دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 22. الخشونة أول طريق الحكم

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً.

مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من طبائع الحكم مع ابن خلدون، وهذه الطبيعة التي نناقشها في هذه الحلقة تقول بأن الخشونة هي أول طريق الحكم.

يقول ابن خلدون: اعلم أنه لما كانت البداوة سبباً في الشجاعة كما قلناه، لجرى مكان هذا الجيل الوحشي أشد شجاعة من الجيل الآخر؛ فهم أقدر على التغلب وانتزاع ما في أيدي سواهم من الأمم. بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك باختلاف الأعصار؛ فكلما نزلوا الأرياف وتَبَنَّكوا النعيم وألفوا عوائد الخصب في المعاش والنعيم، نقص من شجاعتهم بمقدار ما نقص من توحشهم وبداوتهم.

واعتبر ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظباء والبقر الوحشية والحمر إذا زال توحشها بمخالطة الآدميين وأخصب عيشها، كيف يختلف حالها في الانتهاض والشدة حتى في مشيتها وحسن أديمها! وكذلك الآدمي المتوحش إذا أَنِسَ وأَلِفَ.

لو تذكرون في الحلقة الأولى من هذه السلسلة كنا تحدثنا عن مزايا البداوة، وأن الإنسان الموجود في البدو هو إنسان قوي، قائم بأمر نفسه، متقشف، خشن، يقظ منتبه للهيعات والنبيئات؛ يعني قادر يحدد الخطر وقادر يتصدى له، ومعه سلاحه لم ينكسر بأسه، قائم بأمر نفسه. بينما الإنسان الموجود في الحضر على العكس من هذا؛ إنسان حصل له نوع من الرخاوة والطراوة ونوع من الترف والنعيم، وهذا جعله لا يقوم بأمر نفسه؛ فهو مثلاً مستنيم لوجود شرطة ووجود جيش، فلا يستطيع أن يحمي نفسه ولا يستطيع أن يقوم بنفسه، وعادةً ما بيكون متخلياً عن سلاحه لا يحمل سلاحاً شخصياً.

وحتى في الأخلاق؛ يعني الرجل صاحب البدو هذا يكون أعرف بالمقامات، لكن مسائل مثل الفحش وتجاوز المقامات والمنازل منتشرة في الحضر، غير منتشرة في البدو. وذكرنا أنه في الحضر لذلك يكثر الاستبداد، ينبت الاستبداد؛ لأنه الاستبداد يظهر في الحضر لا يظهر في البدو؛ لأن شخصيات الحضر شخصيات ضعيفة وشخصيات مستنيمة للسلطة وشخصيات تحت الهيمنة المباشرة للسلطة، بينما البدوي ما زال محتفظاً بعزة نفسه وبأسه ولم ينكسر بأسه.

فابن خلدون يتكلم أنه ضرب مثلاً لطيفاً أنه حتى الحيوانات التي تعيش في البدو أشد من الحيوانات التي تعيش في الحضر؛ ومن يتابعون -وأهلنا في القرى وأهلنا في البوادي يعرفون- أن حيوانات البدو أشد عافية وأفضل، وحتى أكثر شراسة من الحيوانات الموجودة في الحضر.

بتعرفون حسان بن ثابت لما كان يمدح آل جفنة فكان يقول: يَغْشُونَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلابُهُمْ لا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ المُقْبِلِ. يعني هو يريد أن يقول إن هؤلاء القوم كرماء وضيوفهم كثرة، إلى الدرجة أن كلابهم صارت تألف الناس وتعتاد على الناس فلم تعد تنبح. فيعني هذا المعنى؛ معنى أن الحيوانات حتى إذا أنست بمخالطة الناس انكسر فيها الشدة والشراسة وصار أمراضها أكثر وعافيتها أقل.

نفس هذه الطبيعة في الإنسان الفرد وفي الحيوانات تكون في حالة الأمم؛ الأمم الأشد في البداوة، الأشد في الخشونة، الأشد في الصلابة، الأشد في البسالة هي الاقدر على التغلب من سواها؛ لأنه انتزاع الملك لا يوصل إليه إلا بالانتزاع. قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ. فما فيش؛ الملك ما فيش حد بيصيبه كده بسهولة، فعملية انتزاع الملك لا يقوم بها إلا من كانت لها صفات البأس والبسالة والخشونة والصلابة والشراسة، وهذا يكون في الأمم التي تكون أعرق في البداوة. فلذلك ابن خلدون يتحدث عن أن الأمم الوحشية -يعني الخشنة- أكثر وأقدر في التغلب على ما سواها.

طيب، في زمننا المعاصر هذا يحدث نوع من الجدال: هل ما تزال هذه القاعدة حاضرة وماضية وسائرة، أم أن الفارق التكنولوجي والتقني قد يضعف هذه القاعدة؟ يعني هل ما يزال الجندي الباسل هو الذي ينتصر على الجندي الأقل في البسالة، والجندي الخشن ينتصر على الجندي الأقل في الخشونة، أم أن هذا الجندي إذا توفر لديه السلاح النوعي المتفوق تقنياً يستطيع أن ينتصر؟

طبعاً هذا جدال كبير، نحن لسنا في إطار حله الآن، لكن دعونا نشير هذه الإشارات. يعني إذا تصورنا الفارق الهائل الضخم، فأفضل مثال نضربه للفارق الهائل تقنياً هو الفارق بين الأمريكان وطالبان مثلاً، والأيام هذه تجري مفاوضات بين طالبان والأمريكان بعد عشرين سنة لم تحقق فيها أمريكا، لم تحقق فيها أمريكا ولم يحقق فيها الأمريكان النصر المنشود على طالبان، ولا تزال طالبان حية، والآن ذهبوا إلى المفاوضات وتأخذ أمريكا من خلال المفاوضات ما لم تستطع أن تأخذه بالسلاح. الفارق النوعي الضخم بين طالبان والأمريكان لم يكن كافياً لتحقيق الهزيمة الكاملة لطالبان ولا النصر الكامل للأمريكان، واضطروا إلى المفاوضات، فهذا يدلك على أن مسألة الخشونة لا تزال قائمة.

مثلاً المقاومة العراقية؛ المقاومة العراقية أثارت جنون الأمريكان وأوقعت فيهم خسائر لم يكونوا يتوقعونها، والأمريكان بعد ما كانت خطتهم أخذ سوريا بعد العراق، توقفت هذه الخطط ولم يستطع الأمريكان السيطرة على المقاومة العراقية إلا من خلال السياسة والدهاء والتدبير والدخول على خط المجتمع العراقي في مسألة الصحوات. طبعاً ظاهرة الصحوات هي أيضاً ظاهرة استغلت ما كان لدى بعض أجنحة المقاومة من غلو وتشدد وتطرف واستباحة دماء معصومة؛ يعني في النهاية لم يستطع الفارق النوعي أن يحقق النصر، وإنما الأخطاء الموجودة في صف المقاومة مع الذكاء والتدبير السياسي والاجتماعي هو الذي أدى إلى انتهاء المقاومة العراقية.

إذا نظرنا إلى غزة؛ غزة وحماس في غزة، غزة قطاع محاصر سياسياً ومحاصر اقتصادياً، والوضع في غاية الصعوبة، والفارق بينه وبين إسرائيل فارق هائل في كل شيء، ومع ذلك لا تستطيع إسرائيل أن تحسم حروبها في غزة.

نفس الكلام يمكن أن نقوله عن فيتنام، عن لبنان، عن الصومال، عن غيرها من الأماكن؛ فالمسألة هنا أنه ما تزال خشونة الجندي وبسالته قادرة على أن تكون طرفاً في المعادلة، يعني لم تستطع الفوارق التكنولوجية فقط أن تهيمن ولا أن تلغي قاعدة أو سنة الخشونة والبسالة والصلابة المتوفرة في الجندي.

وحتى إذا نظرنا إلى مذكرات صُناع القرار الأمريكان مثلاً، من تولى وزارة الدفاع ومن تولى الأجهزة الأمنية، المخابرات أو غيره، سنجد -مثلاً مذكرات روبرت جيتس- يتحدث فيها أكثر من مرة عن مشكلة أن ما ينتشر في الجيش الأمريكي من مسألة اعتبار الشذوذ عملاً قومياً وطنياً حقاً، ومسألة التحرش بالنساء وهكذا؛ لأنه هذه الأشياء -هو طبعا لا يناقشها أخلاقياً ولا يناقشها دينياً، وإن كانت لها آثار- لكن هو يناقشها أيضاً من جانب أن هذا يؤثر على خشونة الجندي ويؤثر على صلابته وتماسكه. فهذه المسألة أيضاً تدلك على أن مسألة الخشونة الموجودة لدى الجندي هي ما تزال مسألة مهمة، ويحرص عليها حتى الجيوش التي تتمتع بفارق وتفوق تكنولوجي كبير.

ولكن الحقيقة ابن خلدون وضع قيماً يجب أن نركز عليه، هو يقول: وسبب أن تكون السجايا والطبائع إنما هو عن مألوفات وعوائد، وإذا كان الغلب للأمم إنما يكون بالإقدام والبسالة، فمن كان من هذه الأجيال أعرق في البداوة وأكثر توحشاً كان أقرب إلى التغلب على سواه إذا تقاربا في العدد وتكافأا في القوة والعصابة.

نريد هنا أن نقف على القيد والضابط الذي وضعه بقوله: إذا تقاربا في العدد وتكافأا في القوة والعصابة. طبعاً السجال بين المؤرخين والمحللين قائم في مسألة أنه: هل البسالة كافية للانتصار على العدد والعدة، ولا العدد والعدة قادر على تعطيل مسألة البسالة؟ يعني يقولون: الكثرة تغلب الشجاعة تماماً، ويقولون من جهة أخرى: فارس لا يشق له غبار.

طبعاً نحن لن نحاول أن نحل هذه المعضلة الآن، لكن الخلاصة أني وُجد في التاريخ تجارب استطاعت فيها الكثرة والتفوق النوعي في السلاح والعتاد أن تهزم البسالة، وتوجد تجارب أيضاً استطاعت فيها البسالة والقلة في العدد والعدة أن تهزم التفوق النوعي في العدد والعدة؛ فبالتالي الخلاف هذا قائم. فابن خلدون هنا يميل إلى جانب إلى أن البسالة تنتصر إذا كانت القوة والعدد والعدة متقاربتين، لكن ما يهمنا في النهاية أنه الخشونة أمر لا بد منه في تأسيس الدول، وأنه لا يمكن أن توجد أمة ناهضة وتريد أن تصل إلى المجد وتريد أن يكون لها شأن وقوة إلا ويجب أن يكون أهلها ذوي خشونة.

الأمر الثاني أن الخشونة ما تزال قادرة على التوقف والوقوف أمام فارق العدد والعدة كما شرحناه قبل قليل، فلا يمكن أن تنهض أمة دون أن تستعد بهذه الخشونة في مقتبل نهضتها وسطوتها. طبعاً أولى الناس بهذا هم حركات المقاومة وحركات الإصلاح التي تبتغي أن تسقط دولة وتقيم دولة أخرى، فلابد لها من أن يتحلى أهلها بهذه الخشونة وهذه الشجاعة والبسالة التي تمكنهم من القيام بمتطلبات هذا الأمر؛ لأن الحكم لا ينتزع إلا بحروب كما ذكرناه في حلقة سابقة، وهذه الحروب لابد لها من البسالة والفداء والتضحية.

ونحن إذا نظرنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الفتوحات الإسلامية في صدر الاسلام وجدنا هذا الأمر واضحاً. يعني ما جاء في الاسلام من تعاليم الزهد وتعاليم التقلل من الدنيا كثير جداً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». وسيدنا عمر رضي الله عنه كان يستعيذ بالله من جَلَد الفاجر وعجز الثقة.

يعني هذا كلام كثير وطويل جداً، وبالمناسبة يمكن أن تتابعوا كيف فتح المسلمون هذه البلاد المتفوقة عليهم في العدد والعدة؛ أنا أُوصي هنا بسلسلة الاستراتيجية والفتوح الإسلامية للأستاذ أحمد عادل كمال، وهي خمسة كتب؛ ثلاثة كتب منها في الجبهة الفارسية: (الطريق إلى المدائن)، (القادسية)، (سقط المدائن ونهاية الدولة الساسانية)، هذه الفتوحات الفارسية، والكتاب الرابع كتاب (الطريق إلى بيت المقدس) يتحدث عن فتوح الشام، والكتاب الخامس كتاب (الفتح الإسلامي لمصر). في هذه الكتب يمكن أن تتابع مشاهد الفتح الإسلامي بلغة علمية دقيقة وبأسلوب جميل ومبسط، وترى كيف تفوق أهل الشجاعة والبسالة والخشونة على الأمم التي فاقتهم عدداً وعدة وعراقة في الحضارة.

من بديع أشعار عنترة بن شداد في الجاهلية ما لمس فيه هذا المعنى الذي تحدثنا عنه، فكرة وجود الزهد مع وجود البسالة والشجاعة، فهو كان يقول: هَلْ سَأَلْتِ الخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ -اللي هي عبلة يعني- إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوقِيعَةَ أَنَّنِي أَغْشَى الوَغَى -يعني أغشى الحرب، أبادر إلى الحرب- وَأَعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ لَمَّا رَأَيْتُ القَوْمَ أَقْبَلَ جَمْعُهُمْ يَتَذَامَرُونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مُذَمَّمِ كَرَرْتُ يعني هاجمت يَدْعُونَ عَنْتَرَةَ وَالرِّمَاحُ كَأَنَّهَا أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِي يعني نودي على عنترة والرماح مشرعة كأنها حبال الآبار؛ حبال الحبال الغليظة التي يأتون بها بالماء من الآبار، فالرماح كأنها أشطان بئر، حبال بئر في لبان الأدهم يعني في مقدمة فرسه مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ بِثُغْرَةِ نَحْرِهِ وَلَبَانِهِ حَتَّى تَسَرْبَلَ بِالدَّمِ يعني ومع ذلك كله مقدم يرمي هؤلاء الأعداء، فرسه نحره ولبانه حتى تسربل بالدم فَأَزَوَّرَ مِنْ وَقْعِ القَنَا بِلَبَانِهِ وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ لَوْ كَانَ يَدْرِي مَا المُحَاوَرَةُ اشْتَكَى وَلَكَانَ لَوْ عَلِمَ الكَلَامَ مُكَلِّمِي مَا مِنْهُ كَفَيْنَا، أَخَذْنَا الْحُبَّ وَالْإِشْرَاقَ لِتَارِيخٍ لَهُ كُنَّا نَسُودُ الْأَرْضَ بِالْأَخْلَاقِ