دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام. أهلاً وسهلاً ومرحباً، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين.

وبعد، أيها الإخوة، أيها الأحباب، هذا أول لقاء لنا في سلسلة شرح الكتب الجامعية التي أضيفت بحمد الله تعالى إلى الأنشطة العلمية والنهضوية بإذن الله تعالى في هذه القناة، والحمد لله رب العالمين. أذكر أيها الإخوة، بما أننا في الدقائق الأولى من هذا المشروع، اسمحوا لي بالاطمئنان إلى سلامة البث، أرجو طمأنتي إلى سلامة البث أيها الإخوة صوتاً وصورة؛ يبدو لي هنا جيداً، يبدو لي هنا جيداً.

جميل، أهلاً حبيبنا أبا كف وكافة الإخوة الفضلاء، رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم، ورفع قدركم، وزادنا وإياكم من الأدب والعلم، آمين. أقول أيها الإخوة تذكيراً بهذا العمل -وأنا أحبكم كذلك رضي الله عنكم- تذكيراً بهذا العمل، إن عقلي وذهني لا يتوقف عن التفكير في الأنشطة التي يمكن أن نضيفها إلى هذا العمل، سواء من خلال اللقاءات الميدانية أو الأسفار، أو من خلال هذه البثوث التي تقدم للناس كلها، ففي الآخر تشترك في كونها وسائل إيصال.

كنت أفكر دائماً: ماذا ينقصنا؟ ماذا نفعل في رفع مستوى العلم ورفع مستوى الوعي والتصحيح؟ فوجدت جانباً هو حاضر عندي، وعلى ذكر وانتباه من قديم، لكن ما تصورت أن أثمره يوماً على حجمه وعلى ما يبذل فيه. لا شك أنني منذ عقد من الزمان أو أكثر من عقد، يتواصل معي الإخوة الأكاديميون، سواء من كانوا من كلية دار العلوم أو من كلية الآداب بجامعة عين شمس، أو كلية اللغة العربية أو الدراسات العربية والإسلامية في هاتين الكليتين في الجامعة الأزهرية. وكثير منهم، سواء كان على مستوى الطلاب أو على مستوى الدارسين في الدراسات العليا (الماجستير أو الدكتوراه)، على تواصل معي دائم بحمد الله تعالى، وبعضهم أتشرف بزيارته في بيتي وفي المحاورة وكذا وكذا يتحاور في قضايا الأدب.

ولكن وجدت الطلاب، بل حتى الأساتذة من الأكاديميين، يشتكون بأن الأمر الحاصل الآن والواقع في جامعاتنا العربية؛ بعضهم حتى كلمني في هذا قال: يا أبا قيس، أنت ربما تجعل الدكتور أو الأستاذ محور القضية كلها، تجعله ربما محور القضية كلها، التصويب يبدأ منه والفساد يبدأ منه، الصواب أو الارتقاء يبدأ منه والخطأ والانحدار يبدأ منه. والحقيقة أن الدكتور نفسه أو الأستاذ الأكاديمي، كانت ما كانت رتبته، هو كذلك على كلامهم خاضع لنظام أعم.

مثلاً يا أبا قيس، هذه الكتب الجميلة، سواء المعاصرة أو النصوص القديمة التي تقرر في الجامعة، لو أنني الآن -قال لي دكتور في مرة- لو أنني الآن أريد أن أشرحها، هل تظن أنني وأنا دكتور، وأنا مثلك في علوم الأدب العربي وكذا، وأنا دكتور معين براتب في الجامعة، هل تظن أنني سأملك أو سأجد الوقت والمساحة لأشرح هذه الكتب للطلاب؟ هكذا يقولون، هل تظن أننا بوصفنا أساتذة سنشرح هذه الكتب للطلاب؟

ولذلك نحن نرى أن النهضة الحقيقية ستكون نهضة أعم من الجامعة، فمن يقول لك لا، العلم في الجامعة ويبدأ من الجامعة وينتهي إلى الجامعة، هذا كلام غير صحيح. وكثير من الكفاءات كانت من خارج الجامعة، وكان هناك نظام في مصر قديماً وهو ما يعرف بتثمين أو تعيين الكفاءات، كان هذا نظاماً ناجحاً في الجامعة جداً.

كان هناك نظام يعرف بنظام الكفاءات، حيث كان مثلاً الأستاذ محمود شاكر لم يتم دراسته الجامعية، والعقاد لم يتم أيضاً هذه الدراسة، ولكن كان يمكن أن يجرى استثناء لبعض الشخصيات أو الكفاءات المؤثرة لتعيينهم في الجامعة. يعني كان يمكن للعقاد أن يعين في علم النقد في الجامعة، ولا شك لمحمود شاكر أن يعين في الجامعة بلا شك وهو ليست معه شهادة جامعية، تعرفون أنه ترك الجامعة، والعقاد دراسته متواضعة جداً، أظن إعدادية وابتدائية شيء من هذا القبيل، ولكن كان يمكن أن يعين في النقد في الجامعة؛ يعني مثلاً ما قاله في مقدماته النقدية وما قاله في كتاب «الديوان»، هذا مادة تدرس جامعياً على الأقل.

فكذلك قضية الدكاترة الموجودين الآن، الدكاترة المعاصرون هم أنفسهم يشتكون، يقولون مثلاً: هذا كتاب «نظرية الأدب» للدكتور الشفيعي السيد، أو كتاب «الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه» للدكتور محمد النويهي، أو كتاب مثلاً «الأدب المقارن» لدرويش، أو كتاب «النقد الأدبي الحديث» لمحمد غنيمي هلال، أو حتى «نظرية الأدب المقارن»؛ هل تظن حتى هذه الكتب المعاصرة التي وضعها دكاترة في الجامعة أنه بوسع أحدنا أن يشرح الكتاب من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة شرحاً مستوفى دقيقاً، وأن يكون الطالب مستوعباً كل ما في الكتاب من أوله إلى آخره على النظام الجامعي في المقررات والاختبارات؟ هذا وهم.

طبعاً أنا كنت أظن هذه الكتب الجامعية تدرس كما هي، فإذا بي بالطلاب والأساتذة يشتكون أنهم لا يستطيعون هم أنفسهم ضمن منظومة أعلى. من أين جاءت هذه القضية الكبيرة جداً؟ ما الذي أضعف الجامعة إلى هذا الحد؟ من الذي في مصلحته أن تندثر هذه الكليات العربية الأدبية، وأن يبقى فقط الحرفية والعملية؟ هذه قضية أخرى كبيرة تخرج عن سياقنا الآن، نحن الآن نتعامل مع واقع بعينه.

فوجدت في الحقيقة أن هذه المرحلة الجامعية عند الطلاب هي مرحلة مفروضة على كل حال، والطالب سيدرس على كل حال، ويذهب إلى الجامعة ويمتلك الكتاب ويتناول طرفاً منه على كل حال، فقلت في حديث النفس: ماذا لو قدمنا شروحاً على هذه الكتب، ولو من باب الإعانة على منهج مفروض على الأكاديميين وعلى الطلاب؟ لا سيما وأنا على صلة ببعض الدكاترة...

الأكاديميون في جامعة الأزهر الذين صرحوا لي، قالوا نحن في الدراسات العليا حتى نحيل الطلاب إلى بعض سلاسلك وشروحك وكذا وكذا، ودكاترة ليسوا من الشباب، هذا دكتور كبير في السن قال: أحيلهم إلى شروحك وقناتك ليستزيدوا منها، وليحرروا مسألة معينة أو شرحًا معينًا.

فقلت: ماذا إذا كان الأستاذ الأكاديمي يشتكي من هيمنة خارجية لا تسمح له بأن يتحرك؟ حتى إنه صار هو يشتكي يقول: إننا نتحمل كل التبعات، والناس تظن أننا المتحكمون والمسيطرون، والحقيقة أننا ضمن منظومة. فماذا لو أزجي ذلك بدراسة من الخارج، ورفد من الخارج بما أنهم على كل حال يستمعون؟ والطلاب في الدراسات وغيرها يتابعون ويحضرون ويتواصلون، فماذا لو أعناهم في منهجهم الجامعي؟ ألا يؤدي ذلك إلى أن يكون الجيل الآتي، الذي هو مفروض عليه الدراسة وسيدرس بكل حال وسيتخرج من الجامعة، سيكون كذا؟

السؤال: ألا يؤثر ذلك في مستوى ذلك الطالب الآتي؟ هذا الطالب الذي سيكون أستاذًا آتيًا في الجامعة، إذا درس هذه الكتب وهذه المناهج -على الأقل أو بعضها- درسها دراسة تفصيلية كاملة، ألا يرفع ذلك من مستوى الصف الآتي من هؤلاء الدارسين؟ بلى، يرفع ذلك من مستواه.

فقررت في ذلك أن أبدأ في جمع بعض الكتب الأكاديمية، والتي اشترط أن أكون أنا قد درستها. درست كتبًا أكاديمية كثيرة في هذه الدراسات الحرة، سواء في نظرية الأدب أو في الأدب المقارن أو في كذا وكذا، فأقول أشرح بعض هذه الكتب، وأقدم نوعًا من الإرفاد في هذا النشاط، ويكون تأصيلًا لهذه المناهج التي ما زالت بقي فيها شيء من الموضوعية والتخطيط السليم، وإن كانت تأثرت شديدًا بآفات الإدارة وآفات الاختزال وآفات الاختصار وآفات التساهل وعدم الرقابة التي نعرفها جميعًا في كل جامعاتنا بلا استثناء.

حتى إنني وجدت بعض من تخرج من كليات عربية، وهو بعد ذلك يقول لك: أنا في حاجة إلى أن أسبك علم النحو مثلاً أو علم الصرف عن طريق متن متصل كالأجرومية ومتن البناء أو التصريف العزي ونحو ذلك. طب وأنت ماذا كنت تفعل طيلة هذه السنوات؟ فأقول لك: دراسات مفرقة هنا وهنا وهنا. فلذلك هذا نوع -إن شاء الله تعالى- من الإصلاح وإن كان جزئيًا.

نعم، هذه محاضرات أيها الإخوة، ستكون أكاديمية خفيفة بقدر الإمكان، لن أتوغل فيها ولن أشق المسائل كما أشقها في بعض المجالس، لأنني أريد أن يفيد منها الطالب الجامعي العادي؛ فبعضهم فقط يريد أن يكون محصلًا لمادة الجامعة، سيكون له نصيب في ذلك معنا إن شاء الله تعالى. لا أملك إلا أن أبين وأشق عن بعض المواضع كما سيتبين لنا، لكن سيبدو الحد الذي يقف عنده في دراسته، ويبدو بعد ذلك ما هو زائد عليه، بل سيكون راغبًا -بفضل ما سيصل إليه من لذة الفهم وما يحصله من ذلك- سيكون راغبًا إن شاء الله تعالى في أن يفرع عليه ما هو زيادة على منهج الجامعة، وهو ما سترون بعضه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

أحاول بقدر الإمكان ألا أطيل في الشرح عن الساعة ونصف، بإذن الله من ساعة إلى ساعة ونصف يكون الشرح سهلاً مباشرًا، ليس فيه بحث فيما وراء المسألة إلا إذا اطمأننت إلى ثبات المسألة ووضوحها، فأرفدها بعد ذلك بشيء من الفائدة الزائدة التي سيتطلع إليها المستفيد غالبًا رغبة في لذة العلم إن شاء الله.

بدأت بهذا الكتاب في الحقيقة لأهميته الشديدة، كتاب نظرية الأدب للدكتور شفيع السيد رحمه الله. أما الكتاب، فنظرية الأدب فهو رائق جميل، وإن كان ليس مرجعًا في بابه، ليس المرجع طبعًا؛ فهناك مراجع أخرى، هناك كتاب نظرية الأدب لـ «ليك وأوستن» سيتحدث عنه الأستاذ هنا إن شاء الله في المقدمة. وهذا الكتاب من الكتب التي درستها قديمًا وأنهيتها دراسة لها، وهو كتاب يؤسس لنظرية النقد الحديث.

ميزة هذا الكتاب يا إخوة، هي ميزة كل كتب الدكتور شفيع السيد رحمه الله. الدكتور شفيع السيد رحمه الله دكتور في كلية دار العلوم، وهو والد الدكتور الفاضل رحمه الله، فقد توفي شابًا وهو الدكتور أسامة شفيع السيد رحمهما الله جميعًا؛ رجلان نبيلان، نظيفا المعدن، طيبا السريرة، ورجلان من أهل العلم، تختلف معهما أو تتفق أنت، في الآخر تتعامل مع اثنين من أهل العلم، وهذا حسبك. وهذا حسبك أن تتعامل مع واحد من أهل العلم، لا تتعامل مع مشغبين، لا تتعامل مع أهل الخفة والبذاء واللسان الطويل، لا تتعاملوا مع الهوائيين المتعصبين إلى جهات دون تبصر ودون وقوف على أرض صلبة من علم. لكنهما رجلان باحثان هادئا النفس، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم وجزاهم الله تعالى خيرًا، ووصيتي لطلابهما أن يكثر من الدعاء لهما والترحم عليهما.

أقول: هذه المزية لهذا الكتاب هي مزية كل كتب الدكتور شفيع السيد تقريبًا. الدكتور شفيع السيد رجل مفيد جدًا للطلاب في التقعيد الأساسي في كل الفروع؛ فتراه يصنع مدخلًا في كل شيء: مدخل في النظرية، نظرية الأدب والمدارس النقدية الحديثة، ويصنع لك مدخلًا في فن القول، ويصنع لك مدخلًا في الأدب المقارن، ويصنع لك مدخلًا في الأسلوبية، ويصنع لك مدخلًا في البلاغة وهكذا.

وترى كتبه -وأنا نصحت الطلاب بكتبه من قبل مرارًا- مفيدة في هذه المداخل، حتى إنك يمكن أن تظل تقرأ له لمدة طويلة وأنت لا تعرف ما تخصصه. وأنا شخصيًا ربما عرفته ونسيت ما تخصصه الأصلي في أي باب يشتغل، لأنني وجدت أن أبرز ما عنده هو أنه يقدم للطلاب قاعدة صحيحة جميلة من التصور، ويحاول فيها النفس الأكاديمية في أن يحيد، تراه يحاول أن يعرض الأمر كما هو، يمكن في الأخير أن تستشف مذهب القائل، مثل الدكتور أبي الأنوار الذي ألف كتاب الحوار الأدبي حول الشعر الذي أصله معركة الشعر؛ ستراه في ذكر معركة شوقي والعقاد، ستشم منه رائحة الميل إلى العقاد، ستعرف أنه...

العقاد، مع أنه أراد أن يعرض التاريخ كما هو، كذلك دكتور شفيعي السيد، يبدو في مذاهبه وهو مثلا يتكلم يعرض مذهب الدكتور محمود الربيعي ومصطفى ناصف. ويتحدث عن هذه الجهة التي ورثت "تي إس إليوت" اختصارًا، ورثت "تي إس إليوت" في المذهب الجديد، طبعًا ورثه الدكتور مصطفى ناصر -رحمه الله وتوفي- والدكتور محمود الربيعي ما زال حيا، أظنه في العقد التاسع من عمره، في التسعين أو جاوزها، ما زال حيا حفظه الله تعالى وأطال عمره في الخير، آمين.

تراه بعد ذلك لم يستطع أن يعرض ما عندهما دون أن يعلق على قضية الإغراق في النص بعيدًا عن ثقافة النص، أو بعيدًا عن حياة الشاعر، نوعًا مما يؤثر في معاني النص، أراد أن يلمح إلى ذلك ولمح، إلى تناقض العقاد الذي صرح مرة بأن: «لا نريد حياة الشاعر»، يعني حياته الفعلية، وإنما نقصد حياته من جهة تبعية ومن جهة كذا. قال: ما هو؟ قال: ابن الرومي حياته من شعره، ونقل له نصوصًا، فأشار إلى تناقض العقاد. والباحث لا يملك إلا أن يظهر مذهبه واتجاهه.

فالدكتور شفيعي السيد -رحمه الله- رجل مفيد جدا في هذا النوع من العرض، ربما كان أحسن أن أجمع لكم كتبه في هذا، عندي كتبه كلها تقريبًا وأريكم ما ألفه في هذا، كتبه مفيدة. ورجوت لو أن طالب الجامعة -وهي كتب جامعية وهذا كتاب جامعي- درس الكتاب الذي يقرر عليه كاملًا، لا أن أرى صفحات ثم ملغى مكتوب ملغى، أو يدبس أو يقطم أو يقضم الصفحة أو الصفحات والملازم هكذا لأنها ليست مقررة ويهمه فقط ما هو مقرر. رجوت لو درسوا كتبه بالكامل، هو والدكتور محمد غنيمي هلال والدكتور محمد النويهي.

طبعًا البعض يعجب الآن يقول: هذه أسماء أنت ذكرتها في معرض نقد! أقول: النقد شيء والاستدراك شيء، وأن تتكلم عن الوحدة العلمية للرجل والإنسان شيء آخر. اختلفت مع العقاد وأقر بعلمه وأقر بذكائه وأنه ليس كما يقول البعض جاهلًا، وكان جاهلًا في الهجوم على شوقي؟ لم يكن جاهلًا، لا تقل هذا عيب، لم يكن جاهلًا.

انتقدت الدكتور محمد النويهي في إغراقه المتطرف الرومانتيكي، لا سيما في كتابه «ثقافة الناقد»، ومع ذلك أقول الرجل عالم وعنده ما يؤخذ منه الكثير، مثلًا من كتابه في الإجراءات، على الأقل «الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه» في مجلدين، وهو بالمناسبة هذا الكتاب مقرر على طلبة الدراسات العليا في دار العلوم كذلك.

انتقدت أيضًا الدكتور عبد الله الطيب السوداني، البروفيسور عبد الله الطيب، ومع ذلك أقول كتابه «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها» من أثمن الكتب التي تعرف فيها على الأقل قيمة الوزن وثقافة الوزن وفلسفة الوزن والقافية في القصيدة العربية، كتاب رهيب رائع خطير، فيه ما ليس في غيره، ولا يمكن لمعاصر أن يتخصص في الشعر دون أن يمر على هذا الكتاب، كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها» للدكتور عبد الله الطيب. لكن في فصول كثيرة منه ظهر فيه الضعف صراحة؛ لما تكلم عن بناء القصيدة وكيفيتها ظهر هنا روحه الرومانتيكية الحسينية، طه حسين، ظهر هنا هذا الحس، وهنا ترى فلسفة النقاء بدأت تذهب، فلسفة العلم وكذا خفت، وترى الكلام في الرمزية وكذا وكذا على طريقة معينة.

وكذلك الدكتور محمد النويهي، يحدثك في الإجراءات في التطبيقات في كتابه «الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه»، ومع ذلك أنت ترى فيه فوائد كبيرة جدًا، ومع ذلك أول ما يتكلم عن فلسفة الشعر وكيف يتكلم وما الذي حصل، ترى الكلام يهبط، وهكذا يا إخوة، أهل العلم جملة لا يترك كلامهم ولا علمهم.

نرجع إلى هذا الكتاب أيها الإخوة، هذا الكتاب يتحدث عن نظرية الأدب، يقول: «دراسة في المدارس النقدية الحديثة»، وتراه في أول الكتاب يصرح ويقول لك: النقد الأدبي الحديث بدأ من الرومانتيكية، ولكن لأن الرومانتيكية جاءت منقلبة على مذهب ما كان موجودًا قبلها وهو الكلاسيكية، كلاسيكية القرن السابع عشر والثامن عشر، كلاسيكية بوالو، أو الكلاسيكية الحديثة. قال: لابد أن نبين أولًا الكلاسيكية الحديثة، فأجمل فصلًا في الكلاسيكية الحديثة، كلاسيكية بوالو، ثم انتقل إلى تفصيل النظرية التعبيرية عند الرومانتيكية.

فأنت تقف هنا وقفة وتسأل نفسك تقول: لماذا؟ من أين جاء هذا؟ أين العرب إذا كان الكتاب إذا أطلق نظرية الأدب فيبدأ من الرومانتيكية الأوروبية المنقلبة كذلك على الكلاسيكية الغربية الأوروبية كذلك، وننطلق من الكلاسيك من الرومانتيكية إلى المذاهب اللسانية والحداثة الأوروبية أيضًا ومذهب النقد الجديد الأوروبي أيضًا ومدرسة براغ وكذا والبنيوية إلى آخره، فكل هذا أوروبي. أين العرب من هذا؟ أين العرب من هذا؟ هنا لابد أن أقف هذه الوقفة أيها الإخوة وأبين، لأن النفس الجامعية لا تبين هذا.

وأنت يا أبا قيسي، يعني أنت ستشرح كتابًا جامعيًا، لماذا تقول هذا؟ لا، ما هو أنا لما أشرح كتابًا جامعيًا وأرى أنني أضرك وترى أن نظرية الأدب هي غربية ولا يوجد نظرية أدب عربية ولا أبين لك، أنت ينطبع في ذهنك أن العرب لا وجود لهم في هذا، فهل العرب ليس عندهم نظرية أدبية؟ نظرية العرب أرسخ نظرية أدبية، ولكن ما القضية؟ لماذا ندرس الأدب "دراسة في المدارس النقدية الحديثة"؟ لماذا ليس عند العرب دراسة نقدية حديثة؟

طبعًا الآن أنا أكلمكم في شيء أنا غارق فيه منذ سنين، أولًا أيها الإخوة هناك شيء لابد أن تفهموه في هذه النظريات، هذه النظريات التي هنا صارت الآن هي نفسها قديمة، لماذا يا إخوة؟ نظرية الأدب عند الأوروبيين أو عند الغربيين تتبع التحولات الاجتماعية عند الغربي. مرة أخرى عندنا شيئان: عندنا نظرية الأدب والمذهب الأدبي، وعندنا نظرية المجتمع والمذهب الاجتماعي. فعند الغربيين الثقل هو للمذهب الاجتماعي، وأما نظرية الأدب فهي شيء مما يدور في المذهب الاجتماعي.

ولذلك ترى قطعًا إرهاصات الرومانتيكية في الثورة الفرنسية، وإرهاصات الثورة الفرنسية في الرومانتيكية، ترون البدايات الرومانتيكية إرهاصات للثورة الفرنسية، والثورة الفرنسية تراها بعد ذلك إمدادًا وارفدًا للاتجاه الرومانتيكي، وترى المذاهب التي تتقلب باجتماعاتها. لما ترى في الكلاسيكية -كل هذا تدرسونه إن شاء الله لكن فقط هذا تمثيل لإيضاح الفكرة- لما ترى في المذاهب الرومانسية المذهب الكلاسيكي أو الكلاسيكية الحديثة، كلاسيكيات بوالو -وأقول كلاسيكيات بوالو لأن المرجع...

فيها كتاب الشعر لأرسطو، وهو منظوم في أربع منظومات لأنها توازي كتاب الشاعر عند الكلاسيكية القديمة. ترون في هذا المذهب يفرضون عليك إشكالا، وقبل الإشكال يفرضون عليك مذهبا في القول في الموضوعات؛ خلاص، وعلى الشاعر أن يكون كذا، وأنه يفعل كذا وكذا.

فترون بعد ذلك رد الفعل العنيف عند الرومانتيكية فيما يعرف بالذاتية، وربط الشعر بحياة الشاعر والمعاني الشخصية والقصص، وتبحث فلان حياته وشعره. أنت عندك فضول على حياة الشاعر عن طريق شعره، فإنت تعجب هذا الاتجاه الذي ما زال سائدا الآن، أين في الشارع العربي؟ الشارع العربي بالمناسبة، والشارع الخليجي، على هذا المذهب. الشاعر المصري والشارع المصري، والشارع الشامي، والشارع الخليجي؛ هذه الأقطاب الثلاثة على هذا المذهب الرومانتيكي: الشاعر وحياة شعره والواقع والقصة، وأول ما تذكر له كذا كذا خلاص.

حتى إن بعضهم -وأذكر هذا جيدا لأنني أنظر في هذا بعين الفحص- لما سمع بيت الشاعر بدر بن عبدالمحسن يقول: فإن أنسى لا أنسى على الخيف وقفتي .. وجيبي مقدود ورأسي حاسر الصورة الشعرية والتركيب باهر جدا: فإن أنسى لا أنسى على الخيف وقفتي .. وجيبي مقدود ورأسي حاسر عشية قد مال فأجمعت للنواجح .. أو فازمعت للنوى جحافل شوق عزرتها شواجر

أذكر أن أحدهم، وهو من المتأثرين بالمذاهب الرومانتيكية، كان من بلاد المغرب، الجزائر فيما أظن، والجزائر طبعا هذه البلاد إما حداثية وإما رومانتيكية تماما لأن تسميعها من فرنسا مباشرة، وكذلك الثقافة الرئيسة في الشام من فرنسا. فاذكر أنه قال لي مباشرة: «والله يا أخي أول ما قال: وجيبي مقدود ورأسي حاسر، أنا صدت عن الشعر وخلاص وانصرفت؛ لأنها صورة غير عصرية، لقد فصلني عن الحياة». إذن أنت لا تبحث عن البيان، تبحث عن الحياة. هذا مذهب انقلب على كلاسيكية كانت تفرض أخلاقيات في الشعر، وتفرض مذاهب في الكلام.

فاذا لابد أن تفهموا المذهب، وأنا أجمل لكم ذلك إن شاء الله؛ المذهب الاجتماعي هو القطب عندهم، والمذهب الأدبي خفيف لأن الوحدة اللغوية عندهم خفيفة.

والعرب لو رجعت إلى العرب سترى أنهم اختلفوا اختلافات عجيبة، وانقلبوا انقلابات اجتماعية رهيبة. مجيء الإسلام كان فيضانا، كانت هناك الجاهلية، ثم جاء الإسلام فيضان كاسح.

أقول لو نظرت إلى العرب سترى أن قطب الاجتماع ينفصل عن القطب اللغوي والأدبي، والقطب اللغوي والأدبي من القوة والاستقرار والثقل بحيث لا ينجذب إلى القطب الاجتماعي، والقطب الاجتماعي يعمل وحده بعيدا عن القطب اللغوي. ترى الجاهلية الوثنية الكبيرة، والوثنية مذهب ساذج جدا، تستطيع أن تقول مجتمع وثني يشبه مجتمع ملحد؛ ما في مجال. لذلك العرب لم تهتم، كان هناك الوثني وكان هناك الحنيف الموحد كزيد بن عمرو بن نفيل كان في قلب مكة في الوثنية، وكان هناك النصارى بنو تغلب وبنو طيء وكثيرون جدا، وكان هناك اليهود، ولم تكن تقوم حروب على مذهب الدين لأن الدين غير موجود، حتى ذكر بعض المؤرخين المحدثين وهم يدرسون هذا: هل كانت القبيلة الفلانية مثلا، هل كان امرؤ القيس وكندة على النصرانية؟ هل كان طيء على النصرانية؟ هل كانت بنو تغلب نصرانية حقيقية أصلا أو طيء؟ فقالوا إن الدين كان عندهم يتبع المذاهب، والسلطان والدين غير ظاهر عندهم لا في حكم ولا في شريعة، عندهم أعراف عربية يتعاملون بها، فالدين وجوده شكلي جدا، فالدين كله كلا دين، لا وجود له في المجتمع.

ولذلك هم لم يريدوا من النبي ﷺ إلا أن يكون موحدا، المشكلة أن أصحابه نزعوا يد الطاعة وصاروا يريدون حكما غير الحكم، وصار المجتمع غير الديني هدفا لهم، هم لابد أن ينشروا الدين، وصاروا ينزعون يد الطاعة: «لا طاعة لكم، لا حكم»، انتهى، «إنما الحكم لله»، فصار هذا هو المطلوب، فلذلك حاربوه، وإلا فقد ذهبوا إلى النبي ﷺ عرضوا عليه كل المال وكل الحكم والسلطان، ليس لكي يعتقد، لكن لكي لا يؤثر. فالدين لم يكن له وجود في مجتمع وثني جاف من دين، ولهذا لا يرد السؤال الذي يطرحه البعض مشككا في الشعر الجاهلي: لما يقول يا أستاذ أين الدين في قصائدهم؟ هو أين الدين في حياتهم أصلا؟ أين الدين في حياة رجل لا نعرف إذا كان نصرانيا أو وثنيا؟ ترى من يشهر عنه وعن قبيلته النصرانية يستقسم بالأزلام، ومن يعرف عنه عن قبيلته جزما النصرانية يعظم الأصنام.

جاء الإسلام فيضانا كاسحا، أزال بعد فتح مكة، ما في جزيرة العرب دانت وخضعت، انتهى، وظلت القصيدة كما هي. لماذا لم يحتاجوا إلى تغيير؟ لماذا لم يحتاج إلى تطوير ليناسب المعاني الجديدة والروح الجديدة؟ ولا لها دعوة، القصيدة الموزونة المقفاة كما هي. ذهب صدر الإسلام وجاءت الدولة الأموية بفتوحاتها وبدخول الفرس في الإسلام، واتسعت الدولة الأموية، ثم جاءت الدولة العباسية واتسعت ثقافيا وعلميا، والدنيا انفتحت في الدولة العباسية؛ شيء فرس وشيء يونان والتراجم، وزيطة ثقافات وانفتحت على العرب والمسلمين حتى أغلقوا باب الاستشهاد في العربية، صارت العجمية داخلة معنا وبدأ تدوين العلوم خشية الذهاب، ترجموا كتاب أرسطو في الشعر، وبدأت طريقة فلسفة النقد التي انتهت إلى حازم القرطاجني وابن سينا والفارابي.

خربت، والقصيدة كما هي، كل من أراد أن يقول على نفس الوزن والقافية، أين التطوير؟ أين إيعاب المذهب الجديد؟ حتى هناك شيء غريب، لو قلنا قضية الحرية الفكرية، انتشرت الزندقة والكفر حتى إن من طعن في الدين طعن بنفس القصيدة الموروثة من...

الجاهلية، صح، هناك هذه الشواهد، هناك أمور لابد أن توضح أين نظرية الأدب العربية موجودة. هناك تقلبات اجتماعية لم يشهد التاريخ مثلها، حتى الغربيون يقولون هذا لما يتكلمون عن رجل مغير مؤثر اسمه محمد ﷺ، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا الأعظم محمد وعلى آله وصحبه. لما يتكلمون عن مؤثر اسمه محمد بن عبد الله الذي خرج في مكة في بيئة بدوية وبيئة صحراوية، يحكون عن هذا الرجل، يحكون عن تاريخه وتأثيره بأنه أثر بما لم يؤثر به إنسان على وجه الأرض.

وظلت القصيدة كما هي، لماذا لم يغيروها؟ لأن كان لها ثقل موجود. سأتحدث عن سببه الآن. أنا أكلمك للأسف بما لا أعرف أن أكاديميا أو شارحا يقوله وهو يشرح نظريات الأدب الحديث: وأين نظرية العرب؟ لماذا لم يكن عند العرب هذا الكلام؟ فتحوا البلاد، انفتحوا علميا وثقافيا، كان هناك من الجرأة حتى على وجود الكفار والزنادقة بينهم، وبعضهم محسوب في العلماء، ابن الرواندي كان ماذا؟ خلاص، كانوا محسوبين في العلماء، وظهر الفلاسفة وظهر كذا، وبعضهم شاعر وبعضهم ينظم وبعضهم حتى فكانت هناك حرية وانفتاح ثقافي.

حتى الذين ارتدوا وانقلبوا على الدين قالوه على القصيدة، والذين مجنوا كأبي نواس وصاروا يمجدون الخمر وصاروا يفحشون في القول ويذكرون الفروج في أشعارهم، هذا أبو نواس، ويمجدون الخمور ويستفزون رجال الدين ويأتون بعبارات ظاهرها الكفر، كانوا يفعلونه على القصيدة العربية. لم يقل أحد على طول التاريخ الإسلامي إن القصيدة ضاقت علينا ونريد تحريرها من الوزن والقافية ونريد ألفاظا جديدة وكلمات تواكب الانفتاح العلمي الذي لم يشهد مثله التاريخ ولن يشهد مثله التاريخ.

الأندلس اتفتحت، الأندلس وصار فيها خلافات وصارت فيها طوائف، وصار فيها من العرب الأمويين والقرشيين المخزوميين كأبي زيدون، وصار الشعر يقال ويغنى في الأندلس، وظلت القصيدة. أضحى التنائي بديلا من تدانينا ؛ وناب عن طيب لقيانا تجافينا. وقد حان صبح البين صبحنا ؛ حين قام بنا للحين داعين. من مبلغ الملبسين بانتزاحهم ؛ حزنا من الدهر لا يبلى ويبلينا. إن الزمان الذي ما زال يضحكنا ؛ أنسا بقربهم قد عاد يبكينا. بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ؛ شوقا إليكم ولا جفت مآقينا.

ظلت القصيدة هكذا. كم بين هذه القصيدة وبين القرون قبل الإسلام في الجاهلية؟ كم كما بينك الآن وبين الأندلس؟ سنين وما عندك أنت الآن من الانفتاح والتوسع صفر تقريبا. الانفتاح والتوسع في المذاهب الإنسانية والروح والتعبير صفر. يعني ما بين الأندلس إلى الجاهلية مرورا بالعباسية والإسلامية، لا تحلم بعشرة من التغير. من جاهلية في شبه الجزيرة العربية إلى الدولة الأندلسية التي هي أصل الحضارة الأوروبية الآن التي أنت مبهور بها، الأندلس فيها حضارة وفيها نعيم ورغد عيش لا تحلم بعشرة. لا تفرح أنك تطلب الأكل ويأتيك "أوردر" ولا يأتيك بطائرة، ولا تنسى الرفاهة الإنسانية التي كانت في الاحترام الذاتي الإنساني والحضارة الإنسانية في عهد الأندلس، لا تحلم بها أنت الآن. وما بينهم وبين الجاهلية أضعاف مما بينك وبينهم.

بهذا الاعتبار، ولم تدق عليهم القصيدة، لم يقربوها وظل الأمر كذلك إلى وقت قالت فيه العرب نريد أن نتوسع وأن نحرر أنفسنا من ضيق القصيدة العربية الكلاسيكية، وأن نتحرر من الوزن والقافية ونتوسع في اللغة لنعبر عن كذا. وكان هذا الوقت هو الوقت الذي تنسخ فيه الأمة العربية الأمة الأوروبية تنسخها، والحقيقة أنه لم تحتج الأمة العربية إلى تغيير شيء في نظريتها الأدبية.

السؤال الآن: لماذا؟ الجواب يرجع إلى طبيعة اللغة عند العرب وطبيعة اللغة عند غير العرب. اللغة والأدب عند غير العرب تابع للمذهب الاجتماعي، ركزوا معي يا إخوة، دعكم من الكلام، اللغة والأدب عند غير العرب تابع للمذهب الاجتماعي. أما اللغة عند العرب، فهي قائمة بذاتها؛ لأنها بلغت من حملها للخصائص ما جعلها مستقلة بذاتها، ولم تدق على أي قول، ولم تدق على مذهب، ولم تدق على تخييل شعري في أي زمان وأي مكان كان.

ولهذا لم تدق على الجاهلي، لم تدق على المخضرم الذي شهد عصرين واختلف، لم تدق على الإسلامي في صدر الإسلام، لم تدق على الأموي الذي توسع في البلاد، لم تدق على العباسي بعصوره المختلفة التي يقسمونها ويختلفون في مذاهبها، لم تدق على الأندلسي، لم تدق على كل الإمارات والأزمان، لم تدق حتى ضاقت علينا نحن في القرن العشرين الأول بعد القرن العشرين ونحن نتبع الغرب ونحن منهزمون، ولهذا جئنا بهذا الخرف الذي تضحكون منه الآن.

السبب في ذلك هو التالي: النظرية عند العرب أيها الإخوة هي نظرية واحدة. قد يغضب البعض، النظرية عند العرب نظرية واحدة وهي ما تعرف بنظرية النظم. هذه النظرية خسرنا شديدا من عدم تثميرها الآن لأنها كانت وما زالت قابلة للتفريع في الإجراءات والأدوات، حتى إنها استفاد منها بعض اللسانيين في أوروبا في الدراسات الأخيرة. وطبعا التوسع في هذا يخرج بنا عن مقصودنا، لكن لو أردت أن أدرس لكم تفصيلا تأثر المذاهب الأوروبية أو اتخاذ إجراءات وأفكار وفلسفة من نظرية عبد القاهر في المذاهب الأوروبية الحديثة الآن، لكانت لذلك مجالس، ربما مجلسين أو ثلاثة مجالس حتى أبين لكم فقط بالوثائق هذا الأمر.

فهي نظرية واحدة. لماذا أيها الإخوة؟ اللغة عند العرب بلغت حدا من الاستقلال والانحياز لنفسها بحيث صارت لا تتبع المذهب الاجتماعي، لأنها صارت لغة قائمة في نفسها بيانا لا موضوعا. يعني ماذا؟ بيان لا موضوعا. العرب لا تقول للشاعر أنت لست شاعرا لأنك لم تقل في الموضوع الفلاني كما يفعلون الآن. الشاعر هو الشريف، الشاعر الذي لا يمدح الحكام، الشاعر الذي لا يتكسب بشعره. لا، ممكن واحد يتكسب بالشعر ويقول قصيدة أجدع منك مليون مرة وهو متكسب، الشاعر هو الذي لا... حبيبي أنت كذلك شريف ورضي الله عنك، لكن لا علاقة له بأنك شاعر. شاعر؛ هذه صفة أخرى تتعلق بكونك شاعرا، إذا نتحدث عن الشعرية والشاعرية.

نتحدث عن قطبين متوازيين في الدراسة: الشعرية في النص والشاعرية في النفس. الشعرية في النص والشاعرية في النفس، بعد ذلك أمور لا تعنينا إلا بما قد نفهم به بعض التفسير وبعض أعراف اللغة. كذلك، فاللغة استقلت عند العرب من حيث كونها لغة وبيانا، ولهذا فضلوا امرأ القيس الذي مجن في شعره على زهير الذي حشف في شعره وعلى النابغة الذبياني الذي فخم في...

شعره يخاطب الملوك وكذا وكذا، امرؤ القيس يخاطب عنيزة، وبيض الخدر والفتيات في الأيام الصالحات، وطالع يجري وراء السحاب، وطلع يصطاد بالحصان ويفخر لكثرة ما اصطاد، قدموه جميعاً على من قال في أسمى المعاني.

لماذا؟ لأن اللغة عندهم استقلت بذاتها، وكان معيارها البيان من حيث نفسه، فصار تقويم الإنسان في الأدب عن طريق البيان. وهذه اللغة لما استقلت بنفسها تركيباً في أنساقها، ومعجماً في اتساعه، وتوليداً في اشتقاق مفرداتها؛ إضافة إلى الاشتقاق القياسي، واتساع المعجم الاستعمالي والترادفي، وضع في ذلك أيضاً ما يطرأ على الألفاظ من الإسباغ والتجريد بحسب مواقعها.

هذه قضية أخرى، وضع في ذلك الشيء الذي يسمى بأسماء بحسب صفاته، وهذا يعطيك اختيارات أخرى في النص. ثم نظرت كذلك في التركيب، وهذه الأنساق المتغيرة كما تسمى في اللغة اللسانية؛ الأنساق المتغيرة تغيراً أنا أسميه أنساقاً مائية، لا الأنساق المتغيرة، الأنساق العربية أنساق مائية عجيبة، ووجوه تكاد لا تحصى في البيان. خلاص، إذا ما دمجتها مع وجوه الأنساق النحوية، مع وجوه الاختيارات البلاغية، تكاد لا تحصيها أصلاً، وعلاقات المعاني تكاد لا تحصى.

كل هذا ولد باجتماعه أو طلبه هو الوزن والقافية، فطبيعة اللغة طلبت الوزن والقافية. وبمن انتبه إلى هذا رجلان، وتكلم فيه الدكتور عبد الله الطيب والأستاذ العقاد. راجعوا كتاب المرشد لعبد الله الطيب، لا أقول هذا من عندي، أنا استفدته منهم من قديم. عبد الله الطيب في كتاب المرشد، والعقاد في كتاب اللغة الشاعرة، وقد شرحته في الأردن عام 2023 وفصلت في هذا، فاقرأوا قبل هذا وبعده كتاب ابن جني "الخصائص"، وكتاب "المزهر" للسيوطي؛ تقف على كنوز، وتعرف أن اللغة العربية طلبت الوزن والقافية.

ولهذا لا ترى العربية بخصائصها اللغوية ثم بخصائصها الفنية تتبع المذهب الاجتماعي. متى تبعت المذهب الاجتماعي والمذاهب الاجتماعية؟ حين ضعفت العربية شديداً وانساقت البلاد العربية ثقافياً للغرب بكل وضوح وصراحة، حين ضعفت العربية في اللسان العربي والمصري وكل المنطقة العربية. حين صارت البلاد تابعة للغرب، هنا صرنا في رتبة نتطلع فيها إلى الآخرين، حسب كل بلد وقع فيها أشياء.

عندنا في مصر مثلاً، صرنا نتطلع إلى شيء من الرومانتيكية والحداثة بحكم أن العقاد كان عندنا وكذا وكذا. إذا نظرت إلى بلاد الشام، كان هناك رافد آخر وهو الرافد الحداثي، مع رافد نزار قباني الذي جعل اللغة لغة الشارع، فانساقت كل هذه انطلاقاً من مذهب من شيء واحد هو الضعف. سترى في بلاد الخليج العربي الاتجاه نحو النبط، لأنهم انفتحوا فقط في هذه المدة الأخيرة. هي بلاد وأقاليم كانت منغلقة من قديم، يعني منعزلة من قديم، أهملت في الدولة العثمانية ثم في الدولة الحديثة، انفتحت مالياً دون ثقافياً، فلذلك حصل خلل شديد.

فتراها مع ذلك اهتمت بشيء شعبي داخلي هو ما يعرف بالنبط، وبعضهم ممن أراد أن ينطلق بعد ذلك انشغل، مثل عبد الله شحاتة رحمه الله، وكذلك الذي سافر إلى الكويت فهد العسكر، تراه رومانتيكي المذهب يتبع مدرسة ديوان؛ عبد الله شحاتة من السعودية، وفهد العسكر من السعودية وعاش في الكويت. هؤلاء رومانتيكيون اتبعوا هذه المدرسة، بعد ذلك بدأوا يحاولون التعلق بالحداثة وكذا، فسترى كل قطر بحسب ما هو فيه.

سترى العراق والشام ومصر اتبعت الحداثة والرومانتيكية مبكراً نوعاً ما، لأنها بلاد كانت فيها حركة علمية وانفتاح وتواصل مع الغرب، وكان فيها الحركات الانقلابية والتغييرية عموماً. سترى بلاد الخليج العربي كانت منعزلة جداً طوال هذه المدد، فلذلك ترى عندها السياق مختلفاً، تراهم اهتموا بالنبط كما قلت، ثم بعد ذلك بدأوا ينبهرون بما كان في البلاد الأخرى قبل ذلك بمدد الرومانتيكية والحداثة وكذا، لأن انفتاحهم جاء اقتصادياً سابقاً على الحضاري، فلذلك الأخذ في الحضاري حتى يوازي الاقتصادي كان أخذاً عفوياً ليس متزناً، كان سابقاً للإدراك. كانت هذه نصيحتي لهم أن يكونوا أكثر ركوداً وهم يفرحوا بالسباق، يعني لا، عدم وجود هذا عندكم الآن أفضل، والنبطي والشعبي أفضل من الاتجاه نحو الغرب، لكن هكذا جرت المقادير.

فالعرب ليس عندهم نظرية إلا نظرية البيان، ولذلك جاء القرآن قبل خمسة عشر قرناً معجزاً ليستمر بهذه الصفة إلى الآن. اللغة التي جاء عليها القرآن هي اللغة الناضجة المطورة المستقرة المتربعة على عرش البيان إلى الآن. إذاً قضية أن اللغة تطورت والقديم قد مات، هذا كلام فارغ، وهذا كلام قد يبدو ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، ويبدو ظاهراً أريد به خير ولكنه يحوي الشر، يبدو ظاهراً أريد به باطل في الحقيقة.

لماذا؟ لأنه يقول لك لغة تطورت ولغة عفى عليها الزمن. إذا أردت بالتطور أن اللغة تقبل دخول المعاني، فتفضل قل فيما تشاء وستقبلك المعاني على منهج اللغة، لكن ماذا أردت من التطوير؟ هدم اللغة المبنية كما يقولون، هدم البنية اللغوية، هذا معناه أن ما أنت فيه الآن أفضل من الماضي. ويقولون لك اللغة كائن حي، والله لو تقصد أنه كائن حي ما زال حياً من قديم، أقول لك: ويظل حياً إلى أن نلقى الله، هذا صحيح. لكن كائن حي يكبر فيكون الآن أفضل مما هو عليه أو مما كان عليه؟ غلط، لأن هذا يقتضي أن العيار الذي جاء عليه القرآن هو عيار نازل.

يعني مثلاً، الآن لما يأتي شخص معاصر يقول: هؤلاء الذين يأتون بألفاظ عفى عليها الزمن، وهي ألفاظ في القرآن؛ لو قلت ﴿إِذَا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾، لو استعملت «ضيزا» أو «ضيزى» الآن سيذمونها لأنها عفى عليها الزمن! هذه ذروة الفصاحة، والقرآن جاء بلسان عربي مبين: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾. فاحترسوا من التلويح بسيف الاتهام بالتخلف، لا، بل أنتم الهادمون.

القرآن جاء على لغة نضجت وبلغت ذروتها، ومن ذروتها تستمر في التطور بمعنى تستمر في قبول البيان. أما أن تقول تطورت فتكون الآن أفضل مما كانت عليه، فالحال أن المنهج الحداثي الذي يمشي على سقف ليس فيه هواء، ويلعق رئة من ريش طفل لا ينام، هذه ستكون مطورة أفضل مما تكلمت به العرب؛ هذا كلام باطل ويتهم صاحبه بالجهل في ضميره أو في علمه وإدراكه وعقله. ولذلك يا إخوة، النظرية عند العرب مكتملة في أصلها.

عند العرب مكتملة في أصلها، وتنتظر تفريع العلوم عليها. للأسف، وقفت عند عبد القاهر وتنتظر تفريع العلوم عليها، وهذا هو القضية. عند العرب القضية مختلفة؛ لأن لغتهم لم تدر مع التقلبات الاجتماعية خلاص، ولم يحصل نزاع على تكييف العناصر الفنية بحسب المذاهب الاجتماعية، فلم ينقلبوا مثلا على الوزن والقافية رغم توسع دولتهم ورغم توسع المعاني، وإن قالوا في أشياء لم يقولوا فيها من قبل، وإن امتدت دولتهم زمانًا ومكانًا، كل هذا لم يفعلوا معه شيئًا.

بخلاف المنقلبين على الكلاسيكية الحديثة في القرنين السابع عشر والثامن عشر كما ستعرفون إن شاء الله، فلم ينقلبوا على دلالات تراكيبهم، ولم يدمروا بنية الدلالة الموروثة كما انقلبت الحداثة على الرومانتيكية مثلا، ولم يحتاجوا كالرومانتيكية أن يقولوا نحن نعني بالمعاني الذاتية المعاني المشتركة، كل هذا لم ينقلبوا عليه، ولم ينقلبوا على اللغة كما قلت على المجاز، كما انقلبت الحداثة على المجاز العربي كما انقلبت الرومانتيكية عندهم وتجاوزت المجاز السريالي والرمزية كما هي عند شارل بودلير ورامبو ومالارميه وفيرليه؛ لم يحصل هذا عندهم.

لم ينقلب العرب على شيء من ذلك؛ لأن لغتهم هي التي طلبت الوزن والقافية واتسعت لهما ولم تضق بالتعبير عنهما، ولأن خصائص لغتهم في دلالاتها وتراكيبها ظلت تتسع لكل فنون التعبير. ليس عند العرب اختلاف أو طارئ يمكن أن يعود إلى ذات اللغة يقتضي تغييرها في ذاتها.

لذلك سنلاحظ أيها الإخوة أنه عندما تأثر العرب في عصور الضعف الحديثة بالغربيين وذهبوا إلى محاكاة الغرب في مشكلاتهم التي لا مكان لها عندنا أصلًا، ستراهم اشتغلوا بما اشتغل به الغرب، فوقعوا في الأثر السلبي على اللغة نفسها. ترى مثلا الرومانتيكية اشتغلت بالمعاني الذاتية فضعفوا في اللغة والبلاغة. والثورة في فرنسا والمعاني والتعبير الذاتي كانت انقلابًا على الكلاسيكية في السابع عشر والثامن عشر، فصار الإنسان يهتم بالبيان بالتعبير عن نفسه، وظهرت مقولات التعبير المباشر عن المشاعر الفياضة وحياة الشاعر من شعره، فحدث ضعف في اللغة والبلاغة.

وهذا انتبه إليه محمود شاكر لما انتقد جماعة من الشبان الذين ظهروا بعد مدرسة الإحياء والبعث، مدرسة شوقي والبارودي، قال: «وعنوا بالمعاني ولكن أهملوا البيان واللغة»، كان يقصد العقاد ومدرسته؛ لأنها رومانتيكية، هذه صفة الرومانتيكية. كذلك الحداثيون، من آثار هذا اتباع الغرب واجتلاج مشكلاتهم التي ليست عندنا أصلاً، انشغلوا بالمذهب الغربي الحداثي فدمروا لغتهم ولم يحافظوا على خصائصهم، فرأينا في الحداثة هذه البلاهة التي تمثل ذروة التخلف اللغوي.

ألا تلاحظ أن في الشاعر المعاصر الحداثي الذي يسمى شاعرًا بلاهة؟ حتى إنه عندما يُنقد لا يصدق بأنه منقود، أو لا تؤثر فيه الإهانة وتهكم الجمهور؛ لماذا؟ لأن عقله اللغوي مرن على اللا شيء. فلم يبق من كل هذا إلا ما أتت به مدرسة الإحياء والبعث، الامتداد العربي الوحيد، وللأسف له سلبيات كثيرة منها الضعف التنظيري، ولهذا استطاعت مدرسة الديوان تنظيريًا أن تتغلب عليه ولكن لم تستطع أن تتغلب عليه وجوديًا، بدليل أن الذي بقي من كل هذا هو شوقي والبارودي، صاحب اتجاه عربي صاف واضح من الأول.

إذن، إذا أردنا الخوض في نظرية أدبية عربية فلن نؤرخ لنظريات؛ إذا أردنا مثلا يا أبا قيس ماذا لو أردنا أن نؤرخ لنظرية عربية، لن نؤرخ لنظريات تتقلب كما تتقلب الأفكار الدينية والمذاهب الاجتماعية، وإنما سنؤرخ لنظرية النظم والبلاغة، وسيكون علينا اتجاه واحد فقط هو تطوير أدوات هذه النظرية وتطوير علومها لسانيًا تطويرًا جديدًا يهيئها للاستعمال والتقويم والنقد. وهنا أقول ربما كما نستفيد من الدراسات اللسانية في بعض الإجراءات وتكون رافدًا لها دون الفلسفة والأصل والقاعدة.

نأتي الآن إلى مقدمة الكتاب والدكتور شفيع السيد رحمه الله. هذا الجواب عن سؤال: لماذا ندرس النظرية على أنها غربية؟ أين النظرية العربية؟ قد عرفتم القضية، لا توجد نظرية عربية، هي نظرية واحدة، لا يوجد تقلب اجتماعي؛ هذه أول ما تقول نظريات نقدية في الغرب، العرب ليس عندهم نظريات، هي نظرية واحدة، والتقلبات الاجتماعية تحدث مع ثبات النظرية اللغوية والأدبية عندهم.

هناك مقدمة في صفحتين للدكتور محمد شفيع الدين السيد رحمه الله، كتبها عام 2008، يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، مقدمة في الحديث عن معنى النظرية، قيل عنها من بين ما قيل إنها جملة تصورات مؤلفة تأليفًا عقليًا يهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات». يعني هي إذاً فكرة.

وهنا يا إخوة نفرق بين المقولات والأفكار وبين النظرية. المقولات قد تكون ضوابط فرعية، كلامنا هنا عن النظرية الكلية، فهناك فرق بين المقولات أو الأفكار وبين النظرية. مثلاً عندما يقول شخص: «الشعر لغته مباشرة»، أسألكم الآن وأنتم طلاب: هذه مقولة أم نظرية؟ «الشعر يجب أن تكون لغته مباشرة»، هذه مقولة أم نظرية؟ هذه مقولة؛ لأنها فرع فلسفة أكبر وهي أن الشعر تعبير، أو نظرية التعبير الرومانتيكية التي تقتضي أن الشعر تعبير مباشر عن النفس. فلما تقول ينبغي ألا يكون للشعر معجم، هذه مقولة تحت النظرية، ينبغي أن تكون لغته بسيطة أو عادية، هذه مقولة تحت النظرية.

ولذلك يختلف الرومانتيكيون كما اختلف وردزورث مع كوليريدج؛ وردزورث مثلاً يقول: ليس هناك معجم شعري، وكوليريدج صديقه قال: بل هناك معجم شعري، وهذان من أصحاب المقولات والأفكار الرئيسة في المذهب الرومانتيكي كما سنعرفه إن شاء الله. فمما عرض لهما الكتاب من الاختلاف بينهما أن كوليريدج رومانتيكي قال: لا، هناك معجم شعري، هناك ألفاظ لا يصح أن تأتي في الشعر، ووردزورث قال: لا، هو تعبير مباشر عن المشاعر الفياضة فيستعمل لغة الشارع، فاعترض عليه صديقه كوليريدج، ولكن الكلام كله تحت النظرية التعبيرية.

ينبغي أن نفرق بين المقولات أو الأفكار وبين النظرية؛ لأن النظرية في الأخير مفهوم شامل كلي يشمل الأفكار، وتتفرع عنه المقولات، والقضية الكلية التي تتفرع عنها الأفكار والمقولات.

حتى إنك يمكنك أن تضيف لفظًا نظريًا إلى كلمة واحدة، يمكنك أن تختصر بإضافة "النظرية" إلى لفظة واحدة؛ أن تقول مثلا: «نظرية النظم». تحت كلمة «نظرية النظم»، أستطيع في عصرنا هذا أن أحصر لك كل مسألة في علم الشعر قيلت ولم تُقل تحت «نظرية النظم»، التي تقتضي أن يكون تفاوت الكلام عن طريق مراتب البيان. فأستطيع أن أجعل لك كل مقولة، أو أبين لك أن كل مقولة قيلت في علم النقد، مثل: التضمين، التصريع، الترصيع، الكلام في المقدمات، تلطيف المطالع، تتميم المقاطع، التخلص والخروج؛ كل شيء أضعه لك تحت باب النظم بلا استثناء.

فالنظم أو النظرية هي المفهوم الكلي الذي يشتمل على المقولات والأفكار، وقد تتضخم المقولة حتى تصير نظرية، يصح عليها لغة واستعمالًا أيضًا أن يقال مقولة. لما تقول «نظرية التعبير»، يعني مثلاً تستطيع أن تقول: «نظرية التعبير الرومانتيكي»، فالتعبير لابد للشاعر من أن يعبر عما في نفسه، وأن تكون لغة التعبير كذا وكذا. تستطيع تحت «نظرية التعبير» أن تتكلم وتأتي بـ Words و Worth و Coleridge وفلان وفلان، وتستطيع أن تدرس تشارلز بودلير في نصفه الأول ونصفه الثاني. وتستطيع أن تفرق في نظرية مثلاً تقول: «نظرية الحداثة»، تستطيع أن تضع تحتها الفرق بين مالارميه وفيرلين من جهة، ورامبو السريالي من جهة أخرى، والفرق بين الرمزية وكذا، تحت نظرية واحدة؛ فالنظرية هي الأشمل والأكبر.

قيل عنها من بين ما قيل، إنها جملة تصورات مؤلفة تأليفًا عقليًا يهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات. يعني هي أفكار ألفت في العقل صار منها مفهوم كلي يربط النتائج بالمقدمات، لو أدخلت لها مدخلات صحيحة تنتهي إلى النتائج الصحيحة. طبعًا هذه لغة منطقية؛ مقدمات ونتائج، هذه لغة علم المنطق. وبهذا المعنى تقريبًا استخدمها الباحثون في الدراسات الأدبية والنقدية، فأضيفت إلى كلمة الأدب، فقيل «نظرية الأدب»، أو جيء بصيغة النسب من كلمة الأدب وجعلت وصفًا للنظرية فقيل: «النظرية الأدبية».

والواقع أن الموضوعات التي عالجها الباحثون تحت أي من العنوانين تباينت وتنوعت، لكنها ظلت في جميع الحالات موصولة العرى بالأدب بشكل أو بآخر. الدكتور كان دقيقًا هنا؛ لأن قوله «بشكل أو بآخر» يشمل كل المذاهب، لأن حتى الرومانتيكي الذي يربط هذا بحياة الشاعر هو يظل موضوعه الأدب، يظل الأدب موضوعه؛ لأن حياته من شعره، كما قال العقاد: «حياته من شعره». يعني أيضًا هو في الشعر، فهو مشدود إلى النص بشكل ما، حتى لو قلت إنه يفسر النص بما هو خارج النص، مذهب التفسير الاجتماعي سيمر معنا، ومذهب التفسير بالسيرة الذاتية؛ هذا شيء من خارج النص، لكن يظل ماذا؟ قلت النص، من خارج النص خلاص، سيرة صاحب النص، مجتمع صاحب النص وهكذا. فسترى في الأخير هم يرجعون إلى النص، ولهذا يقول الدكتور: «موصولة العرى بالأدب بشكل أو بآخر»، فالإبداع الأدبي هو المحور ومناط الاعتبار.

هو في الأخير، حتى الرومانتيكي الذي يفسر من خارج النص، هو يعلل لماذا كان النص جيدًا؛ هذا النص كان جيدًا لأن الشاعر صادق، هذا النص كان جيدًا لأنه استعمل لغة قريبة تدغدغ المشاعر، مثلاً لأنه استعمل لغة عاطفية مباشرة، مع أن هذا الكلام باطل، لكن أيضًا في الأخير هو يؤول إلى النص، ولا يمكن لأدب أن يدرس النص من خارج النص. ولهذا قلت لكم ما يعرف بالنقد الثقافي لا علاقة له بالنص؛ لأنه لا يؤول إلى النص بطريقة أو بأخرى من حيث التقويم للنص من حيث كونه نصًا أدبيًا، بخلاف الرومانتيكية تعود إلى تقويم النص أدبيًا. وعندهم نقاد، بل النقد الحديث بدأ من الرومانتيكية، أما ما يعرف بالنقد الثقافي وفينسنت ليتش وما نسخه عنه دون وعي عبد الله الغذامي، كل هذا لا علاقة له بالنقد والأدب من حيث نفسه.

قال: «فالإبداع الأدبي هو المحور ومناط الاعتبار»، ويمكن التعرف إلى نمط من هذه الدراسة في كتاب «نظرية الأدب» للناقدين الأمريكيين رينيه ويليك وأوستن وارن، الذي ربما يكون أشهر كتاب في هذا المجال. جيد أن تعرفوا هذا الكتاب. كنت أؤجل كل هذا، ولكن هكذا قدر الله أن تجر أقدامنا إلى عرض قضايا النقد الغربي وكذا.

معكم هذا الكتاب، «نظرية الأدب» لرينيه ويليك وأوستن وارن، وعربه في هذه النسخة الدكتور عادل سلامة، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، وطبع بدار المريخ في عام 1991، يعني قبل 34 عامًا. طبعًا هذا الكتاب من الكتب التي أوعبت منها النظرية الغربية إلى حد كبير، نظرية النقد الحديث. بقي لي كثير لم أطلع فيه، انظروا في حواشيه، كما ترون عليه الحواشي الطويلة، والله كان صاحب الحواشي هذا صبورًا عليهم، ليس غاضبًا، اللغة هادئة، ودونت حتى عنه الفوائد، يوم تدرسونه إن شاء الله أنقل لكم هذه الفوائد التي دونتها في هوامشه.

هذا كتاب مهم يا إخوة، يقع في ما يقرب من 400 صفحة، هذا أشهر كتاب في نظرية الأدب، كتاب أكاديمي اعتمد في الغرب في نظرية الأدب الحديث، هو قطب في نظرية الأدب، لا أضعه تحت كتاب القرطجني بل فوقه. أقول هذا أشهر كتاب، والكتاب القطب أكاديميًا وعلميًا الذي ألف في الاتجاه اللساني الأخير الذي هو يعتمد الدراسة للنص من حيث كونه نصًا. كتاب حقيقة مفيد إلى حد كبير ويكشف للفاهم لمن يدرسه فاهماً، وهو ليس سهلاً بالمناسبة تمامًا، لكن يكشف لمن يدرسه فاهماً ولو بعد تمحيص ودراسة وبعد حين، يكشف لمن يدرسه فاهماً حالة الاضطراب التي فيها النقد الغربي لما أراد أن ينطلق من...

وقع في قضية القراءة الثانية والمبدع والقراءة الإبداعية، وهل الناقد موجود أو غير موجود؟ قضية بالفعل اضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا. وأنت تعجب من اضطراب الغرب لما أرادوا الاستقرار في النص، وكيف أرادوا إرفاد النص لما قصرت لغتهم من حيث كونها لغة، وكيف أرادوا إرفادها بأمور لسانية، وكيف تفرعت هذه الدراسات في محاولة لبث الروح في اللغة.

نعوم تشومسكي يضع كتابًا عن النحو التوليدي ويصنف المصنفات، وتقرأ في النحو التوليدي، وفي الأخير ما تراه قدمه من علم وجهد وذهن تراه يتفرع ترسلاً وتلقائيًا عن عبد القاهر الجرجاني. النحو التوليدي بعد أن تكد ذهنك وبعد أن تحاول فهم ما عنده وكيف أنه وضع نظرية، سواء نظريته نظرية المدرسة الأنجلو أمريكية أو النقد الحديث لتي إس إليوت وكذا والرمزية، كل هذا في الأخير يهدف إلى بث روح في النقد لم تتعب مدرسة غربية كما تعبت هذه المدرسة.

تعرفون لماذا؟ الرومانتيكية كان ينطلق من خارج، كان يربط بحياة الشاعر، وعندهم بعد ذلك خلاف: أيربطها بالحياة الاجتماعية أم يربطها بالسيرة الذاتية؟ اختلفوا؛ كلام بقى سانت بيف وفلان وفلان من النقاد المختلفين في هذا. أما المدرسة هذه، وكذلك المدرسة التي قبلها الكلاسيكية، قد ربطت ببعض فنانياتها وربطت بالموضوع، أن الشعر ينبغي أن يكون نبيل المعاني وأن يكون كذا، أما هذه المدرسة فأرادت إحياء النص من داخله، فواجهت مشكلة اللغة عندها، وهذا ما لم تواجهه العرب، طبعًا كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل بعيد.

يمكن التعرف إلى نمط من هذه الدراسة في كتاب "نظرية الأدب" للناقدين الأمريكيين رينيه ويليك وأوستن وورن، الذي ربما يكون أشهر الكتب في هذا المجال. قسم الناقدان الكتاب إلى قسمين؛ حمل أولهما اسم "المدخل الخارجي لدراسة الأدب"، وتحدث فيه عن طبيعة الأدب ووظيفته، والأدب العام، والأدب المقارن، والأدب القومي، كما تحدث عن الأدب والسيرة، والأدب وعلم النفس، والأدب والمجتمع، والأدب والفكر، والأدب والفنون الأخرى؛ يربطون الأدب بالأشياء التي ربط الأدب بها تأثيرًا من قبل، قالوا لك ما القضية؟ ما مدى تأثير هذا في الأدب؟ هذا القسم الأول من الكتاب.

أما القسم الثاني فجاء بعنوان "الدراسة الداخلية للأدب"، وتناولوا فيه تحليل العمل الفني، وعلم الأسلوب، والصورة والمجاز والرمز والأسطورة، ووظيفة الفن الروائي وأشكاله، والأجناس الأدبية، والتاريخ الأدبي. إلا أنه يقول الدكتور: إنه تحت نظرية الأدب أيضًا يمكن تقديم الرؤية الفنية والفلسفية لمذهب أدبي ما أو مدرسة نقدية بعينها، وبيان ما تعتنقه من مبادئ وقيم فكرية وحضارية لها انعكاسها في عالم الإبداع الأدبي.

نظرية الأدب بهذا المعنى تعني الوجه الآخر للنقد الأدبي؛ هذا كلام دكتور شفيق، باعتبار أن وظيفته الأساسية تتمثل في فحص النصوص الأدبية وتفسيرها واستكشاف عناصر بنائها الفني، وقد يقترن بذلك تقييمها والإدلاء بحكم عليها في ضوء مبادئ أو مناهج نقدية معينة. هذا في الأخير يا إخوة كان الدكتور هنا يقصد ما هو عين النظرية الأدبية في الحقيقة، بالنظر إلى إضافتها إلى الأدب؛ لأن الأدب هو النص في الأخير، فالأدب هو النص فهو قطب الدراسة الأدبية، ولذلك ستجد كل المذاهب المدروسة في هذا الكتاب ستحاول الرجوع بشكل أو بآخر إلى النص.

حتى الدكتور اعتمد هذا المذهب الثاني، هل اسمح لنفسي أن أقول إن هذا المعنى الأخير لنظرية الأدب هو ما توخيته من هذا الكتاب؟ وتأكيدًا لذلك كان العنوان الفرعي الذي أضفته إلى العنوان الأصلي: "دراسة في المدارس النقدية الحديثة". إلا أنه قال: إنه تحت نظرية الأدب أيضًا يمكن تقديم الرؤية الفنية والفلسفية لمذهب أدبي ما، هذا هو الأصل في ذلك.

وإذا كان النقد الأدبي الحديث قد نبت في أحضان الرومانتيكية، فإن أول ثورة تعتبر ثورة وأزتها النقد كانت ماذا؟ كانت الرومانتيكية، يعني أول وجود نقد علمي أصلاً. هذا تعرفون النقد العلمي الذي جاءنا عن طريق أيضًا طه حسين وتفرع في فروع منها العقاد، ومنها عبد القادر قاضي في مصر، ومنها شوقي ضيف، وهو جاء من أساتذة له غربية.

أعطيكم اسم كتاب هنا أنصحكم به جدًا، وحظكم جميل فيما يبدو أن الكتاب ما زال يطبع في مصر وموجودًا، لحظة واحدة. الإخوة الأكاديميون وغير الأكاديميين، هذا كتاب مفيد جدًا وكبير أيضًا اسمه "مناهج نقد الشعر في الأدب العربي الحديث" للدكتور إبراهيم عبد الرحمن، رحمه الله، عالم مصري كبير وأكاديمي معتبر وثقيل، وهو أسطوري المذهب.

كالدكتور مصطفى الشورى، خلاص من أشهر رجلين على هذا المذهب: الدكتور إبراهيم عبد الرحمن والدكتور مصطفى الشورى، مصريان. والدكتور علي البطل الثالثهما. الدكتور إبراهيم عبد الرحمن أثقلهما كما قلت. وعند الدكتور مصطفى الشورى كتاب "الشعر الجاهلي: تفسير أسطوري"، لكن الحقيقة مصطفى الشورى ناسخ عن غيره وليس له تحقيق، لا يوازي الدكتور إبراهيم عبد الرحمن. وعند الدكتور الشورى أيضًا "شعر الرثاء في العصر الجاهلي: دراسة فنية".

وعندك أيضًا، وهو أسطوري، الدكتور عاطف جودة نصر في "النص الشعري ومشكلات التفسير"، أسطوري الرمزي كذلك. ثم أيضًا الدكتور إبراهيم عبد الرحمن نفسه له كتاب "الشعر الجاهلي: قضاياه الفنية والموضوعية"، هذا مرجع يا إخوة، هذا مرجع في التفسير الأسطوري الرمزي للشعر الجاهلي، مرجع للأكاديميين في تفسير الشعر الجاهلي تفسيرًا رمزيًا أسطوريًا له.

كذلك هذا الكتاب للدكتور إبراهيم عبد الرحمن، هو كتاب كبير يقع في 400 صفحة تقريبًا، وهو كتاب "مناهج نقد الشعر في الأدب العربي الحديث"، ذكر فيه المدارس وفصلها، وطه حسين، والتفسير العلمي وكذا. هذا التفسير جاء من أين يا إخوة؟ الرومانتيكية، التفسير العلمي جاء من الرومانتيكية، ولهذا نعم، ذروة النقد أو بداية النقد، شرارة النقد الأدبي الحديث جاءت من الرومانتيكية.

ولذلك بما أننا صرنا تابعين، ترى أول ناقد شديد معتبر في الشعر في العصر الحديث هو العقاد، العقاد ليس طه حسين، بالمناسبة طه حسين ليس ناقداً، أو لا أراه ناقداً، قد يكون مفكراً له اتجاه آخر، لكن الناقد هو العقاد. والعقاد أيضاً جاء على الطريقة الرومانتيكية في القدرة على التنظير وكذا وكذا، فالرومانتيكيون عندهم تنظير على مذهبهم.

يقول الدكتور: «وإذا كان النقد الأدبي الحديث قد نبت في أحضان الرومانتيكية، أو هو ثمرة غرسها، فهي أولى مدارسه، فإن النظرية التي دعت إليها ما كانت لتتبين أصولها وقيمها إلا إذا امتد البصر إلى ما كان مستقراً قبلها من مذاهب، وتلك هي الكلاسيكية الجديدة التي تعد ذروة ما وصل إليه عصر النهضة، فهي نهاية العالم القديم». ولهذا كان من المنطقي البدء بها، فعلى أنقاضها قامت الرومانتيكية، ولهذا هو سيقدم في الفصل الأول بعنوان: الكلاسيكية الجديدة ومحاكاة النماذج.

قال: «وقد كان للمدارس النقدية الغربية كلها أو جلها أصداء في نقدنا العربي الحديث». الدكتور هنا يقرر الواقع، ولم يتعرض لكونه عرضاً لشيء سلبي أو إيجابي، والحقيقة أنه عرض لشيء سلبي جداً؛ لأنه وقف حائلاً بين العرب المعاصرين وبين فهم أدبهم.

لماذا يا إخوة؟ كل لغة أنشأت أصولها الأدبية، كل لغة أنشأت نظريتها الأدبية، ولذلك أنت لا تفهم هذا إلا عن طريق نظريتها هي. كذلك نظرية تخرج عن روافد لغتها في التكوين، فهي تستعمل لغة غيرها، وتستعمل روافد لغة غيرها ليست من طبيعتها، نظرية تخرج باستعمال لغة ما عن خصائصها. فالنظرية الأدبية من اللغوية أصلاً، ونظرية نقدية تخرج عن النظرية الإبداعية اللغوية في آدابها، يؤدي ذلك إلى أن تستعمل روافد أجنبية على لغة لم تقبل ولم تخرج من رحمها هذه الخصائص من الأول، فتكون في ذلك نسبية.

قد يقول قائل: ما المانع؟ قيل لي هذا بالمناسبة، أحدهم أرسل إلي وكان يحضر معي هنا وكان يشغب بالكلام، فقلت له: اسكت، فغضب وأرسل إلي يسيء ويقول: سأثبت لك أنك لا تفهم، وقال إن نظرية النقد هي نظرية الإبداع، وهذا غباء، لأن الإبداع قد يتبع نظرية، وأما النقد فيتبع نظريات كثيرة.

هكذا يأتي السؤال، والبعض اعتبره سؤالاً كميناً، أي شبكة مصيدة للناس: ما المانع من أن نفسر الأدب بنظريات مختلفة فيكون الحكم بحسب كل نظرية؟ وجهة نظري أنني أحكم على هذه القصيدة من جهة تعبيرها عن الشاعر في ذاته فهي نظرية رومانتيكية، وأحكم عليها من جهة إفادتها للناس وتطويرها للمجتمع، أو من جهة المسؤولية الأدبية، أو من جهة دلالتها على التاريخ وصدقها؛ هذه تسمى أحكاماً نسبية، أي بالنسبة إلى كذا.

وهذا لم يغفله القدماء، فعندنا -فيما أذكر- ابن قتيبة في مقدمته على "الشعر والشعراء" يذكر أسباباً في اختيار الشعر؛ إذ يقول: «وليس كل الشعر يختار أو يحفظ على جودة اللفظ والمعنى»، ولكنه قد يختار ويحفظ على أسباب، منها الإصابة في التشبيه، وقد يختار ويحفظ على خفة الروي، وقد يختار ويحفظ لأن قائله لم يقل غيره، أو لأن شعره قليل، وقد يختار ويحفظ لأنه غريب في معناه، وقد يختار ويحفظ أيضاً لنبل قائله.

فهنا يقال: ما المانع أن نفسر الأدب وأن نقومه بعدد من النظريات؟ أقول: كل النظريات نسبية، أما تقويم الأدب أو نقد الشعر فلا يكون إلا بمراعاة الإضافة؛ يعني نقد الشعر، لا تنظر إليه في هذا النقد إلا من حيث كونه شعراً، فلو قال لك أحد ما المانع، قل له: لا مانع، لكن لا تعطه جائزة أفضل شاعر.

لا تعطه جائزة؛ أفضل قصيدة لا تقل له قصيدتك رائعة من حيث البيان، فهذا شيء آخر. قد يكون الروي جميلا، قد يكون الشخص عزيزا عليك، قد يكون الشخص لم يقل غير هذه القصيدة، قد يكون الشخص نبيلا، كل هذا قالوه. قد تكون فيها تشبيهات جيدة، قد يكون فيها غريب لغة تحفظ لأجل اللغة، قد يكون فيها تاريخ وهو لم يقصد الحصر فيها تاريخ لغزوة كذا، يحفظ لأشياء كثيرة غير الجودة كما قال: غير جودة اللفظ والمعنى.

لكن لما تحكم بجودة اللفظ والمعنى لابد من تحقق جودة اللفظ والمعنى، فهمتم؟ ولذلك أنا لم أعترض على كثير من الأشياء التي يحاولون بها المعاني النبيلة؛ اعمل، اكتب، لكن لما تطلب تقويما وتقول فلان أشعر الشعراء، أو أمير الشعراء، أو أخذ جائزة كذا للشعراء، تعال، قف، لا يكفي لا نبل القائل ولا نبل المعنى، ولا أنها لم يقل مثلها في موضوعها ولا شيء من هذا. قف وقل: أهي جيدة على عيار الشعر أو لا؟ تقول والله يا أبا قيس لاجلي أن معناها جميل، حلو، لأجل معناها الجميل خذها، لكن لا تعطيها جائزة أنها شعر، فهمتم؟

هذا هو؛ فلذلك النظريات، نظرية النقد مشدودة إلى نظرية الإبداع. يعني إذا كان الشاعر يقول من حيث كونه شاعرا، قاصدا الإبداع اللغوي والبياني والتخيلي، فلا بد في نظرية النقد أن تكون قاصدة إلى تقويم الإبداع اللغوي التخيلي. إذا كان الشاعر يقول من حيث كونه شاعرا قاصدا إلى تحقيق نص ذي رتبة في التخيلية والإبداع اللغوي، فلا بد كذلك لنظرية النقد أن تعمل على أن تكون قاصدة إلى تقويم الرتبة اللغوية الإبداعية والتخيلية لهذا النص من حيث كونه شعرا. إذا كان الشاعر يقول على أصول من حيث كونه شاعرا، فلا بد للناقد أن يقوّم النصوص من حيث كون هذا شعرا. مرة أخرى، إذا كان الشاعر يقول منطلقا من أصول من حيث كونه شاعرا، فلا بد للناقد أن يقوّم النص من حيث كونه شعرا. أي كلام آخر كالذي قاله ابن قتيبة وغيره لا يدخل معنا في التقويم الفني، فهمتم؟

لأن هذا أحد الأغبياء جاء وكل ثقة ويقول: تتعدد نظريات النقد والنص نظريته واحدة، هذه منفصلة عن تلك. لا تتعدد النظريات، والنقد التقويمي واحد مرتبط بالقاعدة الإبداعية، قاعدة الأصل الإبداعي أو الإنشاء الإبداعي، خلاص الإبداعي يعني أحداث النص، إبداع النص.

طيب، قال: «وقد كان للمدارس النقدية كلها أو جلها أصداء في نقدنا العربي الحديث». نعم طبعا، أنا قلت بالمناسبة انظروا كذلك في كتاب وهب رومية، الدكتور وهب رومية أحد الأساتذة الكبار من سوريا، له كتاب اسمه: «أدبنا القديم والنقد الحديث»، وهو كتاب في نقد الأسطورية، انظر كيف أسقط الأسطورية في هذا الكتاب، التي يقول بها الدكتور إبراهيم عبد الرحمن، والدكتور مصطفى الشورى، والدكتور عاطف جودة نصر، وأظن أيضا هو الدكتور علي البطل، نعم، لكن لم يسعفني الانتباه لكتابه الآن، رحم الله الجميع.

كتاب «أدبنا القديم والنقد الحديث» كتاب مهم يا إخوة، وموجود بصيغة PDF بالمناسبة؛ لأنه صدر عن دار عالم المعرفة الكويتية. وأنا في خلال هذا الكتاب إن شاء الله سأحاول أن أكشف في أثناء استعراض الشرح في الكتاب كيف كان الأثر السلبي لهذه المذاهب على النصوص المحدثة في الأشعار. قال: «لذا كان من المهم والمفيد أن يأخذ موقعه مع كل مدرسة».

النقد العربي، قال: «وقد كان لأرس النقدية العربية كلها أو جلها»، الحقيقة أنها كلها الحديثة، الحديثة إلا حركة البارودي قبل العقاد. وبحمد الله حركتنا الآن كحركة نقدية -لأن هناك علماء موجودون كشاكر وغيره- لكن كحركة نقدية وتأسيسية وبناء منهج كامل وتحرك وإحياء من جديد، الحمد لله حركتنا النقدية والشعرية والعلمية الآن بفضل الله تعالى، تكلم عن كيان قائم يقوم. وإلا هناك علماء تركوا مصنفات، محمود شاكر ترك نمطا صعبا، ليس المتنبي، اتجاه آخر، كتاب نمط صعب. هناك دكتور أبو موسى على أشياء في نقده أيضا، فيه شوائب وتأثر بالنقد الحديث أيضا.

ومما استشهد به على ذلك أن تلميذه رحمه الله الدكتور توفيق محمود سعد توفيق محمود، أنا التقيت به شخصيا مرات، كان من الذين ينصحون بكتاب «نظرية الأدب» لرينيه ويليك وأوستن بورن، يعني هو كان حفيا بالكتاب أصلا وتكلم عنه في مقدمات بعض مصنفاته. كذلك، فلا التأثر عند المعاصرين بهذا المذهب موجود، الوحيد الذي لم يتأثر شديدا محمود شاكر، رحمه الله. أما الباقي، حتى عند الدكتور محمد أبو موسى، عنده طبعا اتجاه حداثي ظهر هذا في التفسير، وإن شاء الله أقوم بجمع هذه المواضع إذا اقتضى الأمر ذلك، أو أنا على عزم في هذا الأمر إن شاء الله.

ظهر هذا شديدا، لا سيما في كتابه «الشعر الجاهلي: منهج في دراسته»، و«تقسيم الشعر الجاهلي»، و«دراسة في منازع الشعراء»، ظهر هذا شديدا وظهر في بعض مجالسه لما فسر قول البحتري: «أمنى النفس في أسماء لو تستطيعها»، فسر تفسيرا تجزم معه به وصرح، قال: أنا لا أمنع أنها امرأة لكن لا أقف عند هذا في التفسير، ينبغي الوقوف على أنها امرأة، وعنده بعض تفسيرات إشارية وكأنها أقرب إلى الصوفية بشكل غريب في كتابه «دراسة في منازع الشعراء»، وبعضها تجزم بخطئه، لا سيما في شرحه على معلقة امرئ القيس وعلى معلقة زهير.

أما الذي صفا من ذلك فهو الأستاذ محمود شاكر رحمه الله، تقريبا على ظهور مسحة رومانتيكية عنده رحمه الله، ظهرت في ربطه الأحداث بضرورة وقوعها عند الشاعر، وفي بعض مذهبه في التشعيث، بعض ما أتى به في التشعيث لنا أيضا وقفة. الكلام هنا دقيق؛ قال: «لذا كان من المهم والمفيد أن يأخذ موقعه مع كل مدرسة أفاد منها، سواء تمثلت هذه الإفادة في تطبيق الأصول والأدوات الإجرائية لمدرسة ما من تلك المدارس، أو تمثلت في ترجمة بعض مصادرها إلى العربية».

والأمر في الحالتين ليس سهلا قريب المنال، فالمصطلحات قد تكون غامضة أو مضطربة، والترجمات لا تقل عنها غموضا، بل قد يمكن وصف بعضها بالعجمة في كثير من الأحيان. لهذا حرصت على إنجاز المهمة التي أنشدها، وهي تقديم المدارس النقدية الحديثة تقديما يتحقق فيه الوضوح الذي نفتقده وينأى عن الغموض الذي نشكو منه، وهي مهمة شاقة، أدعو الله عز وجل أن يعينني على النهوض بها، ومنه العون والسداد. هذا حقيقة يا إخوة.

حقيقة، وللأسف الترجمات سيئة جداً، وحسبكم كتاب الرمزية لـ بلكيان الذي ترجمه الدكتور الطاهر أحمد مكي الدرعمي رحمه الله وجزاه خيراً. وللأسف، صرت أبحث عن نسخته الإنجليزية أقرأها بدلاً من نسخته العربية، وأطوّع نسخته العربية على مشقة؛ أقرأه مرات لاستخراج المعلومة أو الفائدة، وعلى مرات حتى لخصته عندي في دفتر؛ لأنني صرت لا أستطيع الإفادة من الكتاب، فالترجمات بالفعل سيئة جداً.

ولهذا، هذا الكتاب ثمين وسهل ورائع، وفيه عرض موجز ومختصر لهذه المذاهب. ونكتفي اليوم، وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.