بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.
مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة طبائع الحكم مع ابن خلدون، وهذه الحلقة ستبدو غريبة للمشاهد المعاصر، وسنفسرها إن شاء الله. بدايةً، ابن خلدون يرى أن السياسة من أهم الأمور التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان، وبالتالي هو له تدبير وتقسيم؛ يعني الإنسان يشبه الحيوان في الأمور الغريزية، في الغرائز، ولكنه يتميز عنه بالعقل والأخلاق. هذا غير موجود عند الحيوان؛ الحيوان تحركه الغريزة ليس العقل وليس الأخلاق. فابن خلدون يقول: وحيث إن السياسة مما يتفرد به الإنسان عن الحيوان، فلابد أنه شأن السياسة هو من شأن العقل والأخلاق وليس من شأن الغرائز الحيوانية، لذلك يقول: لأنها يعني السياسة خاصة للإنسان لا للحيوان. فإذاً خلال الخير فيه هي التي السياسة والملك، إذ الخير هو المناسب للسياسة.
سأذكر مرة أخرى أن ابن خلدون لما كان يتكلم، كان يتكلم بالخبرة التاريخية في عصره. الخبرة التاريخية في عصره التي لم تكن فيها قوة تستطيع أن تفرض الحكام على المجتمعات، كانت المجتمعات تفرز بشكل طبيعي من يحكمونها. يعني الآن طبعا هناك نظام عالمي وهناك قوة تستطيع أن تنصب حكاماً وتدافع عنهم وتعزلهم، كذلك السنة المضطردة التي يتحدث عنها ابن خلدون هي أن المجتمعات الطبيعية حين تفرز حكامها بشكل طبيعي، كيف تفرزهم؟ هو يقول: تفرزهم من خلال أمرين؛ الأمر الأول: قوة العصبية. هذا يعني هذه السلطة، هذا البيت، هذه العائلة الحاكمة هي بقوتها كانت المؤهلة للحكم. طيب، هل القوة هي العامل الوحيد؟ يقول: لا، وأيضاً بالأخلاق؛ يعني لا يستنيم لها الناس ولا يقبلون حكمها إلا إن كانت أخلاق هذه العائلة، أخلاق هذا البيت هي أخلاق أصيلة، أخلاق مناسبة لشأن السياسة، فلذلك أخلاق وخلال الخير هي الأخلاق التي يستنيم لها الناس بعد استنامتهم أو فوق استنامتهم لشأن القوة والعصبية.
ويقول إنه هاتان المسألتان يشبهان يعني الأصل والفرع؛ أصل الشيء وفروعه، ولابد أن يوجد الأصل ولابد أن يوجد الفرع. يعني لا يكون الإنسان بجسده وهو مقطوع اليدين والقدمين، يعني لا يكون انسانا سويا، وكذلك لا يمكن أن توجد الأقدام والأذرع فقط دون الجسم، يعني لا يكون هذا إنساناً. لذلك دعونا سنفسر في آخر الحلقة كيف يحصل هذا في واقعنا؟ لكن هو يقول إن التنافس على الخلال الحميدة من طبائع الملك، يتكلم عن المجتمعات التي تفرز بشكل طبيعي حكامها.
طيب، هنا إذا سألنا كيف كان المجتمع الإسلامي يفرز بشكل طبيعي حكامه؟ يقول ابن خلدون: وإذا كان وجود العصبية فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصاً في أهل البيوت والأحساب، فما ظنك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد ونهاية لكل حسب؟ وأيضاً السياسة والملك هي كفالة للخلق وخلافة لله في العباد في الأحكام، وأحكام الله في خلقه وعباده إنما هي بالخير ومراعاة المصالح كما تشهد به الشرائع. فالخلاصة كما يقررها ابن خلدون وهي جعلها في عبارة واحدة تقول: فمن حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة، وأونست منه خلال الخير المناسبة لتنفيذ أحكام الله في خلقه، فقد تهيأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق، ووجدت فيه الصلاحية لذلك، هذا هو الأصل.
كيف كان المجتمع الإسلامي يفرز حكامه؟ سيقول ابن خلدون: فإذا نظرنا في أهل العصبية ومن حصل لهم الغلب على كثير من النواحي والأمم، فوجدناهم يتنافسون في الخير وخلاله، من الكرم والعفو عن الزلات، والاحتمال من غير القادر، والقرى للضيوف، وحمل الكل، وكسب المعدم، والصبر على المكاره، والوفاء بالعهد، وبذل الأموال في صون الأعراض، وتعظيم الشريعة وإجلال الحاملين لها. المهم يعني ذكر ابن خلدون أشياء كثيرة وصفات كثيرة، لا نطيل بذكرها حتى يخلص إلى أن يقول: هذه خلق السياسة قد حصلت لديهم، واستحقوا بها أن يكونوا ساسة لمن تحت أيديهم أو على العموم، وأنه خير ساقه الله إليهم مناسب لعصبيتهم وغلبهم، وليس ذلك سدى فيهم ولا وجد عبثا منهم، والملك أنسب الخيرات والمراتب لعصبيتهم، فعلمنا بذلك أن الله تأذن بالملك وساقه إليهم.
هذه الصفات التي ذكرنا بعضاً منها هي الصفات التي كان يتحلى بها الملوك وكان يتحلى بها بيت الحكم في المجتمع الإسلامي، لأنها الصفات المناسبة للمجتمع الإسلامي نفسه، الصفات التي يخضع بها الناس ويستنيم بها الناس لغلبة هؤلاء، وهي الصفات التي يتنافس فيها أهل البيوت الأصيلة حتى يكون ذلك أنسب لعصبيتهم وأنسب لإدارتهم للحكم والغلب على الناس. ونفس هذه القاعدة تأتي بالعكس؛ يلاحظ ابن خلدون أن الدولة حين تستقر وتبدأ شمسها بالمغيب تبدأ هذه الصفات والخلال في الانتقاص منها. يقول: وبالعكس من ذلك إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة وحملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طرقها، فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة، ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم ويتبدل به سواهم، ليكون نعيا عليهم في سلب ما كان الله قد آتاهم من الملك وجعل في أيديهم من الخير. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].
ومن ضمن الصفات التي توقف عندها ابن خلدون طويلاً، ورأى أن هذه الصفة ملازمة لأهل البيوت التي لابد لها من الحكم، وأنها أول ما يسلب من البيت الذي يفقد منه الحكم، هي صفة إجلال العلماء وتقدير العلماء ورفع مقام أهل الشريعة. فهو يلاحظ أن البيت طالما كان متهيئاً للحكم، في سبيله إلى الغلب وفي بدايات عهده وفي تمكن دولته، يكون مراعياً لأهل الشريعة، موقراً للعلماء، رافعاً لمكانتهم، حافظاً لأقدارهم. طيب، فاذا أذنت شمسهم بالمغيب بدأ يتخلى عن هذا، ويقرب إليه غيرهم من الأسافل والأراذل، وينتضي عنهم يعني يتجافى عنهم، وهكذا فيكون هذا من أول خلال ذهاب الملك عنهم.
طيب، فالآن كيف نفسر ما يحصل في واقعنا الآن؟ بداية هذه القاعدة، قاعدة تنافس الملوك في الخلال الحميدة، ما تزال قاعدة مطردة؛ يعني حتى وقت قريب جداً في أمتنا، تسمعون هذا الكلام مثلاً، تذكر مما روي في سير عبدالعزيز مؤسس السعودية أنه كان وهو شاب أراد أن يذهب إلى الأماكن التي يذهب إليها الشباب، فقال له قرينه: لا، أنت ابن سعود لا يجوز لك ما يجوز لي، أنا أذهب وألهو لكن أنت لا يجوز لك ما يجوز لي. فهذا كان واضحاً حتى وقت قريب أن أهل البيوت المتأهلة للحكم، أهل بيوت الحكم، أهل البيوت الكبيرة تترفع عن الصغائر والدنايا. هذا أمر مشهور؛ أنا شخصيا حدثني مفكر اسلامي معروف موجود في مصر، لقي الشيخ حسن الهضيبي رحمه الله، فالشيخ حسن الهضيبي كان قابل الملك فاروق مقابلة مشهورة فكان سأله: يعني يا سيادة المستشار إيه الفارق بين عبدالناصر وبين الملك فاروق؟ فبيقول له: يا ابني دول ملوك متربيين، إنما دول -يقصد عبدالناصر- دول شرعية ما حدش رباهم، وفاروق بالمناسبة ملك فاسد، يعني لم يكن فاروق ملكاً صالحاً، لكن في النهاية بيوت الملك فيها نوع من الاحتشام والاحتفاظ والتحفظ والرقي، ومسألة البروتوكولات المشهورة، نوع من الأدب، والملوك قديماً وحديثاً إلى ما قبل يعني مائة سنة على الأقل أو إلى ما قبل سبعين ثمانين سنة، كانوا حريصين على تربية أبنائهم تربية فاضلة.
طبعاً هذه أمور نقرأ فيها كثيراً في كتب التراث الإسلامي، لكن أنا أقصده القول إن هذه الأمور كانت مستمرة في عصرنا إلى وقت قريب؛ يعني إلى وقت قريب كان لا، الملك لا يخرج منه العيب، يعني هو بنفسه لا يسب ولا يشتم مثلاً، بينما في مذكرات صناع القرار المعاصرين عن الرؤساء الحاليين أشياء فظيعة جداً من استعمالهم السباب، كما يقول الشيخ حسن الهضيبي: ما حدش رباهم، فهذه مسألة مشهورة عنهم.
طيب، لماذا فقد المجتمع الإسلامي أن يفرز حكامه على هذه الشاكلة؟ بداية يجب أن ننتبه أيضاً إلى مسألة أن الذين سادوا على بلادنا لم يكونوا إفرازاً طبيعياً لمجتمعاتنا، وإنما هؤلاء قوم نصبهم الأجانب وأتى بهم الأجانب ودعمهم الأجانب، وإذا تضعضع ملكهم نزل الأجانب ليحموهم ويحافظوا عليهم؛ أسرة محمد علي نزل الأجانب لكي تدعموها وقضوا على الثورة العرابية، وكنت تجد في بلاط إسماعيل وتوفيق مسألة الخمور ومسألة النساء، وهذه كانت غير موجودة عند الشعب المصري. الشعب المصري لم يكن هكذا؛ يعني مسألة الرقص مع النساء وانتشار العادات الغربية، ونفس الكلام حاصل حتى الآن في سوريا، نزلت روسيا لكي تحمي حكم بشار الأسد، المسألة مشهورة.
ولكن ومع ذلك هناك آلة جديدة ظهرت في واقعنا المعاصر، الآلة الساحرة التي قلبت هذا الموضوع، وهي الإعلام، الإعلام، الإعلام. وهذا الإعلام معضلة شديدة، لأن الإعلام لم يكن في أي لحظة من اللحظات بمثل هذه القوة التي كان بها في عصرنا. الإعلام حتى الآن يكون حريصاً على صناعة الأخلاق للحاكم، فيبدو الحاكم وكأنه راعي الرياضة والرياضيين، والفن والفنانين، والثقافة والمثقفين، وتصنع المشاهد أن الحاكم نزل لقي واحدة مسكينة فأمر بمسكن على نفقة الدولة أو حتى على نفقته الخاصة، مثلاً طالب كان بيشاور له فالحاكم استدعى هذا الطالب وكرمه، واحد مريض عالجه على نفقة الدولة، ويبدأ الإعلام في صياغة الحاكم صياغة جديدة تقنع المجتمع أن هذا يتمتع بالأخلاق الفاضلة التي ينتظرها المجتمع منه.
يعني مهما كان الحاكم في خاصة نفسه فاسداً أو يشرب الخمر أو يزني -وطبعاً ينهب ويسرق، هذا أمر مشهور- لكن لابد أن يظهر في الإعلام وكأنه فاضل ونبيل وعفيف واللسان ما بتطلعش منه العيبة وصاحب فلاتر، لابد يعني وسائل الإعلام الآن تصبغ على الحاكم الأخلاق التي يود المجتمع أن يراها فيه، وتمارس نفس هذه الصفة في نزعها عن الفضلاء، يعني أن شيطن أعداء الحاكم والمعرضون له والمتمردون عليه، فيصبغ عليهم من الخبائث والمخازي ما هم بريئون منه وما يعرف الجميع أنهم بريئون منه.
سطوة الإعلام في عصرنا الحاضر سطوة عظيمة جداً، لدرجة أنها قادرة على تغيير المشاعر بالفعل، وهذا أمر كتب فيه كثيراً جداً الكتاب المتلاعبون بالعقول، حتى إنه مثلاً علي عزت بيجوفيتش في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب كان يقول إن وسائل الإعلام والتلفزيون هو أخطر ما يهدد عقل الحديث، أخطر ما يهدد العقل في العصر الحديث، لأنه الإنسان يتحول مع التلفزيون إلى مراهق، وأنه لم نعد -هو يقول- لم نعد في حاجة إلى تقييد السلطان دستورياً بنفس قدر حاجتنا إلى تقييد وسائل الإعلام أخلاقياً. لأن وسائل -علماؤنا قديماً كانوا يقولون: فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل المجتمع، لأنه كان يتعايش مع بعضه كان لا يقتنع إلا بالأخلاق التي يراها ويلمسها، فكان الفعل أهم عنده من القول.
أنا قرأت إحصائية في الانتخابات الأمريكية الأخيرة في أيام أوباما: هل عموم الناخبين يتأثرون بالأقوال أم بالأفعل؟ فكان الأغلب أنهم يتأثرون بالأقوال وليس بالأفعال؛ يعني يمكن للحاكم أن يفعل ما يشاء ثم ينفذ حملات إعلامية أو مواقف عاطفية لكي ينقلب إليه الشعور العام. فالخلاصة أن الحكام حريصون على الظهور بالمظهر الأخلاقي، ولكن هذا كان حقيقياً فيما مضى، أما الآن فصار مزخرفاً، ميزناً، مصنوعاً.
في المسرحية المشهورة لأمير الشعراء أحمد شوقي، مسرحية مصرع كليوباترا، يقول في حوار بين حابي وديون، يقول حابي: اسمع الشعب ديون كيف يوحون إليه؟ ملأ الجو هتافا بحياة قاتليه! يا له من ببغاء عقله في أذنيه!
تاريخ أنه كنا نسود الأرض بالأخلاق.
محمد إلهامي