دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 24. فلسفة التاريخ ولغز ابن خلدون

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

توكل على الله بسم الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.

حياكم الله وبياكم أيها الإخوة الأحباب، أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل ما ينفعنا بما نقوله وما نقرأ وما نسمع، وأن كما جمعنا في الدنيا على طاعته أن يجمعنا في الآخرة في جنته. موضوعنا زي ما أعلنا عنه هو موضوع فلسفة التاريخ مع ابن خلدون.

وأشمعنى ابن خلدون؟ يعني هو الذي يحظى بكل هذه المكانة وبكل هذا التعظيم، ويعني دايماً ابن خلدون ابن خلدون ابن خلدون كأن العالم الإسلامي لم ينتج أحداً قبله ولم ينتج أحداً بعده، فبرضه إيه السر في مكانة ابن خلدون؟ الأول طبعاً المحاضرة دي مش للمتخصصين كده، احنا إحنا بندردش مع بعض في الموضوع، لأن المتخصصين يكرهوا التبسيط اللي أنا هحاول أعمله ده.

فلسفة التاريخ معناها معنى التاريخ أو رؤية للتاريخ. يعني إيه؟ التاريخ ده مجموعة أحداث كتير جداً، مجموعة أحداث: فلان تولى وفلان سقط، وفلان خلع وفلان جه، والدولة الفلانية قامت والدولة الفلانية نهضت، والحرب الفلانية تهزمنا فيها والحرب الفلانية انتصرنا فيها، والنزاع حصل في المكان الفلاني والسلام حصل في المكان الفلاني، فهي مجموعة أحداث كتير.

مجموعة الأحداث الكتير دي لازم يبقى في رؤية علشان تخلي الأحداث دي ذات معنى. يعني مثلاً أنت لما تمسك دليل التليفون، طبعاً دليل التليفون ده مش موجود دلوقتي، أنت بتعرف تجيب التليفون من على النت، لكن زمان مثلاً الناس أيام جيلنا كان فيه كده كتاب ضخم كده دليل التليفونات بتاع المدينة.

فانت لما أو مثلاً دلوقتي لما تمسك معجم لغوي، معجم لغوي فتقرا الألفاظ أ ب ت، وكل ألفاظ أنت قراءة المعجم لغوي أو قراءة دليل التليفون ده عمل ممل قوي، عمل يعني مش مفهوم هو مجرد رص للمعاني، رص للمعلومات على الترتيب الأبجدي مثلاً، لكن اللي بيقرا ده مش فاهم، مش فاهم حاجة. بخلاف مثلاً اللي يقرا رواية، اللي بيقرا رواية كل كلمة موجودة في معناها فقدمه قصة شايف أولها وآخرها.

فالتاريخ هو مجموعة من الأحداث، مجموعة من الأحداث لازم يبقى في رؤية، تصور، معنى، علشان يرتب الأحداث دي ترتيبة معينة ويضبطها تظبيط معين، ويحاول يفسرها ويعللها ويحللها، فانت كقارئ أو كمشاهد قاعد فاهم الموضوع.

يعني مثلاً لو إحنا تصورنا إن في واحد واحد مننا مثلاً راح للصين اللي هي ما يفهمش فيها أي حاجة وعرف لغتها وسمع نشرة الأخبار هناك، هو مش هيبقى فاهم حاجة، رغم أن هو فاهم الجمل، لكن هو مش هيبقى فاهم حاجة لأن هو ما عندهوش الرؤية ولا الخلفية اللي تخليه يقدر يفسر الخبر ده معناه إيه؟ نفس الكلام ده يخص بقى إيه المعنى اللي إحنا بنتكلم فيه، التاريخ مجموعة أحداث كتير.

مجموعة الأحداث دي هي بطبيعتها وزي أي حاجة بشرية تحتمل أكثر من تفسير، فلسفة التاريخ هي الرؤية، هي المعنى اللي بيحاول يحط الأحداث دي في سياق معين، تبقى الأحداث دي تتحول من شيء لا معنى له، حاجات ورا بعض أحداث ورا بعض زي نشرة الأخبار كده ورا بعض، إلى حاجات مفهومة، تمام ده المعنى المعنى اللي بيتقال فيه فلسفة التاريخ.

طيب ليه فلسفة التاريخ أصلاً حاجة مهمة؟ يعني إحنا ليه محتاجين يبقى في فلسفة تاريخ؟ فلسفة التاريخ بشكل فلسفي يعني، أمتى علم التاريخ للجماعة بتوع التاريخ دول بدأوا يكتبوا التاريخ بشكل فلسفي كده؟ الراجل المؤرخ قاعد حريص أن هو يطلع من الأحداث دي معنى وتفسير.

أغلب الكلام على أن الفيلسوف الفرنسي المشهور فولتير هو اللي عمل هذا الموضوع أو هو اللي بدأ هذا الموضوع. فولتير كان يعني له قصة مشهورة كده، كان لديه معشوقة مها ما دام بيشاتي ليه فكانت بتسأل كده في صالون من الصالونات بتاعتهم: أنا مالي؟ أنا واحدة عايشة في الضيعة الفرنسية بتاعتي، أنا مالي إن فلان خلف فلان على عرش البلد الفلانية أو أن عثمان كان ابن أرطغرل؟ أنا مش فاهمة التاريخ ده، أنا عايزة أفهم.

فنقدر نقول إن الحادثة دي كانت هي المنطلق اللي خلى فولتير قال إنه يجب أن يكتب التاريخ فلسفياً. يعني إيه يجب أن يكتب التاريخ فلسفياً؟ يعني يجب أن المؤرخ يجمع مادة التاريخ وينظمها ويرتبها ويبقى عنده القدرة على تحليلها وتفسيرها ويعني اجتناه وتقديم أسرارها للقارئ.

تمام فهنا حصل تغير في مهمة المؤرخ، طبعاً المؤرخ دول موجودين، المؤرخين موجودين من زمان، يعني من أول الناس اللي نقشت على الجدران في أيام الفراعنة، الناس اللي نقشت على الأحجار في اه يعني في كل الحضارات، أقدم تاريخ أقدم مثلاً مؤرخ مشهور قوي ومعروف هيرودوت ويعني كتب تاريخاً، لكن فولتير هنا نقدر نقول إن هو بدأ بدأ يخلي من مهمة المؤرخ أنه ما يجمعش أحداث بس.

لأ، المؤرخ يجب أن هو يجمع أحداث ويبقى عنده القدرة على تحليلها وتفسيرها وتقديمها كده يعني زي رحيقاً خالصاً سائغاً للشاربين، علشان اللي بيقرا تاريخ أو اللي قاعد مثلاً قدامي زي ما إحنا أي حد دلوقتي لما تقول له إحنا هنروح درس تاريخي أو هنروح حلقة تاريخية أو هنتفرج على فيلم وثائقي أو غيره هو بيبقى متوقع أن المادة اللي هتتقدم له مادة مجموعة فيها أحداث التاريخ ومتفسرة ومتحللة وبياخد كم منها الدروس والعبر.

طيب علشان كده مهمة المؤرخ زي ما قلت ما بقتش مهمة جمع أحداث، بقت مهمة كمان إيه؟ تحليل وتوثيق، مهمة التحليل والتوفيق دي هي مهمة فلسفية، يعني هي مش مهمة مش مهمة تاريخية معي؟ يعني مثلاً لما أنا خلينا في العلوم الطبيعية لما أنا أرصد ظاهرة معينة، رصدي للظاهرة حاجة، وقدرتي على تحليل الظاهرة وتفسيرها وإدراك أسبابها العلمية حاجة تانية.

فأنت عادي ممكن ناس كتير زي مثلاً القصة المشهورة بتاعة نيوتن، يعني أه الناس كلها بيقع على دماغها تفاح، لكن نيوتن هو اللي فكر أن إيه؟ يفسر هذه الظاهرة، تمام؟ مع أن الجاذبية مكتشفة من قبل نيوتن يعني واكتشفها المسلمون بس أنا مش هتكلم على دي دلوقتي، أنا بتكلم على جزء أن مهارة الجمع والتحصيل مهارة لوحدها، ومهارة التحليل والتفسير والتعليل دي مهارة لوحدها.

من أيام فولتير وما بعد بدأت المدرسة التاريخية تحاول أن هي تجعل المهمتين دول مهمة واحدة، ويبقى من مهمات المؤرخ أن هو يجمع ويفسر. طيب التاريخ ده له يعني له أكثر من تفسير، فإحنا لما بنتكلم عن فلسفة التاريخ هنلاقي عندنا أكثر من فلسفة للتاريخ بتعدد المدارس الفلسفية، لأن كل واحد له وجهة نظره.

يعني هتلاقي مثلاً أه في ناس بتفسر التاريخ، شايفة التاريخ أن هو صراع بين أجناس، المدرسة القومية شايفة أن التاريخ صراع بين أجناس، ففي أجناس عليا وفي أجناس دنيا. مدرسة مثلاً الماركسية شايف أن التاريخ ده صراع الطبقات، العمال أو الفلاحين مع الطبقة العليا التي تمتلك الثروة والسلطة، فالتاريخ هو صراع الطبقات، فهما عندهم تفسير للتاريخ باعتباره قراءة للطبقات.

فهنا بتختلف الزاوية أو الرؤية أو النظرة اللي بتفسر أحداث التاريخ. طبعاً إحنا كمسلمين المفترض، عفواً، إحنا كمسلمين بيبقى عندنا التفسير الإسلامي للتاريخ ده المتوقع، لأن الإسلام رؤية شاملة للكون، والتاريخ ده مش يعني صحيح هو مش مادة سائلة تحتمل كل تفسير، لكن هو برضه مش مادة صلبة جامدة بدون تفسير، مش زي العلوم البحتة مثلاً، مش زي قوانين نيوتن، قوانين الحركة التي نسبت إلى نيوتن، سواء اكتشفها نيوتن أو غيره، هي قوانين ما لهاش.

خليني أضرب مثال أبسط من كده وأسهل من كده ويبين لنا أن المدارس الفلسفية إذا اختلفت في تقييم التاريخ هيبقى الاختلاف واسع. أشهر مثل وأبسط مثل هو مثلاً الاقتصاد، علم الاقتصاد، علم الاقتصاد المعاصر الفكرة البسيطة قوي اللي هو قام عليها في الأول هي فكرة الندرة، مبدأ الندرة، يعني أن الحاجات البشرية غير محدودة لكن الموارد محدودة، وبالتالي فمهمة علم الاقتصاد هو إدارة الموارد المحدودة لإشباع الحاجات غير المحدودة، دي مهمة علم الاقتصاد.

طيب الرؤية الإسلامية مختلفة، الرؤية الإسلامية بتقول أن الله تبارك وتعالى خالق عليم قدير حكيم مدبر، وأن كل إنسان على الأرض إنما تكفل الله له برزقه، وأن الرزق اللي موجود في الأرض يكفي كل الناس الموجودين في الأرض، وبالتالي إذا حصل خلل وبقى فيه فقراء وجعانين وبؤساء في العالم فده دليل على فساد فساد الناس في اتباعهم لأوامر الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: 41].

يبقى هنا الحل أن أنت تدور: أين حصل الفساد؟ أين حصل الكنز والاحتكار؟ أين حصل البخل والشح؟ أين حصل التبذير والإسراف؟ لأن هذا الفساد هو الذي أدى إلى اختلال هذا الميزان، وده بيخلي المسلمين لما بيفكروا في إصلاح أحوالهم الاقتصادية يتجهوا إلى إصلاح هذه الأمور.

بينما الفكرة القائمة على مبدأ الندرة لابد أن يكون هناك أثرياء وهناك بؤساء لابد أن، لأنه أصل الموارد محدودة والحاجات غير محدودة، ودي طبعاً لها آثارها الكبيرة جداً في تفاصيل علم الاقتصاد، يعني مثلاً في مدارس اقتصادية بتقول أن الحروب والأوبئة والتعقيم بمعنى منع الناس أن هم يخلفوا دي إحدى الوسائل التي يجب أن نتبعها، أن احنا نحافظ على أن في طبقة تبقى فقراء وما نديهمش إعانات، دي إحدى المدارس الموجودة في الفلسفة الاقتصادية.

المهم، فأننا بقول الفكرة هنا أن المبدأ الذي تتأسس عليه العلوم هو بيحدد المبدأ البسيط الأول هو الذي يحدد النظرة إلى هذه العلوم، ونفس الكلام موجود في التاريخ. طيب إحنا دلوقتي علشان ما نسرحش في موضوع فلسفة التاريخ نفسه أو في الجزء الفلسفي، إحنا اللي يهمنا إيه؟ أو اللي يهمنا أن نستهويه إيه؟

لما بدأت كتابة التاريخ فلسفياً في الغرب في ذلك في الوقت هي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إنا قلنا مع فولتير، وكان في ذلك الوقت يعاصره برضه ديفيد هيوم وأدوارد جيبون، والجماعة دول هم زي ما كانوا مؤرخين كانوا فلاسفة برضه، يعني كلهم لهم مؤسسين في التاريخ ومؤسسين في الفلسفة.

ساعتها جماعة الخير بدأ يبقى تطور حركة الكتابة التاريخية إلى هذا النحو، بقى دلوقتي اللي عايز يمسك كتاب تاريخ شايف أو متوقع أن يمسك كتاب تاريخ فيه قصة تاريخية أولها وآخرها موجود، كل حدث من أحداثها مترتب بشكل محترف ومتحلل ومتفسر، بحيث أن اللي هيخرج من قراءة التاريخ هيبقى عنده التصور الكامل لهذا الحدث التاريخي.

طيب التطور اللي أنا بحكيه ده هو معنى التاريخ كما هو عند الغربيين، معنى التاريخ كما هو عند الغربيين، وده موضوع مهم هيأثر معنا كتير جداً وفهمنا له هيحل لنا مشاكل كتير من التاريخ عند الغربيين أنه اختلط فيها دور المؤرخ بدور الفيلسوف، دور اللي بيجمع المادة التاريخية ودور اللي بيحللها وبيفسرها.

هنا بقى بتبدأ تحصل مشكلة التعامل مع مصادرنا الإسلامية، طبعاً اللي بيمسك المصادر الإسلامية زي الطبري وزي المسعودي وزي ابن الأثير مثلاً وغيرهم وغيرهم، ما بيلاقيش نفسه قدام هذا المنهج، بيلاقي نفسه قدام من كتب عما لا تسرد له الأحداث، قرن من وفي سنة كذا حصل كذا وكذا وكذا، وفي سنة كذا حصل كذا وكذا وكذا، وفي سنة كذا حصل كذا وكذا، ومفيش لا تعليل ولا تفسير ولا وقوف مع، وطبعاً مليئة بالأسانيد كمان: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، وأخبرنا فلان عن فلان عن فلان.

فكل ده بيخلي اللي عايز يقرا، القارئ المعاصر دلوقتي أو المثقف المعاصر لما يحب يقرأ مصادر التاريخ الإسلامي بيبقى مش مرتاح معها، بيبقى شايف أن المصادر دي مصادر كده ما فيهاش رؤية ومتناثرة ومربكة ومجرد تجميع أحداث، مش فاهم ده حصل ليه، ومش فاهم ده يعني أدى إلى إيه.

يعني الأمر بيبقى مربك، فعلشان كده كتير من المسلمين وحتى كتير من الدعاة الإسلاميين -غفر الله لنا ولهم- بيبقى شايف أن عندنا أن دي عيوب في كتابة التاريخ الإسلامي.

طيب هنا بقى عايزين إحنا نفسر: ليه التاريخ الإسلامي لم يكتب بهذا الشكل المعاصر؟ لازم نبقى فاهمين إيه يا جماعة الخير؟ أن في كده فارق ضخم بين الحضارة الإسلامية ومناهجها وبين الحضارة الغربية المعاصرة ومنهجها. طبعاً إحنا متأثرين دلوقتي بالحضارة الغربية المعاصرة وفاهمينها أكتر من فهمنا للحضارة الإسلامية، إيه الفرق ده؟ إيه أحد أهم الفروق؟ أن الحضارة الإسلامية نشأت في ظل الدين، نشأت في ظل الدين.

وكان أحد العلوم حين نشأت في ظل الحضارة الإسلامية أحد مهمات هذه العلوم أن هي تحافظ على الدين وتضبط الدين وتخدم الدين وتهتدي بالدين، بينما الحضارة الغربية المعاصرة نشأت في ظل العداوة مع الدين والقطيعة مع الدين.

ده أدى إلى فروق في شكل المدرستين؛ فالمدرسة التاريخية الإسلامية علشان هي بتضبط الدين مثلاً، كانت حريصة جداً على التوثيق الشديد لكل معلومة، لأن ديناً بعضه تاريخ، يعني أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، الفتوحات الإسلامية.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». فكان لابد من ضبطه وتوثيقه، وأكبر وأشد ما يكون الضبط هو التوثيق.

فعلشان كده المدرسة التاريخية الإسلامية كانت عنايتها بالتوثيق عناية شديدة، فكل معلومة موجودة عن هذه العصور الأولى هي معلومة جاية بسند، لأنه في مهمة ضبط وتوثيق الأقوال، لازم نعرف كل معلومة من رواها عن من؟ وكيف وصلت إليه؟ فعلشان كده كل معلومة موجودة حتى في سياقنا التاريخي في ذلك الوقت بتبقى بسند، ولولا السند لقال من شاء ما شاء، تمام؟ فلازم يبقى فيه سند.

طبعا بطبيعة الحال المدرسة الغربية مش مهتمة بفكرة الإسناد، يعني ده موضوع إيه مش لا يقع في اهتمامها. طيب، يبقى الفارق الأول فارق العناية الشديدة بالتوثيق، وأزم يكون كل معلومة إحنا عارفين هي جت منين، فعلشان كده كتب التاريخ حافلة بالأسانيد، بالذات اللي هي كانت في الفترة الأولى.

الحاجة التانية: إنه تاريخ في الحياة الإسلامية أو في الحضارة الإسلامية لم يكن بغرض اكتشاف السنن، لأنه المسلمين المؤرخين المسلمين ما كانش عندهم حيرة في المعاني الكبرى، ما كانوش بيحاولوا يكتشفوا سنن الكون، لا، هو كان عن حصيلة الصحابة في حصيلة ثقافية كبيرة بتشكل رؤيتهم للعالم، فهم عندهم محتوى ثقافي كبير، بل هو محتوى إيماني أيضا بيجاوب على الأسئلة الكبرى، تمام؟

فهم ما كانش عندهم إشكال في تفسير الصراع؛ يا ترى الصراع ده مثلا كان علشان الفوارق الطبقية؟ ولا الصراع ده كان علشان صراع الأجناس العليا والأجناس الوسطى؟ ما كانش عندهم حيرة في مسألة الأمم؛ لماذا تتقدم؟ هل ده مرتبط بالمناخ؟ أو هل ده مرتبط بالجغرافيا؟ ولا يعني زي ما هو بيحصل في المدارس القوية؟ فعلشان كده ما كانش التأليف التاريخي في حالة الحضارة الإسلامية مرتبط باكتشاف السنن.

لا، وإنما حالة اكتشاف السنن واكتشاف قوانين التاريخ واكتشاف قوانين الحضارة دي حاجة سيطرت على الحالة العلمية الغربية التي كانت في ذلك الوقت تنخلع من الدين ومن التصور الديني والكنسي للعالم، فعلشان كده بدأت تظهر المدارس المختلفة في تفسير حركة التاريخ.

فده فارق تاني: إنه العلماء المسلمين لما كانوا بيكتبوا التاريخ ما كانتش عندهم عناية شديدة بالتعليل والتحليل والتفسير، لأنهم ما كانوا بيكتبوا أصلا بغرض اكتشاف السنة، بينما المدرسة التاريخية الغربية كان طبيعي مدرسة باحثة عن المعنى، الفلاسفة يبحثون عن المعنى بعد انهيار التصورات الكنسية وبعد الوصول إلى الرؤية العلمانية، الرؤية العلمانية هي رؤية استبعاد الإاله من الحياة. طب إيه هي قوانين الحياة؟ لسه هنشوف بقى، فعلشان كده التأليف التاريخي الإسلامي لم يكن بغرض اكتشاف السنن الكونية، بينما كان التأليف التاريخي الغربي بغرض اكتشاف السنن الكونية.

الحاجة التانية: طب مهمة اكتشاف السنن الكونية دي ربنا لما قال لنا ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: 42]، ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَلَنْ تَجِدُوا لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدُوا لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]. طب اكتشاف السنن ده كان عمل مين؟ ده ما كانش في الحالة الإسلامية والحضارة الإسلامية عمل المؤرخين المسلمين بس، ده عمل الكل؛ المتأمل في القرآن والمشتغل بالتفسير، المتأمل في السنة والمشتغل بشروح الحديث، الذين يهتمون بالأخلاق والتزكية والتربية، الذين يهتمون بالسياسة الشرعية ونصائح الملوك، حتى اللي بيكتبوا في الأدب.

فعمل فكرة اكتشاف السنن دي ما كانتش قاصرة على المؤرخين وما كانتش قاصرة على كتب التاريخ، وإنما كانت منثورة في بقية العلوم والمجالات، بينما كان ده واضح أكتر في المدرسة التاريخية الغربية؛ إنه حركة التاريخ أو اللي بيألف في التاريخ بيبقى مهتم إنه يصل إلى تفسير للأحداث وتعليل لها، فعلشان كده نقدر نقول إن كتب التاريخ الإسلامي كانت أشبه بإيه يا جماعة الخير؟ بأرشيف الصحف المعاصرة.

علشان كده حتى كتير من تعريفات المسلمين المؤرخين للتاريخ مقتصرة على معنى الإعلام بالوقت، التأقيت، سرد الحوادث، مش داخل فيها معنى التعليل والتفسير. حتى ابن خلدون وهو في تاريخه بيقول: فإن التاريخ في ظاهره أخبار بالحوادث، ده الظاهر بتاعه، تمام؟

علشان كده أنا دلوقتي بفسر ليه الإنتاج التاريخي الإسلامي ما كانش إنتاج بالمعنى الغربي المعاصر. طيب، يبقى معنى التاريخ اللي يهمنا إننا نفهم دلوقتي إنه معنى التاريخ في الحالة الإسلامية كان كالسجل الذي يوثق الأحداث، ده الغرض الأساسي.

هل معنى كده أنه كان خالي تماما من العبرة؟ لأ، كان فيه عبرة. هل معنى كده أنه خالي تماما من النقد؟ لأ، كان فيه برضه نقد للأخبار التاريخية، لكن دي كانت أغراض فرعية، دي كانت أشياء تأتي على هامش المعنى، ما كانتش هي الأمور الأساسية المقصودة بالتأليف التاريخي، بينما في الحالة الغربية كانت مسألة التعليل والتفسير هي حالة مقصودة في التأليف الغربي، فعلشان كده اختلط عند الغرب فلسفة مهمة الفيلسوف ومهمة التاريخ مرة واحدة.

وعشان كده فولتير وأقوال فولتير والكلام المشهور بتاع الغربيين في إنه التاريخ يجب أن يكتبه الفلاسفة، أو أن التاريخ مجرد أمثلة، فلسفة تعلم بالأمثلة، أو أن المؤرخ لابد أن يكون فيلسوفا، وأن لكل فيلسوف مؤرخ وكل مؤرخ فيلسوف، دي كلها نتاج المدرسة الغربية.

نيجي بقى لصاحبنا ابن خلدون في ظل هذا الذي حكيناه؛ ليه بقى ابن خلدون هو أكتر واحد له المدائح العظمى التي مدحه بها غربيون ومعاصرون أيضا؟ أنتم عارفين أصلا المؤرخ البريطاني المشهور كان بيقول إن ابن خلدون، إن كتاب مقدمة ابن خلدون هو أفضل ما كتبه بشر، إنه أعظم عمل من نوعه أبدعه عقل في أي زمان ومكان، دي كلمة، والكلام فيه كتير.

حتى الدكتور محمود مكي في تقديمه لكتاب المقتبس بيقول إن ابن خلدون ظاهرة فريدة في تاريخ الفكر الإنساني، ظاهرة فريدة وغريبة في تاريخ الفكر الإنساني، مع إنه الحالة الإسلامية مثلا احتفت بابن خلدون، لكن لم يكن لها هذه الحفاوة العظيمة بابن خلدون.

إيه السبب؟ أنا هقول وفسروا بعد شوية، العلم الذي جاء به ابن خلدون لم يكن من ضمن التاريخ كما يفهمه المسلمون، فحتى أغلب اللي ترجموا لابن خلدون ومدحوه ما كانوا شايفينه مؤرخ عظيم، لا، هم، أنا بقول اللي مدحوه ما كانوا شايفينه مؤرخ عظيم، إنما كانوا شايفين تميزه في باب آخر، اللي هو باب العلم الجديد اللي هو جابه ده، زي ما بيتكلم المقريزي عن المقدمة ابن خلدون وغيرها.

فابن خلدون كان شيء مبهر مدهش، لكن مش في مجال التاريخ، هذا بالنسبة للمسلمين، بينما الشيء اللي تميز به ابن خلدون ده هو صلب معنى التاريخ زي ما هو عند الغربيين، اللي هو أن تدرك الأمور المحركة التي وراء الأحداث، وأن تقدم للأحداث معنى، وأن تفسر الأحداث.

فده الجزء الذي أثار الإبهار الغربي، لأنه من الأشياء التي اكتشفوها أيضا أن ابن خلدون سبق من تكلموا بهذا في الفلسفة الغربية بأربعة قرون؛ مثلا أول ناس تكلمت في معنى دورات التاريخ ومعنى الوسائل، اللي هي سنن الحكم مثلا أو طبائع الحكم، أو تأثير الاقتصاد والاجتماع والمناخ وهذه الأمور، أول ناس تكلموا فيها كانوا بعد ابن خلدون تقريبا بأربعة قرون، زي فيكو، زي أوجست كونت، وفيما بعد مونتيسكيو، حتى إن ابن خلدون يلقب بأنه مونتيسكيو العرب في فرنسا، زي ما قال رفاعة الطهطاوي في رحلته إلى باريس إنه وجدهم هناك يلقبونه بمونتسيكو العرب.

ففي النهاية إحنا هنفهم الوضع ده كويس إذا فهمنا الفرق ده: إن الجديد الذي جاء به ابن خلدون لم يكن من معنى التاريخ كما يفهمه المسلمون، وإنما هو من معنى التاريخ كما يفهمه الغربيون.

طيب، لنا على هذا أدلة؟ أولا: أن ابن خلدون نفسه كان يرى أنه يأتي بعلم جديد، يعني ابن خلدون شايف إن الذي جاء به لم يكن مجرد التاريخ، وإنما هو جاء بعلم جديد سماه طبائع العمران، وله في هذا بعض العبارات، يعني خليني أ حاول أشوف لكم هذه العبارات.

يعني فابن خلدون نفسه مثلا بيقول: فجاء هذا الكتاب فازا بما ضمنته من العلوم الغريبة والحكم المحجوبة القريبة. فده دليل يدل على أن ابن خلدون كان يعرف أنه يؤلف شيئا خارج معنى التاريخ كما يفهمه المسلمون.

وقال فيه أيضا عن الذي توصل إليه: وهو شيء اطلعنا الله عليه من غير تعليم أريسطو ولا إفادة مبذا، أحد الفلاسفة، ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما، وأعثرنا على علم جعلنا سن بكرة وجهينة خبره.

يعني هذا العلم كنا نحن أول من اكتشفناه، وجهينة خبره لأنه في حديث عن أنه آخر أهل النار رجل اسمه جهينة، فآخر أهل النار خروجا منها رجل اسمه جهينة، فهو الذي عنده خبر أهل النار، بعد كده ينقطع ما بين أهل الجنة وأهل النار من الأخبار. فهو يقول إن هذا العلم نحن كنا بالنسبة لهذا العلم كسن بكرة وجهينة خبره.

وقال أيضا: وكأن هذا علم مستقل بنفسه، واعلم أن هذا الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، عزيز الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص، وكانه علم مستنبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة، ما أدري لغفلتهم عن ذلك وليس الظن بهم، أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا. يعني هو بيتكلم إنه ما شافش حد اتكلم في الموضوع ده قبل كده، ومستغرب إن القدماء ما اتكلموش فيه، وبيقول لربما يكون كمان فيه تأليفات ولم تصل إلينا.

المقريزي وهو بيمدح ابن خلدون وكان شديد الإعجاب به، كان بيقول مقدمته لم يعمل مثالها، وانه لعزيز أن ينال مجتهد ما نالوه، ركز هنا؛ إذ هي زبدة المعارف والعلوم ونتيجة العقول السليمة والفهوم. وقال ابن عمار المالكي: حوت مقدماته جميع العلوم.

على كل حال مش قصدي أخوض في الموضوع ده، لكن القصد الذي بنتكلم فيه دلوقتي إنه ما جاء به ابن خلدون بقدر ما كان خارجا عن المعنى التاريخي كما يفهمه المسلمون، بقدر ما كان داخلا فيه كما فهمه الغربيون، ولذلك نقدر نقول: الغربيون اندهشوا أنه وجد قبلهم من اكتشف وكتب في هذا الباب بهذه الكفاءة وبهذا التمكن، وهذه السعة في الاطلاع إلى هذه اللحظة.

طيب، ليه بقى ما حدش كان قبل ابن خلدون، ليه ابن خلدون في التاريخ الإسلامي لم يكن مسبوقا؟ طبعا هذا سؤال عايز أقول إيه؟ سؤال سخيف، لأنه في نهاية العلوم والاكتشافات فتوح، ما حدش مثلا بيقول ليه ما حدش اكتشف قوانين الحركة قبل نيوتن؟ ليه ما حدش اكتشف قوانين النسبية قبل آينشتاين؟ يعني سؤال لا يمكن الإجابة عليه إجابة مقنعة، في الآخر العلوم فتوح من عند الله تبارك وتعالى، وليس كل الناس اجتهدوا.

على كل حال، القصد هنا إنه جذور أو بذور هذا العلم لم يصطنعها ابن خلدون، يعني ابن خلدون لم يبتكرها ابتكارا، وإنما كانت موجودة منثورة في العلوم، زي ما أنا قلت قبل شوية إنه مسألة اكتشاف السنن أو محاولة اكتشاف السنن ما كانتش مخصوصة بالمؤرخين، وإنما كانت منثورة في الناس اللي بتتكلم في العلوم؛ ناس بتتكلم في القرآن، ناس بتتكلم في الأصول، ناس بتتكلم في شروح الحديث، وناس بتتكلم في الأخلاق والتزكية، وناس بتتكلم في السياسة الشرعية.

دول بيحاولوا، كل دول بيحاولوا يفهموا السنن من خلال تأملاتهم؛ إما تأملاتهم في أحوال السياسة، تعاملاتهم في آيات القرآن، تأملاتهم في شروح الحديث، في معاني الحديث، بيحاولوا يفهموا السنن، ولم يكن الأمر مقتصرا على المؤرخين، فعلشان كده محاولة فهم الإنتاج الإسلامي في باب السنن ما يتاخدش من المؤرخين.

وابن خلدون نفسه بيقول كده، يعني ابن خلدون نفسه بيقول إنه خلينا نقول لكم عباراته، بيقول إيه: هذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم.

فبيقول: مثلما يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون إلى الحاكم والوازع. يعني المبادئ اللي اتكلم عنها ابن خلدون باعتباره أن الإنسان لا بد له من الاجتماع، ولا بد له، أي اجتماع لبد له من إمارة أو حكم، فبيقول دي بيتكلم فيها العلماء والحكماء لما يتكلموا عن النبوة وإثبات النبوة.

ومثلما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللغات أن الناس محتاجون إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع، ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد.

وأن الزنا مخلط للأنساب مفسد للنوع، وأن القتل أيضا مفسد للنوع، وأن الظلم مؤذن بخراب العمران. فهذا أمر ما يتناوله الفقهاء. فبيقول إيه؟ بيقول: وكذلك يعني العلم هذا متفرق في كثير من كلام حكماء الخليقة، لكنهم لم يستوفوا، حتى إنه ذكر الأدب وقال: إن ابن المقفع في رسائله جاء على ذكر السياسات مما يعني أتينا به هنا، لكنه جاء بها غير مبرهنة كما برهناه. يعني هو كان يأتي بها كحكم، ولكن لم يحاول أن يدرسها دراسة على هيئة نسقية علمية.

وكذلك حوم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك على مسائل من أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، لكنه لم يصادف فيها الرامية، ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل، ولا أوضح الأدلة. إنما هو يبوب الباب للمسألة، ثم يستكثر من الأحاديث وآثار، وينقل كلمات متفرقة. تمام المعنى الذي أركز عليه أن ابن خلدون لم يكن مسبوقا كل السبق بما جاء به، وإنما بنى بناءه على كثير مما تقدمه، لكن هذا البناء كان متفرقا في بقية العلوم.

هل معنى هذا أننا نحاول التقليل من مجهود ابن خلدون؟ أبدا، ابن خلدون فعليا عقلية مبهرة ومثيرة لإعجاب من قرأوه، لكننا نحاول القول إن ابن خلدون لم يكن هذه الظاهرة المنبثقة من الصدفة، المنفصلة تماما عمن سبقوه. فلذلك، وبرضو أنا المسألة تتسع مما لا أريد أن أدخل في تفسيرها، يعني مثلا ابن خلدون كان له كلام: ليه الحكماء القدماء غفلوا عن هذا الموضوع عن العناية بطبائع العمران؟ فهو بيقول إنه مسألة طبائع العمران هذه ثمرة طبائع العمران تظهر في معرفة وتمييز الأخبار الصحيحة من الضعيفة. وهذه ثمرة ضعيفة، هو نفسه بيقول: لا هو أنا هخليني أنقل لكم عبارتي. بيقول: اه، لكن الحكماء لعلهم إنما لاحظوا في ذلك العناية بالثمرات. يعني بعد ما نعرف طبائع العمران هيحصل إيه، إيه اللي هنستفيده؟ والذي هنستفيده أننا نعرف نميز الأخبار الصحيحة من الضعيفة من الزمان التي حصلت زمان. فبيقول: وهذا إنما ثمرته في الأخبار فقط كما رأيت، وإن كانت مسائله في ذاتها وفي اختصاصها شريفة، لدى يمكن التشكيك في بنائه هذا البناء العظيم الذي تمثل في المقدمة، حتى إنه استخدم لفظ هجروه ولم يستخدم لفظ غفلوا عنه أو جهلوه، وهذا دليل على أنهم كانوا عارفينه بس اختاروا الجار.

طيب، على كل حال، هل ابن خلدون أول واحد استعمل النظر العقلي في معرفة الطبائع؟ يعني استخدم النظر العقلي المبني على معرفة الطبائع لنقد الأخبار، هل كان أول واحد؟ لا، نحن نجد قطرات من هذا موجود عند المؤرخين المسلمين من قبله ومن قبله بكثير أيضا. يعني مثلا مش حابب أجيب أمثلة على كل حاجة، بس خليني أجيب مثلا مثالا واحدا على كل حاجة.

وبالمناسبة، صحيح، من أهم الأمور التي يجب أن ننتبه لها، إنه أنا لما قلت إن كتب التاريخ الإسلامي كانت كسجلات الأخبار في أرشيف الصحف، العلماء وهم بيكتبوا كده كانوا ينصون على ذلك. الطبري وهو بيكتب كده بيقول: وما أوردناه في كتابنا مما يستشنعه قارئه، فليعلم أنما أديناه على النحو الذي أدي إلينا. فهو يرى نفسه جامعا، ولا يرى نفسه ممحصا أو معللا ومحللا ومفسرا. كتاب المسعودي يقول: وكتابنا هذا -يعني هو يروي رواية كده فيها مبالغات، فهو عارف أنها مبالغات وأنها غير حقيقية، فبيرجع يقول:- وكتابنا هذا إنما هو كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر. فهو مستوعب، يرى نفسه جامع وناقل للأخبار، وهذه مهمة المؤرخ كما ذكرت لكم، إنه يرى نفسه غير المتدخل في التعليل والتفسير ونقد الأخبار.

تمام، فأنا بقول إن ابن خلدون لو قلنا دلوقتي: هل ابن خلدون كان أول واحد نقض الأخبار المبني على معرفة الطبائع؟ لا، ما كانش أول واحد، سنجد ذلك عند الطاهر المقدسي -أعذرونا، نحن خرجنا من وعكة صحية قريبا بقيت منها آثار، فسامحونا- وموجود مثلا عند البيروني، وموجود عند غيره. يعني مثلا البيروني هأقول لكم عبارة من عباراته: بيقول في كثرة الأباطيل التي تدخل جمل الأخبار والأحاديث، وليست كلها داخلة في حد الامتناع، فتميز وتهذب، ولكن ما كان منها في حد جرى مجرى الخبر الحق، إذا لم يشهد ببطلانه شواهد أخرى، بل قد يشاهد وشوهد من الأحوال الطبيعية ما لو حكي مثلها عن زمان بعيد عهدنا به، لثبتنا الحكم عن امتناعها. هذا نص هو بيقول: الإبانة عن ذلك على حسب ما بلغه علمي أن بسماع وبعيال وقياس. وهذا شبيه بكلمة ابن خلدون: والحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.

ياقوت الحموي مثلا في كتابه معجم البلدان لما بيتكلم عن بغداد، يعني بينقد أنه وجد موضع بغداد في كتاب بطليموس، بيقول إن بغداد أصلا أنشئت بعد بطليموس بألف سنة، فازاي تبقى موجودة؟ ولكن الناس قاسوا، ويعني يذكر أشياء وينقدها. الحقيقة لا أرى أن أكثر في هذا.

طيب، هل مثلا كان ابن خلدون أول من فكر في تجنب الأخبار غير المعقولة في كتابه؟ لا أبدا، نجد كتابا زي مسكويه، كتاب مسكويه تجارب الأمم، بيقول بوضوح كده في مقدمته: واستبعد ما يدخل في خوارق العادات، حتى إنه لم يرو معجزات الأنبياء؛ لأنها من الخوارق التي لا يستفاد منها، إنما هو قصد -اتسمى كتاب تجارب الأمم- قصد أن هذه التجارب هي التي ينتفع بها. طيب، ابن الجوزي مثلا في أول كتابه المنتظم يقول إنه تجنب في كتابه من الأخبار ما لا طائل في الإطالة به تحته، مما يضيع الزمان بكتابته، أما لعدم صحته أو لفقد فائدته. فيعني هناك اتجاهات وجدت قبل ابن خلدون، ابن الجوزي والبيروني والطاهر، كل دول قبل ابن خلدون بأربع قرون وخمس قرون.

على كل حال، برضه هل ابن خلدون أول من حاول؟ برضه سنجد هذا الكلام ليس صحيحا، يعني هنجد مثلا إيه من الأشياء اللطيفة المشهورة في هذا الموضوع؟ أنه ابن الجوزي ينقل عن الصولي -وهو أحد المؤرخين والمؤدبين- كان يقول: إن الناس يقولون كل سلطان يقوم بأمر الناس من أول الإسلام، لابد وأن يخلع، يعني هو رئيس أو سادس خليفة لابد أن يخلع، ثم جاء من بعدهم معاوية، يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان بن عبدالملك، ومروان بن الحكم، وعبدالملك بن مروان، وابن الزبير، فخلع. ثم يقول: ثم الوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك، وعمر بن عبدالعزيز، ويزيد بن عبدالملك، وهشام بن عبدالملك، والوليد بن يزيد وخلع. وهكذا أجراها على الدولة العباسية وغيره، وعلى فكرة لغاية دلوقتي بعض الناس بيقولوا إن القاعدة دي ما تزال منطبقة، وبيسموها لعنة الرقم ستة. بعض الناس يطبقونها على تاريخ سوريا من بعد الاحتلال الفرنسي، وتاريخ من بعد الاستقلال عن فرنسا، وتاريخ اليمن، وحتى عندنا في مصر شفت بعض الناس اللي كانوا بيقولوا إنه نفس الكلام صحيح: فمحمد نجيب، جمال عبد الناصر، أنور السادات، حسني مبارك، طنطاوي أم محمد مرسي والخلع. على كل حال، القاعدة مش شرط بتكون صحيحة طبعا، أنا مش قصدي كده، أنا قصدي أقول إنه بعض الناس حاولوا من قبل ابن خلدون استخلاص قواعد من أحداث تاريخية.

ابن الأثير مثلا له كلام مشهور في أنه تأمل أحوال الدول، فإذا الذي ينشئ الدولة لا تستمر الدولة في نسله، وإنما تستمر في نسل غير نسله. فهو مثلا يضرب مثلا إنه أول واحد أنشأ الدولة معاوية بن أبي سفيان، فلن تستمر الدولة في نسله، وإنما ذهبت إلى الفرع المرواني ولم تستمر في الفرع السفياني، تمام؟ فبنو مروان من الفرع الأموي هم اللي كملوا الدولة. نفس الكلام أبو العباس السفاح كان أول حاكم في الدولة العباسية، لكنها استمرت في نسل أبي جعفر المنصور. صلاح الدين الأيوبي أنشأ الدولة الأيوبية، ومع ذلك لم تستمر في نسله، وإنما استمرت في نسل أخيه العادل. الفكرة إنه ليس ابن خلدون أول من حاول استخلاص قواعد من أحداث تاريخية متعددة.

طيب، أول واحد بيتكلم عن طبائع الحكم ابن خلدون؟ غير صحيح، ده احنا هنلاقي مثلا قبل ابن خلدون بخمسمائة سنة واحد اسمه اليعقوبي ألف كتاب اسمه مشاكلة الناس لزمانهم. إيه الكتاب ده؟ الكتاب ده ببساطة بيقول إن الناس على دين ملوكهم، وإن صفات الخليفة بتنعكس على الناس، الخليفة حين يكون عادلا ينتشر العدل بين الناس، كيف يكون ظالما ينتشر الظلم بين الناس، الخليفة يكون رحيما تنتشر الرحمة والرفق بين الناس، الخليفة يكون قاسيا مستبدا تنتشر الأخلاق السيئة بين الناس. وله كتابه هذا مشاكلة الناس لزمانهم قعد يتكلم عن تغير أخلاق الناس مع تغير خلفائها.

مثلا الماوردي في كتابه تعزيل الظفر -تسهيل النظر وتعجيل الظفر، عفوا يا أحباب- يقول: واعلم أن الدولة تبتدأ بخشونة الطباع وشدة البطش لتسارع النفوس إلى بذل الطاعة، ثم تتوسط -وسط الدولة- باللين والاستقامة استقرار الملك وحصول الدعوة، ثم تختم بانتشار الجور وشدة الضعف لانتقاض الأمر وقلة الحزم، وبحسب هذه الأحوال الثلاثة يكون ملوكها في الآراء والطباع. يعني هذه العبارة من الماوردي، الذي هو قبل ابن خلدون بأربعة قرون تقريبا أو ثلاثة قرون ونصف -الماوردي توفي أربع وخمسين وابن خلدون ثمانمائة وثمانية- فهذه العبارة من الماوردي كأنها متن يشرحه ابن خلدون في العديد من فصول المقدمة: أن الدولة تبتدأ بخشونة الطباع وشدة البطش، وتتوسط باللين لحصول الاستقرار، ثم تختم بانتشار الجور والضعف.

وقبل ابن خلدون بحوالي خمس وأربعين سنة في ابن النفيس في مصر ألف حاجة اسمها الرسالة الكاملية، الرسالة الكاملية في السيرة النبوية، وهي أوسع من السيرة النبوية، فيها برضه محاولة لسرد التاريخ الإسلامي على نمط الحكاية والسننية، وكيف ينتقل الحكم في الأمويين والعباسيين ثم المماليك وهكذا. على كل حال، رسالة ابن النفيس التي هي السيرة الكاملة هذه، الدكتور مصطفى الشافعي بيقول إنها تقترب من مقدمة ابن خلدون اقتراب الجفن من العين. أنا الحقيقة أخالف في هذا؛ لأن ابن خلدون متقدم بقوة على ابن النفيس، لكن يصعب جدا أن ابن خلدون لم ينقل أو لم يرد للنفيس؛ لأن أصلا ابن النفيس...

طيب، في أمر آخر أحب أن أقوله: هو احنا الوقت معنا كيف الوقت يا أحباب؟ يعني قدامنا عشر دقائق مثلا، خليها ربع ساعة عشان... عشر دقائق. طيب، لا خليني عشر دقائق.

دي ظاهرة ظاهرة مشهورة ينبغي أن احنا نبقى مستوعبينها برضه. أنت دلوقتي لو مسكت أي كتاب تفسير -أنت لو راجعت كتب التفسير اللي عندك في المكتبة أو اللي هتطلع عليها على حسب السنين- هتلاقي التفاسير الأولى تفاسير صغيرة، تفاسير الأولى تفسير مقاتل، زي التفاسير مجرد، بينما التفاسير المتأخرة تفاسير عظيمة كبيرة جدا. نفس الكلام هتلاقيه مثلا أول كتاب ألف في أصول الفقه كتاب الرسالة للإمام الشافعي، لكن بعد كده كتب الأصول بقت كتب ضخمة.

المعنى يا أحباب في هذه الأمور أن المتقدمين دائما الذين هم قريبون من العصر يبقون أفهم للكلام الذي قيل؛ لأنهم أقرب إليه، فلذلك ما يحتاجون في توضيحه لكثير كلام. يعني الصحابي مثلا الصحابي حين ينزل عليه القرآن، الصحابي ممكن... معنى لفظة في القرآن، لفظة لم تكن في بيئته هكذا، يعني لكن اللي بيقراه دلوقتي بعد ألف وأربعمائة سنة هيلاقي نفسه مش فاهم حاجة تقريبا إلا القليل، فلذلك يحتاج إلى قدر أوسع من التفسير.

فالكلام ده قد يفسر أيضا أن علماؤنا الأولون لم يكونوا يفصلون في المعاني لعدم الحاجة إليها، وإنما يحتاج إلى التفصيل من لم يكن محيطا بها. يعني أنا دلوقتي لما أجي أشرح لك، أقول لك مثلا: أنا ركبت... أنا مثلا كنت في تركيا دلوقتي فسافرت الهند، وبعد الهند سافرت ماليزيا، وبعد ماليزيا رجعت للقاهرة، أنا مش محتاج أقول للراجل اللي معي هذا، الذي هو عايش معي دلوقتي، إن أنا سافرت بالطيارة؛ لأنه مش هينفع أسافر بغير الطيارة، مش محتاج أقول الكلمة هذه. بينما الراجل الذي يأتي بعد ألف سنة مثلا مش هيبقى عارف أنا سافرت بالطيارة ولا سافرت بالجمل، مش هيبقى فاهم الفرق هذا، فيحتاج -لو أنا بكتب كتاب تاريخ- سيكون مفيدا جدا له لو أنا قلت: وسافرت بالطائرة من مطار كذا إلى مطار كذا؛ لأنه أصلا المطارات هذه في أيامه لن تكون موجودة، أو قد تكون وسيلة طائرة كلها غير موجودة.

فلذلك يعني في ظاهرة منتشرة في كل العلوم، وهي ظاهرة التفسير والتطويل، وظاهرة التفسير والتطويل هذه يصاحبها ظاهرة الاختصار. هأحاول أشرحها، أسأل الله أن يوفقني في ذلك. مثلا في الفقه، هتلاقي الجويني بيقول إن معظم العنايات في المسائل إنما جاءت من السكوت عن مسائل كانت بالنسبة للأولين واضحة. يعني الراجل الفقيه هذا وهو عمال يتكلم بيقول الكلام الذي ليس واضحا بالنسبة لأهل عصره، لكن لما تمتد الصيغة تمتد الأيام، فبيبقى أهل عصره هؤلاء أهل العصر الجدد دول مش فاهمين.

هو ليه مثلاً الفقيه اختار الرأي ده ما اختارْش الرأي ده؟ ليه ما ما جاوبش على الدليل ده تمام؟ فالجويني شايف إن مهمته في نهاية المطلب هو إنه إيه إنه يحاول إن يزيل هذه العمايات.

حاول يحلل ويفسر للفقهاء اللي قبله عن هذه المواطن. إن ابن رشد بيحاول يحلل ويفسر اختلاف المذاهب في كل مسألة ليه المذهب اختار؟ ليه المذهب ده اختار الرأي ده؟ وليه المذهب ده اختار الرأي ده؟

تمام، فهو بيحاول يفسر المسكوت عنه. على هذا المنوال نستطيع القول إن ابن خلدون كان يحاول إن يفصل المسكوت عنه. المسكوت عنه أيضاً يعني إحنا في عالمنا ده دلوقت مثلاً بيدور عندنا حوار شديد وضخم وجدال بين مثلاً فكرة السلمية وفكرة المقاومة، ده ده جدال ضخم موجود، ما باتصورش إن الجدال ده أصلاً هو النقاش ده حصل في زماننا إحنا تمام، فعلاشان كده إحنا بنبقى محتاجين إلى التطويل والتفصيل في أمور كانت بالنسبة للأقدمين أمور بديهية، هم لا يحتاجون إلى النقاش فيها.

فابن خلدون يعني أنا ذكرت لكم كلمة الماوردي إن كلمة الماوردي كده بس في الطريقتين تلاتة اللي هي: واعلم إن الدولة تبتدأ بخشونة الطباع والقسوة لكي تستقر، فإذا حصل الاستقرار هتبقى آه يعني فتتوسط باللين لحصول الاستقرار والدعة، ثم تنتهي بالجور. الكلمتين تلاتة اللي قالهم الماوردي دول احتاجوا من ابن خلدون فصولاً في المقدمة علشان يشرحهم. الماوردي لو كان أهل عصره يحتاجون إلى التفصيل لربما فصل، لكن لأنه أهل عصره لم يكونوا يحتاجون أكثر من ده ما قالهمش، ولعل الذي سبق الماوردي لم يكن محتاجاً إلى إنه يقول التلات سطور دول لأنهم مفهومين بالطبيعة يعني.

فزي ما إحنا اليومين دول بنحاول إن إحنا نثبت أشياء بديهية ونتكلم في أشياء بديهية. طيب، ميزة أحد مزايا مقدمة ابن خلدون أنها تفصل فيما اختصره السابقون، زي إيه مثلاً برضه في علم الحديث؟ يعني مثلاً البلاد التي استقر فيها الفقه، خلاص، الفقه بقى فيه مَذاهب وبقى فيه مُتون وبقى فيه شُروح. البلاد اللي استقر فيها الفقه أو الأزمان يعني التي استقر فيها الفقه يضعف فيها علم الحديث، ليه بيضعف فيها علم الحديث؟

لأنه إحنا أصلاً عايزين نعرف الحديث صحيح ولا ضعيف ليه؟ علشان نستدل به في الحلال والحرام، طيب خلاص، الناس اللي عرفت إنه حلال وحرام، الناس اللي عرفت آه إنه حلال وحرام وحصلت الأحاديث وطالعت الآراء، عملت لنا المذهب ده وقالت لنا الحكم في المسألة الفلانية كذا، والحكوم في المسألة الفلانية كذا. المرحلة اللي جاية المفروض اللي هجي بعدهم ما بيخترعش العجلة من الأول، إنما هو بيدرس المذهب، ولما بيدرس المذهب بيأبدأ يختصره ويبقى متون ويبقى أشعار علشان يسهل حفظه، فلما يستمر الحال على هذا الأمر هتلاقي علم الفقه ينمو، بتحصل فيه مسائل جديدة ونحاول إن نخرجه على الأصول، لكن يضعف علم الحديث، لأنه كان علم آلة إلى أن يأتي مثلاً مجدد ويقول لأ والله أنا عندي رأي تاني، نقول له إيه دليلك؟ فساعتها يقول أنا دليلي الآية الفلانية والحديث الفلاني، وساعتها المجدد ده على حسب آلته من علم الحديث يجدد الحديث.

يعني كنت في مؤتمر قبل سنة تقريباً ومن يعني الأوراق الجميلة التي استفدت منها ورقة تقول إنه علم الحديث لم يكن مزدهراً في الدولة العثمانية. طب ليه ما كانش مزدهر في العثمانيين؟ فأحد الباحثين كان بيقول هو علم الحديث برضه ما كانش مزدهر في الدولة المملوكية، طبعا قدم ورقة أنا بقول لكم خلاصتها يعني، قصدي الكلام ده موثق وثابت مش كلام بيتقال كده. بيقولوا أصلاً العلم الحديث ما كانش مزدهر في الدولة المملوكية إلا في دمشق والقاهرة. ليه أُشمعنى دمشق والقاهرة دول؟ علشان كان فيهم ابن تيمية وتلاميذه، ابن تيمية جَدَّد فكرة الاستدلال بالقرآن والسنة، وخالف أحياناً المذاهب الأربعة، ودخل في سجلات مع فقهاء المذاهب، وكان لديه العدة الحديثية التي يقول إن الحديث ده ضعيف والحديث ده قوي والأحاديث ده منصرف إلى الوجهة الفلانية وغيره، فهذه العملية عملية ابن تيمية كانت تجديداً لعلم الحديث، وبالتالي كانت إنشاءً لمدرسة، وكانت مثيرة أيضاً لخصومه من المذاهب أنهم ينظروا في الحديث وعلله ورجاله وهكذا.

فبالتالي آه الطبيعي يعني إنه لما لما الأمور تستقر أو لما القواعد تستقر الناس تنسى الأصول التي بنيت عليها هذه الآراء أو هذه القواعد، فابن خلدون كان عمله مجدداً في هذه المقدمة لهذه الأمور وهذه القواعد.

طيب، أخيراً بقى ليه الغربيين احتفوا بابن خلدون؟ ببساطة لأن الغربيين كما قلنا وهم يخرجون من العلمانية وهم يخرجون من الكنيسة ويعتنقون العلمانية ويعتنقون المادية كان عندهم يعني طاقة محمومة واندفاع مسعور إنهم يكتشفوا القوانين التي تهيمن على حياة البشر كما اكتشفوا القوانين التي تهيمن على حركة المادة، يعني زي ما في قوانين حركة والله لنيوتن فلابد إن في قوانين تتحكم بالبشر، فكان مجهودهم في هذا الباب وجدوا أنهم مسبوقين إليه بكلام لابن خلدون. فلذلك ابن خلدون بالنسبة لهم كان مفاجأة، واحد بيحاول يعلل الأسباب ويشرح القوانين التي تنظم حركة الحياة، فلذلك انبهارهم به كان انبهاراً لأنهم -طبعاً ابن خلدون ما كانش مادي وابن خلدون ما كانش علماني، ودي ممكن نفرد لها حلقات أخرى- ابن خلدون ما كانش مادي وما كانش علماني، ابن خلدون كان مسلماً، وتأمله وإنتاجه وآراؤه كلها تدل على أنه رجل مسلم مؤمن بكراماتهم، علشان كده العالم كسيرا إيا كما وليش كما أراده هو.

طيب ليه المعاصرين كانوا مهتمين؟ آه يعني في عصر انهزام والغربيين بالنسبة لنا غالب متفوق، فطبيعي طبيعي طبيعي جداً جداً جداً يعني إنه المدح الذي يأتي من غيرنا لنا يبقى مقدر لنا، طبيعي جداً المدح الذي يأتي من غيرنا لنا يبقى مقدر عندنا، وعلشان إحنا متأثرين المدرسة الغربية في كتابة وقراءة التاريخ فإحنا نحب إن نفاخرهم بأنه إحنا برضه إيه لدينا من سبقهم، وأمور أخرى تحتاج إن نفصل فيها. على كل حال، على كل حال يعني إني يهمني التأكيد على آه يعني اللي ما سمعش المحاضرة من أولها أو سمعها يهمني التأكيد على إنه فكرة التاريخ كما نفهمها الآن هي منتج غربي، المنتج الإسلامي لم يكن متوافقاً مع هذه الفكرة أصلاً، لأنه نشأ في ظروف مختلفة ولاغراض مختلفة.

الفكرة الغربية دي لها عيوب قادحة على فكرة، لأن أنت أن تجمع بين عمل المؤرخ وعمل الفيلسوف دي مخاطرة شديدة تشبه كده مخاطرة إن الصحفي يبقى خبير استراتيجي، فهو بيجمع الأخبار ويحللها، طبعاً مش كل صحفي عنده القدرة على التحليل ولا كل محلل عنده القدرة على الجمع، فإن أنت تلزم حتى طالب التاريخ المبتدئ اللي موجود في الجامعة إنه بيعمل رسائل ماجستير ولا رسالة دكتوراه ولا حتى بحث إنه يبقى عنده القدرة على الجمع والتحليل، ده إلزام بما قد يكون فوق طاقته، والحقيقة إن المدرسة الغربية أنتجت لنا كثيراً من الفوضى في التحليل. وده برضه موضوع تاني ما فيش وقت نفصله دلوقت، بس أنا القصد عندي أن أقول إن المؤرخ في الحضارة الإسلامية كان مهتماً بالجمع والتوفيق ولم يكن مهتماً بالتحليل والتعليل والتفسير للأسباب التي شرحناها في البداية، فعلاشان كده ده يخلينا نفهم كيف نقرأ مصادرنا في التاريخ الإسلامي.

طيب، ابن خلدون بما بقدر ما كان ابن خلدون مبدعاً ومجداً ومبتكراً إلا أنه أصل أصل إبداعه وابتكاره كان في مجال خارج مجال التاريخ كما يفهمه المسلمون، لكن هذه ربما أعلى من انبهر به وأشادوا به. لعله قريبا يعني آه تصدر ورق وبحث آه لعل مرد ذلك هو لنشوء علم التاريخ على أسس علم توثيق الحديث؟

نعم صحيح طبعا وحازم يسأل، نعم وهذا كلام صحيح جداً إنه علم التاريخ عند المسلمين نشأ في تربة الحديث النبوي، يعني أصلاً علم التاريخ الإسلامي هو أحد فرع شجرة علم الحديث والسيرة، لأنه أكثر ما اهتم المسلمون بتأريخه هو تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم وتحقيق وتوثيق آه أقواله وأفعاله ومغازيه صلى الله عليه وسلم، فيعني العلم علم السيرة والحديث هو الذي أسس للقواعد المنهجية في النقد؛ نقد السند ونقد المتن.

آه أظن الاستاذ آه فهم التاريخ حاليا هو منتج غربي، طيب أليس يلزمنا أليس أليس يلزمنا هذه الطريق من الفهم تلزمنا؟ تلزمنا مش إشكال، أنا مش بقول آه ما تلزمناش، أنا بقول ما ينفعش حد ييجي كما حصل من كثير من آه من الناس وحتى كثير من الدعاة للأسف ما ينفعش حد ييجي يقول إنه آه مصادر تاريخنا الإسلامي مصادر آه مربكة، مصادر متناثرة، مصادر متقطعة، مصادر لم تهتم بالبحث عن السنن، يعني ما ينفعش يقول ده على وجه التنقيص. هو لازم يبقى فاهم الغرض ده كُتب ليه؟ يعني ما ينفعش أنا دلوقتي أعمل مثلاً أرشيف للصحف فييجي واحد يحاسبني على إنه إني ما حللتش هذه الأخبار وأوردتها بس، هو أنا غرضي من الكتاب أو أصلاً أن أعمل أرشيف أو أن أجمع هذه المعلومات في مكان واحد وليس وليس غرض التحليل، ما ينفعش يبقى إيه الطعن علي في شيء لم أقصده أصلاً.

ومع أنه هذه الطريقة الغربية في التفكير أيضاً آه أنا قلت أنها منتجة لمشاكل، لأن هي بتكلف كل واحد آه بالجمع بين مهمة الجمع ومهمة التحليل والتفسير، وهذه ليست متاحة لكل أحد، إنه في النهاية هذه مواهب وأرزاق، ليست كل العقول على قدر واحد.

آه، طيب جزاكم الله خيراً بارك الله فيكم. هل فقر التحليل تسبب في مشكلة لقارئ التاريخ بسبب فقر اللغة أم بسبب فقر الفهم بأسباب ودوافع الأحداث؟

والله شوف هذا وارد وهذا وارد، يعني السؤال اللي أنت بتسأله ده سؤال واسع وكبير، فوارد جداً إن الناس أحياناً آه معجمها اللغوي لا يستطيع أن يستوعب مدلول الكلمات الموجودة في مصادرنا التاريخية، فما يبقاش فاهم المقصد منها، لكن أحياناً بيبقى ما عندوش فهم بأسباب ودوافع الأحداث لقلة معرفته بهذا العصر، أو لقلة معرفته بطبائع الناس فيه، وأنا قلت إن أنت لو بتقرا في كتاب لم يُكتب أصلاً بغرض التحليل والتفسير مش هتبقى عارف يعني إيه الموضوع، لأنه الراجل اللي بيقدمه لك بيقدمه لك وكأنه بيقدم لك خبر.

يعني دلوقت مثلاً وكالات الأنباء العالمية هي تقول آه سماع صوت انفجار في المكان الفلاني، أنت بمجرد الخبر ده هو نقل خبر، وما حدش يقدر يقول له أنت يعني إليه أنت غلطان علشان ما جيبتش سبب نقل الخبر أصلاً، ممكن السبب يظل مجهولاً، يعني إحنا لغاية دلوقتي مثلاً قبل أيام اغتيل آه اللي هو محسن فخري زادة آه العالم النووي الإيراني، إلى الآن السبب غير معروف على وجه التحديد تمام؟ فانت ممكن تنقل الخبر ونبقى ما نبقاش فاهمين الدوافع اللي حصلت وراه أو الأسباب التي أنجحته تمام؟ فعلى حسب يعني كل حاجة آه ممكن يبقى في آه لغة، ممكن يبقى في فقر لفهم، ممكن تبقى في أشياء مجهولة، والمجهول من العلوم المعلوم أكثر من المعروف. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيسُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. صحيح مش مش كذا مرة حد فيكم بيعمل حاجة بيقول أنا إزاي عملت كده؟ الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]، إن أحياناً الواحد ما بيبقاش فاهم هو عامل كده ليه تمام.

آه، ما أبرز الكتب التاريخية الإسلامية؟

في سؤال بيقول آه نظرية العصبية لابن خلدون ما هي أوجه الخلاف بينها وبين واقع المؤسسات الدولية الحالية؟ التي لا تعتمد على الأفراد، آه أو أو فكرة العلاقة العصبية اللي بينهم يعني هلاق شف هي السؤال ده مش ظاهر لي بقى فهو شكله مش شغال. آه نظرية العصبية تاف آه ده موضوع عزوة محاضرة لوحدها. خليني أقول لك إن العصبية دي العصبية دي معناها آه التماسك، خلاص، معناها التماسك والتعاضد والتكافل والحمية، ده المعنى المعنى ده قد يتحقق بالعصبة القبلية صلة الرحم، وقد يتحقق بالعصبة القبلية اللي هي صلة الرحم، وقد يتحقق بأشياء أخرى كما هو موجود في مجتمعنا الآن، وهي الوظيفة مثلاً.

يعني دلوقت آه آه بالذات في البلاد اللي هي المدن الكبيرة يعني أحياناً الموظفين في شركة واحدة بيبقوا شايفين نفسهم أسرة، وبيدافعوا عن مصالحهم بشكل أسرة أشد من كده الهيئات النظامية اللي زي الجيوش مثلاً، الجيوش بتبقى شايفه نفسها عصبة، الطبقة الحاكمة بتبقى شايفه نفسها عصبة وبينهم من التعاضد والتكافل والتماسك ما يقوم مقام العصبة القديمة. فالمسألة هنا بتبقى شبكة من المصالح وشبكة من النفوذ، المهم أنها تنتج هذا التماسك تمام، ففكرة العصبية فكرة العصبية لا تساوي دائماً فكرة القبلية، وده يعني تفسير أو تدقيق مش عايز أدخل فيه في لأنه ما فيش وقت له دلوقت، لكن شيل كلمة العصبية وحط كلمة التماسك، فمتى حصل التماسك بين طائفة، سواء الطائفة دي على آه على المعنى المذهبي، على المعنى الطائفي الديني، على المعنى الطائفي الوظيفي، على المعنى الطائفي الطبقي، طالما حصل التماسك ده وجعل بينها القوة اللي اللي تخليها أكبر قوة في المجتمع فإليها يؤول الحكم.

طيب، في أسئلة تانية قبل سؤال ما أبرز الكتب ممكن تكون وقعت مني. طيب أبرز الكتب التاريخية الإسلامية التي صارت بطريقة التحليل بجانب الجمع عن مثل ابن خلدون ويكون فيه إضافات على ما قدمه ابن خلدون؟ شوفوا ابن خلدون نفسه لما روى تاريخ يعني إيه ابن خلدون؟ عمل مقدمة وعمل تاريخ.

والمقدمة هذه هي مقدمة التاريخ. ابن خلدون نفسه لما عمل التاريخ سار فيه على مسيرة الأوائل، الكتابة التاريخية عند ابن خلدون لم تختلف عن الكتابة التاريخية عند المؤرخين المسلمين، وإنما الكتب التي صارت بطريقة التحليل هي الكتب التي صدرت حديثاً، يعني صدرت لأنه خلاص أصبح فيه نوع من التقليد العلمي في الثقافة التاريخية أن التاريخ بالشكل هذا. فالكتب التي صدرت حديثاً بينت بطريقة التحليل والجمع، وفيها طبعا تأثر بالمدرسة الغربية، لكن يصعب أن تجد كتاباً اهتم بالتحليل والتعليل في التاريخ الإسلامي على النحو المعاصر.

ما الأفضل في دراسة تاريخ الإسلام؟ هل التركيز على الجوانب المضيئة فقط أم ذكر العيوب والمسالب؟ لا، هو يتوقف هذا على الغرض؛ أنت إذا كنت تدرس لأبناء صغار مثلاً تحاول تربيهم، فأنت تدرسهم المشاهد العظيمة، البطولات، البسالة، أو أنت بتكلم متشكك أو داخل في سجال مع أحد شايف أن التاريخ الإسلامي كان تاريخاً سيئاً، يبقى الأفضل عندك هو الحديث عن المآثر والمناقب. أما إذا كان المطلوب هو أننا نتعلم سياسة، نتعلم اقتصاد، نتعلم اجتماع، داخلين في تجربة، فلابد أن يبقى عندنا خبرة بالمسالب، يعني اللي هيتخصص في التاريخ لابد له من معرفة الأمرين ولا يجزئه معرفة المناقب بس.

إنما لكل مقام مقال، بنحتاج أحياناً للحديث عن المآثر، وبنحتاج أحياناً للحديث عن العيوب والمثالب.

سؤال: بدأ ابن خلدون تلك المدرسة من علم الاجتماع والدراسة في مناحي التاريخ لإيجاد السنن، هل تمثلت هذه المدرسة الآن فيما لك بالنبي مثلاً مؤخراً كتقنين لكلام ابن خلدون، أو ما هي المدرسة الحديثة في استنباط السنن؟ الأخ محمد سمير ممكن يراسلني على الخاص عشان الحديث ده، السؤال ده سؤال ضخم جداً لا يمكن الإجابة عليه باختصار تمام.

فهل العلم الواسع في الفقه سر ما قدمه ابن خلدون؟ ليس شرطاً، كثير من الفقهاء ممن يعلون على ابن خلدون مرتبة ليس لهم هذا النظر العبقري في واقع الحياة وطبائع الحياة، ويكون لغير ذي الفقه من النظر في خبرة الحياة وواقع الحياة ما ليس للفقيه.

ما بتردش على الخاص يا مولانا، ده إحراج بقى فعلاً والله أنا عندي الرسايل كتير وبتفلت مني. طيب بص، أنت خليك بقى مع الأدمن وهو هيبعت لي الحساب بتاعك ونتكلم احنا مع بعض، أديني جبت لك واسطة ماشي، جزاكم الله خيراً يا إخواننا، أحسن الله إليكم، الله يكرمك يا رب، ولا تنسونا من دعائكم، أهم شيء لا تنسونا من دعائكم.