دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 3. الدول العظيمة قامت على الدين

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الدول العامة لاستيلاء العظيمة الملك اصلها الدين. اما من نبوة او دعوة حق. وذلك لان الملك انما يحصل بالتغلب. والتغلب انما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمع القلوب وتأليفها انما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: 63].

وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشى الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة كما نبين لك ان شاء الله.

هنا ابن خلدون يشير إلى أمر شديد الأهمية وهو أمر مع الأسف الشديد أهل عصرنا هذا هم أكثر أهل العصور غفلة عنه. نحن الآن في زمن يتصور أن الأديان هي سبب من أسباب الفرقة، وأن الأديان تجر إلى العصبيات، والعصبيات تجر إلى التناحر، والتناحر لا يقيم شأن الدول.

طيب، فما الذي يقيم شأن الدول؟ فأهل عصرنا أيضا يشيعون بينهم أن الدولة يعني يجب أن تكون محايدة، تحتوي الجميع تحت ظلها وهيمنتها، وليست لها علاقة بأديانهم، وليست لها علاقة بمذاهبهم، وأن هذه الدولة بهذا الشكل تنشئ الرابطة الوطنية، الرابطة الوطنية التي يجتمع فيها مجهود المسلم مع غير المسلم أو مجهود العربي مع غير العربي.

يعني بهذا المعنى؛ لأن الدولة الوطنية تجمع أشتاتا، وبالتالي تستطيع هذه الدولة أن تنهض على اختلاف ما كان تحتها من الأعراق والأديان. أصل هذه الفكرة أصل غربي المنشأ، وذلك لأن الغرب التعصب الديني عندهم في تاريخهم أنشأ بينهم كثيرا من الحروب، الحروب الدموية، التي وجدوا عندهم أن الانخلاع من الدين والاحتماء بالقوميات هو الذي يمكن أن يكون سببا في توقف هذه الحروب الدينية بينهم.

وهم لما وصلوا إلى هذه المرحلة وازى ذلك أنهم كانوا قد اكتشفوا القارتين الأمريكيتين وأفريقيا، واكتشفوا رأس الرجاء الصالح وانطلقوا لمرحلة الاستعمار، فبالتالي صدروا نزاعاتهم إلى هذه الأراضي، وخفتت بينهم الحروب وإن كانت لم تنته، ولكن بدأت بينهم عصور الحروب القومية فيما بعد.

ابن خلدون هنا يشير إلى أمور أشار إليها غيره من المؤرخين الأوروبيين فيما بعده، وهو أنه الحضارات الكبرى اصلها الدين؛ يعني الدول التي نشأت عبر التاريخ، الحضارات التي نشأت عبر التاريخ، الحضارات والدول الأكبر حجما واتساعا والأزهر حضارة وإنجازا وقوة ورقيا كان أصلها الدين.

هذا الكلام ردده فيما بعد ابن خلدون كما قلت عدد من المؤرخين، منهم كريستو فردوسن وله عبارة مشهورة يقول: الحضارات الكبرى قامت على الأديان الكبرى. كذلك أرنولد توينبي في كتابه مختصر تاريخ الحضارة مختصر دراسة التاريخ يقول أرنولد توينبي بأن الأديان كانت بمثابة اليافعات التي احتوت هذه الحضارات، وكانت تقسيمته للحضارات تقسيم يدل على أن كل الحضارات التي نشأت إنما نشأت فوق قاعدة من الأديان.

فالحضارة الإسلامية نشأت على الإسلام، حضارة الصين نشأت على البوذية، حضارة الهند نشأت على الهندوكية، وكذلك طبعا الحضارة الغربية المعاصرة حتى الآن ما زال هناك جدل كبير: هل هذه الحضارة الغربية المعاصرة هي فعلا حضارة علمانية هي التي أستأستها الثورة الفرنسية العلمانية المنقطعة الصلة بالدين، أم هي حضارة في مكونها وقسيم وقلب وروح مسيحية لا يمكن أن تنتزع منها؟ ولا نريد هنا الآن حل هذا الاشكال، ولكننا نرى بالفعل أنه حتى هذه الجيوش العلمانية حين جاءت إلى بلادنا لم حاول نشر العلمانية فيها، وإنما حاولت نشر العلمانية ولكن بروح صليبية.

ولذلك جاء في رفاق جاء في مرافقة هذه الحملات قساوسة وحملات تنصيرية، وحتى القادة العسكريين هذا يقول يرقو القبر وصلاح الدين القائد الفرنسي جروا يرقو القبر وصلاح الدين ويقول: ها قد جئنا يا صلاح الدين. والجنرال اللنبي سنة ألف وتسعة عشر وسبعة عشر يقول: الآن انتهت الحروب الصليبية. وججورج بوش فيما قيل أنه فلتة لسان يقول بعد أحداث ١١ سبتمبر: هذه حملة صليبية جديدة.

فالمكون الديني داخل الحضارة الغربية مكون لا يمكن نزعه، فحتى الحديث عن أن الحضارة الغربية حضارة علمانية أو حضارة ملحدة هو نفسه موضع شك. نحن ماذا نريد من ذكر هذا؟ نريد القول ببساطة بأنه الاقوام المهزومون إذا أرادوا أن ينهضوا فلابد لهم من التعلق بالدين، وإذا أرادوا صناعة حضارة فلابد لهم من التعلق بالدين. طالما ثبت أن الحضارات الكبرى إنما قامت على الأديان الكبرى فلا ينبغي أن ندع الدين جانبا وأن نبحث عن روابط وهويات وانتماءات أخرى، وإنما يجب أن نبعث فينا أمر الدين.

لا سيما العرب، لا سيما العرب وابن خلدون أطال في مقدمته في وصف العرب بغير دين؛ يعني فالعرب أمة وحشية بما أنهم نشأوا في الصحراء والقفار وكان من عادته من تهاب الاقوام، وهم أبعد الناس عن تدبير الملك. وسم راقب تطورهم حتى قال: فصل في أن العرب لا تتم لهم سياسة ولا يقوم لهم ملك إلا بصبغة دينية.

طيب، ما الذي يحول العرب إلى أنهم من بعد ما كانوا أبعد الناس عن سياسة الأمم، ومن بعد ما كانوا أمة وحشية، ومن بعد ما كانوا همهم الانتهاب، ما الذي صنعه الدين؟ الدين كما يقول وكما هو واضح، وككما ذكره من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

الدين هنا يرفع من شأن العصبية فيجعلها خالصة لله وليست خالصة لوجه من وجوه الدنيا. وحينما تكون الغاية متجهة إلى الله ورجاء الآخرة وثواب الدار الآخرة يقل التحاسد والتباغض والتنازع، ولذلك يقوم اهل هذا الشعور الجارف بغلبة من كانوا على الباطل حتى وإن كانوا أكثر منهم عددا وعدة؛ لأن هؤلاء اهل الباطل هؤلاء ليست لهم من توحد القلوب، وليست لهم من قلة التنازع والتحاسد والتباغض ما يجعلهم يقومون لهذا النفر الذي يحمل هذا الشعور.

فلذلك لما جاء الإسلام تغير حال العرب وصارت لهم إمبراطورية عظمى تتمدد من الصين إلى فرنسا. هذه الاقوام الكبيرة لما دخلت في دين الاسلام كانت السيادة عليهم للعرب في صدر الاسلام، وكذلك حتى غير العرب الذين دخلوا في هذه الصيغة هذه الصبغة الدينية ما زالوا يقدرون ينظرون إلى العرب بنوع من التوقير والاجلال.

فنحن الآن في عالمنا هذا إذا عرفنا أننا مستضعفون، وإذا أرادوا أن نقيم حضارة، وإذا عرفنا أن أقوامنا لا تقوم لهم هذه الحضارة ولا تتمهد لهم سياسة الأمم إلا بالدين، أخطأوا الخطأ وأبطلوا الباطل أن نستبعد الدين من حياتنا، وأن نركز على إنشاء هويات وروابط وولاءات أخرى.

يضرب ابن خلدون المثل في هذا فيقول: وهذا كما وقع للعرب صدر الإسلام في الفتوحات، فكانت جيوش المسلمين بالقادسية واليرموك بضعة وثلاثين ألفا في كل معسكر، وجموع فارس مئة وعشرين ألفا بالقادسية، وجموع هرقل على ما قاله الواقدي اربعمائة ألف، فلم يقف للعرب أحد من الجانبين وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم. وضرب أمثلة أخرى ثم قال: واعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين وفسدت، كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين؟

فتغلب دولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوة عليها التي غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا أكثر عصبية منها وأشد بداوة. واعتبر في هذا بالموحدين من زناتة لما كانت زناتة أبدى يعني أكثر بداوة من المصامدة وأشد توحشا وكان للمصامدة الدعوة الدينية باتباع المهدي، فلبسوا صبغتها وتضاعفت قوة عصبيتهم بها، فغلبوا على زناتة أولا واستتبعوهم وإن كانوا من حيث العصبية والبداوة أشد منهم.

هنا يتحدث ابن خلدون عن أنه هذه القاعدة قاعدة الدين الذي لما وضع على العصبية ازدهر بها وزادها قوة إلى قوتها، ومكن هؤلاء الحفاة العراة رعاة الإبل والغنم أن يكونوا فيما بعد سادة وقادة ورعاة للأمم وليس الغنم. هذا حين ينتقض الدين، حين يزول الدين وتأتي العصبية، حين يزول الدين وتأتي العصبية ترجع المكافأة بين القوى؛ يعني العرب غلبوا فارس والروم بما كان لهم من العصبية وفوقها الدين.

قبل أن يكون هناك دين كانت عصبية العرب لا تقوم لكي تواجه فارس والروم، بل كان العرب مستذلين لفارس والروم أو بعيدين عن مواقع قوتهم؛ يعني كان العرب الغساسنة في نفوذ الروم والعرب المناذرة كانوا في نفوذ الفرس. طيب، لما أضيف لما أضيف الدين على هذه العصبيات استطاعوا العرب أن يهزموا هاتين الدولتين الكبيرتين اللتين كانتا تمثلان القوى العظمى العالمية في ذلك الوقت.

فيقول: اعتبر في ذلك أنه حتى هؤلاء العرب لما زالت عنهم هذه الصبغة الدينية، وضرب مثلا ببعض القبائل التي كانت موجودة في المغرب يعني المرابطين والموحدين، هذه قبائل زناتة وقبائل المصامدة هي القبائل التي قامت عليها الدعوة الدينية يعني دعوة الموحدين التي قادها محمد بن تومرت الذي زعم المهدي. فهنا هؤلاء قبائل أكثر بداوة، لكنهم لما أضيفت إليهم الدعوة الدينية نهضت بما في نفوسهم من الطاقة والقوة والعصبية، فاستطاعوا أن يغلبوا بها من لم يكونوا يغلبونه من قبل، وذات الكلام إذا استطاعت الدولة إذا المسألة ليس فيها دعوة دينية تستطيع الدولة أن تغلب العصبيات التي كانت مكافئة لها أو حتى كانت أقوى منها.

خلاصة الكلام أن الدين حيوي لنهضتنا، حيوي لنهضة الأمم عموما الحضارات الكبرى قامت على الدين، وحيوي لنهضتنا خصوصا فنحن لم تقم لنا حضارة إلا على الدين، وحيوي لأنها إذا دخلت علينا نزعت ما كان بيننا من التمزق والافتراق والتحاسد والتباغض، وجعلت هم الناس الله والدار الآخرة، ومن ثم توحدت هذه القوة واستطاعت أن تغلب من لم يكن لهم عصبية دينية من أعدائنا.

من القصائد البديعة التي تصور غلبة الأمة الإسلامية لسائر الحضارات والأمم وانتشارها في أقطار الأرض شرقا وغربا قصيدة الشاعر محمد إقبال، مطلعها يقول فيها:

كنا جبالا في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا بمعابد الأفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصار لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا وكأن ظل السيف ظل حديقة قد راء تنبت حولنا الأزهار لم نخش طاغوتا يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا ندعو جهارا لا إله سوى الذي خلق الوجود وقدر الأقدار ما منه كفينا اخذنا الحب والاشراق لتاريخ لهم كنا نسود الأرض بالأخلاق