمزية وحداثة هي التي نعيش في آخرها إلى الآن، فنحن نتتبع فضلات الغرب كما ترون.
لم نعلم، لماذا جهلنا نظريتنا وجهلنا تراثنا وجهلنا الميزان الحقيقي لتراثنا، صرنا نتتبع فضلات الغرب؟ والله أعلم، لا يرضى لنا وسطًا في هذا، إما أن تعتز بما أنت عليه وإما أن تذله وتتبع فضلات الأمم، وكأنها سنة جارية في المسلمين؛ إما أن يكونوا في الصدر وإما أن يكونوا في الذيل، ولا يكونون في الوسط أو في الصلب.
هكذا كانت حركة الكلاسيكية في فرنسا، ثم في إنجلترا، ثم في ألمانيا. والآن جئنا إلى الحديث عن الأصول النقدية والفنية للكلاسيكية. خذها عندك الخلاصة كما قال الدكتور: حجر الزاوية في هذه النظرية ومحورها الأساسي هو محاكاة القدماء. معنى محاكاة القدماء يعني أنهم جاؤوا في هذا الوقت وآمنوا بالمذهب الأرسطي الذي تمثل في كتاب "فن الشعر" لأرسطو مع شروحه، وفي كتاب "نظم فن الشعر" لهوراتيوس، وبعد ذلك استقر في "فن الشعر" لبوالو. لكن هذان الكتابان التراثيان هما إنجيل الكلاسيكية، أو كلاسيكية أرسطو القديمة.
وهذه المحاكاة للقدماء هي محاكاة لإيمانهم بما كانوا عليه. وما الذي كانوا عليه؟ لن أقرأ بالحرف طبعًا، لكن الخص لكم القضية. يقول: القدماء طبعًا يشمل من يا إخوة؟ القدماء يشمل الإغريق والرومان؛ الإغريق الذين منهم أرسطو، والرومان الذين منهم هوراتيوس. وطبعًا شروح كتاب أرسطو مؤثرة أكثر من كتاب أرسطو نفسه كما عرفته.
وهنا ظهر ما يعرف بالنزعة العقلية، النزعة العقلية أيها الإخوة التي أرساها في هذا الوقت ديكارت، الفيلسوف ديكارت. وديكارت له في مكتباتنا العربية مصنفات عدة ومحاورات مترجمة، وفي الحقيقة أنا من قراء ديكارت، هذا من الجانب الذي أخفيه في حياتي، لكن لا أحب الحديث فيه، أحب معرفة الثقافات جميعًا، وأنا من المعجبين بديكارت. أجد صلة لا أدريها بين فكر ديكارت ومذهب الحنفية، حاولت الكتابة عن هذا لنفسي لكن أوقفت الكتابة، خفت من المجاذفة والمخاطرة. لكن لا أدري، أجد عندي ميلاً إلى قراءة ديكارت، فاشتريت كل ما تُرجم في مصر من كتابات ديكارت.
ديكارت يا إخوة ولد في العام السادس بعد الـ 1500، يعني في آخر القرن السادس عشر، وتوفي في العام الخمسين بعد الـ 1600، يعني في منتصف القرن السابع عشر. مولانا، ما شأن الحنفية والشكوكية؟ سيبك أنت من موضوع الشك عند ديكارت، هذا لا تدخلني الآن في تفصيل، أنا أفهم ما تقول وأنا أجملت الكلام جدًا. وبالمناسبة، أنا لا أرى أن الشك الذي عند ديكارت هو الشك الذي عند طه حسين؛ طه حسين جاء محاكيًا محاكاة شعبية بلدية رخيصة لديكارت، محاكاة صينية درجة ثالثة لديكارت. أنا قرأت ديكارت ووجدت الفخامة، وقرأت طه حسين في موضوع الشك فوجدت السقوط والخفة والسطحية.
أخونا الخالد الشيباني عنده نظر في الموضوع أيضًا، يقولون ديكارت أخذ فكرة من الغزالي، الموضوع كبير يا مولانا، ديكارت والغزالي. أنا أشعر بديكارت وكأن له ركنًا إسلاميًا عندنا في فلسفتنا وعلم الكلام عندنا. موضوع ديكارت ليس سهلاً، لكن المهم في عصر النهضة تأثرت أوروبا بالعقلانية الديكارتية أو ما أسسه ديكارت في عصر التنوير أو عصر النهضة.
يقول الدكتور: هذه الدعوة إلى محاكاة القدماء ظاهرتها النزعة العقلية التي آمن بها ديكارت. وكما قلت نلاحظ أن ديكارت شغل نصف القرن السابع عشر الذي ترسخت فيه النظرية الكلاسيكية، يعني هو موازن لها ومؤثر فيها. وهذه النزعة العقلية التي ظهرت في الدعوة الكلاسيكية تطابق فكرة العقل الجمعي، أو العقل المختبر للفن والذوق عند أرسطو والقدماء.
أقول لكم شيئًا أنبهكم إليه لتفهموا القضية في شعر أرسطو؛ أرسطو يتكلم في ثلاثة أنواع من الشعر: الملحمة، والمأساة التي هي التراجيديا، والملهاة التي هي الكوميديا. ولا سيما النوعان الأولان، الملحمة والمأساة. وطبعًا في ذروة هذه الأنواع الثلاثة تحت وصف عام يسمى الشعر المسرحي.
ما معنى شعر مسرحي؟ أول شيء، شعر مسرحي يعني يمتزج فيه فن القول بفن الأداء. البعض غضب مني لما وصفت أخانا المصري هشام الجخ بأنه ليس بشاعر، بل هو مؤدٍ مسرحي. أبو قيس يقول عنه ليس بشاعر، والله ليس بشاعر. قلت هشام الجخ عندنا في مصر ليس بشاعر إطلاقًا ولا يعرف يقول الشعر أصلًا. وجاء أخوه من السعودية في مرة، نزهة في السياحة في مصر، فذهبوا إلى حفلة كانت لهشام الجخ قبل سنين في ساقية الصاوي تقريبًا، فقطعوا التذاكر وقالوا تأتي معنا؟ قلت لا، نأتي معكم، واستمتعنا به جدًا بعد أن...
ذهبوا إليه وأتى والتقينا، قالوا استمتعنا به، قلت لهم: استمتعتم بماذا؟ رايته هو يتكلم. المهم بعد ذلك بمدة تكلمت أنا عن هشام الجخ وقلت: هذا ليس بشاعر، فهاج البعض وماج، لا سيما من أحبابي في مصر، قالوا: ألا ترى أنه كذا وكذا؟ فقلت لهم: تفضلوا.
أفرغت لهم كتابه، أفرغت لهم نصه الموسوم بالتاشيرة، أشهر نص له الموسوم بالتاشيرة، اقرأوا القصيدة. ما أعطيت النص إلى أحد إلا قال: ما هذا؟ لا أرى كلامًا، مع أنني استمعت إليه أو شاهدته كان حلوًا. والذين حضروا له في المسرح، أظن كان سقيه الصاوي تقريبًا عندنا في مصر، المهم لا أذكر، حضروا له مسرحيًا هكذا، أعجبوا به وقالوا: جميل، شاعر رائع.
هنا يا إخوة، هشام الجخ لا يصنع نصًا بناء على استقلال الفن القولي؛ الأداء أوهم أنه يصنع نصًا ممتزجًا بالأداء المسرحي. هناك لما كتبت النص هناك فجوة حصلت من نص لنص. فالبعض ربما يسأل: هل هذا فيها كلام؟ أقول لهم: تعرفون ماذا قال حنا ماذا حصل عند هذا النص في المسرح؟ نظر الجمهور وقال... وهلم جرا، هذا لم يظهر من الكلام، هو قال الكلام ثم نظر للجمهور.
كيف أفهم هذا من الكلام؟ يصح، الفن المسرحي أول شيء فيه أنه يمتزج فيه فن الشعر مع فن الأداء المسرحي. اذهب إلى أي مكتبة واشترِ مسرحية شعرية أو شعرًا مسرحيًا، أي ديوان لشعر مسرحي واقرأه، لن يعجبك؛ لأن هذا أخذ للحفظ لأجل الأداء المسرحي، هذا طبع لمن سيحفظون ويؤدون وليس لمن سيؤدي شعرًا. أنا لا أستطيع أن آتي أنا أبا قيس، آتي إلى قصيدة مسرحية وأسجلها وأنشرها على قناتي، لن تكون كلامًا جيدًا أصلًا. هذا سيناريو أقرب إلى السيناريو؛ لذلك اسمها مسرحية شعرية أو شعر مسرحي، لأن لها قوانين في الأداء أو في عدم الاستقلال، ليس كالشعر الذي يسمونه الغنائي، عندما يسمونه غنائي الأصل يستقل بغنائه. سنأتي في يوم إلى قضية الشعر الغنائي أيضًا، شعرنا ليس شعرًا غنائيًا.
هذا على جنب، لكن تعالوا إلى قضية الكلاسيكية. عند الكلاسيكية يا إخوة، أو الشعر المسرحي، هو شعر جمهوري بالمقام الأول؛ شعر كما قلنا العقلانية الديكارتية التي ظاهرت المذهب الأرسطي. ما المذهب الأرسطي؟ حتى تفهموا القضية، وتفهم ما الذي انقلبت عليه الرومانتيكية، ولماذا الشعر العربي ليس كلاسيكيًا، وفي الرومانتيكية سأخبركم لماذا الشعر العربي ليس رومانتيكيًا. إذا ما كان الشعر العربي ليس كلاسيكيًا ولا رومانتيكيًا، فهو عربي فقط؛ لا كلاسيكي ولا رومانتيكي، هذا تقسيم غربي محض.
الشعر عند أرسطو شعر مسرحي، يعني شعر يؤدى في المسرح للجمهور، فهو شعر مبني على مراعاة المسؤولية الاجتماعية الأخلاقية والذوق العام للنبلاء، فلا يعبر فيه عن الانفعالات الذاتية؛ هذه قاعدة الكلاسيكية. عرفتم لماذا الكلاسيكية الجديدة بنيت على الكلاسيكية القديمة؟ ولماذا ظهرت النزعة العقلانية عند ديكارت؟ لأن هذا يحدث ما عرف بعد ذلك بالمسؤولية الاجتماعية للشاعر التي قيدته حتى في الموضوع.
ونحن عندنا لا يوجد تقييد في الموضوع؛ أمجن أذكر الفروج والنهود والشعور؟ أحسنت أم لم تحسن، اكفر في القصيدة، واذكر خلاف دين المجتمع المسلم، وافعل في القصيدة ما تفعل. أنا ناقد لست قاضيًا شرعيًا، أنا ناقد، سأحكم ربما لك بالجودة إذا أجدت، ولكن أليس هذا شعرًا كلاسيكيًا؟ أين الأخلاق في الشعر؟ ليس شعرًا كلاسيكيًا. وليس شعرًا رومانتيكيًا، لكن لما نأتي للرومانتيكيين نتكلم، إن شاء الله، أن البعض قد يقول: إذاً هو رومانتيكي النزعة الفردية؟ أيضًا ستعرف موقعه إن شاء الله.
النزعة العقلانية عند ديكارت التي سيطرت على التفكير الفرنسي والتفكير الأوروبي بعامة منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر أيدت الكلاسيكية الأرسطية، التقت معها فكرة العقل والعقلانية. افترضت الكلاسيكية الجديدة سيكولوجية، طبيعة نفسية، سيكولوجية ثابتة للطبيعة الإنسانية، أي منظومة ثابتة من المعايير والقواعد تسير عليها الأعمال الأدبية، وعملًا متماثلاً في الموضوع أيضًا، ليس في الفنيات اللغوية فقط.
أكثر كلام الغربيين في المواضيع، وكلامهم في اللغة أقل شيء؛ كلامهم في اللغة وزن وقافية فقط، ألفاظ معجمية وغير معجمية، فصيح وغير فصيح، رومانتيكية وكلاسيكية فقط. نحن عندنا الكلام كله في اللغة، بعد ذلك الكلام عندهم كله في الفكر، في المواضيع؛ ولهذا يعترفون عندهم بالصلة بين الشعراء والفلاسفة، وأن الفلاسفة يأخذون من الشعراء، وأن شيكسبير سبق علماء النفس في الكشف عن الطبائع والأنماط النفسية. شيكسبير عندهم هكذا، ولذلك ترون عندهم دائمًا الموازنة في الكتب الغربية، الموازنة بين علماء النفس والفلاسفة وبين الشعراء؛ لأن القضية عندهم في الموضوع.
وفي نفس السياق، يتماهى عندهم ويقترب جدًا اللغة النثرية من اللغة الشعرية، ليس عندهم تميز كبير في اللغة بين الشعر والنثر، ولهذا ظهر عندهم الالتباس شديدًا. عندنا ما في التباس، سماء وأرض، شعر ونثر. أنت لما تقول قصيدة نثرية تبقى تسب لها الدين، لما تقول هذا بيت النثر أنت تسب له دينه، تقول إن قصيدة نثرية أو خطابية سببت دينها، كفرت القصيدة، قلت دينها باطل.
انظر، افترضت الكلاسيكية الجديدة سيكولوجية ثابتة للطبيعة الإنسانية، أي منظومة ثابتة من المعايير والقواعد تسير عليها الأعمال الأدبية، وتصلح للتطبيق في كل فن وأدب. عرفتم أنها ليست فكرة لغة؟ يقول لك تصلح للتطبيق على كل فن وأدب؛ ما يبقاش موسيقى، لازم موسيقى أيضًا بتاعة النبلاء، فن الرقص والحركة، رقص النبلاء، كذا في رقص النبلاء ورقص السفلة، عنده في موسيقى النبلاء وموسيقى السفلة، أغاني النبلاء وأغاني السفلة.
منظومة ثابتة في المعايير والقواعد تسير عليها الأعمال الأدبية، وعملًا متماثلاً مضطرًا للذكاء والحس الإنساني يتيح لنا الوصول إلى نتائج تصلح للتطبيق على كل فن وأدب. يبقى الموضوع مسؤولية اجتماعية وليس قضية لغوية؛ لو كانت قضية لغوية لن يقول في كل فن وأدب لأنه سيظل في الفن القولي. فهمتم يا إخوة؟ هذه العبارة "تصلح للتطبيق على كل فن وأدب" تقضي بأن قضيتهم ليست اللغة، قضيتهم موضوع.
هنا عندنا في الموضوع فقط أن يكون متسعاً لشرف المعنى، يعني لا تعمل قصيدة ثلاثين بيتاً في وصف فستان أو جلابية أعجبتك، ما لم تخلق منها فلسفة أكبر تتحمل شرف المعنى. لا تقل: «وإني وإني ثم إني وإنني إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا»، أقول لك ما ينفعش، عشان تقول لي ما هو الموضوع يا حبيبي؟ الموضوع غلط، الموضوع لم يتحمل شرف المعنى الذي يعنيه.
الذي يعنيني في الموضوع أن يتحمل شرف المعنى، بس لو كان كفراً، لو كان فسقاً، لو كان خمراً، لو كان زنا، لو كان فواحش، الموضوع يتحمل؛ هذا الكفر فيه شوية شرف معنى، توضع على ميزان الذهب. أنا لا أمدح الكفر، أنت فاهمني؟ المهم أن يتحمل، وهذا الذي يعنيني أنا كناقد عربي، تدخل النار صح، لكن لا تدخل على الفاضي. الذي يعنيني هو شرف المعنى أن يتحمل شرف المعنى، وانتهينا.
ولذلك عندكم مثلاً تطبيق، أخونا عقيل العميدي، شاب شيعي من آل البيت وشيعي عراقي، يعشق رائيه الأخطل في هجاء آل البيت، والقصيدة الوحيدة التي أعجبته عند ابن المعتز هي التي في هجاء العلويين، ذرية علي عليه السلام. وهو الذي حرضني على إدخال رأي الأخطل، بأن آل البيت هم جد الخليط، في قوله: «خف القطين فراحوا منك أو بكروا». هو الذي حرضني لأدخلها في مشروع المئة قصيدة، قال: كيف لم تدخلها يا أستاذ؟ فأدخلتها وسجلها بصوته لأصحابه في المدرسة ليحفظوها، وقالوا: انظر إلى البيان وجودته؛ لأنه رجل منصف، بل يتدين به لأنه لو قال ليست جيدة لكذب. لكن الشاهد ماذا يا إخوة؟ الموضوع عندنا ليس كذلك، عندهم الموضوع مختلف.
يقول: «فقواعد الفن، كما يرى نقاد الكلاسيكية الجديدة، ليست مستمدة من أرسطو». الخلاصة في هذا الكلام يقولون: نحن لم نأخذ هذا من أرسطو، وإنما أخذنا ذلك من العقل نفسه، ولذلك يصرحون بأن الشعراء هم الذين علموا أرسطو؛ يعني الشعراء استعملوا العقل في هذه المعاني وجاء أرسطو أخذ الذي أبدعوه عملياً، فقام هو باختصاره وتحويله إلى مبادئ نظرية. يقولون إن هذه المعاني التي أتى بها أرسطو لم يبتدعها من عنده، بل أخذها من الأعمال التي للشعراء، شعراء الكلاسيكية القديمة، وأخذها وحولها إلى مبادئ نظرية؛ لأن المصدر هو العقل.
ثم نبه إلى أن هذه... انظر ماذا أقول، يتكلمون في مبدأ، بعد ذلك سيأتي الكلام في مبدأ المحاكاة؛ احفظوا هذا: «محاكاة الطبيعة في الكلاسيكية»، ومعنى محاكاة الطبيعة -سأشرحها وأبينها- بأنها محاكاة فنية للواقع وللمعاني الإنسانية، سيأتي الكلام عنها الآن. يقولون إن الكلاسيكيين الجدد انتهجوا نهجاً نظروا إليه في الأعمال القديمة، يشمل الموضوع وأسلوب المعالجة.
الموضوع وأسلوب المعالجة، أول شيء الموضوع، وقلت لكم الموضوع عندنا ليس له مجال، فالذي يقول لك أنتم كلاسيكيون قل له: لا تعرفون الكلاسيكيين. كما قلت وأنا في اتحاد أدباء العراق، قدموني وأصروا أني كلاسيكي، الرجل لا يعرف ما معنى الكلاسيكية، قاطعته وقلت له غلط، لا تصفني بالكلاسيكي؛ هذا وصف لأوروبا، لفكر أوروبي أرستطي في الأصل، وأوروبي جديد في القرن السابع عشر والثامن عشر، أخذ وقته وذهب. كيف تصفني بالكلاسيكي لأنك تجهل؟ أنا أرفض هذا الوصف، أنا أعلم ما هي الكلاسيكية وأنا عربي لست كلاسيكياً. الكلاسيكية لا تقبل شعر امرئ القيس، الكلاسيكية لا تقبل شعر عمر بن أبي ربيعة؛ لأن مسؤوليتنا لغوية، المسؤولية الاجتماعية الوحيدة في الشعر العربي هي اللغة.
ثم بين الخلاصة بأن فكرة العقل لا تعني نفي الشعور أو الخيال أو اللاواعي، فيقول: ليس هناك على الإطلاق ناقد له شأن في عالم النقد الأدبي آمن بأن الإبداع الفني ليس إلا عملية عقلية. لا يقال إنها عملية عقلية بمعنى أن تجلس وتكتب بالحسابات وبالعقل محضاً، سيخرج شعرك بارداً، لابد من انفعال حتى على المعاني الكلاسيكية، لكن قيدوك في الأسلوب وقيدوك في الموضوع وفي أسلوب المعالجة، لكن بعد ذلك لابد من عملية وعي، والوعي عملية شعور، يعني عملية وعي عقلي وشعور نفسي أيضاً.
يقول: حتى أكثر النقاد صرامة وتشدداً في التمسك بالنواحي الشكلية للكلام، لم ينسوا أن يذكروا أن الشعراء بحاجة إلى الإلهام والخيال والابتكار، وهذا المصطلح الأخير «الابتكار» حظي بمساحة كبيرة من النقد الأدبي، وهو الذي عرف فيما بعد باسم الخيال الخلاق. يبقى الخيال الخلاق الذي هو الابتكار موجوداً أيضاً عند الكلاسيكية، بل جاء هذا الاصطلاح من عندهم في الأصل وكان يعرف بالابتكار.
فقال: «نقاد الكلاسيكية آمنوا بنظرية عقلية في الشعر، لا أن الشعر برمته عملية عقلية». احفظوا هذه العبارة، هي مهمة، أنا أظهرتها في الكتاب: «نقاد الكلاسيكية الجديدة آمنوا بنظرية عقلية في الشعر، لا أن الشعر برمته عملية عقلية». وذهبوا إلى وقوع الخيال تحت سلطان العقل؛ اسمع هذه العبارة: «وذهبوا إلى وقوع الخيال تحت سيطرة العقل، فهو الذي يقوده، العقل يقود الخيال ويمسك بعنانه، ليحول دون النزعات الفردية والعواطف الجياشة».
احفظ هذه العبارة: «العقل يكبح جماح الشاعر الكلاسيكي، ليحول دون النزعات الفردية والعواطف الجياشة». أسألكم وأجيبكم: هل المنع من النزعات الفردية في الشعر والعواطف الجياشة ممنوع في الشعر العربي؟ لا، قولاً واحداً لا. ما معنى نزعات فردية يا إخوة؟ يعني مشاعر ومعاني شخصية لا يشترك فيها المجتمع. مشاعر شخصية؛ يعني عمر بن أبي ربيعة يعتبرون مشاعره شخصية لأن الفتيات يتغزلن به ويمجن ويفعل أشياء يرفضها المجتمع، مثل امرئ القيس: «سموت إليها بعدما نام أهلها».
بعيدة تمامًا عن الذي تواضع عليه العقل المجتمعي أخلاقًا ودينًا وكل شيء، صح؟ واحد بيتسلل لمتزوجة، نزعة فردية وعواطف جياشة، هذه عندهم العقل يمنعها. العقل الذي يضبط المسؤولية الاجتماعية الكلاسيكي لا يسمح له أن يتغزل بالفتيات، لا يسمح له أن يمجن، لا يسمح له أن يقول المعاني التي فيها مخالفة الأخلاق والدين؛ لا يسمح له.
الكلاسيكي سيوافق على أشعار، اسمع بقى، سيوافق على أشعار؛ قد نقول الملاحم، أشعار الرثائيات في آل البيت، أشعار الملاحم المشتركة الكبرى، أشعار كذا؛ سيوافق عليها. إذًا الكلاسيكيون كانوا مقيدين بهذا، نعم.
وهذا ما ستعرفونه إن شاء الله تعالى في المجلس القادم بالتفصيل وبالأدلة من كلامهم. شكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد