الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. فحياكم الله جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل هذه المحاضرة، وكنا قد توقفنا عند الحديث عن النقطة الثالثة في المحور الثاني.
تكلمنا عن الإيمان، ثم تكلمنا بعد ذلك عن الشق العلمي الفكري، وذكرنا مرجعية الوحي، وذكرنا العلم النافع، وتوقفنا عند الحديث عن النقطة الثالثة، وهي العلم بالواقع، والوعي بالواقع. الصناعة العلمية الفكرية لا بد أن يكون معها علم بالواقع، والمقصود بالعلم بالواقع هنا العلم بالواقع الذي تعيشه الأمة، وكذلك العلم بالواقع الذي تعيش المرأة فيه.
المجتمع، كل مجتمع من المجتمعات، له أفكار معينة، له أفكار محددة، له طبيعة معينة بالعيش. والمرأة، إذا أرادت أن تدعو المرأة، أو أن تؤثر في المرأة في هذا الواقع، طبيعي أن هذه المرأة التي تعيش في هذا الواقع هي متأثرة ببعض أفكار هذا الواقع، ومتأثرة بعرف هذا الواقع، بعرف المجتمع. فمن المهم جدًا أن نعرف من الذي الآن يصارع الإسلام؟
الذي يصارع الإسلام اليوم العلمانية. فعندنا نحن المرجعية الإسلامية، في المقابل لنا هناك صراع؛ هناك صراع إسلامي-علماني. فالمرجعية العلمانية هي التي تحكم من يصارع الأديان، ومن هذه الأديان الإسلام. المرجعية العلمانية هي التي من خلالها انطلقت الليبرالية، وانطلقت الماركسية الشيوعية، ومنها كذلك الحركة النسوية. فهذه الحركات كلها، وهذه المذاهب، وهذه الأفكار، كلها مرجعيتها علمانية؛ فالعلمانية هي الفلسفة الأم لهذه الأفكار.
في القطر الذي نعيش فيه لا وجود للشيوعية والاشتراكية والمركزية، ولكن هناك وجود قوي لليبرالية. والوجود الليبرالي ليس معناه فقط تبني ما تقوله الليبرالية، إنما تسرب بعض الأفكار الليبرالية؛ فقد يكون الشخص مسلمًا، قد يكون كذلك متدينًا، محبًا للدين، ولكن تسربت إلى ذهنه بعض الأفكار الليبرالية المتعلقة مثلاً بالحرية، وليست الحرية وفق ضوابط شرعية، إنما الحرية الليبرالية.
طبعًا الليبرالية لا ضابط لها عند الله، لا ضابط لهم للحرية، ولكن قصد من ذلك أن كلمة الحرية هذه كلمة كبيرة فضفاضة. الإسلام يضبط هذه الحرية بضوابط معينة ومحددة، فإذا لم يأخذ الشخص هذه الضوابط الإسلامية ستكون الحرية ليست إسلامية، إنما حرية مخالفة للإسلام.
إذن اليوم الصراع في الواقع الذي نعيش فيه هو صراع إسلامي علماني. ما هو الوجه العلماني الذي نصارعه؟ الوجه العلماني الذي نصارعه هو الليبرالية، وأيضًا ما هي الحركة اليوم التي تؤثر على النساء تأثيرًا كبيرًا، وبحاجة إلى وقفة جادة من المصلحات الصالحات المحبات للدين؟ هي الحركة النسوية.
هل الحركة النسوية قاصرة على من يعادي الدين صراحة؟ لا، ممكن يكون هناك تأول للنصوص المتعلقة بالمرأة، هناك تأول كبير في النصوص المتعلقة بالمرأة. إذاً هنا لا بد من وجود قوة إسلامية، مجموعة إسلامية صادقة، صالحة، صادقة في نصر الدين، تقف أمام وجه من يروج لهذه الأفكار، سواء كان الترويج فلسفيًا علميًا فكريًا، أو كان الترويج نفسيًا.
الترويج الفلسفي العلمي الفكري يكون الترويج فيه مع محاولة إقناع العقل بأن الدين مثلاً ظلم المرأة، أو أن حديث كذا وكذا هو ظالم للمرأة، وهكذا. هذا الشق الأول ممن يروج مثل هذه المذاهب، لكن هذه المذاهب التي يروج لها بهذه الطريقة عادة ما تنتشر انتشارًا كبيرًا في البلاد التي حكمها الإسلام قرونًا عديدة وأهلها مسلمون، أما القسم الكبير جدًا من الناس وهذه الفتن التي تقع دائمًا والتي يتلبس بها أكثر الناس فهي من القسم الثاني؛ وهو الترويج النفسي.
يروج النفسي من خلال تأويل الأدلة، ومن خلال مخاطبة المرأة بما تحب المرأة؛ هذا الذي تحب المرأة وتميل له ميول الهوى الطبيعي الذي يكون موجودًا عند الإنسان قد يكون مخالفًا للدين. فلما يكون مخالفًا للدين، هنا يلتمس هذا القسم من المروجات لهذا الفكر التأويل، فيكون هناك تأويل للنصوص، فيكون تعظيم للإسلام مع مخالفة نصوص الإسلام، تعظيم للنبي ﷺ مع مخالفة حديث النبي ﷺ، وهكذا. هذا هو الذي يروج عادة في البلدان التي بها الإسلام قوي؛ أما الخطاب الأول الذي به عداء للدين صريح، فهذا عادة ما يروج إلا عند قسم قليل من الناس.
إذن لا بد أن تكون المصلحة واعية وعارفة لهذه المداخل، وعارفة كذلك للرد عليها، وعارفة لطريقة التأثير. لا بد أن تكون واعية لما يقولونه، واعية لطريقة الرد العلمي، عارفة بالنصوص الشرعية، وكذلك واعية لطريقة الخطاب؛ كيف تقنع المرأة؟ كيف تؤثر؟ كيف تبين؟ كيف تخاطب؟ هذا كله لا بد من تفصيل فيه والعيش معه حتى تستطيع المرأة أن تقوم بالواجب الدعوي عليها، أن تقوم بالرسالة التي ائتمنها الله سبحانه وتعالى في بيانها وإبلاغها.
لا يستطيع الرجل أن يبلغ مثل ما تبلغ المرأة للمرأة، فتأثير المرأة على المرأة أقوى بكثير من تأثير الرجل على المرأة. ولا يستطيع الداعية أن يؤثر على النساء إلا التأثير العام، أما نفس التأثير الخاص فهذا يجب أن تقوم به المرأة. وهذا كان دور أمي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، لما دخلت عليها جماعة من النساء وقد لبسن لباسًا شفافًا أو كانت لباسًا ضيقة، فأنكرت عليهن وقالت: «إن كنتن مسلمات مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات». وكذلك أسماء بنت أبي بكر، وكذلك غيرها من النساء الصالحات. فالقصد من ذلك أن نصح المرأة للمرأة أقوى من نصح المرأة للرجل.
ولما كانت النساء يأتين النبي ﷺ، كان النبي ﷺ يذكر النساء تذكيرًا عامًا، لكن عند التفصيل تتدخل أمي عائشة وتبين للمرأة مراد النبي ﷺ. إذاً لا بد أن تكون المرأة واعية ومدركة لطريقة تبليغ الرسالة، وكذلك معرفة الواقع الذي تعيش فيه والواقع الذي تؤثر فيه.
كلمة الواقع هذه يمكن أن نجملها بالحديث عن واقع الأمة: الصراع الإسلامي وغير الإسلامي، ثم واقع المجتمع، ثم واقع البيئة الخاصة. البيئة الخاصة يعني الأسرة أو المحضن التربوي، يعني نفس المكان الذي المرأة تؤثر فيه. فإذا كانت مثلاً المرأة تعمل في محضن تربوي، هذا المحضن التربوي به خمسون فتاة أو ستون فتاة، ما هي الأفكار الموجودة عندهن؟ ما هي الأفكار التي يتأثرن بها؟
هذه إذا ما عرفت المربية طريقة عيش هذه الفتاة وتفكيرها، لن تستطيع أن تبلغها، فستسرق منا الفتيات ويتأثرن بغير المربيات وبغير المعلمات. ثم تتعجب المعلمة والمربية: لماذا الفتاة لا تتأثر؟ لأن نفس الخطاب ما كان موافقًا لها.
أي إنسان، كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، إذا تمت مخاطبته بخطاب ما يستوعبه عقله وما تحرك في نفسه، فإنه لن يتأثر. لذلك الآن في هذا اللقاء، كما حدثتني الأخوات أو أرسلت لي الأخوات، بأن معنا مجموعة من النساء أعمارهم كبيرة، أو ليس كبيرة تجاوزًا، فوق الأربعين، وفتيات فوق العشرين وفي الثلاثين؛ هذا كله ممكن يكون الخطاب قريبًا منه.
لكن لما تكون الفتاة في سن الخامسة عشرة، أو لما تكون الفتاة في المحضن في سن الثانية عشرة، هذه كيف تتم مخاطبتها؟ لابد أن نعرف هذه الفتاة كيف تفكر، ومن تتابع، وهي متأثرة بمن؟ حتى لو كانت معنا هنا بالمحضن، هي قد تكون معنا بناءً على صلاح والدتها مثلاً، أو عن طريق والدها، أو عن طريق أسرتها، ولكن عقلها مع من؟ وتفكيرها مع من؟ من الذي يصنع الآن الفكر عندها؟ من الذي يصنع العرف الخاص أو الذوق الخاص؟
هذا لابد أن نعرفه حتى نعرف كيف نؤثر، وحتى نعرف كيف ندخل، وحتى عندما نتكلم ونأتي بالنصوص ونذكر القصة، ننزلها على واقعها الخاص، فنستطيع بهذه الطريقة أن نهدم ما يبنيه الشيطان في العقول من خلال ما يروج من أفكار نسوية إلى آخره في عقول الفتيات. وهذا كيف نعرفه؟ نعرفه من خلال الأسئلة، ومن خلال المعايشة، ومن خلال رغبات؛ نطرح سؤالًا: ما الذي ترغبين به؟ كيف تفكرين بكذا؟ ما رأيك بكذا؟ هذه الأسئلة هي التي تكشف المرأة وتكشف الشخص.
فلما يتم سؤال المرأة والفتاة بهذه الطريقة، الآن تعرف المربية أو المعلمة بماذا تفكر، ثم لما تتكلم بأنها تريد كذا أو أنها تفكر بكذا إلى آخره، الآن تبدأ المعالجة. ولا تستعظم المربية أي فكرة تقع عند الفتاة، لازم أن تتعامل المعلمة والمربية تعاملًا مبنيًا على الرحمة، تعامل الطبيبة التي تريد الآن أن تعالج هذه الفتاة التي عندها، هي الآن تريد أن ترقيها.
بما أن هذه الفتاة قبلت بأن تدخل معك في المحضن، إذاً هي فيها صلاح وفيها خير، وهذا الخير لا بد أن ننميه ونزيده ونعظمه ونسقيه، والشر نقلله ونحاصره. ليس مرة واحدة، لكن التربية عملية مستمرة؛ فإذا كان الخير الموجود بنسبة 50% نوصله إلى 60 و70 و80، والخطأ الموجود إذا كان 40 أو 50 نبدأ نقلله تدريجيًا.
ولكن ينبغي أن نعلم أن أي كلمة نريد أن نقولها للإصلاح، إذا ما كانت الفتاة وصلت أو استطعنا أن نوصل لها الإيمان وأن نوصل لها عبادة الصلاة، فأصل الصناعة لا بد أن تكون إيمانية؛ حتى نستطيع أن نعالج الأفكار المحرفة. معالجة الأفكار المحرفة ليست فقط علمية عقلية فكرية، ولا هي فقط نفسية، إنما هي إيمانية بالأصل. ثم بعد ما يكون الإيمان قويًا في القلب، الآن لما يأتي الخطاب والتوجيه والنصح يتقبله الشخص وتتقبله الفتاة وتستجيب له.
بهذه الطريقة تصنع المرأة الصالحة، وهكذا صنع النبي ﷺ أمهات المؤمنين، وهكذا صنعت فاطمة، وهكذا صنعت زينب بنات النبي ﷺ. وصلت فاطمة عليها السلام إلى أن تكون سيدة نساء العالمين وسيدة نساء الجنة، أمها خديجة بنت خويلد، وزوجها هو النبي ﷺ، ووالدها النبي ﷺ، فكانت الصناعة بهذه الطريقة. وكذلك صنعت بقية الصحابيات، ثم استمرت هذه الصناعة عبر الأجيال.
لا تظنوا بأن حماية الرجال أو العلماء الذين كانوا يذكرون عبر التاريخ، هذا كله من الرجال. هذه نسبة تأثير الرجال موجودة، لكنها لم تكن كبيرة، إنما النسبة بالأصل كانت الأم؛ الأم هي التي كانت تعظم مالك بن أنس وأحمد بن حنبل، وكذلك خرج البخاري من أم كانت صالحة هدفها في الحياة أن يخرج ابنًا مثل البخاري. هذا هو الغرس الذي يبقى يوم القيامة.
فلذلك إذا استطعنا أن نحمي أكبر كم ممكن من النساء، واستطعنا أن نخرج من هذه المحاضن نساء صالحات حقيقة، امتثلن الإيمان، وتشبهن بأمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات، وقبل ذلك الصالحات في كتاب الله سبحانه وتعالى اللاتي اختارهن الله سبحانه وتعالى حتى يجعلهن نبراسًا ويضرب بهن الأمثال، بهذه الطريقة نكون حققنا الواجب علينا، وقمنا بالإصلاح الحقيقي.
إذن الوعي بالواقع مهم جدًا، فلا بد أن نعرف الأفكار وما هي الأفكار التي تروج، وكيف نؤثر كذلك على من يتأثر بهذه الأفكار. طبعًا هذا إذا كان في المحضن، لكن إذا كانت المرأة تقوم بالدعوة خارج المحضن مع أخواتها أو جاراتها، كذلك هي لا بد أن تعرف ما هو الخطاب الذي يروج، ثم هي لما تتحدث وتبين، تبين بناءً على هذا الواقع وبناءً على هذه الدراسة، وهذا كله بعد توفيق الله سبحانه وتعالى وإعانته وتسديده.
نختم هذا المحور بالحديث عن البرامج؛ هل هناك برامج مناسبة للمرأة بالوعي والفكر؟ أقول: على حسب دور المرأة يكون اختيارها للبرنامج، ليس من الصواب أن ندخل في كل برنامج يفتح، لأن هذه قد تكون مضيعة للأوقات. فالشخص يختار البرنامج الذي يناسبه في عمله، فهو في ثغر معين أو هي في مكان معين، ما الذي يحتاجه من العلم وما يحتاجه من الفكر يدخل فيه. والبرامج الحمد لله كثيرة جدًا اليوم في وسائل التواصل وتخاطب جميع الفئات والشرائح، فليس لأحد الآن عذر.
الآن ننتقل إلى المحور الثالث المتعلق بالأخلاق، وما أعظم الله هذا المحور وأهم هذا المحور.
الأخلاق. يقول النبي ﷺ: «أثقل ما يوضع في الميزان حسن الخلق». ويقول الله سبحانه وتعالى واصفاً النبي ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. ولما سئلت أمي عائشة رضي الله عنها وأرضاها عن خلق النبي ﷺ قالت: «كان خلقه القرآن».
الإسلام جاء بالعقيدة، وكذلك جاء بالأخلاق. ما هي الأخلاق التي نحتاج إليها؟ كل ما جاء به الدين. وهذه الأخلاق تنقسم إلى قسمين؛ قسم متعلق بالأخلاق التي بها حسن تعامل مع الناس، مثل الصدق، واللين، والرحمة، والرفق، إلى آخره.
والشق الثاني من الأخلاق هو الأخلاق التي بها ثبات الإنسان وإقامته للحق، مثل القوة في الحق، والثبات على الدين كما ثبتت آسيا. هذا هو الثبات؛ كالقوة، والصلابة، وعدم التنازل عن الحق، وعدم الذوبان، والعزة بالإسلام والفخر بالدين. المرأة تفخر بأنها مسلمة، وتفخر بأنها أمة، وتفخر بأنها تابعة للنبي ﷺ، وتفخر بأنها تعبد الله سبحانه وتعالى وحده ولا تنحني جبهتها لغير الله سبحانه وتعالى.
هذا الخلق لابد أن يكون موجوداً؛ النبي ﷺ بهذا الخلق، ومجموع هذه الأخلاق تصنع المرأة الصناعة الشمولية الكاملة، كما صنعت أم عمارة، وكما صنعت سمية أول شهيدة بالإسلام، وكما صنعت بقية الصالحات من أزواج النبي ﷺ وغيرهن من نساء الصالحات.
فالقصد من ذلك أن الخلق يكون بهذه الطريقة؛ لما وقعت حادثة الإفك وطعن من طعن بعرض النبي ﷺ الشريف، سأل النبي ﷺ زينب زوج النبي ﷺ -وكانت تنافس عائشة، تقول أمي عائشة كانت تساميني عند رسول الله ﷺ- فقالت: «أحفظ سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً». هذا الخلق الذي نريده، هذا هو الدين الذي نحتاجه؛ لم تحملها الغيرة على أنها تتكلم في عرض من كانت تنافسها في المقام عند النبي ﷺ.
إذاً الأخلاق تنقسم إلى هذين القسمين؛ القسم الأول المتعلق بالأخلاق التي بها التعامل مع الناس، يقول النبي ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». ولما دخل اليهود على النبي ﷺ وقالوا: السلام عليك، فرد عليهم النبي ﷺ: «عليكم السلام»، فزادت أمي عائشة وسبت اليهود، فقال لها النبي ﷺ: «مهلاً يا عائشة، ما كان الرفق في شيء إلا زانه، إن الله رفيق يحب الرفق، وما نزع من شيء إلا شانه». فقالت: أوليست تسمع ما يقولون؟ قال: «أولم تسمعي ما قلت؟». إنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا.
كذلك خلق الحياء العظيم، خلق الحياء العظيم الذي تميزت به المرأة، ولما كان يوصف النبي ﷺ بهذا الخلق، كان يقال بأنه أشد حياءً من العذراء في خدرها. فالمرأة توصف بهذا الخلق الشريف العظيم، وهذا الخلق من أعظم أخلاق المرأة. والله سبحانه وتعالى أخرج موسى عليه السلام من مصر، وذهب إلى مدين مسيرة ثمانية أيام حتى يتزوج هذه المرأة الصالحة، والله وصفها بخلق الحياء: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25]. وخلق الحياء معركة كبيرة في هذا العصر. كان يقول عمر الفاروق: ليست بسلفع خراجة ولاجة، إنما هي مكتسية بهذا الخلق، تمشي على استحياء. فخلق الحياء عظيم، ولا بد أن تورثه المرأة؛ فالأم لا بد أن تورث هذا الخلق لبناتها، وكذلك المربية والمعلمة هي مسؤولة عن كل من تحت سلطان دعوتها. فخلق الحياء من أعظم الأخلاق التي من خلالها تستطيع المرأة أن تحصل الدرجات العالية وتصيب مراتب الولاية.
كذلك اللين في التعامل، والهدوء، وعدم الشدة والغلظة، وكذلك التواضع. إنكم لا تغفلون أن أعظم من العبادة التواضع؛ يقول النبي ﷺ: «إن من التواضع أن ترضى بالدون من شرف المجلس». وكل ما تواضع العبد لله سبحانه وتعالى، وأمل لله سبحانه وتعالى، رفعه الله سبحانه وتعالى. فمن يتواضع لله سبحانه وتعالى يرفعه الله سبحانه وتعالى. يعني لما تدخل المرأة، لا يشترط هكذا أن تدفع نفسها بالقوة وتتسارع، حتى لو كانت تملك الشهادة أو تملك من المناصب، هذا كله لا بد أن لا يؤثر على أخلاقنا ولا يصرفنا عن امتثال ما جاء به الدين.
إذاً هذه الأخلاق مهمة أن تكتسبها وأن نتصف بها. كيف نتصف بها؟ الكلام سهل؛ ممكن يعطي محاضرة عن التواضع، محاضرة عن الحياء، محاضرة عن الصدق، محاضرة عن اللين والرحمة والشفقة والرفق، ولكن كيف نكتسب هذه الأخلاق؟ هذه الأخلاق تكتسب بالمجاهدة، وتكتسب بمعايشة من يتصف بهذه الأخلاق. الأخلاق سميت أخلاقاً من أجل هذا؛ الشخص يتخلق بهذه الأخلاق. هذه الأخلاق منها ما هو جبلي غريزي يولد مع الإنسان، ومنها ما يأخذه الشخص من البيئة التي يعيش فيها. فلما تكون الأم بهذه الطريقة طبيعي جداً أن البنت تكون بهذه الطريقة، ولما تكون المعلمة بهذه الطريقة طبيعي جداً أن الطالبة تأخذ من أخلاق المعلمة.
أخذ هذا الخلق يكون من خلال مخالطة أصحاب هذا الخلق؛ فإذا تمت مخالطة أصحاب هذا الخلق تشبهت هذه المرأة بمن تخالطها، والأخلاق تسري في النفوس من غير شعور من صاحبها. الذي يكون متصفاً بالرحمة، لما تخالطه هذه البنت وتخالط هذه المعلمة الرحيمة، هي مع الوقت ستلاحظ بأن الرحمة بدأت تكتسبها وبدأت تتأثر بها وبدأت تنمو عندها. فالأخلاق تأتي من خلال المخالطة، يقول النبي ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». هذه المخالطة وهذه العلاقة هي التي تثمر تحصيل الأخلاق. إذاً الخلطة أثرها عظيم جداً في تحصيل الأخلاق، كذلك المجاهدة على تحصيل هذا الخلق؛ فاللين والرحمة إلى آخره، إذا ما كانت المرأة مكتسبة أو عندها هذه الأخلاق، لابد أن تجاهد نفسها.
تجاهد، كيف؟ عندما تشعر بالغضب تكتم الغيظ. هل تحتاج مجاهدة؟ نعم مجاهدة، فلا بد من البذل؛ فالتخلق بالخلق يحتاج إلى مجاهدة عليه. يروى في الحديث: «الحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم». الحلم بالتحلم، يعني شخص يجاهد نفسه على الحلم حتى يكتسب هذا الخلق، فيصبح هذا الخلق قوياً فيه.
إذاً هذا الشق الأول من الأخلاق، والشق الثاني من الأخلاق هو القوة والثبات إلى آخره، وهي أخلاق متعلقة بالقوة في الحق وعدم التنازل عن الدين. وكذلك عدم الشعور بالذنوب، وأن هذه المرأة مثلاً غير الممتثلة للدين هي أعلى مني، هذا لا بد أن لا يكون موجوداً، لا بد أن يكون عندنا علو بالإسلام وفخر بالدين، وكذلك الشعور بأن من يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى هو أعلى بكثير من غيره، من غير أن يحملنا هذا الخلق على العلو على الآخرين، أو العجب، أو التكبر. لا، إنما يكون هذا الخلق معه شعور بفضل الله سبحانه وتعالى ونعمة الله سبحانه وتعالى.
فإذا كانت الكثير من النساء مشغلات بالأمور الدنيوية وبما يتعلق بزخرف الحياة الدنيا إلى آخره، وأنت مشغلة بطاعة الله سبحانه وتعالى، فشتان بين هذا وهذا، فرق كبير بمن اصطفاه الله سبحانه وتعالى واختاره حتى يمن عليه بأن يجعلها من الصالحات في العصر الذي تعيش فيه، وبين أن تكون هكذا عادية عامة بعيدة عن امتثال هذه الأوامر؛ فهذا فضل كبير.
الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم في قول الملائكة لمريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 42-43]. منة عظيمة وعطية إلهية كبيرة من الله سبحانه وتعالى؛ يصطفي هذه المرأة في زمان انشغال الكثير من النساء بالتفاهات والأمور المتعلقة بالدنيا إلى آخره، وهي مشغلة بطاعة الله سبحانه وتعالى، لا هم لها إلا نصر الدين وتربية النساء على تعظيم الله سبحانه وتعالى وتعظيم النبي عليه الصلاة والسلام ومحبة الإسلام، هي مشغلة بتثبيت الإسلام في النفوس.
فهذا الخلق لا بد أن نتشبه فيه، أي الفخر بالدين والعزة بالإسلام، وهذا يكون من خلال معايشة نفس هذه المعاني والعيش معها، والشعور بأن هذه الأمة مختارة، وأن الله منّ عليها بشيء ما، منّ الله علينا سبحانه وتعالى، مع التواضع لله سبحانه وتعالى والانكسار بين يديه. وما يحملنا هذا -مثل ما ذكرت- على العلو؛ لأن الذي أعطى هذه المنة هو الله، فلماذا يكون العلو على الآخرين؟ لماذا يكون الترفع أو التكبر على الآخرين؟ هذا لا ينبغي أن يكون موجوداً لأن هذا كله محض فضل الله سبحانه وتعالى.
كذلك مثل ما ذكرنا الثبات على الحق، ننظر في قصة آسيا، قصة آسيا عظيمة في هذا المعنى، وكذلك قصة مريم ابنة عمران. فالمرأة قد تبتلى، لكن لن يصل بلاؤها إلى بلاء آسيا، مستحيل؛ لأن آسيا بنت مزاحم امرأة فرعون اجتمع عليها بلاء النعمة، وبلاء الفتنة والإغراء، وكذلك فتنة التعذيب، وهي استطاعت بفضل الله سبحانه وتعالى أن تنتصر على هاتين الفتنتين العظيمتين.
إذن لما نعيش مع مثل هذه القصة ونتأمل فيها، وكذلك قصة مريم إلى آخره من قصص في القرآن الكريم، هذه تثبت المرأة وتعينها على الثبات على الحق. ثم تنظر في سير الصالحات، إلى سمية كيف أنها ثبتت حتى قتلت في سبيل الله، وكذلك أم عمارة، وكذلك عائشة في حادثة الإفك، وكذلك صفية وكيف مات والدها وآمنت واتبعت النبي عليه الصلاة والسلام ولم تبالِ بهذا كله. وهكذا يكون هناك تثوير لهذه القصص وهذه المعاني حتى نستطيع أن نكتسبها وتكون معايشة لها.
إذًا هذا المحور الثالث، المحور الرابع والأخير المتعلق بالموقعات، المتعلق بالقواطع التي تمنع المرأة الصالحة المصلحة من السير والوصول والبلوغ. أعظم القواطع على الإطلاق هو الشيطان؛ الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم حاكياً عن الشيطان أنه قال: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16]، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]، وقال: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 64].
فالشيطان حريص على أن يمنع أبناء آدم وبنات حواء من الوصول إلى الجنة، إذًا هو سيدخل ولن يترك، والمعركة مع الشيطان مستمرة حتى ينتقل الشخص إلى الدار الآخرة، حتى تفارق الروح الجسد. فمن المهم جداً أن ندرك أن الشيطان حاضر معنا وأنه مؤثر في حياتنا في كل كلمة نقولها وكل فعل نفعله. كيف نستطيع على الشيطان؟ لن تستطيع المرأة عليه بقوتها، إنما تستطيع عليه بالله سبحانه وتعالى.
لذلك الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن نقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، نستعيذ بالله سبحانه وتعالى، نحتمي ونلتجئ ونعتصم بالله سبحانه وتعالى من الشيطان الرجيم. والشيطان لا يستطيع على الصلاة ولا يستطيع على الذكر، فصاحب الذكر وصاحب الصلاة هذا الشيطان بعيد عنه؛ مهما حاول أن يغزوه الشيطان يصد بهذه العبادة العظيمة، فهذه العبادة تحمي الإنسان من الوقوع بفتن الشيطان ومكائده ومصائده، مع أذكار الصباح والمساء مثل ما ذكرنا. إذًا العدو الأول هو الشيطان، وللشيطان طريقة في التعامل، وطريقة التعامل معه تكون بالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، والتمسك بحبل الله سبحانه وتعالى وبالدين.
القاطع الثاني، والذي منه تتفرع بقية القواطع، هو النفس، النفس الأمارة بالسوء: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. فالنفس أمارة بالسوء، تأمر بالسوء وتؤز صاحبها على أن يقوم بالمخالفة، فالإنسان يحتاج أن يجاهد نفسه الأمارة بالسوء، يحتاج أن يجاهد هذه النفس وألا يعطيها ما تتمنى وتشتهي. ولا تستطيع المرأة على النفس إلا بالإيمان -والمحور الأول ذكرناه- فالإيمان يستطيع أن يضبط النفس ويحدها، ويمنعها من أن تظهر على صورة العجب، أو تظهر على صورة الكبر، أو تظهر على صورة الرياء، أو تظهر على صورة اتباع الهوى إلى آخره.
إذًا مهم جداً أن نكون أصحاب إيمان نستطيع بإذن الله أن نمنع النفس من أن تصل إلى هذا الحد، ولكن لو أحياناً وقعت المرأة بالعجب، وهذا طبيعي قد يقع. كان عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه يقول: «لتتقين الله يا عمر أو لأعذبنك»، فشعر بنفسه تحدثه، يقول: «بخٍ بخٍ أمير المؤمنين». ومرة من المرات دعا الناس وقال: «الصلاة جامعة، الصلاة جامعة»، فاجتمع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وظنوا بأن هناك أمراً كبيراً متعلقاً بالمجتمع المسلم، بالأمة الإسلامية، فقال: «إني كنت أرعى إبل الخطاب أبي، فكنت إذا عجلت ضربني، وإذا أبطأت ضربني». ثم نزل، فرد عليه الصحابي الجليل عبد...
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، وقال: يا أمير المؤمنين ما زدت إلا أنعمت نفسك. لماذا تقول هذا الكلام؟ لماذا تفضح نفسك؟ فقال: اسكت يا ابن عوف، إن نفسي حدثتني بأني أمير المؤمنين، فأحببت أن أعلمها أي شيء هي.
هو الآن يريد أن يعالج العجب؛ يعالج هذا الأمر لما بدأ يؤثر على نفسه رضي الله عنه وأرضاه. إذاً العجب علاجه يكون بهذه الطريقة بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، دفع لداء الرياء والكبرياء كما يقول شيخ الإسلام. فالاستعانة بالله تدفع العجب، و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء.
فالاستعانة بالله والإكثار من «لا حول ولا قوة إلا بالله»، وكذلك مع مجاهدة النفس بعدم إظهار كل عمل، وعدم إعطاء النفس ما تريده وما تشتهيه دائماً؛ هذا كله يعالج العجب بإذن الله ويمنع العجب من أن يتمكن من القلب. ممكن يكون عارضاً أحياناً، وهذا يحتاج إلى مثل ما ذكرنا عبادة السر مع الدعاء، فيذهب ولا يستقر بالقلب والنفس، إنما يعرض ثم يزول.
لكن الخطر كل الخطر أن يصل الشخص إلى درجة أن يكون متكبراً، أو أن يكون معجباً بنفسه، أو أن يكون مرائياً ينطبق عليه اسم الرياء. لكن الرياء العارض طبيعي يقع، وهذا يطهر الإنسان بالدعاء، بالصلاة، بالذكر، بعمل السر إلى آخره، هذا يمنع بإذن الله من أن يستقر الرياء في القلب.
كذلك عندنا مشكلة اتباع الهوى؛ أن الشخص نفسه تريد شيئاً، فمباشرة يتبع ما تريد النفس. اتباع الهوى إله، الله يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]. لماذا أصبح إلهه هواه؟ لأنه أصبح معبوداً لهذا الهوى، فأصبح الهوى إذا أمر بشيء ائتمر، إذاً أصبح عبداً لهذا الهوى.
ما الحل حتى لا نصبح عبيداً لأهوائنا ولا يتمكن الهوى منا؟ أقول بالعبادة، بصدق التعامل مع الله سبحانه وتعالى، بمجاهدة النفس. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41]. فتكون هناك مجاهدة للهوى ومصارعة له، وعدم ترك الهوى يتحكم بالإنسان وينقاد له في كل ما يطلبه، إنما يجاهد؛ يجاهد بالدعاء، يجاهد بالذكر، يجاهد بالصلاة، ويجاهد بعدم فعل ما يريد الهوى.
انظر في حادثة الإفك؛ زينب أمي زينب ما قالت، لكن أختها حمنة قالت وطعنت في أمي عائشة. قالت أمي عائشة: «فهلكت فيمن هلك». لماذا؟ لأن زينب عصمها الله بالدين، عصمها الله بالورع، فمنعها دينها، دينها كان قوياً. أما أختها فوقعت ولم تستطع أن تجابه داعي الهوى، والغيرة تمكنت منها واستطاعت أن تسقطها مع الشيطان، بخلاف صاحبة الدين وصاحبة الورع؛ هذه منعها الدين من أن تقوم وتقول ما لا يحب الله سبحانه وتعالى.
كذلك من ضمن القواطع والمعوقات التي تصيب سالكاً على الطريق الفتور. والفتور ينقسم لأقسام؛ منه ما هو فتور طبيعي، طبيعي جداً يصيب الشخص في كل مرحلة، في كل فترة، أحياناً الشخص يفتر وهذا عادي. والنفس لها حظ، يقول النبي ﷺ: «وإن لنفسك عليك حقاً»، فالنفس لها حق، تكون هناك راحة، يوم في الأسبوع مثلاً أو يومين، هذا طبيعي جداً؛ فمن يعمل طبيعي أن يفتر، إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة.
لكن المشكلة بالفتور الثاني، الفتور الذي لا يكون طبيعياً، يكون طويلاً؛ أسبوع، أسبوعين، شهر، خلاص لم تعد هذه المرأة تعمل الدين وتقوم بامتثال الأوامر كما كانت قبل ذلك. لابد أن نبحث عن السبب؛ قد يكون السبب بسبب الكبائر كما ذكرت قبل قليل، فالكبائر تمنع النفس من الاستمرار بالعمل، فالكبيرة مثالها الثقل على النفس، فتقعد النفس وتقطع النفس من المسير.
إذًا لابد من التوبة والاستغفار الدائمة، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والاستعانة به وتصحيح الخطأ الذي وقع من الشخص والذي حرمه من هذا الخير. يقول النبي ﷺ: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». فيقع الشخص بذنب فيحرم من الرزق، وأعظم الرزق رزق العلم، رزق العمل، رزق النصرة للدين. فالفتور هنا قد يكون بسبب ذنب، فيحتاج إلى توبة واستغفار وتصحيح ومراجعة.
وقد يكون الفتور بسبب مرض، فهذا المرض يحتاج أن يعالج، إذا مثلاً المرأة عانت منه إلى آخره. إذًا الفتور إما أن يكون فتوراً طبيعياً، أو يكون فتوراً طويلاً. الفتور الطبيعي كما ذكرنا أمر عادي، هنا المرأة تقوم بالواجبات، والنفس إذا أقبلت كما يقول أمير المؤمنين: «احملها على النافلة، وإذا أدبرت احملها على الفريضة». فلما تقبل النفس وتعطي صاحبها فيقوم بأداء الفرائض والنوافل، أما إذا أدبرت النفس فلا يخل بالفرائض ويفعل الذي يستطيع من النوافل، فطبيعي النفس لما تدبر ما تكون مثل قوتها لما تقبل.
القسم الثاني كما ذكرنا الفتور الذي يكون بسبب ذنب، فهذا يحتاج إلى توبة واستغفار وعودة إلى الله سبحانه وتعالى ورجوع كبير إليه. والقسم الثالث المتعلق بالمرض، قد يكون الفتور بسبب مرض، وقد يكون مرضاً روحياً حتى أحياناً، فيحتاج إلى معالجة لهذا المرض إذا وقع.
طيب، إذا كان الفتور طويلاً وليس بسبب واحد من هذه الثلاثة، أقول لك الأمر الآن هو المجاهدة. قد يكون الفتور طويلاً، شهر، شهرين، خلاص الشخص نفسه ما تعطيه المرأة نفسها ما تعطيه مثل ما كانت تعطيه، وليس بسبب الأول ولا الثاني ولا الثالث، أقول الآن هو اختبار. هذا يدخل في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]. هذا اختبار؛ هل هذه الفتاة، هذه المرأة، هذه المربية، هذه الداعية، هل تستمر أو تتوقف؟ هل تجاهد نفسها أو لا تجاهدها؟
هذه كلها فترات اختبار، فتحتاج إلى مقاومة وتحتاج إلى مجاهدة، حتى لو ما كانت تعمل مثل ما كانت تعمل قبل الفتور، أجرها يكون أعظم لأن النفس نافرة، فنفرة النفس مع مخالفتها والقيام بما يريد الله سبحانه وتعالى والحضور، هذا كله أجر عظيم جداً عند الله سبحانه وتعالى.
كذلك من ضمن القواطع والموانع والمعوقات التعصب؛ داء التعصب، التعصب إذا كان للحق لا بأس به، ولكن المشكلة لما يكون التعصب للأسماء مثلاً، أو يكون تعصباً للمركز، أو يكون تعصباً لشيء لا ينبغي له التعصب.
فيكون بزيادة هناك، يكون هناك غلو، يكون هناك، هذا كله يحرم الإنسان، هذا كله لا بد أن يضبط، ولا تسمح المرأة لهذا الداء أن يتمكن منها حتى ما يمنعها من الإيمان، وما يمنعها من تطهير القلب وتزكيته، والقيام كذلك بالأمور التي يحبها الله سبحانه وتعالى.
التعصب يمنع؛ لأنه يعمي البصر ويعمي القلب، فما تنظر المرأة إذا كانت متعصبة إلى الحق كما تنظر إليها المرأة غير المتعصبة. فالتعصب إذا كان للحق لا بأس به، لكن لما يكون في زيادة، ليس الحق إنما لشخص أو يكون تعصب لمركز أو الاسم إلى آخره، ويكون هذا الأمر عليه ولاء وبراء، هنا يكون خطر كبير؛ التعصب بالرأي.
بعض البعض يتعصب برأيه، وكأن رأيه خلاص يتعامل مع رأيه على أنه قرآن، أنه ما يحتمل الخطأ، هذا كذلك الأمر خطأ، إذا كان الأمر اجتهادي والأمر به احتمال، ليس من صواب التعصب، خطأ كبير. فهنا الشورى، هنا يكون التنازل عن الرأي، حتى لو كان الشخص يرى بأنه مصيب، إذا ما كان الأمر به يقين، ليس من صواب التعصب له.
هذا كله يحرم الإنسان، فهذا يكون مع المجاهدة، مع الفقه، مع العلم، مع الإيمان، يبدأ الإنسان يستوعب هذا الشيء ويجاهد نفسه أنه ما يتعصب لرأيه أو قوله، ففي بعض الأحيان يفسد العمل كله، ويهدم العمل كله بسبب امرأة واحدة تتعصب لرأيها وبالقوة تريد أن تطبق. هذا دين، كل كلمة تقولها المرأة في المحضن، أو كل رأي تشير به تسأل عنه يوم القيامة، فليس من السهل أن الشخص هكذا يقول، والأصعب أن يتعصب لقوله.
فلا بد أن تستحضر المرأة وقوفها بين يدي الله سبحانه وتعالى، والأمر يكون شورى، والأمر يكون به هدوء، والطرح يكون معه اتزان وهدوء نفسي، ما يكون معه شدة أو قوة وغيظة أو يكون معه تعصب: أن قولي صواب لا يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ لا يحتمل الصواب، خاصة في الأمور الإجرائية، الأمور التي بها اجتهاد وتقدير. إذن التعصب كذلك داء عظيم، لا بد أن نراعي أنفسنا، ونحرص أن لا يدخل الشيطان علينا من خلاله.
كذلك من ضمن المعوقات التشتت. التشتت ينقسم إلى قسمين: قسم عقلي وقسم نفسي. القسم العقلي، التشتت الذي يكون بسبب عدم المعرفة؛ امرأة ما تدري ماذا تريد، هذا تشتت عقلي ليس نفسي. لا بد أن تدري، وكيف تعلم؟ تعلم من خلال العلم، من خلال نفس القدرات التي تستطيع أن تقوم بها. وباب الاجتهاد مع المرأة أقل بكثير من الرجل، لذلك الأبواب تكون محصورة أكثر، فإصابة الحق فيها أسهل ومعرفة المراد أسهل بكثير من الرجل.
القصد أن التشتت العقلي هذا يتم القضاء عليه من خلال العلم والمعرفة. والعلم ينقسم إلى قسمين: علم بنفس المراد الإلهي، وعلم بنفس طبيعة الشخصية. من شبيهتها من أمهات المؤمنين؟ من شبيهتها من صالحات القرآن الكريم؟ هي في أي مقام؟ هذا كله يقضي على التشتت العقلي ويجعل الهداية والطريق واضحاً، طبعاً هذا كله مع الدعاء والاستعانة بالله سبحانه وتعالى مثل ما ذكرنا.
والتشتت الثاني نفسي. المرأة تتابع مئة شيخ مثلاً، أو تتابع وتدخل في عشرين برنامجاً، كل ما يفتح شيء جديد تدخل فيه، كل ما ينزل أحد شيئاً تتابعه؛ هذه إذا ما كان هناك ضبط للنفس تتشعب النفس، فما تنجز أي شيء. وهذا الشق الثاني من التشتت هو التشتت الغالب عند الناس في هذا العصر؛ بسبب كثرة البرامج، كثرة وسائل التواصل، المتابعة هنا وهنا. برنامج جديد فتحه فلان تدخل فيه ثم كذا وكذا، هذه الطريقة لا يمكن أن تنتهي. لذلك لا بد من تحديد وتقسيم الوقت، ثم إلزام النفس وعدم فتح المجال، بهذه الطريقة تحمى العاملة الإسلامية المصلحة الصالحة من التشتت النفسي.
إذا التشتت العقلي يكون من خلال العلم كما ذكرنا، العلم المتعلق بما جاء به الدين، أو العلم المتعلق بنفس الشخصية. والثاني التشتت النفسي والشتات النفسي هذا يحتاج إلى ضبط. فخلاص، عندنا برنامج كل يوم مثلاً نعيش مع القرآن الكريم، عندنا برنامج ثاني نعيش فيه مدارسة سير الصالحات في القرآن الكريم، أمهات المؤمنين، الصحابيات الجليلات وهكذا. البرنامج الثالث عندنا برنامج علمي متعلق بدراسة أصل العلم، الرابع متعلق بالعلم الخاص بالمرأة، الخامس متعلق بالوعي بالواقع والثغر إلى آخره، هكذا يكون الترتيب.
إذا ضبط هذا الترتيب، طبعاً هذا كله مع العمل الواجب علينا، ومع العمل الواجب على الفتاة نفسها أن تقوم به؛ بهذه الطريقة يضبط الوقت، وتكون المرأة تسير في طريق الإصلاح على هدى وعلى بصيرة، وتدخل بإذن الله في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. بهذه الصورة بإذن الله يتم الامتثال لهذه الأوامر ويسير الشخص على منهاج النبوة ويصيب الحق، ويكون قد سار على هذا الطريق الذي يوصله بإذن الله إلى الله سبحانه وتعالى، ويكون له نصيب كبير من امتثال ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وكذلك ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾.
إذاً هذا ما يتعلق بهذه المحاضرة، والله أعلم.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري