دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 1. معنى السنن والتعريف بابن خلدون

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

جاء التصريح في القرآن الكريم بأن لله تبارك وتعالى سنناً في خلقه، قال تبارك وتعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62]. وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]. والآيات في سنن الله تبارك وتعالى ظاهرة في القرآن الكريم، كما هي ظاهرة في السنة النبوية.

إذاً، قد كشف الله تبارك وتعالى لنا أن هناك سنناً، وأن اعتبارنا بهذه السنن هو مما يزيدنا بصراً وعِلماً بواقعنا وبمستقبلنا؛ لذلك أمرنا الله تبارك وتعالى بالاقتداء والاعتبار بالأنبياء. كما ذكرنا ابن تيمية يقول: لو أن الفعل لم يكن مطرداً، ولم يكن يصح القياس عليه، لم يكن هناك معنى للاعتبار. فكوننا نقتدي بأخبار السابقين، هذا معناه أن سنة الله في السابقين هي سنة الله في الحاضرين، هي سنة الله في اللاحقين، هذا مطرد في كتاب الله تبارك وتعالى.

فمن السنن ما يتفق عليها العقلاء جميعاً؛ يعني من المعروف الذي يعرفه المسلم والكافر، وُجد في كتب المسلمين، وفي كتب النصارى، وفي كتب الصين، وفي كتب الهند، كانت تراثاً إنسانياً: أن تولية الأمر لغير أهله مؤذن بانهيار الدولة، أن ضعف الجيوش العسكرية مؤذن بانهيار الدولة، إساءة التدبير والتصرف في الاقتصاد والأموال مؤذن بانهيار الدولة. هذا أمر مادي واضح يعني بارز، ترتب فيه النتيجة على السبب بوضوح؛ فلذلك موجود في كل التراث.

لكن من السنن ما لا يمكن أن يُفهم إلا في ضوء الوحي؛ يعني لا يُفهم بوضوح إلا في ضوء الوحي. قد يفهمه آخرون، ولكن لا يكون عندهم الأمر واضحاً كما هو عندنا؛ فعندنا مثلاً دور الظلم في انهيار الدول، الظلم في انهيار الدول قد لا يؤمن به آخرون، بينما هو واضح عندنا. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قاموا عليه الحد». فعرفنا من التصريح أن هناك ارتباطاً بين الظلم وبين السقوط والهلكة؛ ولذلك قال ابن خلدون في المقدمة: الظلم مؤذن بخراب العمران. وقال ابن تيمية: فإن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة المسلمة إن كانت ظالمة. لاجل هذا، هذا معنى نفهمه تصريحاً لوجوده في الوحي، قد لا يفهمه آخرون بهذا الوضوح.

كذلك عاقبة الترف، الترف جاء التصريح في القرآن الكريم بأن الترف من أسباب السقوط، وأن المترفين هم أول من يواجهون دعوات الرسل؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: 34]. فوجود الترف وحصول الترف هذه من الأسباب المقلقة. وأن سيدنا عمر رضي الله عنه أوقف الفتوح بعد جلولاء في فارس لكثرة ما ورد على المسلمين من أموال. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم».

هناك من السنن ما لا يوجد إلا بالوحي، ولا يُفهم إلا بالوحي. نحن ذكرنا سنناً يتفق في فهمها الجميع، وذكرنا سنناً جاءت عندنا بالوحي فنحن نستوضحها ونؤمن بها، بينما هي عند غيرنا موضع شك أو موضع غموض. هناك من السنن ما لا يُفهم إلا في ضوء الوحي، كما أخبرنا الله تبارك وتعالى عن طبائع بعض الاقوام: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]. هذا أمر لا يمكن أن نفهمه إلا من الوحي. وكما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم». هذه أيضاً مسألة تثير التأمل والانتباه، يعني المفترض أنا لو كان الأمر بيدي لجعلت رعي الغنم كورساً أساسياً بأي أكاديمية لإعداد القادة، وأي برنامج لإعداد الكوادر؛ لانه إذا كان كل الانبياء رعوا الغنم، فلابد أن في رعي الغنم سرّاً معيناً. فهذه يعني جملة من الأشياء التي جاء بها القرآن الكريم. ومن السنن ما أطلق الله تبارك وتعالى لنا النظر فيه لكي نستوضحه ونتبينه.

الأصل في هذا الموضوع أن عمر الإنسان قصير، وأن التغيرات الكبرى لا يستوعبها عمر الإنسان؛ فيحتاج الإنسان أن ينظر إلى الماضي ليتعلم منه ويستفيد، لكي يحسن التصرف في واقعه الحالي، ويحسن استشرف المستقبل.

السنة هي العادة في الأشياء المتماثلة، ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس والطراد في فعله وسنته جل وعلا لم يصح الاعتبار بها، والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن، هكذا قال ابن تيمية. وقال ابن الأثير: لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره، فيزداد بذلك عقلًا، ويصبح لأن يقتدى به أهلاً. قال ابن خلدون: الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.

السنن لا تتعارض، لا يتعارض ما جاء في كتاب الله مع ما وقع في التاريخ، فإادراك التاريخ يحسن من فهمنا لإدراك كتاب الله تبارك وتعالى؛ يعني سئل الإام الشافعي: أيهما أفضل للمؤمن: يُمكّن أم يُبتلى؟ هناك سنة التمكين للمؤمنين: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21]. وهناك سنة الابتلاء: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]. فالإمام الشافعي قال: لا يمكن حتى يبتلى. السنن لا تتعارض، ولذلك ينبغي علينا، على المسلمين بالذات، على الحركات الإسلامية، على الإصلاحيين، أن يففقوا التاريخ ليحسنوا إدراك سنن الله تبارك وتعالى في كونه.

فلاجلهذا ينبغي على كل حركة أن تنظر في منهج إصلاحها، هل هذا المنهج تحقق من قبل في التاريخ؟ فان كان قد تحقق فعلا فنعرف بهذا أنهم يوافقون سنة الله التي جاءت في كتابه. ولكن لا يمكن أن تعتمد حركة ما منهجا إصلاحيا أو تغييريا تظن أنه من كتاب الله وهو لم يحدث من قبل في التاريخ؛ التاريخ يحسن من فهمنا لسنن الله كما جاءت في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

من المؤرخين البارزين الذين تميزوا في استخلاص هذه السنن، بل هو أشهرهم على الإطلاق، هو عبد الرحمن بن خلدون. عبد الرحمن بن خلدون امتدحه كثير من العلماء، حتى غير المسلمين؛ حتى إن أرنولد توينبي، المؤرخ المسيحي المشهور، يقول إن مقدمة ابن خلدون هي أعظم عمل من نوعه أبدعه عقل إنساني في أي زمان ومكان. وهذه الكلمة لو قالها مسلم مثلي لعد متَعصِّباً ومتطرفاً. صامويل مارجليوس يقول أيضاً عن مقدمة ابن خلدون إنها أفضل ما كتب في الآداب العربية، بل أفضل ما كتب في أي أدب حتى ما قبل اختراع الطباعة. وهذه أيضاً كلمة لو قالها مسلم لعد متطرفاً ومنبوذاً.

ابن خلدون هو المؤرخ التونسي المشهور، ما ولد في تونس، لكن أجداده كانوا نازحين من الأندلس، الأندلس حينما سقطت إشبيلية في القرن السابع الهجري نزح منها قوم فاستقر قوم ابن خلدون في تونس وفيها ولد، لكن أصولهم القديمة من اليمن من حضرموت، والعائلة اسمها عائلة خالد، لكن الأندلسيين كانت لهم لهجة يجعلون خالد خلدون، زيدون، حفص حفصون؛ فلذلك هذه الإضافة هي إضافة في اللهجة الأندلسية.

فولد في تونس ابن خلدون، لكن نبغ واشتهر مبكراً، وعمل بالكتابة للسلطان وهو في العشرين من عمره، ثم تقلب بين المناصب فعمل لصاحب تونس، وعمل لصاحب المغرب، لسلطان المغرب في الدولة المرينية، وكذلك ذهب إلى الأندلس وكان في قصر بني الأحمر سلطان غرناطة، ثم عاد إلى تونس، وتنقل بين هذه البلاد، ثم استقر في مصر، وفي آخر حياته قابل تيمورلنك الذي كان يجتاح الشام في ذلك الوقت. فابن خلدون لديه مساحة واسعة من الاطلاع من الأندلس، وعمل سفيراً قابل ملك قشتالة بيتر أو بيدرو في ذلك الوقت كسفير من ملك غرناطة، وقابل تيمورلنك، كأنه جمع بين المشرق والمغرب، والحقيقة أنه تميز بذكاء هائل، وبلغة متميزة، وكان فريداً في كتابة مقدمته التي ذكرت لكم بعض ما قيل فيها.

في هذا البرنامج، إن شاء الله، نستعرض معكم بعض السنن التي استخلصها ابن خلدون من التاريخ وصاغها كقواعد عامة. هذه السنن كان أولى بها أن نعرفها نحن المسلمين، فابن خلدون هو جدنا، هو من أجدادنا، من علمائنا، كان فقيهاً قاضياً على المذهب المالكي، ومتشبعاً بالعلوم الشرعية؛ أي أنه ليس كأغلب المفكرين في عصرنا ليست عندهم عُدَّة شرعية قوية، لا، هو كان نشأ في الحضارة الإسلامية تشبع بعلوم القرآن والحديث والعربية والقراءات، وكان قاضياً على المذهب المالكي، كان فقيهاً في المذهب المالكي، فضلاً عما كان له من مشاركات في الأدب، وفي الأصول، وفي المنطق، وغيره من العلوم العقلية. فجمع ابن خلدون بين هذه العدة الشرعية وهذا الاتساع في النظر والعلاقات والتقلب في مواقع السياسة وبين هذه العبقرية التي جاد بها عقله ليقرأ هذه القراءة التاريخية.

في هذا البرنامج، كما قلت لكم، نحاول أن نقف عند بعض هذه السنن التي وضعها ابن خلدون في مقدمتها، والتي لو كنا فقهناها لكان حالنا غير الحال الآن، ولعله، إن شاء الله، حين نفقهها أن يتحسن هذا الوضع مستقبلاً، وألا يجد أبناؤنا مثل ما وجده جيلنا من الغفلة عن هذه الكنوز. نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل هذا عملاً خالصاً لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحد سواه فيه شيئاً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.