السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. أرجو يا إخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة، ريثما أطمئن إليه كذلك من جهتي إن شاء الله. أرجو طمأنتي يا إخوة إلى سلامة البث، لا سيما وأنني غيرت مكان الجلوس.
أهلاً وسهلاً بالكرام، أهلاً علاء عادل الحبيب. أهلاً وسهلاً بالكرام، معذرة. يبدو لي البث جيداً والإضاءة جيدة يا إخوة، الحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين. وبعد، أيها الإخوة هذا هو لقاؤنا الثاني من شرح كتاب "نظرية الأدب: دراسة في المناهج أو في المدارس النقدية الحديثة" للدكتور شفيع السيد رحمه الله تعالى. حياكم الله تعالى وأكرمكم ورضي عنكم، وكل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا أقول له: حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً.
المحاضرة الأولى أيها الإخوة تحدثنا فيها عن فكرة النظرية، وتحدثنا فيها عن مقدمة للدخول في هذه الدراسة، وفرقنا فيها بين العربي وغير العرب، ولماذا ندرس النظرية الغربية أو النظرية الأدبية الغربية فقط دون غيرها؟ أوضحت ذلك وأوضحت فكرة النظرية، ما هي نظرية الأدب؟ وما علاقتها بالأدب نفسه؟ إلى آخر هذه المقدمات، وبينت قيمة هذا الكتاب، وتحدثت عما يكفي إن شاء الله تعالى ليكون مدخلاً.
بين أيدينا الآن أيها الإخوة الفصل الأول من الكتاب، وهو تحت عنوان: "الكلاسيكية الجديدة ومحاكاة النماذج". طبعاً الكتاب يتحدث عن النظرية الأدبية المتأخرة أو المعاصرة التي تعتبر بدأت من عصر النهضة، وصار للأدب منهج وصار له اتجاه وصارت هناك نظرية. ويمكن كما يقول الدكتور شفيع السيد أن نقول إن النظرية الأدبية الحديثة بدأت من الرومانتيكية.
وكان الدكتور رحمه الله يريد أن يبدأ من الرومانتيكية، لكنه قال: لا يمكننا أن نتصور الرومانتيكية إلا أن نعلم إجمال البيئة التي ظهرت فيها وأي شيء اختلفت عنه وكذا، فأتى بالفصل الأول في الكلاسيكية الجديدة. وأنا قلت إنما بدأ من عصر النهضة والكلاسيكية لأنه تقاعدت في هذا الوقت -كما سيقول الدكتور شفيع نفسه رحمه الله- النظرية في صورة المصنفات والمتون، وصار هناك ما يعرف بإنجيل الكلاسيكية الحديثة وهو كتاب "فن الشعر" لبوالو، وكذلك بعض الكتب التي سنعرضها إن شاء الله تعالى، وأريكم إياها كذلك بطبعاتها حتى تحصلوها إذا رغبتم في ذلك لمن أراد التوسع.
فنعم، هي أسست على الكلاسيكية القديمة، كلاسيكية أرسطو، أسست عليها، ولكن هي بالفعل حولت هذا الأدب -كما سيقول الدكتور شفيع- من صورة متون إلى صورة شكلت مذهباً موجوداً. ولهذا أقول من عصر النهضة، أو من القرنين السابع عشر والثامن عشر مثلاً، نستطيع أن نقول كانت هناك نظرية عند الغرب؛ عند فرنسا، عند إيطاليا، عند إنجلترا، عند ألمانيا، كانت هناك نظرية مؤسسة ظاهرة نبتت في فرنسا وانتقلت إلى ألمانيا وإيطاليا وهكذا، أو من إيطاليا إلى فرنسا، ثم بعد ذلك ألمانيا وإنجلترا، كما سنتعرض الآن إن شاء الله تعالى.
يقول الدكتور هنا هذه العبارة: «إذا سلمنا بأن نظرية الأدب التي طرأ عليها مع بزوغ فجر القرن التاسع عشر تغيير يكاد يكون جذرياً على أيدي جماعة من الشعراء والنقاد عرفوا فيما بعد باسم الرومانتيكيين، كما سمي مذهبهم باسم الرومانتيكية (Romanticism)، وأصبح هذا المذهب بما تبنى من مبادئ فنية وأشاع من قيم أدبية يمثل مرحلة جديدة في تاريخ الأدب والنقد الأدبي معاً، هي بداية العصر الحديث لكل منهما؛ إذا سلمنا بذلك فإن استيعاب نظرية أو نظريته النقدية ووضعها في سياقها من مسيرة النقد الأدبي يستوجب التعرف إلى ما كان سائداً قبلها من تقاليد ومبادئ نقدية، لذا ما عرف باسم الكلاسيكية الجديدة، تمييزاً لها عن الكلاسيكية الأولى أو الأصل الذي يوصف به تراث الإغريق واليونان والرومان في عصر ما قبل الميلاد وبعده بقرنين أو ثلاثة تقريباً».
يعني هو يرى الدكتور أن النظرية الأدبية الحديثة التي تغيرت تغيراً جذرياً بعد أن امتدت قروناً منذ قبل الميلاد هي النظرية الرومانتيكية، ولكن حتى نفهمها لا بد أن نفهم ما هي النظرية الكلاسيكية التي كانت قبلها وانقلبت عليها النظرية الرومانتيكية. النظرية الكلاسيكية في الجملة شغلت القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهي معقدة لأن روافدها قديمة جداً. حتى هذه النزعة التي عند بوالو، نزعة العقلانية وكذا، لم تخلو من تأثر بديكارت مثلاً، ديكارت الذي سيظهر معنا في أبواب أخرى وأعمال أخرى. هذه النزعة العقلانية الديكارتية التي يعرفها دارسو علم الاجتماع والفلسفة وانتشرت في هذا العصر وأثرت في أوروبا، وكانت بدايات أو إرهاصات لأوروبا التي نراها الآن.
هذه النزعة لم يخلو منها بوالو الذي ألف كتابه "فن الشعر" الذي عرف بإنجيل الكلاسيكية الجديدة، فهي معقدة الروافد جداً. ولكن تستطيع أن تقول إنها تطوير ونمذجة، نستطيع أن نقول نمذجة، يعني تأصيل وتأطير، والبعض قال جمود. لما كان في العصر الأول، وحتى سيقول الدكتور هنا كلاماً تفهم منه أن العلاقة التي بين هذه الكلاسيكية الجديدة في القرنين السابع عشر والثامن عشر -وأنا يحلو لي أن أسميها كلاسيكية بوالو في الحقيقة لأن كتابه هو المرجع فيها- أن هذه الكلاسيكية بالنسبة إلى الكلاسيكية القديمة كلاسيكية أرسطو وما بعده بقليل -طبعاً في عمر القرون كثير- الكلاسيكية القديمة تشبه الفقه في عصوره الأولى على يد الأئمة الأوائل كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك، والمذهبية في القرون المتأخرة جداً التي استقرت في صورة المتون التي تحفظ والتي ينظر فيها معتمد الفتوى وكذا، فصارت متوناً تحفظ وقل من يذاكرها وينظر فيها من حيث أصلها وعلتها وكذا لا سيما بعد ضرب حدود الطبقات التي تحدثوا فيها.
هو سيوحي إليك بالشبه بين القسمين، لكن في الأخير هو مذهب موجود احتل القرنين السابع عشر والثامن عشر وتأصل، والدليل على ذلك أنه لم يتصل اتصالاً ناعماً واحداً بالقرون التي قبله إلى أرسطو، وإنما أخذ شكلاً في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لأنه إذا توغلتم في بعض الكتب الأخرى.
أن أفتح لكم بابًا الآن لأن الكتاب يعتبر شرحًا أكاديميًا لذلك هو أيسره جدًا. أقول: إذا توغلتم في بعض الكتب الأخرى التي ربما أطلعكم على بعضها في آخر المحاضرة أو حتى آخر شرح الكتاب، إذا توغلتم سترون أن هذه الكلاسيكية، هذا طبعًا مختصر جدًا، هذا الكتاب، سترون أن هذه الكلاسيكية الجديدة في القرن السابع عشر والثامن عشر هي نفسها جاءت انقلابًا على صورة ما أو صور ما من التسيب أو الصور الاجتماعية المختلفة عن الاتجاه الكلاسيكي، بل إن بعضهم يثبت أصولًا رومانتيكية فيما قبل الكلاسيكية الحديثة.
بعض الباحثين يثبتون أصولًا، وأنا لا أريد أن أشعبها عليكم لأنها ليست من الكتاب، لكن في بعض التحقيقات الأخرى بعضهم يثبت أصولًا أو فجوات رومانتيكية في العصر ما قبل العصر الكلاسيكي الجديد. ولهذا أنا قلت في الأول الكلاسيكية الجديدة نظرية أيضًا موجودة، رسخت وأخذت حقها، وارتبطت بشكل ما بأرسطو والتراث الإغريقي القديم.
يتكلم هنا عن تحديد الزمان، كيف نحدد الزمان؟ متى نقول مثلاً الرومانتيكية كانت في القرن التاسع عشر، والحداثة في القرن العشرين، والكلاسيكية الجديدة كانت في القرن السابع عشر والثامن عشر، كيف نحدد ذلك؟ هو يقول هذا صعب في الأدب، وهذا صحيح.
يقول على أننا نشير ابتداءً، في هذه الصفحة الخامسة من الكتاب، على أننا نشير ابتداءً إلى أن الفصل الحاسم بين المذاهب الفكرية والأدبية المتتابعة أمر في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً؛ فأي مذهب منها لا يولد مكتملًا.
مثلاً تخيلوا الآن بعد مئة سنة، -الحمد لله نجحت دعوتنا ونجحت حركتنا في إنشاء عصر أدبي شعري صحيح جديد يؤرخ له أدبيًا وقضينا على الحداثة-، فأراد أحد بعد مئة سنة أن يؤرخ لما يحصل الآن، هل يستطيع أن يفصل بين حركة أبي قيس في الشعر وبين وجود الحداثيين؟ هل يستطيع أن يفصل بين حركة أبي قيس ودعوته وظهور شعراء محسنين وظهور شعراء على طريقة العرب مؤصلين وبين الحداثيين؟ لا.
الشعراء الآن يعملون والحركة تعمل وما زالت الحداثة تعمل إلى الآن، لم تمت؛ ففيه ما يسميه التداخل أو التقاطع. هناك مناطق تكون عقودًا، هو حددها مثلاً بثلاثة عقود، هناك مناطق تكون مشتركة يبدأ فيها التقاء المذهبين، ولكن تكون لمذهب انسحابًا وتكون لمذهب شروعًا وبداية. فمثلاً في ثلاثين سنة سيتواجد مذهبان، سيجتمع مذهب قديم يذهب ومذهب جديد، لأن الأمر يا إخوة ليس بالقوانين.
ولذلك أنا أعترض شديدًا على من يحددون العصور الأدبية بأنها عصور الملوك، يقول لك آل بويه تولوا عام كذا، آل أمية تولت عام كذا، بنو العباس تولوا يوم كذا، فهذا انتهاء تاريخ كذا وبدأ تاريخ كذا. هل وضعوا قوانين تمنع إنشاء القصائد على صورة معينة وتوجب إنشاؤها على صورة معينة؟ فاليوم مثلاً تناول الخلافة فلان ووضع اتجاهًا جديدًا، فنقول إذاً هناك قصائد قيلت في أمس، هذه القصائد تتبع العصر الفلاني، والآن بعد تولي هذا الحاكم صارت القصائد مذهبها آخر؛ هذا غلط.
ولذلك حتى في الشعر الجاهلي والشعر المخضرم، أعترض شديدًا على من يقول إن لبيد بن ربيعة شاعر مخضرم أو إن الأعشى شاعر مخضرم. كيف مخضرم؟ ما أثر الزمن في الموضوع؟ حسان بن ثابت مخضرم لأن حسان بن ثابت له شعر في الجاهلية له سمت، وشعر في الإسلام له سمت، بل له سمت في المستوى.
مثلاً الأعشى ظل كافرًا بعد الإسلام، وظل يقول الشعر كما هو قبل الإسلام، ولم يسلم، ولم يخالط المسلمين، ولم يرتبط بأحكامهم، ولم يلن لسانه، فلأي شيء نقول شاعر مخضرم؟ وعينية أبي ذؤيب، لما أحياناً أقول هذه قصيدة جاهلية يقال لي صاحبها قالها في الإسلام لما مات أبناؤه في الإسلام؛ هي فكرة سمات وخصائص، ليس عفريتًا اسمه إسلامي وعفريتًا اسمه جاهلي. أبو ذؤيب انتقل من الجاهلية إلى الإسلام وظل شعره جاهليًا، فشعره جاهلي.
الأخطل شعره إسلامي وهو نصراني، اسمه شاعر إسلامي وهو نصراني لأن شعره يحمل الطابع الإسلامي، طابع الفترة الإسلامية. حسان بن ثابت له شعر يحمل الطابع الجاهلي وله شعر يحمل الطابع الإسلامي، فلا يقال فيه شاعر إسلامي ولا يقال شاعر جاهلي.
ولهذا من هذا الباب محمود شاكر أبدى إعجابه بصنيع ابن سلام في الطبقات، لما قال لم ينشئ طبقة للمخضرمين وإنما وزعهم بالغالب على حالهم بين الطبقتين؛ سترى في طبقاتي في آخر طبقات الجاهليين شعراء أدركوا شيئًا من الإسلام، وسترى في طبقة شعراء الإسلاميين شعراء أدركوا طرفًا من الجاهلية. فنظر إلى التغليب والطبع فقسم ما يسمون بالمخضرمين بين الجاهليين والإسلاميين.
كذلك هنا لا يمكننا أن نضع صورة تاريخية أو حدًا تاريخيًا قاطعًا، بل قال مستحيل. فاستمع إلى ما يقوله الأستاذ الدكتور رحمه الله: «على أننا نشير ابتداءً إلى أن الفصل الحاسم بين المذاهب الفكرية والأدبية المتتابعة أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، فأي مذهب لا يولد مكتملًا، وإنما قد يستغرق تمام ظهورها واكتمال ملامحها سنوات قد تطول وقد تقصر، كما يمكن أن تظهر هذه المذاهب والأفكار كما يمكن أن تظهر في بلدان مختلفة، وحينئذ تختلف ملامح المذهب الواحد في بلد ما عنها في بلد آخر تبعًا للظروف الثقافية والسياسية التي سادت في كلا البلدين».
يقول: الحكم إذاً بميلاد المذاهب الفكرية والأدبية حكم يحتمل قدرًا كبيرًا من المرونة. ثم أورد مذهبين أو تفسيرين في هذا، أخذهما عن ترجمات للمؤرخين الغربيين، يقول مثلاً: «على حين يرى البعض وينحو منحى التحديد أنها هذه الكلاسيكية مثلاً استغرقت مئة وأربعين عامًا، تبدأ بعودة الملكية إلى إنجلترا وتولي الملك تشارلز الثاني الحكم عام 1660 بعد سقوط الجمهورية الأولى والأخيرة في تاريخ إنجلترا، وهي الجمهورية التي أقامها أوليفر كرومويل عام 1648 ولم تستمر سوى عشر سنوات حيث سقطت عام 1658».
على حين يرى بعض الباحثين هذا، يذهب آخرون إلى أنها استغرقت القرنين السابع عشر والثامن عشر على الإجمال. طبعًا قوله: "استغرقت 140 عامًا" هو لمن قال إنها استغرقت ذلك، وهؤلاء الذين يربطون التاريخ الأدبي بعين التاريخ السياسي للمؤثرات السياسية؛ مثلًا يقول لك عصر العباسيين كذا، عصر الأمويين كذا، عصر البويهيين كذا، عصر الأندلسيين كذا، فيأتي لك بتاريخ محدد بتولي الحكم أو تولي الملكية أو تولي الخلافات، وهذا غلط؛ لأننا نتكلم عن صبغة أدبية، والصبغة الأدبية تتداخل.
كما قال الدكتور هنا، بعد أن قال يرى البعض أنها استغرقت السابع عشر والثامن عشر على الإجمال، تحدث آخرون عن أنها انتهت في بداية الثلث الأخير من القرن الثامن عشر وهكذا. ثم يقول بعد ذلك: "هذا التفاوت والتحديد الزمني للكلاسيكية الجديدة يعزز رأينا السابق في صعوبة إقامة حدود فاصلة بين الاتجاهات والمذاهب الفكرية"؛ أي أنها تتداخل زمنيًا وتتلاحق فكريًا، فيوجد في زمن واحد من هذا ومن هذا.
ومثلًا في الرومانتيكية والرمزية بعدها، التي هي بداية الحداثة؛ من منكم يعرف الشاعر الغربي الذي ربط بين الرومانتيكية والحداثة؟ من يعرف؟ نصف شعره هنا ونصف شعره هنا. نختبر الإخوة الدراعمة، أين الدراعمة؟ الأحباب الدراعمة، من الشاعر الذي كان جسر الرومانتيكية؟
تي إس إليوت! أحسنت يا محمود، بل هو شارل بودلير. شارل بودلير هو الذي انتقل من الرومانتيكية إلى الرمزية التي صارت عن طريق قصيدته «صخب باريس»، والرمزية التي صارت بعد ذلك أصل الحداثة، وأخذ منه فيرلين ومالارميه وكذلك هذا المجنون رامبو. وإنما قلت المجنون لأن رامبو ليس رمزيًا، بل يصنف سرياليًا، وهناك فرق بين السريالية والرمزية.
أما تي إس إليوت، فهو من المتأثرين بالرمزية متأخرًا في البيئة البريطانية الأمريكية، وهو وصديقه الشاعر المعاصر له عزرا باوند. عزرا باوند وتوماس ستيرنز إليوت، المشهور اختصارًا بـ «تي إس إليوت» -ولا أحب استعمال طريقتهم في الاختصار- يعتبر رمزيًا في بداية ما يعرف بالنقد الأنجلو أمريكي أو النقد الجديد، والرمزية موجودة من قبل بكثير.
آباء الرمزية والحداثة هم شارل بودلير وقصيدته المشهورة «سقف باريس»، وفيرلين، ومالارميه، ورامبو. ولكن حتى تنتبهوا وتتذكروا المعلومة؛ رامبو لا يصنف من آباء الرمزية إلا إذا استعملنا الرمزية بمعنى الحداثة الواسعة، لكن رامبو متطرف إلى السريالية، هو أبو السريالية، كما قالت آن بلكيان في كتابها المرجع المحقق في قضية الرمزية «الرمزية»، حيث تقرر أن رامبو هو أبو السريالية. أما آباء الرمزية الصافية فهم اثنان: مالارميه وفيرلين.
ومن صاحب الشرارة الأولى؟ شارل بودلير؛ هذا الشاعر الذي عاش قطعة في الرومانتيكية وضاقت به، فانتقل. الشاهد هو شاعر واحد قسم بين هذا وهذا، ونفس الشيء سترى عند جوته الألماني؛ سترى نفسك تصنفه مرة كلاسيكيًا ومرة رومانتيكيًا، فهو يذكر هنا ويذكر هنا. فكما قال الدكتور شفيق السيد: «هذه تتداخل زمانيًا وتتلاحق فكريًا».
ثم يقول: «ومهما يكن من أمر، فإن أمر هذا التفاوت في الرأي ليس بذي خطر كبير، كما أن اعتبار القرنين السابع عشر والثامن عشر بعامة مهادًا زمنيًا للكلاسيكية الجديدة أمر مقبول». ثم يقرر أن العقود الثلاثة الأولى من القرن السابع عشر تمثل مرحلة إرهاص بهذا التمهيد للكلاسيكية، والعقود الثلاثة الأخيرة من القرن الثامن عشر تمثل الفترة التي شهدت تحلل الكلاسيكية وانحسار ظلها، لينفسح الطريق أمام اتجاه وليد هو الاتجاه الرومانتيكي «Romantisme».
ثم يقول أمرًا آخر ننتبه إليه في هذا السياق وهو تعدد الأقطار؛ فالأقطار ليست واحدة، وهو سيشرح هذا. يقول: «أمر آخر ننبه إليه في هذا السياق هو تعدد الأقطار الأوروبية التي ساد فيها هذا المذهب، وتجسدت تقاليده وقواعده في أعماله الأدبية، وتبنى نقاده نظريته الأدبية ودعوا إليها». وأهم هذه الأقطار إيطاليا، وفرنسا، وإنجلترا، وألمانيا.
فلم تكن الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية واحدة في تلك الأقطار، بل اختلفت فيما بينها، وترتب على ذلك أن اختلف توقيت ظهور هذا المذهب في كل منها عن الآخر. تخيل مثلًا لو نشرنا المذهب العربي الصحيح في مصر وفي العراق، بينما في لبنان وسوريا وفلسطين ما زالوا يقولون الحداثة، وفي بلاد المغرب لا سيما تونس والمملكة المغربية ما زالوا غارقين في "الحداثوية" لشدة ارتباطهم بالفكر الفرنسي. فنحن في هذا الوقت سترون في أقطار مختلفة في زمان واحد اجتماع المذاهب، وهذا مما يعزز فكرة عدم التحديد.
أنت لو أردت أن تفعل هذا في شاعر واحد سيعسر عليك. نحن نتفق كما قال الأصمعي: «أشعار حسان بن ثابت لنا بعد الإسلام...»
بما لا يعرفون، يقول لك لا والله. حسان بن ثابت صار شعره يرضي الله ورسوله بعد الإسلام. فهو الشعر الأجود؛ اثنين على ستين عينك. الجودة شيء، والعلو والفحل، الفحولة الشعرية شيء، وكونه يرضي الله ورسوله شيء آخر ﷺ.
الأصمعي يقول شعر حسان لانا بعد الإسلام، دخل في الخير فصار محكوما. حسان الشاعر يحتاج إلى الانطلاق والغضب؛ الشاعر يحتاج إلى الانفعال والجلادة النفسية، فيحتاج إلى أن يكون حرا؛ لأن الفكرة تولد في نفسه على شرف المعنى، فإذا أخذ يهذب فيها وينقص منها على غير شرطها وهو شرف المعنى قلل ذلك من شرف المعنى واستهلك من المعنى.
حسان بن ثابت في الجاهلية ما كان عنده ضابط؛ كان إذا حصل شيء ينطلق في الكلام، صدق كذب مش مهم، المهم هو الفت في عضد المخالفين، والفت في عضد الأعداء، والفت في عرض الغريم والخصيم. صحيح غير صحيح، المهم شعري جيد، فينطلق. أما في الإسلام فلا يجوز، أصلاً لا يجوز أن تتناول أعراض القرشيين دون حساب؛ لأن منهم النبي ﷺ. فصار عنده مكابح، فرامل، فلا نشعره بعد الإسلام.
أنت إذا أردت الآن أن تحدد ما لنا من شعر حسان بن ثابت، أو الحد الفاصل الذي حصل فيه لين شعره، ربما لا تهتدي ويعسر عليك ذلك جدا. سيأتي من يخالفك في القصيدة ويقول: لا ليست لينة. ما هو ليس معناه أن كل شعره بعد الإسلام لين، هو خلاص أنا الآن أسلمت، يلا لين يا شعر! هيا لين يا شعر بعد "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله"، هيا أول قصيدة لينة؟ لا غلط، أمور الإنسانية لا تحسب هكذا.
فأنت إذا أردت سترى من الشعر الإسلامي ما هو شديد، سترى بعض القصائد التي قالها بعد الإسلام هكذا، سترى من يخالفك في شدة، وترى نفسك أنت مرة تراها شديدة قوية، ومرة تراها لينة. فالأمر في ذلك صعب جدا، فكيف بمرحلة زمانية مثل هنا؟ قال لك اختلفت فرنسا عن إيطاليا عن إنجلترا عن ألمانيا، واختلف تحديد الزمن؛ لذلك قال مستحيل تحدد الزمن. دعوكم من فكرة الاستسهال في تحديد الزمن، لكن لك أن تقول القرن السابع عشر والثامن عشر كان ظرفا، من بداية الهدوء إلى نهاية المذهب، من بدايته الهادئة إلى نهايته الهادئة؛ أخذ القرن السابع عشر والثامن عشر، هذه الكلاسيكية الجديدة أو "النيو كلاسيسيزم" كما يسمونها.
ثم أقول: انتبه، ولا جدال في أن أرسطو -في الصفحة السابعة- ولا جدال، أنا لا أفوت شيئا من الكتاب يا إخوة من حضر هذه المجالس أو أعد هذا الكتاب بالكامل بحمد الله بزيادة عليه، ولا جدال في أن أرسطو بتنظيره النقدي -أرسطو عارفين أرسطو، المعلم الكبير- ولا جدال في أن أرسطو بتنظيره النقدي هو الجد الأعلى لنظرية الكلاسيكية الجديدة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وأن كتابه «فن الشعر» هو نبعها الأول الذي استقت منه مبادئها. هذا الكتاب يا إخوة، كتاب «فن الشعر» لأرسطو، هو المرجع سواء للذين أفادوا منه أو الذين استقوا منه، سواء في الغرب أو العرب. ولكن العرب لم يستفيدوا منه شيئا ينفعهم وإن ترجموه وكذا، ولكن أقول أفادوا منه على الأقل في مصطلحات الترجمة التي جاءت عند الفارابي وابن سينا واستقرت ذروتها في حازم القرطاجني في «منهاج البلغاء»، منها مصطلح التخييل والمحاكاة، وإن استعمله العرب بغير المعنى الذي استعمل عند أرسطو. نعم، استعمله ابن سينا كما سنعلم بغير الذي استعمله فيه أرسطو.
لكن هذا الكتاب، أرسطو في الشعر، والنسخة التي عندي هي التي حققها مع ترجمة حديثة ودراسة في آخر الكتاب لتأثير هذا الكتاب في البلاغة العربية، الدكتور شكري محمد عياد. وهناك نسخة أخرى غير هذه، لكن هذه طبعة حتى مصورة عن الطبعة القديمة، وأنا أحبها لأنني أحس أنها جميلة، وإن كان البعض يفضل عليها النسخة الأخرى فيما أعرف لكن لم أهتم. هذه من بركات مصر يا إخوة، هذا الكتاب كان قريبا جدا يباع وأظنه ما زال، وثمنه الرسمي لأنه مدعوم من الحكومة المصرية خمسة دولارات، عشرة جنيهات، خمسة دولارات، فإنك لو اشتريته وهديته للطلاب لكان لك الأجر إن شاء الله تعالى.
ولا جدال في أن أرسطو بتنظيره النقدي هو الجد الأعلى لنظرية الكلاسيكية الجديدة، وأن كتابه «فن الشعر» هو نبعها الأول الذي استقت منه مبادئها. وهذا الكتاب يعرف في أوروبا حين عرف، ولم يعرف في أوروبا حين عرف إلا في إيطاليا، حين نشر جورجيو فيلا -أو فالا أو كيف ينطقونها الإيطاليون، طبعاً اللي درس إيطالي يعرف أن النطق لن يكون مضبوطا، لكن تبدو لي فيلا هكذا حتى من الكتابة الإنجليزية- أول ترجمة لاتينية له سنة 1498 في مدينة البندقية، يعني في القرن الخامس عشر.
تعالوا، أنا أريد قبل أن أكمل معكم أثر هذا الكتاب أو رحلة هذا الكتاب، كتاب أرسطو. الدكتور الآن انتبهوا، يتكلم حتى تعرف خطة الكتاب والفوائد أو المعارف. الدكتور شفيق السيد الآن سيتحدث، قال لك: لا جدال في أن أرسطو بتنظيره النقدي هو الجد الأعلى لنظرية الكلاسيكية الجديدة، وأن كتابه «فن الشعر» هو نبعها الأول الذي استقت منه مبادئها. جميل؟ جميل. سيبدأ الآن في رحلة مع هذا الكتاب حتى انتهى إلى الكلاسيكية الجديدة التي استقرت في كتاب والو، واستقرت في كتاب آخر سأعرفه الآن وأعرضه لكم إن شاء الله.
لكن قبل ذلك، أريدك وأنت تدرس رحلة هذا الكتاب أن تعرف شيئا مهما. انتقل معي في نفس النسخة هذه، نسخة مكتبة الآداب. انتقل معي الآن مؤقتا من الصفحة السابعة لأنني أريدك أن تستصحب شيئا وأنت تدرس تاريخه، أن يكون ذلك في بالك. انتقل معي إلى الصفحة التاسعة بعد الثلاثين، تحت عنوان: «وهذا آخر كلام قيل في الفصل الأول الذي هو في الكلاسيكية الجديدة».
فن الشعر لأرسطو في الثقافة العربية، اسمع أول سطر: «عرف العرب كتاب فن الشعر لأرسطو، المصدر الأول للكلاسيكية الجديدة، قبل أن تعرفه أوروبا بخمسة قرون أو تزيد». خذ المفاجأة.
كتاب فن الشعر لأرسطو، يتعامل معه المسلمون في عصر الترجمات والعلوم في العصر العباسي، من القرن الثالث الهجري. يقول: قبل أن تعرفه أوروبا أصلاً بخمسة قرون أو يزيد. هذا ليس كلام منابر ولا كلام وعاظ ولا متعصبين للمسلمين ولا نحن أحسن ناس في الدنيا، هذا كلام تاريخي والترجمات موجودة.
أبغض شيء إلى نفسي أننا نحن الأحسن بإطلاق، ونحن الذين لا لا لا، كلام فارغ. أنا لما أسأل في فن الرواية أقول ليس فناً عربياً. أنا أقول لما أحد يسألني: ألا نستشف أن فن الرواية مأخوذ من رسالة الغفران للمعري وكتب الجاحظ؟ فن الرواية لا علاقة له برسالة الغفران ولا بكلام الجاحظ، فن الرواية فن آخر قائم، فن غربي برع فيه بعض العرب كنجيب محفوظ وغيره، لكنه فن غربي. فأنا لا أتعصب من فراغ.
لكن الآن نعرض حقيقة؛ كتاب أرسطو في فن الشعر عرفه المسلمون والمترجمون العرب في عصر المتنبي. خذ عندك فلاسفة الدولة؛ لأن الفارابي كان يروح، فالمسلمون عرفوا هذا الكتاب وترجموه، وبعد أكثر من خمسة قرون عرفته أوروبا. بدأت الرحلة بعد أكثر من خمسة قرون. لكي تأتي الآن وتقول نريد أن نستفيد من عبقرية أرسطو في الشعر عندنا في عصر حديث، ونستفيد من ثقافة الغرب والإغريق والرومان! المتنبي كان يجلس في المجلس الذي فيه الفارابي، مترجم هذا الكتاب، ومن بعده جاؤوا.
عرف العرب كتاب فن الشعر لأرسطو، المصدر الأول للكلاسيكية الجديدة، قبل أن تعرفه أوروبا بخمسة قرون أو يزيد. فإذا كانت أوروبا قد عرفت هذا الكتاب في ترجمته اللاتينية في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، فتعال إلى معلومة ليست في الكتاب أقولها لك. أوروبا عرفت هذا الكتاب في ترجمته اللاتينية، شرعت في معرفته في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، عام 1498م، الذي قرأناه الآن في الصفحة السابعة.
هذا الكتاب، نرجع للسياق الأول في الفصل الأول، لم يعرف له في أوروبا حين عرف إلا في إيطاليا، حين نشر جورجيو فيلا أول ترجمة لاتينية له سنة 1498 في مدينة البندقية، ثم ظهرت له طبعة يونانية في البندقية أيضاً سنة 1508. نرجع لسياقنا الجديد؛ إذا كانت أوروبا قد عرفت هذا الكتاب في ترجمة جورجيو فيلا في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي عام 1498م، فإن العرب عرفته في أوائل القرن العاشر. يعني أنت داخل في أكثر من خمسة قرون، قربت على ستة قرون.
حازم القرطاجني هو الذي يمثل الآن ذروة الهضم والاستفادة والمراجعة للفن الشعري الأرسطي، وتصحيحه في اتجاه وتوظيفه في اتجاه الفن الشعري العربي. حازم القرطاجني توفي في القرن الثالث عشر ميلادي، بينما العرب عرفوه في القرن العاشر. حازم القرطاجني يمثل ذروة الهضم والاستفادة والمراجعة والتوظيف العربي الصحيح لمصطلحات وأفكار وفلسفات أرسطو. توفي في القرن الثالث عشر، وبعده بقرنين أو أكثر، بدأوا يعرفون كتاب أرسطو في أوروبا، بعد بلوغه الذروة عندنا، أي بعد أن نضج واستقرت الأفكار في نقد عربي صحيح.
بسبب عدم النضج فعلها يونس بن متى، المترجم العباسي النصراني، وسنعرفها الآن حالاً. أنا أريد لكم أن تعرفوا أثر كتاب أرسطو أو موقعه عندنا، ثم نرجع إلى تاريخه هناك، لتعلموا أولاً تاريخه عندنا وكيف كان، ثم نرى أثره هنا، ويعنينا أنفسنا أولاً، وكذلك ليكون منكم على ذكرى أن العرب عرفوا هذا الكتاب قبلهم وقبل كل الرحلة التي قطعوها بأكثر من خمسة قرون. لكن القرطاجني يمثل الذروة، فقد نقل عن الفارابي وابن سينا.
إن العرب عرفوا الكتاب في أوائل القرن العاشر، والمرجح أنه ترجم إلى العربية غير مرة، وربما كان بعضها عن اليونانية مباشرة، انظر إلى تطور ما كان فيه العرب، وهذا ما يعرف بعصر الازدهار العلمي في العهد العباسي. وربما كان بعضها عن اليونانية مباشرة، لكن الذي وصل إلينا منها هو ترجمة متى بن يونس المتوفى سنة 328هـ، وهي عن اللغة السريانية.
وإلى جانب هذه الترجمة كانت هناك تلخيصات وشروح للكتاب قام بها الفلاسفة المسلمون، بعضها لم يصل إلينا لكن في أخبار عنها، مثل تلخيص الكندي الذي يغلب على الظن أنه أقدمها، إذ كان في القرن الثالث الهجري، حتى قبل الرابع الذي كان فيه الازدهار. وتلخيص الفارابي المتوفى عام 339هـ، وهو لم يصل إلينا أيضاً، اللهم إلا إذا اعتبرنا بعض رسائله التي كتبها في الشعر، مثل رسالته في قوانين صناعة الشعر، هي المقصودة بذلك، وحينئذ لا يكون هذا التلخيص قد فُقد ويكون هو الذي بين أيدينا الآن. وجاء ابن سينا الذي ولد في العام 370هـ وتوفي عام 428هـ، ووضع كتاباً سماه فن الشعر. كل هذا وأوروبا في الطراوة.
أوروبا في الطراوة، أوروبا ما تعرفش حاجة. لا تستصغر نفسك، والله الشمس ضربت هنا، هتروح إن شاء الله.
وجاء ابن سينا، المولود عام 370 والمتوفى عام 428، ووضع كتاباً سماه فن الشعر، ألحقه بسفره الكبير الشفاء، واتكأ فيه على تفكير أرسطو، أرسطو الذي لسه أوروبا ما تعرفوش؛ أرسطو أوروبا هتعرفه في القرن الخامس عشر الميلادي.
استعان ابن سينا بترجمة متى بن يونس وبترجمة أخرى غيرها فيما يبدو، فهم وجدوا أنه واضح أنه تأثر بترجمتين، واحدة عرفناها وواحدة لا نعرفها، إذاً هناك ترجمات لا نعرفها، ومزج رؤيته وفكره الخاص بكل ذلك، فجاء الكتاب خليطاً غريباً، سقيم التراكيب، مستغلقاً على الفهم في مواطن كثيرة. الرجل جايب لك ترجمات أرسطو مع فكر عربي، فجاء الكتاب خليطاً، هم بيحاولوا يولدوا منه مع الأدب العربي، فجاء الكتاب خليطاً غريباً سقيم التراكيب مستغلقاً على الفهم في مواطن كثيرة.
ثم جاء ابن رشد، المولود عام 520 والمتوفى عام 590، أي عاش 70 سنة، فعمد إلى تلخيص كتاب أرسطو، وأخرج كتاباً بهذا العنوان، بيد أن لغته أوضح كثيراً من لغة ابن سينا، كما أن تطبيقاته على الشعر العربي حافلة بالشواهد الكثيرة. ومع ذلك، لم يفد النقد العربي شيئاً ذا بال من كل هذه الجهود. النقد العربي فضل في سكته، ملوش علاقة؛ أنت ترجم واعمل لي أرسطو واعمل لي فيها شغل لي أفلاطون وشغل لي أرسطو وشغل لي سقراط، ملناش علاقة، إحنا عندنا امرؤ القيس.
هذه الشمس تضيقكم يا إخوة؟ تؤثر على النظر معكم؟ لا تربك النظر، أنا عندي لا بأس، الشمس هنا لا ترهقني، خفيفة، شمس العصر.
قال: ومع ذلك لم يفد النقد العربي شيئاً ذا بال من كل هذه الجهود، ويرجع ذلك إلى أن أرسطو كان يتحدث عن إبداع أدبي ذي طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة الأدب العربي اختلافاً كبيراً. الآن طلاب الجامعات مبهورين، لك انظر أرسطو ونحن أين؟ أين نحن يا حبيبي؟ أنت لك مكان وهو له مكان، هو جنس أدبي وأنت جنس آخر، أنت ليه مسقط نفسك؟
لما ذهبت إلى اتحاد الأدباء في العراق في النجف، على الرغم من تراثية النجف ومكانتها العظيمة التراثية التي تستتبع الحفاظ على التراث العربي، وجدت هؤلاء منسلخين. لا أقول من الدين من العروبة، هم شتموا العرب في اتحاد الأدباء، لم يفهموا كلامي والكلام مسجل ومنشور، لما جادلتهم لم يفهموا الكلام، وكنت أراهم ينظرون يتأففون، طبعاً هو جاءهم الخبر من الأول، من الذي سيأتي ومن الذين معه، فعرفوا حتى كتبوا بعد ذلك على صفحتهم: «لما وجدناه يدخل ورأينا من حوله عرفنا من الذي شحنه علينا». طبعاً هم يعتبرون التراثيين في النجف أعداءً لهم.
وبمناسبة ذلك، حتى أبرئ هذه المدينة وأبرئ رجالاتها بعد هذه الحادثة في اتحاد أدباء العراق في النجف، جاءتني اتصالات كثيرة من أصحاب مكانات في هذه المدينة أو من خارجها، والتقيت بأسماء كبيرة كذلك فيها، كلهم يعتذرون وكلهم يقولون هذه العبارة: «هذا الاتحاد لا يمثلنا، لا يمثل آدابنا، لا يمثل تراثنا، لا يمثل اتجاهاً، لا يمثل منا شيئاً إطلاقاً». هكذا جميعاً، سواء بالاتصالات أو بالمقابلات بعد أن انتشرت الحادثة التي وقعت في اتحاد الأدباء.
لما تكلمت بكلام لم يفهموه، قال أحدهم: «هو يقول كلاماً وليس فيه علمية»، أنت لم تفهم أصلاً، أنا كلامي كل حرف فيه كان علمياً، أنت الذي لم تفهم، أنا تكلمت بأصول ونظريات، بقواعد الفن وبفلسفته. وهذا يثبت ما نراه من أن العرب ظاهرة صوتية، فخرجت بعدها وقلت: أنا أرفض، وأنا عربي وفي بلد عربي هو العراق، أن يقال إن العرب ظاهرة صوتية. ولو كان العراق غير عربي ما جئت إلى العراق، لماذا أجيء؟ أنا جئت إلى حيث جرير والفرزدق والأخطل، إلى حيث الشعراء والعلماء والقراء والفقهاء والأصوليين واللغويين، جئت إلى حيث الدنيا في العلم العربي.
وأنت تقول إن العرب ظاهرة صوتية، يسب العرب في العراق وفي النجف، حينها كلت لهم الصاع صاعين. وما فتئ في عضدي أنني لست عراقياً، بل رأيت أنني من هذا البلد من هذا القطر أكثر منه، رأيت أنني عراقي وهو ليس عراقياً، رأيته ينسلخ ويتمرد على بلاده وعلى التاريخ الذي أنتسب إليه.
أنا نشأت منذ نعومة أظفاري في الأزهر، لا أسمع إلا الكوفيين والبصريين والبغداديين، أدرس علوم الحديث لا أسمع إلا البغداديين، أدرس العربية من نحو وصرف ولغة لا أرى إلا الكوفيين والبصريين، وأحياناً يذكر البغداديون مذهباً ثالثاً وفيه خلاف هل مذهب ثالث أم مجمع؟ أدرس القراءات، تلقيت القراءات فقرأت القرآن بحفص وشعبة عن عاصم، بروايتي حفص وشعبة عن عاصم، الكوفيين جميعاً، فقلت أنا العراقي ليس هو، ورأيت أنني أنا الذي يدافع عن هذا البلد، وأنه ليس من هذا البلد، وأنه خائن لهذا البلد أن يسب العرب وأدب العرب وتاريخ العرب في هذا البلد.
فما وجدتني مهيض الجناح أنني غريب لا أحمل الجنسية العراقية، أنا عراقي أكثر منه، هو ليس عراقياً أصلاً، ليس عراقياً الذي يقول في العراق العرب ظاهرة صوتية. العراق دون العرب ودون هذا التاريخ ماذا تكون عندنا؟ يقول لك إحنا سومريين، وهناك فينيقيون وهناك فراعنة، ويقول: «أحييك على جمعك بين الفرعونية والفينيقية لأني في أصلي مصري وشامي»، والشوام هناك حضارة قديمة بائدة الفينيقية، وهو في مصر الفرعونية. فأقول: أحييك على جمعك بين الفرعونية والفينيقية، قلت له أنا عربي، أنا عربي، ومن القوم الذين جاء منهم رسول الله ﷺ ونزل فيهم كتابه، كتابه سبحانه وتعالى العزيز المعجز.
أنا عربي وجئت إلى العراق العربي، لم أجئ إلى عراق سومري، جئت إلى العراق العربي، جئت إلى عراق الخلافات، جئت إلى عراق الشعراء، عراق الفقهاء، عراق اللغويين، عراق القراء، عراق النحاة، عراق العلماء. لم آت إلى العراق بمثابة جولة سياحية في الأمم البائدة.
أنا في الأمم البائدة، لما جئت إلى العراق لم آت إليها لأني أعمل سياحة في الأمم البائدة. عادي أنا بروح هنا المتحف المصري في التحرير، عندنا نتفرج على أمم بائدة قديمة جداً من آلاف السنين، عادي ما في مشكلة، بدفع تذكرة وأتفرج على أمم بائدة، عادي. ولما إن شاء الله آتي إلى العراق وأتفرج على أمم بائدة برضه، ما في مشكلة. إنما أنا في الأمة الحية، أمة العرب، في الكتاب العزيز، في الأدب الخالد، إياكم يا إخوة من هذا.
أنظر، ولم أرَ سبحان الله لم أرَ أقبح من حداثة العراق، عجيب! لم أرَ أقبح من حداثة، رأيت حداثة سوريا، رأيت حداثة لبنان، رأيت حداثة مصر، أغلب حداثة مصر غلبان وطيب على الآخر، مصر طيبة في كل حاجة والله. رأيت حداثة مصر، حداثة لبنان، حداثة سوريا، هذا أكثر مكان. حداثة المغرب هذا لم يتكلم أصلاً، لم يقل شيئاً، ومش مفهوم أساساً.
ما رأيت أشد من حداثة العراق كفراً بتاريخه، وكفراً بآدابه، وكفراً بأجداده، وكفراً بقطره الذي هو العالم وسائره الضواحي. تخيل عاصمة الإسلام، القطر العراقي، كفر به. أنا أقولها صريحة: لم أرَ أقبح من حداثة العراق. جمعوا عصبية وجهلاً وقبحاً في العداوة، كل سوأة فيهم.
حداثة العراق، ثم حداثة الشام سوريا، حداثة العراق ثم حداثة الشام، أسوأ ما تجدون على الإطلاق؛ عصبية وجهل وفراغ وغفلة ورعونة وتطاول مع الجهل، وصراحة في العداء. حتى السوري شيك شوية، يلعبك كذا، إنما هذا ما فيش، وسافر العداء جداً، وحاد العداء.
أنا أعرف ويقولون هذا كله نتائج حكم حزب البعث، أعلم أن هذا كله في العراق وفي الشام من آثار حزب البعث. حتى هذه الخطابة التي يخطبون بها، أخبروني أيضاً هذا حزب البعث، تربية حزب، هؤلاء ولدوا وعاشوا في حزب البعث، فلذلك ما زالت آدابهم حزب البعث، شمائلهم وخصالهم في الشعر وفي الإلقاء حزب البعث.
الخطابة، طالما بتخطب وتتأثر، أنت جيد. لكن حقيقةً في العراق رأيت سوءة شديدة جداً، ومباينة جداً للبيئة الأدبية الحقيقية في العراق. أنا طلابي من العراق، طلابي من النجف والحلة وبغداد، هؤلاء أناس آخرون تماماً، لكن الرسمية في يد هؤلاء المفسدين، وهم يبغضون جداً هؤلاء.
كتب أحدهم على الصفحة بعد الحادثة التي وقعت، كتب على الصفحة ثم حذفوه، قالوا لما رأيناه داخلاً ورأينا الذين حوله، علمنا من الذي شحنه علينا. فأنا ضحكت من هذا، قلت أنا شحنتهم؟ هم شحنوني عليكم، أنا شحنتهم عليكم! قالوا هؤلاء شحنوه علينا لأنه جاء مقهراً وجاء هاجماً علينا وكذا. لا حبيبي، أنا عارف أنتم إيه من قبل ما حد يشحني، أنا أعرف من أنتم. فعرفت أنهم يعادون من حولهم شديداً لما قالوا: «لما رأينا من الذين دخلوا معه عرفنا أنهم شحنوه علينا»، فعرفت أنهم بينهم هكذا، وهذا أسعدني شديداً، الحمد لله؛ لأن مثل طلابي والمتأثرين بي لا يكونون في وفاق مع هؤلاء.
اسمعوا، ويرجع ذلك إلى أن أرسطو كان يتحدث عن إبداع أدبي ذي طبيعة تختلف عن طبيعة الأدب العربي اختلافاً كبيراً، هكذا يقول الدكتور درعمي، أكاديمي مصري. فلم تعرف العرب المسرحية بنوعيها. ليس شعراً عندنا هذا، تعرفون موضوع المسرحية، الشعر المسرحي؛ انتبهوا، إياك أن تأتي بشعر مسرحي تقرأه هكذا وتنتظر أن يكون جيداً.
الشعر المسرحي فن، مزيج فنون؛ كلام شعري يقال في عرض، يقال في أداء، في مواقف معينة، لا يمكن أن يكون مستقلاً على فن القول كالقصيدة المستقلة كما تكلم عنها العقاد. العقاد قال لك القصيدة العربية مستقلة بموسيقاها، بمعناها، بفنها، ولهذا جاءت موزونة مقفاة. ولهذا تلاحظون لما أحد يقول لي: «لابد أن تعرف الموقف حتى تعرف القصيدة»، غلط. إذا كان هذا حقاً، لا أعني لابد أن أعرف الموقف حتى أعرف القصيدة، فالقصيدة ناقصة، ليست على تمام فن العرب، فن القول. القصيدة لابد أن تدل بنفسها على نفسها.
الفن المسرحي، مفيش حاجة اسمها أنا أجيب كتاب أقرأ في الفن المسرحي القصيدة مسرحية، مستحيل. لماذا؟ لأن الفن الشعري المسرحي عبارات شعرية تدخل في أحداث لا تتم إلا برؤيتها لأنها تتداخل مع الأداء الحركي. ومثال هذا عندنا في مصر الأستاذ هشام الجخ. رأيت البعض معجباً بما يسمى بالقصيدة التأشيرة، فقالوا لي: ما رأيك في قصيدة التأشيرة؟ قلت لهم: نص مسرحي جيد. قالوا: لا إحنا تأثرنا بالقصيدة، قلت: طيب تفضلوا.
فرغت لهم قصيدة «تأشيرة» لهشام الجخ مكتوبة وقرأتها عليهم وقلت لهم: خذوا اقرأوها. تعجبوا، قالوا: ليست شيئاً، فكيف تأثرنا بها؟ قلت: لأنها فن مسرحي. هشام الجخ يجلس، ووقفت، والناس صفقت هناك لحظة جاءت عليه لم يتكلم فعلاً بعينه فأعطى إشارة بمعنى والنصف فقط، جميل. وأنا أصفق لفن مسرحي لا لشعر، لفن مسرحي لا لشعر، فهمتم؟
أختنا أم بي تقول: «استفضت في ذلك في شرح اللغة الشعرية»، نعم أحسنت، صحيح. فلم تعرف العرب المسرحية بنوعيها اللذين تحدث عنهما أرسطو ولم تعرف الملحمة كذلك. فلما نهض يونس بن متى، الخطأ الذي ارتكبه يونس بن متى فلما نهض يونس بن متى بترجمة الكتاب لم يجد مقابلاً عربياً ملائماً لكلمة التراجيديا إلا كلمة المديح، ولا لكلمة الكوميديا إلا كلمة الهجاء. جعل مكان الكوميديا هجاء، وجعل مكان التراجيديا مديح، يا نهار أسود! هذا ما فعله يونس بن متى. هو برضه مش فنه، مش شاعر، مش ناقد. شوف برضه، مهما كان كنت عالماً لست من أهل هذا الفن ستزل قدمك. يونس بن متى ليس من أهل هذا الفن، فلما نهض يونس بن متى بترجمة الكتاب لم يجد مقابلاً عربياً ملائماً لكلمة التراجيديا إلا كلمة المديح، ولا لكلمة الكوميديا إلا كلمة الهجاء؛ كلمة كوميديا حط هجاء، وكلمة تراجيديا.
ما يجمع في السياق الواحد بين مصطلحي المحاكاة والتشبيه، أو ما اشتق منهما بأسلوب العطف الذي يدل على التفسير، مصيبة أخرى؛ وليس المغايرة بأسلوب العطف الذي يدل على التفسير، وليس المغايرة بما يعني أن المعطوف عليه والمعطوفة شيء واحد، أي أن المقصود بالمحاكاة التشبيه وليس شيئًا آخر.
ثم يتكلم الدكتور عن الخطأ الذي ارتكبه يونس بن متى في نقل الفكر النقدي لأرسطو إلى الشعر العربي، يقول: «وبترجمة المصطلحات الثلاثة السابقة: تراجيديا، كوميديا، المحاكاة». وبالترجمة على النحو المشار إليه، انتقل نمط الشعر الذي كان يتحدث عنه أرسطو ويكتب عنه تنظيرًا نقديًا طبقًا لما كان معروفًا عند اليونانيين القدماء -وهو الفن المسرحي- إلى نمط آخر؛ وهو السائد في محيط الثقافة العربية، وهو الشعر الغنائي الذي يعبر عن عواطف الشاعر وأحاسيسه، ممثلاً في غرضين أساسيين من أغراضه في كتاب يونس بن متى هما المديح والهجاء.
كذلك انتقل مفهوم المحاكاة إلى شيء آخر مختلف، فأصبحت مجرد أداة أسلوبية هي التشبيه. وهذا صحيح، وهذا ما يقوله الدكتور، وهو بعيد كل البعد عما قصده أرسطو من المحاكاة، وتلك كانت نقطة البداية في خطأ معرفة العرب بالفكر النقدي لأرسطو على وجه الإجمال. فالخطأ الأول المجمل في خطأ معرفة النقد العربي بالفكر الأرسطي كان عن طريق الترجمة الفاسدة ليونس بن متى.
قال: «فإذا تأملنا ما جاء في كتابات فلاسفة المسلمين الأوائل الذين أشربوا فكر أرسطو وعرفوا كتابه فن الشعر، وقاموا بتلخيصه أو شرحه أو مزجوا بين الأمرين الذي هو التلخيص والشرح، فإننا نرى الفارابي -المتوفى عام 328- الذي كان معاصرًا لمتى بن يونس مترجم الكتاب وصديقه، قد تردد في حديثه عن الشعر مصطلح التخييل هذا عند الفارابي إضافة إلى المحاكاة، لكنه أعطى لكليهما معنى مختلفًا عما تراه لهما عند أرسطو».
ويمكن القول باختصار إنه تأثر فيهما تأثرًا واضحًا بفكر أرسطو في علم المنطق، وبالتحديد فيما جاء في الفصل الخاص بالعبارة فيما يتعلق بمعيار تمييزه بين الأقاويل المختلفة. ومضى التأثر بمنطق أرسطو في المصطلحين عند ابن سينا خطوة أبعد عما كان له عند الفارابي، وكان لكلام ابن سينا صدى مختلف في فكر عبد القاهر الجرجاني ومن أتى بعده من البلاغيين والنقاد العرب على نحو يطول الكلام فيه ولا يتسع له المقام.
يقول: «عالجت في الحاشية هذا الموضوع؛ كيف أن ابن سينا تأثر به عبد القاهر بعد أن طور مصطلح المحاكاة والتخييل»، وذلك في بحث بعنوان: «المحاكاة والتخييل في الشعر: دراسة في التأثير والتأثر بين بلاغة أرسطو والبلاغة العربية»، نشر في الكتاب الذي صدر في الأردن عام 1957م للدكتور ناصر الدين أسد بعنوان «قطوف دانية»، وقد ضمه مؤخرًا كتابي «فن القول بين البلاغة العربية وأرسطو»، وله كتاب آخر بعنوان «فن القول: مقدمة إلى دراسة البلاغة والنقد».
ويقول أيضًا: «ولمزيد معرفة بتأثير كتاب فن الشعر لأرسطو في البلاغة العربية، انظر الدراسة القيمة المستفيضة التي كتبها الدكتور شكري عياد وألحقها بترجمته للكتاب، وانظر في تحقيق ما قام به الفلاسفة العرب مع هذا الكتاب، الفقرة الرابعة من المقدمة التي كتبها الدكتور عبد الرحمن بدوي». هذه النسخة فيها كل ما ذكره الدكتور شكري محمد عياد، وله دراسة مستفيضة ملحقة بعنوان: «كتاب أرسطو في الشعر: تاريخه في الثقافة العربية»، وهناك كتاب آخر: «كتاب أرسطو في الشعر بين البلاغيين والبلغاء».
وهنا الدكتور يحيل على هذا، يقول: «ولمزيد معرفة بتأثير كتاب فن الشعر لأرسطو في البلاغة العربية، انظر الدراسة القيمة المستفيضة التي كتبها الدكتور شكري عياد وألحقها بترجمته للكتاب، وانظر في تحقيق ما قام به الفلاسفة العرب مع هذا الكتاب، الفقرة الرابعة من المقدمة التي كتبها... في هذا الكتاب أيضًا». هذا الكتاب مهم وموجود يا إخوة في مصر، وفيه هذه البحوث التي ذكرها وأحال إليها في بيان تأثر العرب بكتاب فن الشعر لأرسطو، وطبعًا ابن سينا قطب واضح في هذا، بل يقول: تأثر به عبد القاهر نفسه.
ليس مجال الكلام في المحاكاة والتخييل الآن، فهذا صعب، وأنا بعدكم مباشرة عندي مجلس مع رواد القصيد أصلًا. نرجع إلى سياقنا، يقول: «لا جدال في أن أرسطو بتنظيره النقدي هو الجد الأعلى للنظرية الكلاسيكية الجديدة»، وهذا بعد العرب بخمسة قرون، كل ما سترونه الآن هو بعد العرب، بعد قصة العرب التي حصلت أصلًا. يقول: «وأن كتابه فن الشعر هو نبعها الأول الذي استقت منه مبادئها». يمكن نقول من عند عبد القاهر بدأوا هم، عبد القاهر متأثر، لكن بدأوا هم يتكلمون. قال: «وهذا الكتاب ذكر أنه لم يعرف في أوروبا إلا حين نشر جورجيو فيلا أول ترجمة».
أول ترجمة لاتينية له عام 1498 في مدينة البندقية، يعني في القرن الخامس عشر. قال ومنذ ذلك الحين تعاقب الإيطاليون عليه يتأولون ما غامض من عباراته ويجتهدون في ذلك، ويختلفون فيما بينهم اختلافًا كبيرًا.
وكان على رأس هؤلاء جميعًا روبرتيلو الذي قدم في عام 1548، في القرن السادس عشر، أول شرح لهذا الكتاب في عصر النهضة. وبعده بعامين، أي في سنة 1550، نشر كل من ميتشي وصديقه لومباردي شرحًا مشتركًا له. وبعد ذلك بعقدين، أصدر كاستلفترو شرحًا له عام 1570، ثم توالت الشروح بعد ذلك.
ثم يؤكد هنا أنه بين الإغريق والرومان، يقول: من الحقائق المقررة تاريخيًا أنه على الرغم من أن الرومان هزموا الإغريق في ميدان القتال واحتلوا بلادهم، فإن الإغريق انتصروا في ميدان الثقافة والمعرفة، فظل الرومان عالة عليهم في هذا الجانب يحاكونهم ويستمدون منهم، ولا يكادون يضيفون شيئًا جديدًا. وعلى العكس من ذلك، النظرية الأدبية التي تلقاها الرومان عن أرسطو فقدت أصالتها على أيديهم وآل أمرها إلى التحجر والجمود.
وأوضح ما يكون ذلك لدى الشاعر الروماني هوراس في منظومته الشهيرة "فن الشعر". وهذا الكتاب "هوراتيوس والنقد الأدبي: قصيدة فن الشعر والكتاب الثاني من الرسائل" عندنا مترجم في مصر بالمركز القومي للترجمة والنشر؛ ترجمة وتقديم وتعليق علي عبد التواب، وهذه موجودة، كتاب كبير وليس صغيرًا.
هناك كتابان سيهجر لهما كتاب أرسطو ويعتمد عليهما كتاب هوراس، هذا ولد عام 65 قبل الميلاد وتوفي عام ثمانية قبل الميلاد. وفي منظومته الشهيرة "فن الشعر"، يعد أبرز ممثل لهذا التطور اللاتيني الذي اتخذت فيه النظرية الأدبية القديمة ذلك الشكل المتحجر. كما يعد بالنسبة للكلاسيكية الجديدة أهم نقاد التراث القديم على الإطلاق بعد أرسطو.
فعلى الرغم من أن منظومته المشار إليها من قبل تتنفس في جو أرسطو ومستوحاة في مجملها من كتابه، فإن ثمة فرقًا كبيرًا بينهما؛ فعمل أرسطو يتمثل في ملاحظات حول مفهوم الشعر، وعناصر العمل المسرحي وبخاصة المأساة التي هي التراجيديا، ورسالتها الفنية والملحمة، وبعض الملاحظات السريعة عن الملحمات الكوميدية، مؤيدًا ما يكون بالاستشهاد من روائع ما كتب الشعراء في عصره وقبل عصره وتحليلها، فاكتسبت نظريته أرسطو الحيوية والإيجابية.
في حين أن هوراس عمد في كتابه إلى تقديم طائفة من القواعد المجردة والأوامر والنواهي إلى من يكتبون الشعر واضعًا إياها في قالب نظم، فأضفى إلى ذلك طابع الرتابة والجفاف، كما سلبها الوحدة والتماسك. ويقول الدكتور شفیع -وسأعترض عليه فيما سيأتي-: وهي تذكرنا من بعض الوجوه بتلك المنظومات العلمية التي عرفتها الثقافة العربية في العصور المتأخرة من أمثال ألفية ابن مالك في النحو والبديعيات في البلاغة. والبديعيات منظومات مطولة حرص فيها الناظمون على حشد كل ألوان المحسنات البديعية الكثيرة بتعريفها وشواهدها.
أنا لا أوافق في شأن ألفية ابن مالك، وأوافق في شأن البديعيات؛ أما البديعيات فنعم، لأن طريقة تعلم الأدب لا تكون كذلك بأن تنظم لي في بديعية، وهذه ليست طريقة صحيحة لتعليم البلاغة. أما النحو فالباب مختلف؛ النحو أصلًا قواعد، فلماذا أقحم الشيخ النحو هنا؟ ألفية ابن مالك لا تعد في موقعها الصحيح لأن النحو قواعد، والنحو ليس مجال إبداع، بل مجال الإبداع في استعمال النحو، أما أصول النحو فهي ثابتة، فبقوله الاعتراض على ألفية ابن مالك ليس في مكانه.
ثم نقل كلامًا أو عبارات من كتاب هوراتيوس: «فيا من تكتبون تخيروا موضوعًا يكافئ طاقتكم وتدبروا طويلاً ما تنوء تحته عواطفكم وما تقوى على حمله»، فلو أن رجلًا اختار موضوعه، هكذا كلام مباشر، «ليس بكافٍ أن تكون القصائد جميلة بل ينبغي أن يكون لها سحر فتجتذب شعور السامع أينما شاءت من طبيعة البشر، أنهم يهشون للوجه الضحوك كما أن بكاء الباكين يحز فيهم، فيا تيفيسيوس بيليسيوس إن أنت أردت استدرار دموعي وجب أن تحس بنفسك عضة الألم أولًا وعندئذٍ فقط تحزنني مصائبك، اقتفِ آثار السلف أو فلتَبتكر شيئًا متجانس الأجزاء على المسرحية التي يلح الجمهور في طلبها فيعاد تمثيلها، ألا تتجاوز أو تقل عن خمسة فصول».
وهكذا، ثم يذهب إلى البلاد التي احتضنت هذا الفكر وانتشرت، وذكر فرنسا وكذا، وهذا ما نبدأ به إن شاء الله تعالى في حصتنا القادمة. أنا لا بد أذهب الآن لأنه عندي بعد قليل مجلس في رواد القصيد. شكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد