دخولتسجيل الدخول

صناعة المرأة المصلحة 01

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يعلم الناس الطريق والعبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منهم، فتتابع الأنبياء حتى بعث الله سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء بهذا الكتاب المعظم، هذا الكتاب الكريم، هذا الدين القويم، وأقام الحجة به على الناس وبين لهم الطريق الذي يحب الله سبحانه وتعالى منهم. يقول الله تعالى: ﴿هُدًى﴾، ويقول: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، ويقول: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. أي من سلك طريق الهدى فقد هدى الله سبيله، وأي من تعلم القرآن وامتثل ما في القرآن الكريم سيوصله القرآن مباشرة إلى الله سبحانه وتعالى.

فإذا عرفنا هذا نعرف بأن العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منا ليست هي العبادة التي نريدها نحن، إنما هي العبادة التي وضعها الله سبحانه وتعالى وأنزلها في كتابه الكريم. الأصل في هذه العبادة أنها نزلت على الإنس والجن، وكذلك على الذكور والإناث، فلا فرق من حيث الأصل بالعبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى من الذكر الرجل والعبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى من الأنثى المرأة، إلا أن هذه العبادة في تفاصيلها تختلف.

فالله سبحانه وتعالى يريد من الرجل بعض العبادات، ويريد كذلك من الأنثى بعض العبادات. وكذلك الأنثى بما أن المحاضرة متعلقة بالأخوات كذلك تختلف؛ فقد تكون المرأة في مقام الأم، وقد تكون المرأة في مقام الزوجة، وقد تكون المرأة في مقام البنت، وقد تكون المرأة في مقام الأخت. كل واحدة من هذه المقامات الأربع لها عبادات معينة.

والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ذكر لنا المرأة على اختلاف حالاتها واحتمالاتها؛ فذكر الله سبحانه وتعالى المرأة لما تكون أماً، ذكر الله لنا قصة أم موسى عليه السلام، وذكر الله لنا قصة أم مريم، وذكر الله لنا قصة أم عيسى وهي مريم ابنة عمران، فذكر الله سبحانه وتعالى المرأة لما تكون أماً، وذكر الله سبحانه وتعالى العبادات التي بلغت بهذه المرأة أن تكون صديقة، بلغت بهذه المرأة أن تصل إلى تحقيق العبادة العالية وتفوز في المقامات المنيفة عند الله سبحانه وتعالى.

وكذلك الله ذكر لنا المرأة لما تكون زوجة، فذكر الله سبحانه وتعالى لنا قصة امرأة إبراهيم عليه السلام سارة، وذكر لنا كذلك قصة هاجر امرأة إبراهيم عليه السلام، وذكر الله لنا قصة امرأة موسى عليه السلام. وكذلك الله ذكر لنا المرأة لما تكون بنتاً، فذكر الله سبحانه وتعالى لنا قصة ابنتي لوط عليه السلام. وذكر الله سبحانه وتعالى كذلك المرأة لما تكون أختاً، فالله ذكر لنا قصة أخت موسى عليه السلام.

ثم هذه الصور وهذه النماذج الموجودة في القرآن الكريم هي التي صنعت الصحابيات. فالله سبحانه وتعالى لما ضرب مثل الذين آمنوا امرأة فرعون وكذلك مريم ابنة عمران، يقول يحيى بن سلام: هذا المثل ضرب لعائشة وحفصة أمهات المؤمنين، فبلغت أمي عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن تكون شبيهة بمريم ابنة عمران. يقول النبي ﷺ: «وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».

فصنعت المرأة صناعتين: صناعة عامة وصناعة خاصة. الصناعة العامة هي الآيات العامة والأحاديث العامة التي يشترك فيها الذكر والأنثى، والصناعة الخاصة هي المتعلقة بالتميز للمرأة أو العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من المرأة. والله سبحانه وتعالى مثل ما ذكرت ضرب لنا هذه الصور في القرآن الكريم حتى يكون الاقتداء بهذه النماذج المعظمة في كتاب الله سبحانه وتعالى.

ثم بعد ذلك في زمن النبي ﷺ وجدت النساء التي تشبهن بهذا القسم من النساء، بل بعض النساء فضلن على هذا القسم من النساء المذكور في القرآن الكريم، مثل خديجة بنت خويلد أمي خديجة رضي الله عنها، وكذلك فاطمة ابنة النبي ﷺ رضي الله عنها؛ في قول النبي ﷺ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية». وكذلك في بعض الأحاديث ذكرت أمي فاطمة عليها السلام ورضي الله عنها، وكذلك ذكرت أمي خديجة رضي الله عنها وأرضاها.

القصد من هذا الكلام كله أن الله سبحانه وتعالى بيّن العبادة الخاصة والعبادة العامة، بيّن العبادة العامة، وكذلك العبادة الخاصة التي يريدها الله سبحانه وتعالى من كل إنسان، سواء كان هذا الإنسان ذكراً أو أنثى. بل بلغ الحال في بعض النساء أن تصل إلى درجة أن جبريل عليه السلام ينزل من قبل الله سبحانه وتعالى، ويأمر النبي ﷺ بأن لا يطلق هذه المرأة، فلما طلق النبي ﷺ أمي حفصة طلقة واحدة وبكت، أنزل الله سبحانه وتعالى مباشرة جبريل، وأمره بأن يأمر النبي ﷺ بأن يراجعها.

فانظروا كيف أن هذه المرأة بلغت عند الله سبحانه وتعالى هذه المنزلة العالية، بأن الله يأمر صفوة خلقه وخير خلقه ﷺ بأن لا يطلقها وأن يراجعها؛ لماذا؟ ما السبب؟ ما السر؟ قال: «إنها صوّامة قوّامة». فهذه العبادة هي التي بلغت بها مع ما عندها من إيمان ويقين وحب وتعظيم للدين.

القصد أن العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منا هي العبادة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على النبي ﷺ. وبقدر نقص المعرفة، بنفس هذه العبادة يكون الخلل في السير إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا الخلل قد يوقع الشخص بأمر محرم أو مخالف للشريعة، أو قد يكون بالانشغال بالمفضول دون الفاضل. يعني نعم، ممكن العبد أو الأمة تعمل سنة أو سنتين وعشر سنوات وعشرين سنة وتحصل أجراً، ولكن الذي عرف الطريق وسعى جاهداً بأن يمتثل، وأن يكون قوله وفعله مطابقاً لنفس المراد، هذا يكون أجره عند الله سبحانه وتعالى أعظم وإن كان عمله أقل.

لذلك الله يقول في كتابه العظيم: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ولم يقل أكثر عملاً، فالله ذكر حسن العمل في ثلاث مواضع في القرآن الكريم. وحسن العمل هو العمل الذي يقوم على ركنين أساسيين: الركن الأول الإخلاص، والركن الثاني الموافقة والمتابعة. الركن الثاني مبني على العلم، قائم على العلم والمعرفة، والأول على حال القلب.

إذا عرفنا هذه المقدمة ندخل الآن بإذن الله ونتكلم عن موضوع هذه المحاضرة والتي هي بعنوان صناعة المصلحات. وذكرت الأخوات لي بأنهن يردن المحاضرة أن تكون مقسمة لأربعة أقسام، فنتكلم عن القسم الأول المتعلق بالإيمان، وتحت هذا القسم مجموعة من الأفراد والأنواع، والله سبحانه وتعالى جعل الإيمان هو الميزان الأعظم وجعل الإيمان هو شرط قبول الأعمال، لذلك الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم دائماً لما يذكر الناس بالأحكام يصفهم.

بأهل الإيمان، ويستفز الإيمان عندهم: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ﴾. إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، إن كنتم مؤمنين، وهكذا؛ فهنا الله سبحانه وتعالى لما يذكر، لما ينادي أهل الإيمان بمصطلح الإيمان، حتى يستفز الإيمان في القلوب، فالإيمان ليس معنى جامدًا، إنما الإيمان معنى متحرك، ويظهر أثر هذا المعنى على جوارح الإنسان، وعلى أقوال الإنسان وأفعال الإنسان. فالإنسان يقيس إيمانه بفعله، ولكن أصل الإيمان ومحل الإيمان هو القلب.

كتب الله سبحانه وتعالى الإيمان في قلوبهم، فالإيمان الذي يتمكن من القلب يثمر التوكل، ويثمر الخوف من الله سبحانه وتعالى، والإخلاص، والمحبة، والتعظيم، والإجلال، وتكون الأفعال والأقوال موافقة لما يقع في قلب العبد. هذا الإيمان هو الذي يبرز به الإنسان، وهذا الإيمان هو الذي يرتفع به الإنسان، وهذا الإيمان هو الذي يبلغ به الشخص المقامات العالية والعظيمة عند الله سبحانه وتعالى.

هذا الإيمان كيف يأتي؟ كيف نحصل الإيمان؟ كيف نستطيع أن نصل إلى درجة «من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»؟ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. يعني هناك ثلاث أوصاف إذا وجدت في الإنسان ذاق هذه الحلاوة، هذه مرتبة عالية جدًا؛ ذاق طعم الإيمان، فالإيمان له طعم، والإيمان كذلك له حلاوة.

هذا الطعم وهذه الحلاوة هي التي جعلت آسية بنت مزاحم تصبر على البلاء الذي وقع عليها من قبل فرعون. من يستطيع أن يجابه فرعون من الرجال؟ كيف لما تكون امرأة وتكون زوجة فرعون، كيف سيتفنن فرعون بالتعذيب؟ لماذا ثبتت آسية؟ وكيف استطاعت أن تقاوم كل هذا البلاء وهي كانت ملكة؟ يعني آسية اجتمع فيها فتنة الإغراء وفتنة الملك، وكذلك فتنة التعذيب، وهاتين الفتنتين الواحدة منها ما يستطيع عليها أشد الناس وأقوى الناس، فكيف لما تجتمع الفتنتان؟

هذا كله بالإيمان. هذه المقاومة ليست عبارة عن قوة من شخص أو قوة من فرد، إنما هذه قوة إيمان. قوة الإيمان هي التي جعلت آسية رضي الله عنها وأرضاها ورحمها تثبت على هذا البلاء العظيم، وأن يشرفها الله سبحانه وتعالى بعد ذلك بأن يذكرها في كتابه العظيم الخاتم، ويجعلها النبي ﷺ يذكرها بأنها من كمل النساء. فالإيمان إذا وصل إلى درجة عالية عند المرأة، تكون المرأة شبيهة بآسية بنت مزاحم رضي الله عنها وأرضاها.

هذا الإيمان كيف نأخذه؟ كيف نحصله؟ كيف يكون الإيمان حقيقة في قلوبنا وليس عبارة عن كلمات تقال؟ من السهل تحضير المحاضرات، ومن السهل كتابة الكلمات، ومن السهل قراءة الكتب، لكن أن تصل هذه المعاني إلى القلوب وتتمكن منها حتى يصل العبد والأمة إلى درجة يحب الله سبحانه وتعالى ويدخل في درجة الولاية، هذا أمر ليس بالأمر السهل ولا بالأمر الهين.

الآن نريد أن نعرف كيف نستطيع أن نحصل هذا الإيمان، أقول إن هذا الإيمان نستطيع أن نحصله من خلال أمرين اثنين. الأمر الأول: من خلال النظر في نفس العبادات التي نزلت في القرآن الكريم. ما هي العبادة التي يتميز بها أهل الإيمان؟ نجد بأن الله سبحانه وتعالى سمى الصلاة إيمانًا، إذن الصلاة لها أثر كبير في تقرير الإيمان في القلب، فلا بد أن نكون من المصلين.

والصلاة في البداية تحتاج إلى مجاهدة، ثم بعد ذلك تكون لذة ومتعة، ويستمتع الإنسان بها ويسعد بها. لكن في البداية طبيعي جدًا أن الصلاة تحتاج إلى مجاهدة، ولكن بعد ما تكون هناك مجاهدة ومراغمة للنفس وكذلك للشيطان، ينتقل الإنسان إلى درجة «وجعلت قرة عيني بالصلاة» إذا الله سبحانه وتعالى أراد أن يبلغ هذه الدرجة.

النبي ﷺ يقول، كما جاء في صحيح الإمام البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».

إذن، بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم التقرب إلى الله بالنوافل، يبلغ العبد، وهنا الإيمان يبدأ يزداد في قلب الإنسان، ويبدأ تدريجيًا يصعد في سلم الولاية، ويبدأ يحصل المعاني الإيمانية الموضوعة داخل الصلاة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. إذاً الصلاة عندها قوة على النهي عن المعاصي والذنوب، فإذا تمت إقامة الصلاة وبلغت إلى درجة تنهى عن الفحشاء والمنكر، إذاً الإيمان هنا لا يخترقه شيء، ولا تستطيع الذنوب والمعاصي أن تنزف الإيمان، بل الإيمان دائماً يزداد.

والصلاة عبادة عظيمة، عبر الله عنها بالإيمان: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]. إذاً نقول بأن الصلاة هي العبادة التي ينبغي أن نعتني بها كثيرًا إذا أردنا أن نعظم الإيمان. والصلاة مثل ما ذكرت في البداية، عندنا الصلوات الخمس، ثم بعد ذلك السنن الرواتب مع الوتر، ثم بعد ذلك التنفل المطلق. هذه العبادة بالبداية تحتاج إلى مجاهدة، لكن بعد فترة تستقر النفس عليها وتتعود، فينتقل الشخص من المجاهدة على الصلاة إلى التلذذ بها.

ثم هو ينتقل من المجاهدة إلى عبادة أخرى؛ فكل عمل صالح يقول مالك بن دينار: «دون الاستمتاع به عقيبة». إذاً الصلاة ما انضبطت، فكل ما سأقول بعد قليل لا قيمة له. بمعنى إذا كانت المرأة سواءً كانت أمًا أو أختًا أو زوجة أو بنتًا أو كانت مربية، إذا ما قامت هذه المرأة بعبادة الصلاة وأعطت الصلاة حقها ونصيبها، وجاهدت نفسها عليها بإقامتها بأركانها وشروطها وواجباتها وسننها في أوقاتها، فكل ما سيقال لا قيمة له؛ لأن لا يمكن أن تقوم عبادة إلا على عمود الصلاة.

وبهذا فضلت أمي حفصة لما قال جبريل للنبي ﷺ أنها «صوامة قوامة»، فهذه العبادة عبادة القيام لا تكون إلا بعد إتقان الصلوات الخمس، فهي صاحبة قيام، وهذه المرتبة العالية التي بلغتها بهذه العبادة. إذاً العبادة الأولى التي ينبغي أن نتكلم عنها، ومنها يتفرع كل كلام سنقوله عن الإصلاح وعن الفكر وعن الدعوة وعن الأخلاق، هي عبادة الصلاة بعد التوحيد. وأيضًا ما هي العبادة التي من خلالها نستطيع أن نحصل الإيمان؟ الدعاء.

والدعاء؛ الناس يغفلون كثيراً عن هذه العبادة، وهذه العبادة لها كذلك شقان. الشق الأول المتعلق بطبيعة الدعاء: كيف ندعو؟ لابد أن نتعلم كيف ندعو الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا، ونسأل الله أن يهدينا، ونسأل الله أن يوفقنا. لابد أن يكون الارتباط وثيقاً بالله سبحانه وتعالى في كل شيء نريده بالحياة، لابد أن يكون الله سبحانه وتعالى معنا في كل لحظة وفي كل حين، نعيش أننا مع الله سبحانه وتعالى، وأن نلجأ دائماً إلى الله سبحانه وتعالى، والقلب ما يفزع إلا إليه في كل شيء دقيق أو كبير.

إذا أردنا أن نذهب إلى المحضر التربوي، إذا أردنا أن نعلم النساء، قبل أن نتكلم عن التخطيط والتدبير وطريقة الدعوة إلى آخره، لابد أن نستعين بالله سبحانه وتعالى، ونسأل الله أن يهدينا وأن يوفقنا وأن يسددنا. وبعد ما ننصرف من هذا المحضر من التعليم كذلك نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا وأن يبلغنا وأن يبارك في هذه الكلمات وهذه الأقوال وهذه الأفعال التي نقوم بها. أي عمل ينزع منه الدعاء هذا عمل منزوع البركة، وإن كانت تبذل فيه الأموال، وإن كانت تبذل فيه الجهود، وإن كانت تجمع له الطاقات وتحشد، هذا العمل لا يثمر شيئاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يختر هذا العمل، لم يصطفه في هذا العمل. فإذا ما اختار الله العمل، لا يستطيع صاحبه أن يفعل معه أي شيء، بل سيعمل ويعمل ويعمل ثم هذا كله يكون هباءً منثوراً.

كذلك المرأة إذا أرادت أن تربي أبناءها لا بد أن تبدأ بالدعاء، لا بد قبل أن تتصل على المربين، على المختصين، لا بد أن تبدأ بالدعاء، ثم بعد ذلك لا حرج في بذل الأسباب، لكن الأصل أن يكون البذل الأول هو الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى وليس عناءً به. ولما ننظر في حياة النبي ﷺ نجد بأن النبي ﷺ كان طويل الدعاء، ولما نقرأ في قصص القرآن الكريم نجد بأن الله سبحانه وتعالى لما كان يذكر قصص أنبياءه لا تذكر عادةً قصة نبي ويفصل فيها إلا ومعها بيان طريقة تعامل النبي مع الله سبحانه وتعالى.

موسى عليه السلام يقوم بما يقوم ثم يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]. إبراهيم عليه السلام كم مرة كان يدعو الله سبحانه وتعالى؟ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: 40]. كذلك عيسى عليه السلام كيف كان يدعو الله سبحانه وتعالى؟ كذلك زكريا عليه السلام، كذلك دعاء حنة امرأة عمران. يذكر الله هذه الأدعية حتى يبين لنا ويعلمنا بأن هذه العبادة من العبادات الكبرى في الإسلام، ليست من العبادات العامة أو من العبادات التي تلي العبادات الأولى أو العظيمة، الدعاء هو العبادة.

هذا كله بيان بعظمة هذه العبادة، وكذلك لما فيه من افتقار ولجوء إلى الله سبحانه وتعالى، وإثبات العبد بأنه فقير، أنه ضعيف، أنه يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً؛ إذا الله سبحانه وتعالى ما احتباه وما وفقه وما هداه وما سدده لا يمكن أن يصنع أي شيء. فقبل أن نصنع أي عمل لا بد أن يكون الدعاء معنا، إذا أردنا الإيمان لا بد أن ندعو الله سبحانه وتعالى.

والدعاء حتى لو لم يستجب كما يريد الداعي، يكون في باطن الدعاء إيمان؛ فالعبد الذي يدعو ليس مثل العبد الذي لا يدعو. العبد الذي يرفع يديه ويسأل الله سبحانه وتعالى في وقت السحر، في ساعة الجمعة، بين الأذان والإقامة، في السجود، هذا العبد مع هذا الدعاء يحصل إيمان، فيكون قلبه مختلفاً عن قلب الذي لا يدعو. يكون قلبه حتى لو ما وقع له الذي هو يريده؛ الدعاء الله سبحانه وتعالى ما يرده، لكن الله سبحانه وتعالى إما أن يدخره، أو أن يرفع عن الشخص بلاءً كان مقدراً عليه، أو أن يؤخره إلى يوم القيامة إذا لم يقع كما يريد الداعي. فالعبد إذا دعا الله سبحانه وتعالى هو مع هذا الدعاء له أجر، ومع الأجر له منزلة من الولاية، ويعظم الإيمان، والذي يدعو يختلف تماماً عن الذي لا يدعو.

كذلك من ضمن العبادات المهمة التي ينبغي علينا أن نحرص عليها والتي من خلالها نحصل على الإيمان عبادة السر، يقول النبي ﷺ: «من استطاع منكم أن يكون له خبيء من عمل صالح فليفعل». كل مرة تريد أن تحمي عملها الظاهر مما سيأتينا من العجب والرياء واتباع الهوى إلى آخره، لا بد أن يكون هناك عمل باطن، هناك عمل خفي ما يعرفه أحد من البشر؛ صدقة، صلاة، ذكر، أياً كان نوع هذا العمل. لا بد أن يكون هناك عمل ما يعرفه أحد من الناس ولا يعرفه أحد من البشر، هذا العمل هو الذي يثبت العمل الظاهر، هذا العمل هو الذي يثبت شجرة الإيمان في القلب، هذا العمل هو الذي يثمر البركة والعطاء والتوفيق من الله سبحانه وتعالى.

إذن عمل السر مهم، كذلك أن يكون عندنا بهذه الأعمال الصلاة مع الدعاء مع عمل السر مع كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى؛ ﴿الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. الذكر يثقل الإيمان في القلب، الإيمان عبارة عن تعظيم، عن خوف، عن رجاء، عن حب، هذه المعاني القلبية، هذه الأعمال القلبية تثقل بالذكر. هناك ارتباط وثيق وقوي جداً ما بين اللسان وبين القلب، فاللسان لما يلهج بذكر شيء هذا يؤثر في القلب تأثيراً كبيراً وعظيماً.

لذلك عبودية الذكر ينبغي أن لا نغفل عنها وأن تكون حاضرة وأن يكون لساننا يجري بذكر الله سبحانه وتعالى. وهذا الذكر يحتاج إلى مجاهدة حتى يصل في النهاية إلى أن يكون هكذا عطية من الله. كل عبادة مثل ما ذكرت قبلها مجاهدة، ثم بعدها الله يهبها للإنسان؛ بعد المجاهدة وإثبات العبد والصدق لله سبحانه وتعالى الله يهبها للإنسان، يعطيه إياها. لكن قبل هذا لا بد من المجاهدة، المجاهدة قد تطول وقد تقصر، قد تكون سنة، قد تكون سنتين، لكن بعد ذلك خلاص تصبح عبادة رئيسية في حياة الشخص كل يوم، فكل يوم هو يذكر الله سبحانه وتعالى، يكون ذكر طويل عنده.

والذي يذكر الله كثيراً يكون الله معه، يقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أنا مع عبدي إذا ذكرني»، هنا معية النصرة والتأييد والحفظ والكلاءة، «أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه». ويقول كذلك النبي ﷺ:

«إن لله ملائكة طوافين، ملائكة سياحين، يلتمسون مجالس الذكر». ويقول كذلك: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي»، وفيما يرويه عن ربه عز وجل يقول النبي ﷺ: «ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم».

فعبادة الذكر تعظم الله في القلب، ولما يعظم الله في القلب يعظم الإيمان، وهذا هو الإيمان؛ فالإيمان لا يمكن أن يكون عظيمًا في قلب الإنسان من غير وجود الذكر الكثير. وهذا هو الفارق بين المنافق والمؤمن؛ المؤمن يذكر الله سبحانه وتعالى كثيرًا، أما المنافق فلا يذكرون الله إلا قليلاً، متذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. المنافق الصلاة شاقة عليه ينقرها نقرًا، أما العبد المؤمن الصالح فالصلاة ليست بهذه الصورة بالنسبة له.

وهذه الموازين وهذه الأعمال هي التي تجعل الشخص يميز هل هو مقترب من دائرة الإيمان أو دائرة النفاق؟ هل هو في أي دائرة؟ فلما يكثر الذكر ويكون عند الإنسان ورد ثابت من الذكر، ويزيد من هذا الورد ويعتني بالأذكار المقيدة والأذكار المطلقة، هذا الإنسان بدأ يدخل دائرة الولاية. وإذا ما دخل الشخص دائرة الولاية ما يستطيع أن يفعل كل شيء يريده.

يقول النبي ﷺ: «إن الله إذا أحب عبدًا حماه». حماه من الدنيا. الفتن تصيب الشخص على حسب ضعف إيمانه، فإذا كان الإيمان ضعيفًا ما يستطيع أن يقوم حتى لو كان يعرف، هو ممكن يعرف بأن هذا لا يجوز وأن هذا لا ينبغي أن يكون، لكن ما يستطيع أن يفعل. لماذا ما يستطيع أن يفعل؟ هو ما إلى الآن ما نزلت عليه المحبة الإلهية، يعني إلى الآن الله ما أحبه، فإذا أحب الله حماه.

من الذي يحب الله سبحانه وتعالى؟ هو الذي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالفرائض والنوافل، هو الذي يكثر من التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بتقديم القرابين له سبحانه وتعالى، هذا الذي يقدم لله كثيرًا هو الذي يحب الله، فإذا أحب الله سبحانه وتعالى حماه حماية مما لا يحمى غيره، فهو يحمى من كل فتنة تقع، الفتنة سواء كانت كبيرة أو صغيرة. الفتن كثيرة جدًا ولا تحصى، وكما عبر عنه النبي ﷺ كقطع الليل المظلم.

وقال بعد ذلك: «من يوقظ صواحب الحجرات» كي يصلين، فبين هنا بأن الصلاة وهي أعظم الذكر، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]؛ أي ما في الصلاة من الذكر أعظم من النهي عن الفحشاء والمنكر. فهذه العبوديات هي التي تعظم الإيمان في القلب، فلما تقع الفتنة لا العبد بها، ولا تصاب الأمة بها، لا تفتن كما تفتن بقية النساء؛ لأن هذه الأمة محمية، هذه الأمة يحبها الله سبحانه وتعالى، هذه المرأة دخلت دائرة الولاية، وإذا وصلت إلى هذه المرتبة الفتنة تزيدها إيمانًا وتعظم الإيمان في القلب، فترتقي وترتقي حتى تصل إلى أبعد منزلة ممكن تصل إليها.

إذن الركن الأول المتعلق بالإيمان، أو المحور الأول من هذه الكلمة المتعلق بالإيمان، لابد أن نأخذ به بهذه الطريقة. عندنا الركن الأول مثل ما ذكرنا، وهو العبادات المذكورة في القرآن الكريم: الصلاة، الذكر، الدعاء، عمل السر، ثم امتثال كل ما نستطيع أن نمتثله وكل ما نعرف حكمه نقوم بتطبيقه. هذا الأمر الأول واضح بين، لكن يحتاج مثل ما ذكرت إلى مجاهدة حتى يستقر ويكون ثابتًا عند الشخص.

القسم الثاني المتعلق بالإيمان، هو العبادات التي تكون خاصة بحال الإنسان؛ يعني إذا كانت المرأة مثلاً في مقام الزوجة، فهي الآن مسؤولة عن زوجها، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالأب راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة كذلك راعية في بيتها هي مسؤولة عن رعيتها. فالمرأة لما تكون زوجة تختلف عن المرأة لما لا تكون زوجة، فهناك عبادات أخرى، وهذا الرجل الذي هو الزوج هو الآن أولى الناس بالطاعة طبعًا بعد النبي ﷺ من محارم المرأة، فهذا الزوج إنما هو جنتك ونارك، كيف أنت منه؟ ويقول ﷺ: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها».

إذن هنا ممكن المرأة تكون عندها عبادة ولكن تخل بهذه العبادة فتقع في كبيرة فترفع الولاية، أو لا تنزل الولاية أصلاً، ولو كانت نازلة ترفع؛ مثل ما وقع لآدم المفتون المذكور في سورة الأعراف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175]. ممكن يوصل الشخص إلى درجة عالية ثم يقع بكبيرة من الكبائر، والشيطان حريص على أن يوقع العبد في الكبيرة، فإذا وقع في الكبيرة ارتفعت الولاية إلا أن يتوب.

كذلك لما تكون هي أم، هي مسؤولة عن أبنائها، والله سبحانه وتعالى أمر الرجل والمرأة، الأب والأم، بأن يعتنوا بالأبناء وهم مسؤولون يوم القيامة، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، الأم ستسأل عن بناتها وستسأل عن أبنائها: هل قمت بالواجب عليك تجاه الأبناء والبنات؟ هل ربيتي أبنائك على الصلاة؟ «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»، هل قمتم بهذا؟ أو كان الاهتمام فقط بالدراسة؟

هل الدراسة والشهادة والذهاب إلى المدرسة أعظم أم الصلاة أعظم؟ هل الابن يقوم للفجر أو لا يقوم؟ هل قيام الفجر أعظم عندك أو قيام المدرسة أعظم عندك؟ هذا كله سيأتي يوم القيامة وكل سيسأل، وفي هذا كله سيسأل الأب والأم، سيسألان عن عبادة البنت وعن عبادة الابن، هل قمتم بالواجب كما أمر الله سبحانه وتعالى أم فتنتهم بالواقع الذي كنتم تعيشون فيه؟ والواقع ليس حجة على الشر أبداً، والله سبحانه وتعالى لا يقبل من عبيده هذه الحجج الواقعية أبداً، هذه لا تروج يوم القيامة ولا تقوم لأن الله أنزل الكتاب وبين الذي يريده سبحانه وتعالى والذي أمر به عباده: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [طه: 132].

ويقول الله عن إسماعيل عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 54]، وقال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55]. هل قامت المرأة بالواجب عليها؟ هل هي مثل هاجر مع إسماعيل؟ هل ربت هاجر ابنها إسماعيل مع عدم وجود الأب؟ إبراهيم عليه السلام كان في الشام، لم يكن في مكة، لم يكن في الحجاز، والذي قام بتربية إسماعيل أمه هاجر، هي التي قامت بتربية إسماعيل.

فيقول العلماء بأن سبب تفضيل مريم وكذلك تفضيل آسيا أن كلا منهما قامتا بتربية نبي؛ فموسى عليه السلام ربي عند آسيا، وكذلك عيسى عليه السلام ربي في كنف مريم ابنة عمران. فالأم قامت بالواجب عليها، وتأثير الأم أعظم بكثير من تأثير الأب. ليس معنى هذا أن الأم تستطيع أن تفعل أو أن الأب ليس عليه دور أو أن تستطيع أن تقوم بمقام الأب، لا، ولكن معنى هذا بأن هناك واجبات، لذلك استحقت ثلاثة أرباع البر.

ثلاثة أرباع البر ليس فقط للتعب الذي قامت به؛ والتعب المراد به هي التي تجابه الأبناء في البيت، وهي التي تقابلهم، وهي التي ينبغي عليها أن تغرس الإيمان في قلوبهم. فالأم إذا كانت بهذه المرتبة وهذا الصلاح فهي الآن تكون قد حققت العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منها، أما إذا قصرت المرأة لما تكون في مقام الأم بالواجب عليها ستسأل يوم القيامة، وكذلك يقل الإيمان ولا يكون إيماناً عظيماً، بخلاف الأم التي تقوم بامتثال العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى.

كذلك المرأة لما تكون في مقام البنت، كيف تتعامل مع أبيها وكذلك مع أمها؟ بر الوالدين من أعظم العبادات التي يحبها الله سبحانه وتعالى وقرنها بالتوحيد: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. كلمة واحدة تقولها المرأة لأمها أو لأبيها أو يكون بها خدش للقلب قد تقع بكبيرة، بل تقع قطعاً بكبيرة، ليس قد، بل تقع بكبيرة. هذه الكبيرة خلاص كل ما يقوم العبد به من أعمال إلى آخره ما يبارك فيه؛ الكبيرة قاضية على الولاية.

احفظوا هذه المعادلة: الكبيرة تقضي على مرتبة ولاية. فالتي تريد أن تكون أماً صالحة يصطفيها الله سبحانه وتعالى كما اصطفى النساء الصالحات المختارات في القرآن الكريم، وكذلك في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن يلي هذا القسم من النساء في كل عصر وفي كل جيل؛ فالله سبحانه وتعالى في كل جيل يصطفي ويختار من النساء والرجال من يكون له شبه بالمختار في القرآن الكريم وكذلك في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.

إذا ما كانت المرأة تتعامل مع الإيمان بهذه الطريقة، هنا قد يخدعها الشيطان ويوقعها الشيطان بالمخالفات التي ترفع من هذه الدرجة ولا تصيب هذه المرتبة؛ لأن الكبيرة تقضي على الولاية، تقضي على مرتبة المحبة الإلهية، ما توصلها إلى المقامات العالية التي الله سبحانه وتعالى من خلالها يحمي هذه الأمة من الفتن التي يفتن بها الناس عادة.

الإيمان ينقسم إلى قسمين؛ قسم متعلق بالعبادات العامة وذكرنا منها بعض العبادات، والقسم الثاني في نفس المقام الخاص، هناك عبادات خاصة لكل شخص على حسب مقامه. فهذا الإنسان يريد مني كذا، والله يريد مني أن أعطيه حقه، وإن لزوجك عليك حقاً؛ هذا بعد الزواج، قبل الزواج هذه العبادة ليست موجودة لكن بعد الزواج أصبح هناك ترتيب جديد في العبادة الخاصة. وبعد أن ترزق المرأة بأبناء وكذلك بنات، هناك كذلك عبادات أخرى، والوقت طبيعي أنه يتغير مع تغير الواقع الذي يعيشه الإنسان، أقصد الواقع الخاص، الآن ليس واقع الأمة وواقع المجتمع، إنما واقع الإنسان الخاص؛ إذاً هذا لا بد أن نعرفه، لا بد أن نعرفه وأن نستنطق النصوص وننظر في العبادات الخاصة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من كل امرأة.

هذا هو القسم الأول المتعلق بالإيمان، وممكن ندخل معه عبادة الإخلاص. الإخلاص لله سبحانه وتعالى يحتاج إلى مجاهدة؛ بمعنى أن المرأة تريد أن يكون عملها مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى، فلا بد أن يكون معه إخلاص. كيف نحققه؟ نحققه لما نستحضر أننا لما نعمل الله ينظر إلينا، ونستحضر بأن الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا، ونستحضر بأن الله سبحانه وتعالى سيجازينا. هنا الآن نحقق الاحتساب: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً». هذه احتساباً لما نستحضر هذه النوايا مع المجاهدة، مع أذكار الصلاة والذكر والدعاء إلى آخره وعبادة السر.

هنا نبدأ نحقق الإخلاص، والإخلاص مراتب ليس مرتبة واحدة؛ بعض الناس يصل إخلاصه إلى درجة عالية جداً، فيكون العمل الواحد الذي يعمله مع الإخلاص الثقيل يوصله إلى درجة عالية، والبعض يكون عنده إخلاص لكن إخلاصه ليس كبيراً جداً. فالإخلاص كذلك مراتب ودرجات، وهذه العبادة متعلقة بالنفس، والنفس تحب أن يلتفت الناس إليها. لذلك كما يقول سهل التستري: «الإخلاص شاق»، فقيل له لماذا؟ فقال: «لأن النفس ليس لها منه نصيب». لا بد أن تكون النفس محبة لله سبحانه وتعالى ومعظمة للدين حتى تقوى على تحقيق الإخلاص.

عمل السر من أقوى ما يثبت الإخلاص؛ لأنه لا يوجد أحد ينظر إلى الذي يقوم بهذا العمل، فيكون الإخلاص عظيماً عند الله سبحانه وتعالى. إذاً ممكن الآن نختم هذا المحور الأول بما ذكرناه، فذكرنا عن العبادات ثم ذكرنا طريقة تحقيق هذه العبادات حتى لا يكون الكلام مجرد تنظير، دائماً لا بد أن يكون معه مدافعة ودفاع للهوى والنفس ويكون معه تطبيق.

ثم ننتقل الآن إلى المحور الثاني المتعلق بالفكر. الشق العلمي والشق الفكري ممكن نقسم هذا المحور إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول المتعلق بالمرجعية العلمية والفكرية. المرجعية العلمية والفكرية لا بد أن تكون هي مرجعية الكتاب والسنة، هذا لا بد أن يكون يقيناً عندنا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]. إذاً لا بد أن تكون مرجعيتنا إلى الله سبحانه وتعالى وإلى الرسول عليه الصلاة والسلام.

فالله أنزل هذا الكتاب العظيم حتى يكون فرقاناً، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. فهذا الكتاب العظيم هو فرقان يفرق الله فيه بين الحق والباطل، فكيف نعرف بين هذا حق وهذا باطل؟ نقول ما الذي قاله الله سبحانه وتعالى، نرجع إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام ومن خلالها نعرف الحق والباطل. لا بد أن يكون هناك ارتباط وثيق مع القرآن الكريم، لا بد أن يكون هناك ورد ثابت يومي بالعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وطريقة العيش مع القرآن الكريم أن نأخذ المصحف ونقرأ معه كتاباً من كتب التفسير؛ تفسير السعدي مثلاً، أو مختصر لتفسير ابن كثير، أو مختصر تفسير البغوي، أي كتاب من كتب التفسير السهلة الميسرة المعتمدة، ويكون عندنا ورد كل يوم نعيش مع القرآن الكريم.

كل يوم نعيش نصف ساعة أو ساعة، كل يوم نثبت هذا الورد بهذه الطريقة؛ نستطيع أن نحصل على العلم وكذلك نحصل على الإيمان، نحصل العلم ونحصل الإيمان، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان. فالعلم والإيمان لا يمكن أن يؤخذ إلا من القرآن الكريم.

فأول شيء حتى تكون مرجعيتنا للوعي حقيقية وليست ادعائية، أن يكون عندنا ارتباط وثيق مع القرآن الكريم، وقصدي بالارتباط الوثيق ليس فقط بالحفظ، ولا بالتلاوة، ولا بالعناية مثلا بالتجويد أو الأسانيد إلى آخره والقراءات، إنما قصدي أن يكون هناك عيش مع القرآن الكريم. الله أنزل هذا الكتاب حتى يتم التحاكم له، الله أنزل هذا الكتاب حتى نتدبره، حتى نتأمله، حتى نطبقه، حتى نمتثله.

فهذا الامتثال والتطبيق والتدبر والتحاكم، هذا كله يرجع إلى فهم القرآن الكريم. فإذا ما فهمنا القرآن الكريم طبيعي جدًا أننا ما نستطيع أن نطبقه، فيكون عندنا مرجعية كلام، لكن بالتطبيق ما يكون هذا الأمر حاضرًا عندنا. إذًا لابد أول شيء أن نثبت وردًا يوميًا ثابتًا مع القرآن الكريم، أقل شيء نصف ساعة، من نصف ساعة إلى ساعة، هذه تكون ثابتة، خلاص هذه خرجت من الوقت، وهذه انتقلت إلى أعظم ما يمكن أن يحقق العبد في اليوم. وهذا الورد هو أهم برنامج علمي يومي، هذا البرنامج العلمي لابد أن لا يتركه الشخص حتى يموت، لا يتركه أبدًا حتى يموت.

ثم بعد ذلك الشق الثاني المتعلق بالعلم النافع. العلم النافع أصله القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ، هذا هو أصل العلم النافع، ثم بعد ذلك يكون عندنا عناية بالتأصيل العلمي. لا يطلب من جميع النساء أن يتخصصن في العلم الشرعي ولا يتوسعن فيه التوسع الكبير، فهذا غير مطلوب، إلا من كانت تستطيع على هذا أو كانت تريد أن يكون هذا لها ثغر، لكن بالجملة هذا ليس مطلوبًا.

إذًا ما هو العلم المطلوب؟ المطلوب التأصيل، يعني دراسة الكتب الأولية بالعقيدة، والكتب الأولية مثلًا بالفقه، والكتب الأولية بالعلوم مثلًا بالتفسير، كذلك بالحديث كالأربعين النووية مثلًا وهكذا. هذه العلوم الأولية لابد أن تكون هناك عناية بها، ثم بعد ذلك يكون العلم الخاص بالمرأة، الأحكام الخاصة بالمرأة؛ لابد أن تكون المرأة معتنية عناية خاصة بالعلم المتعلق بها، لأن هذا العلم هو الذي يثمر العمل. الله يريد بالمرأة عملًا معينًا، هذا العمل لابد أن يكون من خلال العلم، وكذلك العلم هذا هو الذي يفتح للمرأة ويبين لها العمل. إذًا العناية بالعلم الخاص بأحكام المرأة هذا من الأمور اللازمة والواجبة على المرأة أن تهتم بها.

القسم الثالث العلم بالثغر. ما المراد بالعلم بالثغر؟ العلم بالثغر نفس العمل الذي تقوم به المرأة. الآن ما هو العمل المطلوب من المرأة؟ المرأة تنقسم إلى قسمين: قسم لها ثغر تقوم من خلاله بنصر الدين، وقسم ثاني امرأة ما عندها ثغر، لكنها تقوم بنصح النساء، وهذا نعتبره ثغرًا تجاوزًا كلامي. الأول الذي عندها ثغر، المرأة المعتنية مثلًا بما تقومون به الآن في المحاضن التربوية؛ المرأة لابد أن تعرف طبيعة هذا المحضن، ولابد أن تعرف عقول الفتيات، صغارًا أو كبارًا. المرأة هذه كم عمرها التي ستدخل في المحضن؟ هل هي امرأة كبيرة أو صغيرة؟ ما هي الأفكار الموجودة عندها؟ كيف أستطيع أن أؤثر عليها؟ هذا كله لابد أن يدرس، لابد أن تتم دراسته حتى يكون بذل السبب بطريقة صحيحة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].

الشق الثاني من النساء، المرأة التي ما عندها عمل تربوي، أقصد في محضن، لكن مطلوب منها بأن تربي أبناءها، أن تربي بناتها، أن تقوم كذلك بنصح النساء اللاتي في محيطها من أخوات وعمات وخالات إلى آخره، وبنات أخت، وبنات أخ، والجارات؛ هذا المجتمع النسائي الذي تستطيع من خلاله أن تؤثر. لابد أن تقوم المرأة بالتأثير على هذا القسم، لابد أن تقوم المرأة بالتأثير على النساء اللاتي في محيطها، ولابد أن تعرف كيف تؤثر عليهن.

إذًا العلم الأول متعلق بأصل العلم، هذا ينقسم إلى قسمين: الأول متعلق بالكتاب والسنة مثل ما ذكرت، والثاني المتعلق بمبادئ العلوم. والثاني العلم الخاص بالمرأة، الأحكام الخاصة بالمرأة، والثالث العلم بالثغر، العلم بالثغر الإصلاحي الذي تقوم المرأة من خلاله بنصر الدين.

الشق الثالث المتعلق بهذا المحور العلمي والفكري هو الوعي بالواقع. ممكن نكمل الحديث بعد صلاة العشاء، نقف عند هذا، ونبدأ إن شاء الله تعالى بعد صلاة العشاء بالحديث عن النقطة الثالثة من المحور الثاني، ونكمل إن شاء الله تعالى المحور الثالث والرابع بإذن الله بعد صلاة العشاء. نقف عند هذا، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.