دخولتسجيل الدخول

صفوة الفوائد 04 | باب في تعزيز اليقين بدلائل نبوة النبي ﷺ - باب في حجية السنة

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم، وإليك المصير. الحمد لله فلق الإصباح، الحمد لله الذي جعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً، الحمد لله الأول والآخر، الظاهر والباطن، الذي هو بكل شيء عليم. الحمد لله الحكيم الخبير، الذي له الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد.

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً في مجالس كتاب "صفوة الفوائد". نسأل الله سبحانه وتعالى التمام على خير. هذا المجلس نبتدئ به في باب تعزيز اليقين بدلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وآياته، ومنهج الاستدلال على ذلك. النص المنتخب: «إن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين». وهذا النص لأبي العز الحنفي رحمه الله تعالى.

النص الأول قال ابن تيمية رحمه الله: «إن الله سبحانه وتعالى إذا بعث رسولاً أمر الناس بتصديقه وطاعته، فلا بد أن ينصب لهم دليلاً يدلهم على صدقه، فإن إرسال رسول بدون علامة وآية تعرف المرسلين إليه أنه رسول، قبح وسفه في صرائح العقول، وهو نقص في جميع الفطر، وهو سبحانه منزه عن النقائص والعيوب؛ فإن الحكمة والعدل تقتضي وضع كل شيء موضعه الذي يليق به ويصلح به، فلا تكون العين كالرجل، ولا يكون الإمام الذي يؤتم به في الدين والدنيا في آخر المراتب والسفلة من أتباعه في أعلى المراتب».

النبوات لابن تيمية رحمه الله تعالى؛ طبعاً ابن تيمية رحمه الله اعتنى بمبحث النبوة كثيراً جداً، وله هذا الكتاب المفرد "كتاب النبوات"، وله غيره، مثل ما مر معنا في بعض اللقاءات السابقة "كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". ومن الكتب التي تتكلم في قضية النبوة، الكتب التي ألفت في باب النبوة في التراث الإسلامي تحتوي على عدة موضوعات؛ منها ذكر دلائل النبوة المنقولة في الأخبار والروايات، وهذه هي الكتب الأقرب لكتب جمع الروايات وجمع الأحاديث، لكنها جمعت الحديث والروايات في موضوع معين، مثل ما جمع في "الترغيب والترهيب" ومثل ما جمع في الأحكام.

كما جمع أيضاً في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وآياته، وهذا باب في أحاديث وروايات كثيرة، وهو باب الدلائل والمعجزات، ولذلك مثلاً تجد علماء السيرة يكتبون في ذلك أو يجمعون في ذلك نصوصاً كثيرة جداً، مثلاً لما تقرأ لابن كثير في "البداية والنهاية" تجد أنه توسع في ذكر الروايات التي فيها معجزات النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا باب، وهذا مسلك أو هذا موضوع من موضوعات كتب دلائل النبوة التي في التراث الإسلامي.

موضوع آخر مختلف هو موضوع منهج الاستدلال على صحة النبوة أو صدق النبي صلى الله عليه وسلم. منهج الاستدلال صار فيه خلافات ونقاشات. وابن تيمية من الشخصيات التي اعتنت كثيراً جداً بضبط منهج الاستدلال على النبوة؛ لأن من كتب في هذه المجالات كتبوا الاستدلال على النبوة غالباً لوجود الزنادقة والمعارضين، وبعد ذلك حتى النصارى؛ لأنه صار في نقاشات مع النصارى في التاريخ الإسلامي، خاصة الذين في الأندلس، تناقشوا مع النصارى كثيراً وردوا على الشبهات. ولذلك نجد بعض علماء الأندلس تميزوا في المباحث المرتبطة بالأديان والمرتبطة بالنبوة وما إلى ذلك.

فصار في نقاشات مع الزنادقة ومع النصارى، نجد مثلاً شخصية مثل ابن حزم رحمه الله من الشخصيات التي اعتنت كثيراً بهذه الموضوعات، ولذلك ابن حزم من أدق وأفضل الشخصيات الإسلامية في التراث الإسلامي التي نقدت كتب أهل الكتاب، كان عنده دقة، وحتى إنه سبق في الدقة بعض من جاء بعده، كان له عناية كبيرة بالاحتكاك بالنصارى وأهل الكتاب عموماً في الأندلس، وفتح ملفات للنقاش والرد على الشبهات. والقرطبي مثلاً له كتاب في الرد على شبهات النصارى، أظن فيما أذكر، والقرافي إذا لم تهمني المعلومة.

فالشاهد أنه هذا موضوع منهج الاستدلال؛ أنه أصلاً لماذا سلكوا مسالك متعددة في الاستدلال غير مسلك الرواية؟ لأن في نصارى طعنوا في النبوة، فهذا الاستدلال يحتاج إلى ضبط؛ لأن طريقة الاستدلال على بعض الحقائق الدينية عندما تكون خاطئة يلزم عنها نفي بعض الحقائق الدينية، وتوضح الفكرة.

مثلاً، عندما يكون غاية المطلب هو إثبات وجود الله، ثم تحدد طريقاً واحداً لإثبات وجود الله سبحانه وتعالى، وهذا الطريق مركب من دلائل عقلية خاصة لها صيغتها المعينة وليست مطلقة في الاستدلال العقلي، ثم يكون من لوازم هذا الاستدلال العقلي -لأن كل دليل لإثبات وجود الله مبني على إثبات حدوث العالم وحدوث العالم له طريقة معينة- فيلزم عن ذلك بالنسبة لمن يسلك هذا الطريق أن ينفي عن الله سبحانه وتعالى بعض الصفات حتى لا يؤدي ذلك إلى توهم حدوث الله سبحانه وتعالى، فهذا مسلك في الاستدلال، وهذا المسلك الاستدلالي نتجت عنه نتائج وإشكالات معينة.

نفس الشيء في الاستدلال عن النبوة، مثلاً بعض الاتجاهات الإسلامية في سياق الاستدلال على النبوة نفوا حقيقة السحر ووجود السحر؛ لماذا نفاه؟ نفاه لأن منهجه الاستدلالي على النبوة يقتضي أن ينفي عن غير النبي الخوارق وما إلى ذلك، فهذا منهج استدلالي معين. فصار في مناهج استدلالية في الفرق الإسلامية، وهنا هذا من موضوعات ضبط منهج الاستدلال؛ أن ترى كون البعض يستدل بطريقة فيها إشكال معين، ليس معنى هذا أن ننفي الأصل الذي اعتمد عليه، وإنما نستدل به بطريقة صحيحة. وموضوع ثالث من موضوعات كتب دلائل النبوة هو موضوع الاستدلالات العقلية.

وغير الخبرية المجردة على النبوة، وهذا هو أصلاً الموضوع الذي أشرت إليه قبل قليل؛ صار عندنا ثلاث موضوعات: الموضوع الأول الأدلة الخبرية التي هي الروايات في المعجزات، ثاني منهج الاستدلال، الثالث الاستدلالات غير الخبرية.

النص الثاني قال الماوردي رحمه الله عن صدق النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يزل مشهوراً بالصدق في خبره، فاشياً وكثيراً، حتى صار بالصدق مرموقاً، وبالأمانة مرسوماً، وكانت قريش بأسرها تتيقن صدقه قبل الإسلام، فجهروا بتكذيبه في استدعائهم إليه، فمنهم من كذبه حسداً، ومنهم من كذبه عناداً، ومنهم من كذبه استبعاداً أن يكون نبياً أو رسولاً، ولو حُفظ عليه كذبة نادرة في غير الرسالة لجعلوها دليلاً على تكذبه في الرسالة، ومن لزم الصدق في صغره كان له في الكبر ألزم، ومن عصم منه حتى في نفسه كان في حقوق الله تعالى أعصم، وحسبك بهذا دفعاً لجاحد ورداً لمعاند».

كلام جميل للماوردي رحمه الله، طبعاً الماوردي من أئمة المسلمين من علماء الشافعي الكبار، وله بعض الكتب المهمة، سواء في الفقه الشافعي المعروفة أو في غير الفقه الشافعي، مثلاً له كتاب «الأحكام السلطانية» المعروف من كتب السياسة الشرعية الأصلية في التراث الإسلامي، وله كتاب «أدب الدنيا والدين» في السلوك والأخلاق، في السلوك بمعناها العام، أدب الدنيا والدين فيما يتعلق بالنفس، وأدب الدنيا والدين فيما يتعلق بالعلم، وفيما يتعلق بالغير، إلى آخره.

وجار هو على طريقة التقسيمات الحاصرة والتفريع عنها، مثل طريقة الغزالي، ومن يعرف طريقة الغزالي يعرف طريقة ابن رشد نفس الشيء؛ يعني الذين كان لهم عموماً عناية بالمنهج العقلي أو نحو ذلك تجد هذا انعكاساً حتى في مؤلفاتهم في الشريعة. أنت عندك ابن رشد لما ألف في الفقه وهو «بداية المجتهد»، أبدع في التأليف وفي طريقة العرض؛ فيجيك في الباب الفقهي المعين مثلاً يجمع لك كأنه زي فهرس مصغر في بداية الباب، يقول لك مثلاً الكلام على الوضوء في شرائطه وفرائضه وسننه، فإذا كانت الشرائط فمن جهة كذا، وأما كذا، يجمع لك القسمة في البداية ثم يبدأ على هذه القسمة.

هذه مثل التصنيفات الإلكترونية، تضغط الزر ينزل لك الفهرس ثم يرجع لك مرتباً، وبالتوالي دائماً هذه طريقته. الماوردي مثلاً في «أدب الدنيا والدين» يمشي هكذا؛ يقول لك مثلاً عندنا الآداب تنقسم إلى واحد، اثنين، ثلاثة، لنذهب للأول يتفرع منه ثلاثة أشياء، أما الأول فيتفرع منها كذا وكذا، ثم يرجع ليلملمها وهكذا.

عموماً هذا الماوردي رحمه الله، وقال ابن أبي العز رحمه الله: «إن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين». وهذا من شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي.

طبعاً الطحاوية معروفة، العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي من المتقدمين ويُعتبر من الحنفية، والعقيدة الطحاوية متن صغير، فهي مشهورة لكن ليست أهم كتب الطحاوي ولا أعلاها، له «شرح الآثار» مثلاً وهو مطبوع في عشر مجلدات، و«شرح مشكل الآثار» هو من أهم الكتب في قضية ما ظاهره التعارض من الروايات؛ تجلب الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع أحاديث معينة، ويتوسع في ذكر حل المشكلات وحل ما قد يوهم التعارض، وبيان وجه هذا الحديث وهل هو ناسخ أو غير ناسخ، وهل يسلك مسلك الترجيح أم يسلك مسلك الجمع إلى آخره. فالطحاوي إمام كبير ومعروف، والعقيدة الطحاوية متن معروف والشرح عليها كثير، وقد شُرحت من أكثر من اتجاه عقدي، وهناك رسالة مطبوعة مقارنة بين شروح عقيدة الطحاوي.

النص الرابع قال القرطبي رحمه الله: «إن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أوتي من المعجزات وجمع له من الآيات ما لم يجمع لأحد من الأنبياء قبله، ولم يُعطَ أحد مثله، فكان لذلك أوضحهم دلالة وأعمهم رسالة». هذا في كتابه «الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام».

النص الخامس قال محمد عبد الله دراز رحمه الله: «نحن قد نرى الناس يدرسون حياة الشعراء في أشعارهم، فيأخذون عن الشاعر من كلامه صورة كاملة تتمثل فيها عقائده وعوائده وأخلاقه ومجرى تفكيره وأسلوب معيشته، ولا يمنعهم زخرف الشعر وطلاؤه عن استنباط خفيته وكشف غروته عن صريحه أقواله، سبحان ذي البيان! إن للحقيقة قوة غلابة تنفذ من حجب الكتمان فتقرأ بين السطور وتعرف في لحن القول، والإنسان مهما أمعن في تصنعه ومداهنته لا يخلو من فلتات في قوله وفعله تنم عن طبعه إذا أحرج أو احتاج أو ظفر أو خلا بمن يطمئن إليه».

والله كلام قوي وكبير سبحان الله، فما ظنك بالحياة النبوية التي تعطيك في كل حلقة من حلقاتها مرآة صافية لنفس صاحبها، فتريك باطنه من ظاهره، وتريك الصدق والإخلاص مثلاً في كل قول من أقواله وكل فعل من أفعاله، بل كان الناظر إليه إذا قويت فطنته وحسنت فراسته يرى أخلاقه العالية تلوح في محياه ولو لم يتكلم أو يعمل، فكيف يمكن مع ذلك ألا يستطيع العقلاء التمييز بين الصادق والكاذب؟ هذا في كتابه «النبأ العظيم»، وكما هو مشهور ومعروف، والكتاب أخذ حظه من التعريف سابقاً.

النص السادس قال ابن تيمية رحمه الله: «فمن جعل النبي ساحراً أو مجنوناً فهو بمنزلة من جعل الساحر أو المجنون نبياً، وهذا من أعظم الفرية والتسوية بين الأضداد المختلفة، وهو شر من قول من يجعل العاقل مجنوناً والمجنون عاقلاً، أو يجعل الجاهل عالماً والعالم جاهلاً، فإن الفرق بين النبي وبين الساحر والمجنون أعظم من الفرق بين العاقل والمجنون والعالم والجاهل». هذا من كتاب «النبوات»، ويمكن أن يكون سادس نص من النبوات من بداية الكتاب مر معنا مراراً.

السابع قال ابن تيمية رحمه الله: «والفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار، والنبي يأتيه ملك كريم من عند الله ينبئه عن الله، والساحر الكاهن إنما معه الشيطان يأمره ويغويه». كذلك في «النبوات».

وأيضاً من النبوات النص الثامن، قال ابن تيمية رحمه الله في بيان التلازم بين...

النبوة دليلها، وحقيقة الأمر أن ما يدل على النبوة هو آية على النبوة وبرهان عليها، فلا بد أن يكون مختصًا بها، لا يكون مشتركًا بين الأنبياء وغيرهم؛ فإن الدليل هو مستلزم لمدلوله، لا يجب أن يكون أعم وجودًا منه، بل إما أن يكون مساويًا له في العموم والخصوص، أو يكون أخص منه، وحينئذ فإن آية النبي لا تكون لغير الأنبياء، لكن إذا كانت معتادة لكل نبي أو لكثير من الأنبياء لم يقدح هذا فيها، فلا يضرها أن تكون معتادة للأنبياء.

وكذلك التاسع أيضًا من كتاب النبوة: قال ابن تيمية رحمه الله: «من خصائص معجزات الأنبياء أنه لا يمكن معارضتها، فإذا عجز النوع البشري عن غير الأنبياء عن معارضتها كان ذلك أعظم دليل على اختصاصها بالأنبياء، بخلاف ما كان موجودًا لغيرها، فهذا لا يكون آية البتة».

والعاشر أيضًا، ابن تيمية رحمه الله -وواضح عناية ابن تيمية بهذا المبحث كثيرًا- قال: «وانشقاق القمر قد عاينوه وشاهدوه وتواترت به الأخبار، وكان نبي هذا الاستدلال عجبني جدًا حقيقة، ما مر عليه هذه اللفتة إلا عند ابن تيمية، وقد يكون ذكرها غيره لكن ما وقفت عليه».

يقصد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه السورة -يقصد سورة القمر- في المجامع الكبار مثل الجمع والأعياد؛ ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة ودلائلها والاعتبار، وكل الناس يقرأ ذلك ولا ينكره، فعلم أن انشقاق القمر كان معلومًا عند الناس عامة.

وقال كذلك: «ومعلوم بالضرورة في المعتاد المتطرد أنه لو لم يكن انشقاق القمر معلومًا لآمن المؤمنون به إلى تكذيب ذلك، فضلاً عن أعدائهم الكفار والمنافقين، لا سيما وهو يقرأ عليهم ذلك في أعظم مجامعهم»؛ لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة القمر في العيد.

الحادي عشر أيضًا، ابن تيمية قال: «وبالجملة، فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول بأنهم رسل الله، وأن أقوامًا اتبعوهم، وأن أقوامًا خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين وجعل العاقبة لهم وعاقبة أعدائهم، هذا هو من أظهر العلوم المتواترة وأزلاها، ونقل هذه الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار ملوك الفرس والعرب في جاهليتها، وأخبار اليونان وعلماء الطب والنجوم والفلسفة اليونانية».

فكل عاقل يعلم أن نقل أخبار الأنبياء واتباعهم ينقلها من أهل الملل من لا يحصي عددهم إلا الله، ويدونها في كتبهم، وأهلها من أعظم الناس تدينًا بوجوب الصدق وتحريم الكذب؛ ففي العادة المشتركة بينه وبين سائر بني آدم ما يمنع اتفاقهم وتواطئهم على الكذب، بل ما يمنع اتفاقهم على كتمان ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله.

الثاني عشر، قال ابن تيمية رحمه الله: «ومن المعلوم أن موسى كان قبل محمد صلى الله عليهما وسلم ولم يأخذ عنه شيئًا، وكل من عرف حال محمد صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لم يأخذ عن أهل الكتاب شيئًا، فإذا أخبر هذا بمثل ما أخبر به مرسل، نعم مرسل، فتعدل: أرسلها كمان بمثل ما أخبر به مرسل واحد من غير تواطؤ ولا تشاور فيما يمتنع في العادة التوافق فيه من غير تواطؤ، كان هذا مما يدل على صدق كل من الرسولين في أصل الرسالة، وعلى صدق خبر كل من الرسولين فيما أخبر به من صفات ربه، إذ كان كل منهما أخبر بمثل ما أخبر به الآخر».

وفي بيان أهمية النبوة وضرورتها، قال ابن تيمية رحمه الله: «الرسالة ضرورية للعباد لا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات، وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب؛ فإن آخر ما يقدر به عدم الطبيب موت الأبدان، وأما إذا لم يحصل للعبد الرسالة وحياتها مات قلبه موتًا لا ترجى الحياة معه أبدًا، أو شقي شقاءً لا سعادة معه أبدًا، فلا فلاح إلا باتباع الرسول».

الباب التاسع: باب في حجية السنة ومكانتها في التشريع والرد على الشبهات المثارة حولها. النص الأول قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

قال ابن القيم رحمه الله: «الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه وتعالى هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته».

هذا نص نموذجي للشافعي رحمه الله قال: «فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عز وجل في اتباع أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أحد قبلك أو بعدك ممن لم يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟».

النص الثاني، قال ابن خزيمة: «لا أعرف أن روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان بإسنادين صحيحين متضادان، فمن كان عنده فليأتِ به حتى أؤلف بينهما». المرجع "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي، والكفاية يعتبر من الكتب الجامعة في علوم الحديث، ومن طريقته أنه يجمع بين النقولات المسندة -مثل حدثنا فلان- وبين أن يعلق الخطيب البغدادي برأيه، وهو يجمع بين نقله لعلوم المتقدمين وبين إبداء رأيه، وفيه فوائد كثيرة، وأحيانًا يكون فيه شيء من مخالفة كلام المتقدمين.

لأجل ذلك قد يكون بعض المباحث الحديثية التي طارت أو سارت في بعض الكتب المتأخرة كانت بدايتها من الخطيب البغدادي رحمه الله، وهو إمام كبير، أقفَلَ علماً أو فناً من فنون الحديث ألف فيه أو صنف فيه كما قال ابن حجر.

قال الشافعي رحمه الله: «ولم نجد عنه شيئاً مختلفاً فكشفناه، إلا وجدنا له وجهاً يحتمل به أن لا يكون مختلفاً، وأن يكون داخلاً في الوجوه التي وصفت لك، ولم نجد عنه حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج أو على أحدهما دلالة بأحد ما وصفت، إما بموافقة كتاب أو غيره من سنته أو بعض الدلائل».

الشافعي يقول: «التي وصفت لك»، وأن يكون داخلاً في ماذا؟ الشافعي كتب كثيراً من كلامه وتقريراته باستحضار المخالف والرد عن المخالف. والمخالف عند الشافعي رحمه الله؛ إما مخالف فقهي، وإما مخالف أصولي، أو خلينا نقول في الأصول. فالمخالف الفقهي الأساس، وأكثر من هم مستحضر لهم هو محمد بن الحسن الشيباني وغيره، فممكن يرد على غيره، لكن الشافعي كتب كتبه باستحضار لذلك، تجد اللغة فيها نفس الاحتجاج مع أنه يقرر مسألة تأخذها بنائية، ليست في سياق مناظرة فقط، بل يكتب بنفس الاحتجاج لأنه أتى في سياق اختلافات فقهية، ومن لا يستحضر فكرة المدارس التي كانت موجودة في تلك المرحلة ما يستوعب كثيراً.

محمد بن الحسن الشيباني من جهة أخرى كتب «الحجة على أهل المدينة»، وهو من أجل كتبه ومن أفضل الكتب في الخلاف، والشافعي رحمه الله يرد كثيراً على محمد بن الحسن الشيباني، وفي تنقل أحياناً مناظرات بينهم، هما بالنص اختلاف الحديث.

هذا النوع الأول من المخالفين، والنوع الثاني مخالفون في الأصول، وهؤلاء بعض أهل البصرة ممن كان عندهم إشكال في ثبوت أو في الاستدلال بالسنة، أو حجية السنة، أو حجية أخبار الآحاد. ولذلك الشافعي اعتنى ببيان أخبار الآحاد وصحة أخبار الآحاد وثبوت أخبار الآحاد، أو عموم السنة، اعتنى بقضية السنة وحجيتها.

كيف المعتزلة؟ لعلهم من المعتزلة أو بعضهم، لا أدري، هم أقرب إلى الزندقة أو إلى بعض المعتزلة، الله أعلم، لكن هو عموماً ما يعرف عن المعتزلة أنه هكذا إنكار السنة، إنما هو إنكار طوائف لبعض أخبار السنة. فالشافعي رحمه الله كان يستحضر هذا ويستحضر ذاك.

كتاب الرسالة ذكرتنا في اللقاء الماضي، تكلمت عنه في محاضرة، وكتاب الرسالة كتاب معروف ومشهور جداً، لكن خلينا نقول ما هو بقول هجر في بعض السلالم العلمية الدراسية، أو لم يُحتفَ به في الناحية العملية الدراسية في سياق القراءة الشرعية، وإن كان إلى الآن محتفى به كثيراً، على الأقل من ناحية الطبعات ما شاء الله مطبوع طبعات كثيرة، وفي عناية به عند المختصين، لكنه عادة لا يوضع في ترتيب الدرس الأصولي.

بينما كتاب الشافعي «الرسالة» ليس بتلك الصعوبة بحيث يؤخر بعيداً، إن كانت القضية صعوبة فهو ليس صعباً بالمعنى الذي يؤخر لأجله، هو ليس للمبتدئين أكيد، لكنه أسهل بوجهة نظري من عامة كتب أصول الفقه التي في حجم عدد صفحاته، بالعكس، كتب أصول الفقه هي التي فيها المباحث الكلامية والنقاشات في كثير من الأبواب، بينما كتاب الشافعي كله آيات وأحاديث واستدلالات عقلية واستنباطات من النص، وفيها نقاشات. لغة الشافعي ليست سلسة، هي عالية ومركزة، وفيها طريقة الجمل المركبة للاستدلال، لكن كتاب الرسالة المفترض بالعكس، المفترض أن الذي يدرس علم الأصول أياً كان مذهبه يرجع إلى كتاب الرسالة ويجعله معياراً وأصلاً.

قال العلائي رحمه الله: «العلماء متفقون في كل عصر على التمسك في إثبات الأحكام بآيات القرآن وحديث السنة». القرآن العظيم وأحاديث السنة، هذه الإجماعات مهمة، وتلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم. العلائي هذا كتاب مؤلف في فرع من أبواب أصول الفقه، وهو تنقيح صيغ العموم.

قال الشافعي رحمه الله في النص الخامس: «فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عز وجل في اتباع أوامر رسول الله ﷺ أو أحد قبلك أو بعدك ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ إلا بالخبر عن رسول الله ﷺ؟ جماع العلم». كتاب «جماع العلم» للشافعي ليس صغيراً، وهو من أهم المراجع في بيان حجية السنة من كلام الشافعي، فتجد حجية السنة بالنسبة للشافعي في كتاب «الرسالة» وكتاب «جماع العلم».

قال الباقلاني رحمه الله: «وكل خبرين عُلِم أن النبي ﷺ تكلم بهما فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين؛ لأن معنى التعارض بين الخبرين، من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافياً لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف».

نهيا أو إباحة أو حظراً أو يوجب كون أحدهما صدقاً والآخر كذباً إن كان خبرين، والنبي ﷺ منزه عن ذلك، وأجمع ومعصوم منه باتفاق الأمة. هذا ثالث نص في الباب على إيش؟ النص الأول كان عن ابن خزيمة، والثاني عن الشافعي، والثالث عن الباقلاني. في إيش؟ في عدم وجود تعارض، فإنه لا يوجد تعارض، وإذا وجد تعارض نحن نحله ما ظاهره التعارض.

ليش ذكر هذا كله في باب حجية السنة؟ لأنه من أهم الأبواب التي بها استدل على الطعن في السنة: باب التعارض. هل هذا الاستعمال قديم ولا فقط في الزمن المعاصر؟ استدلال بالتعارض وبما ظاهره التعارض للطعن في السنة؛ العلماء ردوا على هذا، يمكن من جهة الفقه ولا من جهة الأصول؟ ذكر هذا في المقدمة، ابن قتيبة ذكره بشكل واضح، وهو من أهم المصادر التي تبين ذلك، في كتابه «تأويل مشكل الأخبار».

ذكر ابن قتيبة أنه يتكلم عن هذه الأخبار وكذا والتعارض، وطبعاً «تأويل مشكل الأخبار» ليس فقط في تعارض الحديث مع الحديث، وإنما حتى مع آية قرآنية أو نحو ذلك.

النص السابع قال المعلم اليماني رحمه الله: «فأما السنة فقد تكفل الله بحفظها». ليش؟ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو السنة. واجتهد هو أيضاً وأتى بشيء استدلال، قال: «وحفظ لسانه وهو العربية»، يعني العربية محفوظة بتكفل الله بحفظ القرآن، لأن من تمام حفظ القرآن حفظ لسان القرآن، والمقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمداً ﷺ خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع، بل دل على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 19]. فحفظ الله السنة في صدور الصحابة والتابعين حتى كتبت ودونت.

فالشأن في هذا الأمر هو العلم بأن النبي ﷺ قد بلغ ما أمر به التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنة بلوغه إلى من يحفظه من الأمة ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجوداً بين الأمة، وتكفل الله بحفظ دينه يجعل تلك المظنة متحققاً، فتم الحفظ كما أراد الله تعالى، هذا في كتاب «الأنوار الكاشفة»، وقد تكلمنا عن كتاب «الأنوار الكاشفة» في بعض اللقاءات الماضية.

الشوكاني في النص الثامن يقول: «والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام». «إرشاد الفحول» للشوكاني في أي شيء؟ في أصول الفقه. والشوكاني رحمه الله من العلماء الكبار المجتهدين من علماء اليمن، ومن أهم كتبه كتاب «نيل الأوطار»، وهو شرح «منتقى الأخبار» لابن تيمية؛ «منتقى الأخبار» كتاب من أكبر كتب الأحكام، والشوكاني شرحه شرحاً طويلاً كبيراً واسعاً في «نيل الأوطار».

لكن «نيل الأوطار» لا يعني لا يصلح أن يكون بداية أو أصلاً لطالب علم يريد أن يبني بدايته العلمية، والبعض طبعاً ينتقد هذا الكتاب انتقاداً شديداً، وبرأيي أن الكتاب لا يستحق هذا الانتقاد، فهو كتاب مفيد جداً يستفيد منه طلبة العلم المتقدمون، وهو كتاب واسع، بحر من الاستدلالات والكلام على الأحاديث والكلام على وجوه الاستدلال والمذاهب والخلافات، فهو موسوعة كبيرة جداً لا يمكن إلغاؤها.

أحياناً لما يصير فيه اهتمام مذهبي كبير، تصير ردة فعل شديدة تجاه من لا يلتزم بمذهب معين، وهذا الكلام عندما يكون في حق المبتدئين، فالمبتدئ يحتاج إلى ضبط علمي والسير على الدراسة المذهبية وكذا، لكن بعد ذلك، حتى من لم يلتزم بشيء بهذا التمذهب الدقيق، ليس بالضرورة أن يستجلب في حقه ما يقال في حق المبتدئين؛ فالشوكاني عالم كبير أبحر في هذا العلم، يستفيد منه من يتصف بصفة العلم سواء من العلماء الكبار أو من طلبة العلم المتقدمين.

أيضاً الشوكاني له كتاب في التفسير اسمه «فتح القدير»، في الجمع بين الرواية والدراية في علم التفسير أو نحو ذلك، وهو كتاب كبير، وفيه روايات كثيرة في أسباب النزول وكذا، كتاب جامع. ومن جهة يذكرك بـ«نيل الأوطار، ومن جهة كان الإطار مختلفاً. ولا أدري حقيقة لما كان هذا الكتاب مقرراً في بعض الجامعات الشرعية؛ ما أظنه أنسب كتاب من الناحية المدرسية التعليمية للتفسير، ففي غيره أسهل وأضبط وأرتب في الاستدلال.

الشوكاني أيضاً له متن فقهي استخلصه على طريقته ومذهبه، وهو «الدرة البهية»، وقد شرحه، وأظنه «الدرر المضية»، شرحه جميل صراحة، هو شرح علمي فقهي مليء بالأحاديث ومرتب ترتيباً جيداً. وعموماً أيضاً طبعت رسائل الشوكاني في «مجموع الرسائل».

ويبقى طبعاً أنه كان من أهم الأشياء التي دعا لها واعتبرها مشروعاً أساسياً في حياته: محاربة البدع المنتشرة في وقته، ومحاربة التعصب والتقليد خاصة. وفي الأخير هو بشر، ولا يخلو من أخطاء، ولكن هذا الأمر من كل الجهات صواب، وليس بالضرورة أن ننسى زمن ومكان المؤلف والسياق الذي ألف فيه، والرجل عالم من العلماء وفي كتبه خير كثير، وهذه الأخطاء والإشكالات يتداولها المشايخ والعلماء وطلبة العلم.

هذا مثل ما ذكرت في بعض اللقاءات السابقة في هذه السلسلة، وهو موضوع "المحلى"؛ أن المحلى ليس للمبتدئين، بل هو بالنسبة للعلماء والمتقدمين، فهو كتاب صنفه الكبار من الكتب الكبيرة جدا في الإسلام، وفعلاً هو كتاب فيه علم عجيب، لكنه للعلماء ولطلبة العلم المتقدمين عموماً.

النص التاسع: ماذا قال المعلمي عن حجية خبر الآحاد؟ قال: «الحجج في هذا الباب كثيرة، وإجماع السلف على ذلك محقق».

العاشر: قال أحمد شاكر: «وقد لهج أعداء السنة، أعداء الإسلام في عصرنا، بالطعن في أبي هريرة، وتشكيك الناس في صدقه وفي روايته وما إلى ذلك. وإنما أرادوا -زعموا- أن يصلوا إلى تشكيك الناس في الإسلام تبعاً لسادتهم المبشرين، وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن والأخذ بما صح من الحديث في رأيهم، إلا ما وافق أهواءهم وما يتبعون من شعائر أوروبا وشرائع وقتهم. ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ في اللغة التي نزل بها القرآن، ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون. وما كانوا بأول من حارب الإسلام من هذا الباب، وإن لهم في ذلك سلف من أهل الأهواء قديماً، والإسلام يسير على طريقته قدماً، وهم يصيحون ما شاؤوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميراً».

حاشية المسند لأحمد شاكر رحمه الله: كان له جهود كبيرة في تحقيق كتب التراث، وأشهر شيء عنده هو تحقيق "الرسالة" للشافعي، و"مسند الإمام أحمد"، وأيضاً اختصار ابن كثير "عمدة التفسير" أو تهذيب تفسير ابن كثير، وله تعليقات وحواشي، وعنده بعض الرسائل المطبوعة غير هذه الكتب.

الحادي عشر: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. قال ابن حزم رحمه الله: «الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا، وإلى كل من خلق ورُكبت روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجن والناس». مر معنا ثالث إجماع.

الثاني عشر: قال ابن تيمية رحمه الله: «وليس من شرط المنقول المتواتر أن يكون في القرآن، بل كما تواتر عنه في شريعته ما ليس في القرآن، وهو من الحكمة التي أنزلها الله عليه. كذلك تواتر عنه من دلائل نبوته ما ليس في القرآن، وهو من براهنه وآياته». وقد قال تعالى في غير موضع: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113]، فالحكمة نزلت عليه وهي منقولة في غير القرآن.

الثالث عشر: قال الشافعي في حواره مع أحد منكري السنة، وفي هذه المحاورة فوائد في تثبيت تفسير الحكمة بالكتاب. قال رحمه الله: «قلت: قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. قلت: فقد علمنا أن الكتاب هو كتاب الله، فما الحكمة؟ قلت: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم».

الشافعي هنا يكتب الحوار نفسه: «قلت: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أفحتمل أن يكون يعلمهم الكتاب جملة، والحكمة خاصة، وهي أحكامه؟ قلت: تعني بأن يبين لهم عن الله عز وجل ما مثل ما بين لهم في جملة الفرائض من الصلاة والزكاة والحج وغيرها، فيكون الله قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه، وبين كيف هي على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: إنه لا يحتمل بذلك. قلت: فإن ذهبت هذا المذهب فهي في معنى الأول، الذي لا تصل إليه إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن ذهبت مذهب تكرير الكلام. قلت: وأيهما أولى به إذا ذكر الكتاب والحكمة، أن يكون شيئين أو شيئاً واحداً؟ قال: يحتمل أن يكون كما وصفت؛ كتاباً وسنة فيكونا شيئين، ويحتمل أن يكون شيئاً واحداً».

محاور يعني في آية الله يرحمه، الذين زمان كانوا يتناقشون. لكن اليوم واحد في شبكات التواصل ينكر نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، ويقول: جاء حديث في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن أدركه فليقرئه مني السلام». فقال: والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ [مريم: 33]، فكيف النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أن يسلم عليه؟ والله سلم عليه، وهذا الدليل أنه لن ينزل!

أنا نفسي الشافعي سمع هذا المنطق الطفولي، هو أقرب للنكتة فعلاً، لا أحد يستوعب هذا الكلام، وتأتيك في شبكات التواصل مثل هذه الشغلات.

قلت: فإظهار هذا الشطار؟ تذكر ذاك الواحد، قلت يمكن قصته أكثر من مرة، تناقشت معه نقاشاً طويلاً، يقول: لا، الرسول في الكتاب ليس هو الرسول، يعني محمد صلى الله عليه وسلم، إنما الرسالة، كله عشان ينكر "أطيعوا الرسول" وأنها تشمل السنة، فيقول: الرسول هنا الرسالة. أعوذ بالله! ما الدليل؟

شوف الفهم، يقول لك لأن الله قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]، فيقول إن الله سبحانه وتعالى قال "أطيعوا"، فمعناه ماذا سيقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ سيقول في النص "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول"، يعني لو كان هو الرسول ما حيقول "أطيعوا الرسول". قال لي: وأتحداك تجيب لي من كلام العرب إثباتاً. قلت له: ترى معروف في قصص العرب هذه، يجي الأمير يقول: "أطيعوا الأمير" أو "أطيعوا الناصح"، واحد من هو يقصد نفسه. قال: لا، ما في.

ثم جاء في قصة القرآن، فقال: "أبداً ما في"، قال لي: أتحداك تجيب لي من كلام العرب إثباتاً. قلت: بس والله غفور رحيم، قلت الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه، قال: لا تشبه خالق من مخلوق. ثم طلب المباهلة. والله جد، هو مؤمن بهالشيء.

هؤلاء هم الجيل القديم، هذا في 2015 و2016. أنت ترد عليه بهذه الآية، المشكلة أن شيخهم يقول: "والفجر الانفجار الكوني"، ويقول: "وليالٍ عشر هي مرحلة الظلام الكوني قبل ظهور الفوتونات"، لا هي ليست نكتة، هو جاد ويقول هكذا.

النساء ليست النساء من النسيئة، تأجيل. عندهم مشكلة مع العرب، لا، هو فعلاً نكتة؛ أنت ترد على واحد عنده شبهة حقيقية، فهل تقول له تضحك؟ صدق، كذب يا معود.

التوابل، شرح، أي التوابل في قلب يوم تبوله. هذه طبعاً تعرفون ما هي، نكتة من جد، كانت بانت سعادة في قلب اليوم متبول يعني بالتوابل. والله يقولها من جد، دكتور هو دكتور موجود على اليوتيوب.

أتذكر ومع الفارق، أحد المحدثين الكبار اسمه صالح بن محمد الملقب بجزرة، أرسل لي أبو زرعة -ما أدري أبي حاتم الرازي- يبكي، يشتكي يقول له: ترى ذهب المحدثون وبقي عندنا أناس. هذا يقول يحدث، يقول: قال النبي ﷺ: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها خرس هي فيها جرس»، فوهذا يقول مدري زي كذا، جاب نصين صحف. فيقول: الله المستعان، هؤلاء الذين سيجؤون عندنا، يتصدرون للتدريس، كل مهوس بليد، تسمى بالفقيه المدرسي إلى آخره. الله يعين.

إرشاد الفحول نفسه، وهو كتاب في الأصول، ليس لي اطلاع تفصيلي عليه، لكنه ما أظنه ينطبق عليه هذا الوصف، والله أعلم.

إحنا ماذا قلنا الآن؟ إنه كان فاظهرهما، أو أنه واحد فاهم وعنده إنصاف، يقول والله محتمل أن يكون مثل ما ذكرت. قال: فاظهرهما أولاهما، قلت: فاظهرهما أولاهما، التي هي أن يكون شيئين متغيرين، وفي القرآن دلالة على ما قلنا وخلاف ما ذهبت إليه. قالوا: أين هي؟ قلت: قول الله عز وجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 34]. فأخبر أنه يتلى في بيوتهن شيئان. قال: فهذا القرآن يتلى، فكيف تتلى الحكمة؟ قلت: إنما معنى التلاوة أن ينطق بالقرآن والسنة كما ينطق بها. قال: فهذا أبين في أن الحكمة غير القرآن من الأولى. يعني قال له صح يا إمام الشافعي، صدقت، الله يستدل بالأمور تمام.

وفي القرآن دلالة على ما قلنا وخلاف ما ذهبت إليه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. قال عبد العزيز الكناني رحمه الله: «هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم؛ إن رددناه إلى الله فهو إلى كتاب الله، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته ردناه إلى سنته، وإنما يشك في هذا الملحدون».

رسالة الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن للكناني، هي رسالة متقدمة للكناني، الذي ناظر بشر المريسي في زمن المأمون أو نحو ذلك، وهذه الرسالة مشهورة جداً جداً، وفي كلام علمي في نسبتها وصحة النسبة وعدم صحتها، لكنها مشهورة جداً.

قال ابن حزم رحمه الله عن الخبر الذي تنقله كافة بعد كافة حتى تبلغ به النبي ﷺ: «وهذا خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الأخذ به، وفي أنه حق مقطوع به». وهذا خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الأخذ به وفي أنه حق مقطوع به، لأن بمثله عرفنا أن القرآن هو الذي أتى به محمد ﷺ، وبه علمنا صحة مبعث النبي ﷺ، وبه علمنا عدد ركوع كل صلاة، وعد الصلوات، وأشياء كثيرة من أحكام الزكاة وغير ذلك مما لم يبين في القرآن تفسيره.

وقد تكلمنا في كتاب "الفصل" -وهو في الملل والأهواء والنحل، وهو من الكتب الكبيرة والمهمة لابن حزم ومن أهم كتبه- بينا أن البرهان قائماً على صحته، وبينا كيفيته، وأن الضرورة والطبيعة توجبان قبوله، وأن به عرفنا ما لم نشاهد من البلاد، ومن كان قبلنا من الأنبياء والعلماء والفلاسفة والملوك والوقائع والتوالف. ومن أنكر ذلك كان بمنزلة من أنكر ما يدرك بالحواس، ولا فرق، ولزمه ألا يصدق بأنه كان قبله زمان، ولا أن أباه وأمه كانا قبله، ولا أنه مولود من امرأة.

أنت تتخيل، به هذه اللغة يتكلم في الفقه ويمسك المخالف، عشان كذا لا يصلح المبتدئ، بل الذي ضابط العلم وانضبط بأدب العلم ومنهج العلم، يقرأ ابن حزم فيزداد خطوات حقيقية. لذلك فعلاً يقولون لا يُستغرب أن كتابه يعد من الكتب الأربعة الكبار في علوم الإسلام. الذي جرب القراءة فيه يعرف مستوى استدلالاته، لكن أؤكد ليس للمبتدئين، إذا قرأت كمبتدئ ستصبح ظاهرياً، ولا نقاش في ذلك. حتى الأسلوب فيه جرأة، وهذه الجرأة انتقدها عليه العلماء، فما بالك بطالب مبتدئ يأخذ منه مثل هذه الجرأة، هذا لا ينبغي.

الباب العاشر في فقه الدعوة والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]. قال قتادة في تفسير الآية: «هذا شرط الله على هذه الأمة».

وفي النص الأول عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله، قال: «كان يقال إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمِل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم». أخرجه مالك في الموطأ.

ممكن يضاف قيد إذا عمل المنكر جهاراً بلا إنكار، إذا أنكر ولم يكن بالإمكان التغيير. فلعل رحمه الله سبحانه وتعالى رحيم، ونسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية.

قال الخطابي رحمه الله: «النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الحظ للمنصوح له»، وهذا من جوامع التعريفات وجواهر الكلم.

قال ابن تيمية رحمه الله: «والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف؛ فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله» [مجموع الفتاوى].

يقول ابن رجب: «واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يحمل عليه...». هذا من أجمل النصوص في البواعث للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما هي البواعث؟ تارة يحمله عليه رجاء ثوابه؛ لماذا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ تارة لأجل الثواب، وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لغضب الله وعقبته بالدنيا والآخرة، وتارة يحمله إجلال الله وأعظمته ومحبته، وأنه أهل أن يطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا ينسى، ويُشكر فلا يكفر، وأن يُفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموات.

هذا أمر صراحة، نص ثمين، ويمكن أن يقاس على مثل هذا النص في بقية الأبواب؛ لأنه لم يبق شيء من الحامل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا خمسة أمور: أما رجاء الثواب؛ لأن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضلاً وثواباً، وأما خوف العقاب؛ لأنه ورد كذلك في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العقاب، وأما الغضب لله على انتهاك محارمه، وهذا فعلاً باعث، أحياناً الإنسان لا يستحضر إلا الغضب لمحارم الله، والرابع النصيحة للمؤمنين والرحمة، والخامس وهو أدقها -وهذا الخامس لا يستحضره إلا أصحاب الفقه في الدين والسكينة- وهو إجلال الله وأعظمته وأنه أهل أن يطاع فلا يعصى.

هذا نموذج نص نموذجي حقيقة، وهذا نموذج لتحريرات ابن رجب، ولكن ابن رجب لما يحررها لا يقول لك انتبه، بل هو تحرير كبير يجيبه من بين الكلام، ولكن يكون تحريراً ثميناً ونفيسًا. وهذه المراتب متداخلة، والدواء يكون بحسب المنكر، وبحسب الشخص، وبحسب الحال؛ أحياناً بعض المنكرات هي بطبيعتها تدفعك إلى الغضب، وأحياناً تدفعك إلى أن تخاف على نفسك حين لا تنكر، فيكون الدافع الخوف من العقاب، وهكذا.

ابن القيم في النص الخامس يقول إن إنكار المنكر أربع درجات: الدرجة الأولى أن يزول ويخلفه ضده، والثانية أن لا يزول بجملته، والثالثة أن يخلفه ما هو مثله، والرابعة أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان؛ أن تنكر المنكر ليزول أو ليصبح ضده. والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة؛ يعني يحرم إنكار المنكر إذا سيترتب عليه منكر أعظم منه.

ولازم هذا التقسيم وجود فهم مالات الإنكار؛ فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج، وكان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله وإلى رسوله ﷺ كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك. وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو أو لعب أو سماع مكاء وتصدية، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة، وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغ لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلاً لهم عن ذلك. وكذلك إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحرة، فدعه في كتبه الأولى.

وهذا باب واسع، وسمعت ابن تيمية رحمه الله يقول: «مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدعهم».

يقول ابن القيم: «لما كان التبليغ عن الله سبحانه وتعالى يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضية السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلن في مدخله ومخرجه وأحواله، إماماً موقعاً».

ويقول ابن القيم: «إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره». وهذا يتوافق مع الدرجة الرابعة.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]. قال قتادة رحمه الله: «هذا شرط الله على هذه الأمة».

تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم؛ طبعاً اسمه عبد الرحمن، وهذا بار بأبيه لأنه نقل علم أبيه أبي حاتم الرازي، وأهم علوم أبي حاتم موجودة في كتابين هما: العلل، والجرح والتعديل. المراسيل ممكنة لكنها ليست بقيمة الجرح والتعديل، لكن الأهم كتابان لأبي حاتم، أهم علومه في العلل وفي الجرح والتعديل، ومجاله أصلاً في العلل.

تفسير ابن أبي حاتم مسند تفسير، هو يعتبر من المراجع الأساسية بالنسبة للتفسير المأثور. وابن أبي حاتم مؤلف عامة كتبه مسنده، وعنده كتاب «آداب الشافعي ومناقبه»، وهذا الكتاب جميل جدا ومفيد ورائع، فهو يحدث فيه عن أصحاب الشافعي.

قال ابن رجب رحمه الله في النص التاسع: «شتان بين من قصده النصيحة، وبين من قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة». هذا النص من رسائل رجب الجميلة اللطيفة، والفكرة هي وجوب حفظ هذا النص: «شتان بين من قصده النصيحة، وبين من قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من أهل العقول الصحيحة».

قال ابن رجب رحمه الله في نفس المصدر: «من عُرف منه أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين الذين سبق ذكرهم وأمثالهم ومن اتبعهم بإحسان. ومن عُرف أنه أراد برده عليهم التنقص والذم وإظهار العيب فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدعه هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة. ويعرف هذا القصد تارة بإقرار الرد واعترافه، وتارة بقرائن تحيط بفعله وقوله».

فمن عرف منه العلم والدين وتوقير أئمة المسلمين واحترامهم، وهذا معهود عنه أن هو يحترم أئمة المسلمين ويوقرهم، ولم يذكر الرد وتبيين الخطأ إلا على الوجه الذي ذكره غيره من أئمة العلماء، سواء في التصنيف أو في البحث، وجب حمل كلامه على الوجه الأول، وأنه إنما يقصد بذلك إظهار الدين والنصح لله ورسوله والمؤمنين.

ومن حمل كلامه والحال على ما ذكر على الوجه المذموم، فهو ممن يظن به السوء، وذلك من الظن الذي حرمه الله ورسوله، وداخل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 112]. فإن الظن السوء ممن لا تظهر منه أمارات السوء مما حرمه الله ورسوله، فقد جمع هذا الظان بين اكتساب الخطيئة والإثم ورمي البريء بها.

ويقوى دخوله في هذا الوعيد إذا ظهرت منه أمارات السوء، مثل: كثرة البغي والعدوان، وقلة الورع، وإطلاق اللسان، وكثرة الغيبة والبهتان، والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله والامتنان، وشدة الحرص على المزاحمة على الرئاسات قبل الأوان. فمن عرف هذه الصفات التي لا يرضى بها أهل العلم والإيمان، فإنه إنما يحمل على الوجه الثاني، وهو أنه من يستحق أن يقابل بالعقوبة لأنه أراد التنقص، فيستحق حينئذ مقابلة الهوان.

ومن لم تظهر منه أمارات بالكلية تدل على شيء، فإنه يجب أن يحمل كلامه على أحسن محملاته، ولا يجوز حمله على أسوأ حالاته. وقد قال عمر رضي الله عنه: «لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا».

قال ابن تيمية رحمه الله في النص الحادي عشر: «ومن المستقر في أذهان المسلمين أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء هم الذين قاموا بالدين علمًا وعملًا ودعوة إلى الله ورسوله». هذه الثلاثة مرت علينا أمس: العلم، والعمل، والدعوة أو التعليم. فمن هم ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء؟ هم الذين قاموا بالدين علمًا وعملًا ودعوة إلى الله والرسول، فهؤلاء اتباع الرسول حقًا، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها وزكى الناس بها.

وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة، ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله فيهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: 45]. فالأيدي القوة في أمر الله، والأبصار البصائر في دين الله؛ فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة.

يقول ابن حزم في النص الثاني عشر: «إذا نصحت فانصح سرًا لا جهرًا». هذا قبل زمن الهشاشة النفسية، وهو مقتضى الأدب ومقتضى الفطرة والعقول، وليس له دخل بأن الشخص حساس أو غير حساس. قال أيضًا: «وبالتعريض لا بالتصريح، إلا أن يفهم المنصوح تعريضك فلا بد من التصريح، ولا تنصح على شرط القبول».

هذا هو الأصل في النصيحة؛ أن تنصح بنصح رجل فطن أديب، تقدر أن تقول له كلمتين فيفهم الباقي، أما إذا كان المقام يقتضي أن تبين له بصراحة، فبين له بصراحة. ولا تنصح على شرط القبول، لأنك لست وصيًا بل أنت ناصح، تقول الكلمة وتمشي. أما فكرة: «اسمع لماذا لم تسمع؟ لقد نصحتك..» إلى آخره، فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم، لست ناصحًا وطالب طاعة وملك، بل أنت طالب طاعة وملك، ولست مؤدي حق أمانة وأخوة. وليس هذا بحكم العقل ولا حكم الصداقة، لكنه حكم الأمير مع رعيته والسيد مع عبيده.

كتاب «مداواة النفوس» لابن حزم مليء بهذه الجمل من أفكاره وتجربته. هو إنسان جد وشخصيته واضحة، ومن يقرأ «مداواة النفوس» يحبه جدًا.

قال ابن تيمية متحدثاً عن السماع البدعي، وهو ما يتعبد به أقوام من الرقص والغناء والسماع في ظل سياق طربي، هذا هو السماع البدعي.

ابن تيمية يتحدث الآن عن السماع البدعي، ويتكلم عمن ينكر على هذا السماع؛ ففي هؤلاء المنكرين من أصاب في إنكاره، ومنهم من تجاوز الحد. وهذا قانون في الرد على أهل البدع. يقول: «فأقام الله في الأمة من أنكر ذلك، كما هو سنة الله في هذه الأمة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر». وهذا أمر يجب إنكاره، وإنكاره من الدين ولا شك في ذلك في كل زمان.

وهؤلاء المنكرون فيهم المقتصد في إنكاره، ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار غير مشروعة، كما أحدث أولئك ما ليس مشروعاً. وصار على تماد الأيام يزداد المحدث من السماع، ويزداد التغليظ في أهل الإنكار، حتى آل الأمر من أنواع البدع والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو من أعظم القبائح والمنكرات التي لا يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان.

هذه المرتبة من جهة أخرى، فكرة أن بعض النفوس إذا كانت معينة، أنك تنكر المنكر سواء وقعت استجابة أو لم تقع استجابة. هو لا يتكلم عن الاستجابة، أنت الآن تنكر المنكر وهذا واجب.

يقول إن هذه الطريقة في السماع هي سماع بدعي، وهناك من هذه السنة في هذه الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنها تنكر ما أمر الله بإنكاره. والمنكرون على قسمين: منهم المقتصد المعتدل المتوسط، الذي يقول يا جماعة ترى هذا ليس من هدي النبي ﷺ، فالخير أن هدوا بالكم، ترى سنة النبي ﷺ لها مسلك واضح في مثل هذا. هذا المقتصد لم يشرح ماهيته لكنه مثال عليه.

ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار غير مشروعة، وهذا أنكر على منكر، لكنه زاد في الإنكار بتأول بطريقة زيادة غير مشروعة في هذا الإنكار. قد يأتي ويقول لهم: يا بهايم، يا حيوانات، أنتم لو فيكم كذا وكذا، فهذه زيادة في الإنكار غير مشروعة.

كما أحدث أولئك ما ليس مشروعاً، وصار على تماد الأيام يزداد المحدث من السماع؛ لأنه يرى إذا كانت السنة هي ما تدعون إليه، فنحن عايشون في الذوق والوجد وفي الحال الجميلة، وأنت تأتي لتنكر، فيصبح المنكر فتنة. فيزداد المحدث من السماع، ويزداد التغليظ في أهل الإنكار، لأنهم يقولون: ما أنكرنا عليهم، بل نزل في اليوتيوب مقاطع في الطقطقة عليهم والاستهزاء بهم. وهؤلاء يقولون: رأيناكم وجربناكم غلظة وجفاء وكذب وظلم، حتى آل الأمر من أنواع البدع والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو من أعظم القبائح والمنكرات التي لا يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان.

هذا الذي يطرح منهجاً، وهذا عموماً منهج في إنكار عموم المنكرات والمحدثات، وهو من فقه الموازنات. في الكتاب كان هذا ضمن فقه الموازنات في البداية، لكن لأن فقه الموازنات طال، قسمته إلى قسمين؛ جعلت هذه في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه في فقه الموازنات.

هذا كلام مهم جداً، لأننا اليوم في فتنة كبيرة، في ناس كرهوا كلمة السلف بسبب أفعال من ينتسب إليها، فكأن لسان حال البعض يقول: إذا كان هؤلاء هم السلف فلا تأتي بالوضع. ونفس الشيء في مختلف القضايا، بينما الدعوة لها شروط والبيان له شروط، يجب أن تعرف وتستوعب أسبابه وطريقته في الإنكار. إلا إذا قصدت بها المضاربات والمطاحنات، فهذا ما يحذر منه. أما إذا كان قصدك بيان الحق وتعديل السلوك وإصلاح الأمة، فلهذا باب، أما المطاحنات والطوشات فلها باب آخر.

التمسك بالواحد بالطقطقة والاستهزاء والسخرية وتسفيهه وسلب كل خير، لو كان على باطل، فإنه على منكر وليس معناه أنه كافر. هو على بدعة وليس معناه أنه كافر، حتى لو فعل بدعة ليس معناه بالضرورة أنه في صورته المجملة مبتدع، قد يكون في عامة أمره على السنة ولكنه وقع في بدعة، وهذا الوقوع قد يكون بسبب أو لآخر، كأن يكون متأولاً بطريقة أو بأخرى، فالأمر لا يواجه بهذه الطريقة.

قال ابن تيمية في ضمن كلام له: «ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية، ومن يغلط في الرأي والفتيا، ومن يغلط في الزهد والعبادة، وإن كان المخطئ مجتهداً».

مغفورًا له خطاه وهو مأجور على اجتهاده. فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب، وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله. ومن علم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له؛ فإن الله غفر له خطاه، بل يجب لما فيه من إيمان وتقوى مواالاته ومحبته والقيام بما أوجب الله من حقوقه من دعاء وثناء وغير ذلك.

فتاوى ابن رجب (15): قوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا...». يدل على أن الإنكار متعلق بالرؤية؛ فلو كان مستورًا فلم يره ولكن علم به منكرًا، ما رأيته لكن علمت به، تعلم أنه في منكر في مكان. لو كان مستورًا في بيت أو في مكان آخر، علمت أنه مستور؛ فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يعرض له.

أي أنك إذا علمت بأن هناك منكرًا مستورًا في مكان ما، فلا تتعرض له؛ لأن الإنكار هو «من رأى منكم منكرًا»، ولكن طبعًا في تفاصيل ستأتي الآن، لأن هذا الكلام حتى يتم إدراكه فقهًا. فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يعرض له، وأنه لا يفتش عما استراب به، وعنه رواية أخرى أنه يكشف المغطى إذا تحقق.

إذًا الروايات الأغلب أنه لا، ورواية أنه يكشف إذا تحقق. تأتي صورة جديدة: لو سمع قائلًا «هناك من رأى منكم منكرًا»، لو سمع صوت غناء محرم أو آلات ملاهي وعلم المكان التي هي فيه، فإنه ينكرها؛ لأنه قد تحقق المنكر وعلم موضعه، فهو كما رأى كمن رآه. نص عليه أحمد وقال: «إذا لم يعلم مكانه فلا شيء عليه».

أما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر، فقد أنكره الأئمة، مثل سفيان الثوري وغيره. وربما يكون ذلك لقضية الستر، وهو داخل في التجسس المنهي عنه. وقد قيل لابن مسعود: إن فلانًا تقطر لحيته خمرًا، فقال: «نهانا الله عن التجسس».

وقد قال القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية: إن كان في المنكر الذي غلب على ظنه الاستسرار به، بإخبار ثقة عنه، انتهاك حرمة يفوت استدراكها كالزنا والقتل، جاز التجسس والإقدام على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم. وإن كان دون ذلك في الرتبة لم يجوز التجسس عليه ولا الكشف عنه.

هذا الكلام في فقه وإنكار المنكر واضح؛ فالموضوع فيه صراع حواري في الأحكام الشرعية: مستور وغير مستور، معلن وغير معلن، يتجسس عليه لا يتجسس عليه، الصوت طالع أو غير طالع، علمت أو ظننت أو تحقق. هذا الكلام حتى لو لم تقسه على زماننا، فربما تكون هناك أسباب كثيرة تعيق إنكار المنكر. هو يتكلم عن زمان طبيعي، والمانع لك شرعي؛ أي أنك حتى لو كنت قادرًا ومتمكنًا، ففيها أحكام.

أما الآن، فالمشكلة في ظل حالة التطبيع؛ فكرة أنه لا يمكن أن تُقبل فكرة إنكار المنكر، مع أنك قد تتدخل في أمور دنيوية مع شخص آخر وتقول له: «ما يصير، هذا غلط»، لكن لما تأتي القضية الشرعية والدينية تقول: «ما لك دخل». الموضوع الشرعي هو الذي فيه الإشكال.

النصيحة لا تدخل في هذا؛ فالكلام ليس في أن تنصح أو لا تنصح، بل في إنكار المنكر، لأنهم منطلقون من فكرة أنه واجب عليك إنكار المنكر أصلاً. القضية أن النصيحة ليست مبنية على شروط إنكار المنكر؛ فالنصيحة قد تكون حتى لو بشيء مبني على غلبة ظن، لكن تدركك الشفقة على المنصوح فتقول: «يا أخي والله كذا»، أيا كان.

السادس عشر: قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُوتُوا مِنَ النَّعِيمِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 116].

قال الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية العظيمة: «يقول تعالى ذكره: فهلا كان من القرون الذين قصصت عليكم نباهم في هذه السورة...». الطبري من أعجب العلماء في استحضار سياق السورة الكلي، والذي قد يظن أنه من المباحث المعاصرة، بينما الطبري إمام فيها. حتى ترى في سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: 1-5].

بس أعطيك هذا المثال، أنت ما شاء الله تسأل به تدرك به ما وراءه. بالله لا أحد يشوف التفسير، أعطوني احتمالات، لا تشوف التفسير الذي لم يسمعها سابقًا ولا يعرفها، فقط اجتهد. أنت ذكرتها في درس قريب، نسيت أي درس ذكرتها فيه، لكن عمومًا يا شباب أرجوكم ما تشوفوا، أريدكم أن تتخيلوا، ربما ربطها بشيء.

الذين قالوا اتخذ الله ولده. شوف، ستجعلها أصلاً وتقيس عليها، صح؟ بالله اسمع: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: 6]. يقول تعالى ذكره بذلك: فلعلك يا محمد قاتل نفسك ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا لك لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا، في آخر سورة الإسراء. هذه أول سورة الكهف، شايف كيف الربط بينهما؟ تمردهم على ربهم إلى آخره.

هذا الربط خطير، الربط جداً يستحضر السياق. فعجيب عجيب الطبري رحمه الله؛ مباشرة بعد "الله أعلم" المهم أنه ربط بينهما. الشاهد هو: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنْ قُرُونٍ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: 116]. طبعًا هذه في ختام سورة هود، هو على طول قال لك: فلو كان من قرون من قبلكم، المذكورين في هذه السورة هو مستحضر السورة، قال: فهلا كان من القرون من قبل من قرون الذين قصصت عليكم نبأهم في هذه السورة، الذين أهلكتهم بمعصيتهم إياي وكفرهم برسلي من قبلكم.

يعني هلا كان منهم "أولو بقية"، أي ذوو بقية من الفهم والعقل، يعتبرون مواعظ ويتدبرون حججه فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله وعليهم في الكفر به، ينهون عن الفساد في الأرض. يقول: ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم وأهل الكفر بالله عن كفرهم في أرضهم، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: 116]. يقول: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا يسيراً، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض فنجاهم الله من عذابه حين أخذ من كان مقيماً على الكفر بالله عذابه، وهم اتباع الأنبياء والرسل الذين هم هؤلاء اليسير.

عجيب! شوف هذا النص أيضًا، أضفه إلى النص السابق، قال ابن تيمية رحمه الله: «وكثير من المنكرين للبدع في العبادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو الأمر به، ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة، بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، الذي هو الرؤوف بالمنكر، فلا ينهى عن منكر إلا ويأمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله سبحانه وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم يترك العمل السيئة أو الناقص».

يعني هو يتكلم عن طبيعة النفوس؛ هي إذا لم تُشغل بالعمل الصالح لن تترك العمل السيء، لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليه العمل الصالح، نُهيت عنه حفظًا للعمل الصالح اقتضاءً للصراط المستقيم. هذا من أدلة أن في فطر الناس، وترى أحيانًا تصير حالات غير سوية في طبيعة إنكار المنكرات، ما هو طبيعي، وبالتالي أحيانًا يكون المنكر هو سبب الفتنة.

يا أخي الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. مع أنه سب للأصنام، سب للطواغيت، لكن إذا كان هذا يؤدي إلى سب الله، فلا تسبوه. هذه النصيحة أو المعنى المستفاد من الآية أنه إذا كنت هكذا، فلا تسبه. فكذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يمكن ابن القيم -أظن- ذكر نفس الشيء في الإنكار على السماع وكذا، أنه قد يكون عندهم شيء من حال الجفاء، ليس الجفاء في الأسلوب فقط، بل الجفاء في الحال المرتبط بمحبة النبي ﷺ وكذا، أن المنكر أحيانًا قد يكون عنده من الجفاء ما يكون فتنة للمنكر عليه، خاصة أن المنكر عليه أيضًا عنده من الظلم ومن البغي أحيانًا في وصف المخالف له، فتزداد الفتنة. الأمر في الأخير كما قال ابن تيمية قبل قليل: هذا يزداد بدعة، وهذا يزداد غلظة.

هل جاء التشريع هذا كله عشان تصبح القضية بهذه الطريقة؟ هو عمومًا الاعتدال والأخذ بجميع الدين وفهم مقاصده ومعرفة مراتبه، وهذا يحتاج إلى فقه في الدين، وغير الفقيه يسلم للفقيه، ليس كل واحد مطلوب منه أن يكون فقيهاً. لكن نحن ابتلينا في هذا الزمن بأشياء خاصة مع اليوتيوب واليوتيوبرز.

جزاكم الله خير، نسأل الله سبحانه وتعالى السترة والعافية. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك. اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، ومعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.