كنا نسود الأرض بالأخلاق فكم سدنا بعهد صدق والميثاق، بنيناها بأيدي كم لها نشتاق، بومضة نوره سراء ندى في نهجهم عبر توصني للأوراق.
أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر، والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم، وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم، حتى صار ذلك خلقا يتنزل منزلة الطبيعة.
وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي، قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم، فهم دائما يحملون السلاح ويتلفتون عن كل جانب في الطرق، ويتجافون عن الهجوع إلا غرارا، ويتوجسون للنبيئات والهيعات، ويتفردون في القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم.
وقد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية، وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئا من أمر أنفسهم. هنا ابن خلدون يشرح كيف أن أهل البدو أفضل من أهل الحضر، فأهل البدو نشأوا في البادية في الصحراء بالقفار في التوحش، لذلك نشأوا على الفطرة الأولى، ولذلك ابن خلدون يقول: فهم أقرب إلى الفطرة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
فهذا البدوي الذي نشأ في القفار في الصحراء في الضواحي بعيدا عن المدينة، ينشأ على الفطرة الأولى، ينشأ كما نشأ الإنسان الأول، بينما أهل الحضر الموجود في المدينة هذا رجل نشأ في عادات وتقاليد ونظم وسلوكيات اصطنعها أهل المدينة، فهناك رسوم وآداب وعادات وتقاليد، فبالتالي لا ينشأ على الفطرة الأولى التي نشأ عليها الرجل في البدو. ويلفت النظر ابن خلدون إلى أن أهل البدو أفضل من أهل الحضر حتى في الأخلاق؛ فهن أهل البدو لديهم حشمة وعندهم هيبة ووقار وأكثر خشونة، بينما أهل الحضر تبسطوا في المجالس حتى ضعفت أخلاقهم وانحلت أخلاقهم.
الكلمات الفحش والبذاءة تنتشر في أهل الحضر لا تنتشر في أهل البدو، عدم احترام المنازل والمقامات موجود في أهل الحضر غير موجود في أهل البدو، وهكذا. فهو بشكل عام يقول إن أهل البدو أقرب إلى الخير وأحسن في الفضائل من أهل الحضر، لكن أهم ما يتميز به أهل البدو عن أهل الحضر هو الشجاعة، ذلك أن أهل الحضر نشأوا على مهاد الراحة نشأوا في الطرف والنعيم. هؤلاء ينامون في بيوتهم أو يسيرون في الطرقات وقد وكلوا أمر المدافعة عنهم، أمر حمايتهم والمدافعة عنهم موكولة إلى الحاكم موكولة إلى الجيش أو الشرطة، فلذلك استناموا على مهاد الراحة إلى أن صار ذلك لهم خلقا تخلقوا به حتى صار كأنه طبيعة تنزل منزلة الطبيعة، وبالتالي هذا الرجل الذي نشأ في الحضر يصير أكثر رخاوة وأكثر نعومة أكثر ليونة، وإذا اعتدي عليه اشتكى إلى السلطان، لا يألف حمل السلاح لا يستطيع أو لا يعتاد أن يواجه شظف العيش.
لكن الموجود في البدو هذا رجل ينتشق سلاحه، مدل ببأسه، لا ينام إلا غرارا منتبها للنباءات والهيعات. الهيعات يعني إذا حصل صوت إذا حصل صرخة إذا حصل طارق فتجدوه منتبها يستطيع أن يعالج أمر نفسه، وبالتالي يظهر هذا أكثر ما يظهر إذا التقى البدوي بالحضري، إذا أصلا واحد حضري أراد أن يعيش في البدو أو إذا التقوا في سفر، الحضري عادة ما يكون عالة على البدوي والبدوي يقوم له مقام الابن أو مقام الراعي أو مقام الوالي الذي يحمل عنه أمره، ويصير هذا الحضري عيال على البدوي.
هنا مسألة البأس التي يصنعها عدم وجود السلطة عند البدوي، مقابل مسألة ذهاب البأس التي يصنعها وجود السلطة في الحالة الحضارية. كل هذا يؤدي إلى أن ننتقل نقلة سريعة يقول ابن خلدون: معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم، وذلك أنه ليس كل أحد مالك أمر نفسه، فإذا كانت الملكة رفيقة عادلة لا يعاني منها حكم ولا منع وصدق، كان الناس من تحت أيديهم مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع، وأما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة، فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة.
وأما إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة البأس بالكلية، لأن وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يكسبه المذلة التي تكسر من بأسه بلا شك، ولهذا نجد المتوحشين من العرب اهل البدو أشد بأسا ممن تأخذه الأحكام، ونجد أيضا الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا، ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه، وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ عن المشايخ والأئمة الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقار والهيبة مع فساد البأس.
ببساطة هو عدم قدرة الإنسان على أن يدفع عن نفسه شيئا من ظلم السلطة، هذا معنى فساد البأس هذا معنى انكسار البأس وذهاب المنعة. ابن خلدون هنا يشير إلى أن هذا الذي في البدو خلاص ليس عليه سلطة، فبالتالي هو مكتمل البأس مكتمل المنعة يدفعون عن أنفسهم، لكن الذي وجد في ظل سلطة في الحضر في المجتمع هذا عنده حالات. الحالة الأولى أن تكون الملكة السلطة سياسة رفيقة عادلة، فلما تكون سياسة رفيقة عادلة حينئذ لا يذهب بأسه، لن يكون بحال مثل البدوي لكن في النهاية موجود بشجاعة بإقدام بأمانة لأنه يثق من وجود العدل، فبالتالي ليست لديه الإخافة ليس لديه التخوف الجبن من أن تؤدي شجاعته أو نصيحته أو مواقفه إلى الإيذاء.
لكن إذا كانت هذه السياسة كانت الملكة مخيفة لديها سطوة والمسألة مرعبة، فبالتالي يكسر هذا من بأسه ويذهب بالمنعة إلى حد ما، أن تكون السلطة مخيفة ومرعبة حتى لو كانت عقوبتها قليلة، لكن وجود الإخافة هو يذهب من المنعة والبأس بقدر ما لهذه السلطة من الإخافة. طيب إذا كانت الملكة قاهرة تعمل بالعقوبة -ليست عقوبات خفيفة مثل الحالة التي قبلها- هذه تعمل بالعقوبة والإيذاء، فإن هذا يذهب المنعة بالكلية ويذهب البأس بالكلية، وبالتالي يصير هذا الذي نشأ في الحضر في المجتمع في ظل هذه السطوة ذاهب المنعة وغير مستطيع لأن يدافع عن نفسه في وجه السلطة.
أيهما أفضل في هذه الحالة؟ بلا شك سيكون الأفضل في هذه الحالة هو الرجل البدوي الذي ما زال محتفظا ببأسه ومناعته، بخلاف هذا الرجل الذي تعود على نعومة الحضر ثم زادته سطوة السلطة وقوتها وقهرها تكاسلا، أو بعبارة ابن خلدون: لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة. من أجل هذا يفكر الزعماء الحقيقيون، يفكر مؤسسوا الدول في أن يتعود أهل المدينة على فنون البداوة، لماذا تنتشر الكشافات والجوالات والبرامج التي تحاول أن تكسب مهارات البداوة لأهل المدينة؟ لأنه هذا مفيد لأهل المدينة، القادة الحقيقيون يهتمون أن يكون الشعب مسلحا، لأن الشعب المسلح عملية احتلاله صعبة عملية الاستبداد به صعبة، فلذلك انتشار السلاح والقدرة على التدرب عليه واستخدامه هذا يدفع ويحمل عبئا كبيرا عن الجيش الرسمي للدولة. الجيش الرسمي للدولة إذا هزم تبدأ مقاومة شعبية، أو قد لا يهزم لما يكون من مساعدة القوة الشعبية التي تعمل في المقاومة.
فتدرب الناس على فنون القتال، وتدرب الناس على مهارات العيش في البدو وشظف العيش، معرفة الاتجاهات من خلال النجوم، الأكل ما يكون في الصحراء والمبيت على الأمور الخشنة والتيقظ والانتباه واكتساب هذه الصفات، هي من الأمور التي يحتاجها الزعماء الحقيقيون الذين يهتمون بأن تكون دولهم دولا قوية وأن تكون شعوبهم فيها منعة عن الاستبداد والاحتلال.
ابن خلدون يلفت النظر أيضا إلى أن هذه السطوة وهذا الأسلوب لا يوجد فقط في علاقة السلطة والرعية، وإنما يوجد أيضا في علاقة طالب العلم بالشيخ، الشيخ الذي يستخدم العقوبات الأستاذ الذي يكثر من الضرب، هذا ينشأ في نفس الطفل هذا النوع من الانكسار وذهاب المناعة. وابن خلدون في مقدمته يطيل النفس في مسألة أنه العلماء أو الشيوخ الذين نشأوا في هذه الأحوال لم يكونوا على الهدي الأول، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على بقاء بأس الصحابة وبقاء مناعتهم كما هو، وأن يكون وازعهم من الدين وازعا نفسيا، ليس وازع الإخافة والسطوة، وبالتالي فحين تحول التعليم إلى عملية صناعية فيها العقوبة وتكرار العقوبة، فإن هذا أنشأ جيلا من المتعلمين وجيلا من المتدينين لم يكونوا على أهل الشأن الأول من البأس وذهاب المناعة.
ففي النهاية الخلاصة المقصودة هنا أنه حتى إذا الإنسان نشأ في أهل الحضر فيجب عليه أن يكتسب صفات العيش في البداوة، ولأجل هذا جاءت برامج الكشافة والجوالة وغيرها، ولأجل هذا تحرص الدول بشكل عام الدول الحقيقية التي تريد تقوية شعوبها وتريد ألا تستذل على أن يكتسب عموم الشعب مهارات هي بالاصل كانت مهارات اهل البدو ولم تكن مهارات أهل الحضر.
الرجل الجاهلي المشهور بالكرم حاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الكرم، كان الرجل يكرم ضيفه حتى إنه يذبح إبله يعطي كل ما يملك ضرب به المثل في الكرم مشهور، لكن الحقيقة يرتبط بالمعنى الذي حكيناه في هذه الحلقة قصيدة جاء فيها ما الذي لن ينفقه ما الذي سيحتفظ به؟ وهذا هو الذي نريده هنا، هو يقول: يقولون لي أهلكت مالك فاقتصد، وما كنت لولا ما يقولون سيدا. لولا المال ولولا إنفاق المال لم أكن سيدا.
سأذخر من مالي -ساحتفظ- سأذخر من مالي ضلاصا وسابحا، الدرع والفرس الخيل، وأسمر خطيا والسيف الرمح، وعضبا مهندا السيف، تأذخر من مالي ضلاصا وسابحا وأسمر خطيا وعضبا مهندا، فذلك يكفيني من المال كله مصونا إذا ما كان عندي مطلقا. وسائل الحماية التي يكون بها البأس هي الوسائل التي لم يفرط فيها ولا حتى حاتم الطائي المشهور الذي يضرب به المثل في الكرم.
ما منه كفينا أخذنا الحب والإشراق لتاريخ لهم، كنا نسود الأرض بالأخلاق.
محمد إلهامي