دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 21. الدولة إذا شاخت فلا أمل فيها

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

کنا نسود الأرض بالأخلاق، فكم سدنا بعهد صدق والميثاق، حضارة بنيناها بأيدٍ كم لها نشتاق، بومضة نوره سراً ندى، في نهجهم عبر للأوراق.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علِمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من طبائع الحكم مع ابن خلدون.

واليوم نناقش طبيعة جديدة يقول فيها ابن خلدون: فصل في أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع. قد قدمنا ذكر العوارض المؤلمة بالهرم وأسبابه واحداً بعد واحد، وبينا أنها تحدث للدولة بالطبع، وأنها كلها أمور طبيعية، وإذا كان الهرم طبيعياً في الدولة، كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية، كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني، والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها؛ لما أنه طبيعي، والأمور الطبيعية لا تتبدل.

بعض الإخوة حين يسألني عن أسباب سقوط الدول، أو أسباب سقوط الدولة الفلانية، وألمح في كلامه مع النقاش أنه يتصور أنه يمكننا إذا تجنبنا هذه الأسباب أن تبقى الدولة حية، وهذا الواقع، يعني هذا في الواقع، فكرة غير حقيقية وفكرة غير صحيحة، فكل شيء له عمر؛ الإنسان له عمر، الحركات والأحزاب والجماعات والكيانات لها عمر، الإمبراطوريات والدول لها عمر، الحضارات لها عمر.

مسألة أنه توجد أسباب يمكن علاجها فلا تسقط الدولة، هذه غير صحيحة، لكن لماذا إذن ندرس أسباب سقوط الدول؟ لكي نطيل عمر الدولة الصالحة أو نقصر عمر الدولة الفاسدة إذا استطعنا، يعني المسألة تبدو مثل الشيخ الكبير الذي نريد له أن يبقى بقية عمره في صحة وعافية، يعني أن يكون موفور الصحة وقادراً على كفالة أمر نفسه، خير من أن يكون مريضا مزمناً قعيدا لا يستطيع هو أن يتكفل بأمر نفسه، ويكون عالة على غيري.

فالمسألة هنا، نحن نعرف الأمراض ونحاول أن نعرف علاج الأمراض لا لكي يخلد الإنسان فلا يموت، ولكن لكي يعيش ما بقي له من عمره بصحة جيدة. نفس هذا الكلام في مسألة الدول، وهو أن هرم الدولة يعني شيخوخة الدولة أمر طبيعي يحدث لكل الدول، فلا توجد دولة خالدة، كل الدول لكل الإمبراطوريات ولكل الحضارات تنتهي وتسقط.

ابن خلدون تكلم عن أن الدولة أسبابها التي تؤدي بها إلى الهرم أسباب طبيعية، يعني أسباب بالطبع، أسباب لا تتبدل، وتكلم عن المزاج الحيواني، المزاج الحيواني يعني كما قلت الأمر الغريزي أو الجسدي، يعني هذه مسألة تصيب الإنسان لا يستطيع الإنسان أن يتحكم بخلاياه فلا تشيخ فلا تهرم، لا يستطيع الإنسان أن يتحكم بشعره مثلاً فلا يشيب، ممكن أن يصبغ شعره فلا يظهر الشيب، لكن لا يمكن ألا يشيب، لا يمكن لعظامه ألا تضعف، لا يمكن لعضلاته ألا تضعف.

فالمسألة دائرة على أن الأمور الطبيعية لا تتبدل، وكما قلت إن واجب الوقت أننا نحاول أن نطيل في عمر الدولة الصالحة أو نحاول أن نقصر من عمر الدولة الفاسدة ما استطعنا، وأن نعرف واجب الوقت في الوقت الذي نحن فيه ماذا نفعل.

لكي يوضح ابن خلدون هذه الفكرة، حاول أن يضرب هذا المثل، وهو يقول إننا عرفنا مثلاً أن الترف مؤذ بانهيار الدولة، فهل يستطيع المترفون أن يتخلوا عن الترف؟ فيضرب هذا المثل الساخر، فيقول: فإن من أدرك مثلاً أباه وكبراء أهل بيته -يقصد الحاكم هنا، الحاكم المترف الذي نشأ في الترف- هل يمكن له أن يتخلى عن الترف؟

فيقول: فإن من أدرك مثلاً أباه وكبراء أهل بيته يلبسون الحرير والديباج ويتحلون بالذهب في السلاح والمراكب ويحتجبون عن الناس في المجالس، فلا تمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في اللباس والزي والاختلاط بالناس، إذ العوائد حينئذ تمنعه وتقبح عليه مرتكبه، ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في الخروج عن العوائد دفعة، وخشي عليه عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه، وانظر شأن الأنبياء في إنكار العوائد ومخالفتها لولا التأييد الإلهي والنصر السماوي.

وربما تكون العصبية قد ذهبت، والآبهة تعوض عن موقعها في النفوس، فاذا ازيلت تلك الآبهة مع ضعف العصبية، تجاثرت الرعايا على الدولة بدوام أوهام الآبهة، فتتدرع الدولة بتلك الآبهات ما أمكنها حتى ينقضي الموت.

ما معنى هذا الكلام؟ هو يقول إن الحاكم إذا عرف أن الترف يسقط الدولة، وفكر في أن يترك الترف وأن يعود إلى عهد المؤسسين الأوائل، عهد المؤسسين الأوائل لم يكونوا مترفين، لم يكونوا يحتجبون عن الناس، كانوا بسطاء وكانوا يغشون الناس ومجالسهم، لو حصل هذا الحال ماذا سيحدث؟ سيرميه الناس بالجنون، لأن الناس تعودت على السلطة المعترفة، وتعودت على المواكب والحشم والخدم، وتعودت على أن الدولة لها هيبة، وبينها وبين الحاكم حواجز.

وبالتالي إذا هذا الحاكم نزل إلى مجالسهم وغشي أسواقهم وحاول أنخرج من طبيعته، فالناس ترميه بالجنون لأنه يخالف العوائد والعادات والتقاليد والمفهومات المستقرة عند الناس دفعة واحدة.

وأمر ثاني يشير إليه ابن خلدون، هو أن الدولة نفسها ضعفت عصبيتها -احنا ذكرنا أنه من علامات الغروب أن الدولة تبقى في عصبيتها فهي تتحلى وتتجمل وتتغطى بمظاهر الآبهة فلكي تحافظ على هيبتها في النفوس تتغطى بمظاهر الآبهة- فلما يأتي واحد ويخرق هذه العوائد وينزع عنه الآبهة والعصبية ضعفت، فيتجاسر عليه الناس، فحينئذ تذهب هيبة الدولة بالجملة فلا يمكنه أن يصنع هذا.

لو احنا حاولنا ننسج على مثال ابن خلدون، هنقول مثلاً إنه احنا عرفنا أن الظلم مؤذن بخراب العمران، الظلم من علامات أن هذه الدولة تذهب إلى الانتهاء، هل يستطيع الظالم الذي تعود على الظلم وتكونت شخصيته على القوة والقهر والقسوة، هل يستطيع أن يعتدل ويعدل مرة واحدة؟ يعني واحد نشأ هو ابن فلان باشا أو ابن الأمير الفلاني أو صاحب السمو الملكي الفلاني، هل يستطيع هذا أن ينزل نفسه مرة واحدة منزلة الناس، يقف في طابور مثلاً إذا أراد أن يقضي مصلحة، أو يجلس أمام القاضي إذا اشتكاه أحدهم، أو يصنع غير ذلك، هل يمكنه أن يفعل هذا؟ لا يمكنه أن يفعل هذا، لا يستطيع أن يخرج من عوائد ظلمه، لا يستطيع أن يخرج من تفوقه وهيبته إلى أن يصير مثل عموم الناس.

فالواقع أن هذه الأمور، كما يقول ابن خلدون، أمور تبدو بالطبيعة وبالغريزة، ولا يستطاع أن ينزل عنها أصحاب الدولة، يعني العود إذا يبس لا يعتدل، العود إذا يبس يكون حله الكسر.

ماذا نستفيد نحن من هذا؟ نستفيد أن نفهم أن الدول في آخرها، الدول حين يكسر فيها الترف ويكسر فيها الطغيان ويكثر فيها الظلم، لا تنفع فيها المطالبات بالإصلاح، إن مسألة المطالبة بالإصلاح والنداءات والحركات الإعلامية والسلمية والقانونية وتوجيه الرسائل ورفع النصائح، كل هذا يشبه النقش على الماء أو النقش في الهواء، ويصبح كتعليم الحمار. السلطة لا تستطيع أن تخرج عن طبيعتها في ذلك الوقت، وإنما الحل، الحل هو البدء بمقاومة واسقاط هذه السلطة.

ولا حل آخر، مجرد التوقع بأن النداءات والمطالبات والمجهود الإعلامي قد يؤثر على صاحب السلطان فيعتدل وينزل عما تعود عليه من الترف والنعيم، أو ينزل عما تعود عليه من النفوذ والقهر والصفوة، هو خيالات وأوهام موجودة في عقول الذين يتوهمون ذلك، لا تنفع إلا حركات المقاومة أو الثورات التي تنشأ في أروقة الدولة سواء من داخلها أو على أطرافها كما قدمنا في حلقات أخرى، هذه هي بداية إسقاط هذه الأنظمة.

وهنا تبدأ سنة أخرى يتحدث عنها ابن خلدون، وهي سنة أن الدول تسقط بالمطاولة لا المناجزة. يعني الدول، السلطات الحالية أو السلطات القائمة التي ساد فيها الترف، تسقط لا بالضربة القاضية وإنما تسقط بتعدد الضربات.

يقول ابن خلدون: فصل في أن الدولة المستجدة إنما تستولي على الدولة المستقرة بالمقاولة لا بالمنجزة. وقد ذكرنا أن الدول الحديثة المتجددة نوعان، نوع من ولاة الأطراف إذا تقلص ظل الدولة عنهم وانحسر تيارها، وهؤلاء لا تقع منهم مطالبة للدولة في الأكثر كما قدمناه، لأن قصاراهم القنوع بما في أيديهم وهو نهاية قوتهم.

والنوع الثاني نوع الدعاة والخوارج على الدولة، وهؤلاء لا بد لهم من المطاولة لأن قوتهم وافية بها، فإن ذلك إنما يكون في نصاب يكون له من العصبية والاعتزاز ما هو كفاء ذلك وواف به، فتقع بينهم وبين الدولة حروب سجال تتكرر وتتصل إلى أن يقع لهم الاستيلاء والظفر بالمطاولة غالباً، ولا يحصل لهم في الغالب ظفر بالمناجزة.

طيب، ما أهم أسباب لماذا الدول القائمة لا تسقط بالضربة القاضية التي هي المناجزة وتسقط بالمقاولة؟ ابن خلدون يلفت النظر إلى المسألة النفسية، المسألة النفسية وهو أنه الدولة القائمة قد ترسخت هيبتها في النفوس، وصارت مسألة الثورة والتمرد أو الخروج عليها مسألة مخيفة، مسألة ذات حذر، وهذه هي العقدة المعضلة الدائمة بين الثوريين والاصلاحيين.

يعني الثوريون يرون أن الدولة تستحق أن تكسر، ويمكن أن تسقط هذه الدولة الظالمة المترفة التي شاع فيها الظلم والترف وأثقلت الناس بالضرائب وغيره، لكن الآخرين يرون أن المناصحة ممكنة، وانه ما تزال الدولة قوية ولها هيبة، واللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش ونحو هذا الكلام.

هي مسألة الهيبة، مسألة ما ترسخ من وضع الدولة المستقرة في نفوس الناس، فلذلك لا تقوم الثورة فتنتصر من الضربة الأولى، لأن الناس ما زالوا لا يستطيعون أن يساعدوا هذه الثورة، لكن فيما بعد الأمور تبدأ في التبدل والتغير، وبالذات حين تحقق الثورة نتيجة لم تكن متوقعة.

يقول ابن خلدون: والدولة المستقرة قد سيرت العوائد المألوفة طاعتها ضرورية واجبة، فتكفر بذلك العوائق لصاحب الدولة المستجد، ويكسر من همم اتباعه وأهل شوكته، وإن كان الأقربون من بطانته على بصيرة في طاعته ومؤازرته، إلا أن الآخرين أكثر وقد داخلهم الفشل والكسل بتلك العقائد في التسليم للدولة المستقرة، فيحصل بعض الفتور منهم، لكن صاحب الدولة المستقرة يبدأ في أن ينهزم ويضرب.

وحصول الثورات كما قدمناه في حلقات أخرى يجعله يزيد من الضرائب ويزيد من قوة الأمن، وكذلك تحصل المنازعات بينه وبين أهل سلطته، وأجنحة السلطة نفسها قد تتنازع فيما بينها، فيبدأ يظهر وهن الدولة المستقرة، وتبدأ الدولة المستجدة أو الثورة القادمة أن تصل إليها وتحقق نتائج أكثر مما كان يرجوه الناس الذين كانت تسكنهم هيبة الدولة القائمة.

فالخلاصة التي يريد أن يصل إليها ابن خلدون هي أن الهرم الشيخوخة إذا نزل بالدولة فإنه لا يرتفع، فالدولة التي تبلغ الهرم لا بد لها أن تصل إلى مرحلة الانهيار والسقوط.

الإمام الشافعي رضي الله عنه له أبيات جميلة أنشدها حين أصابه الشيب، وفيها هذا المعنى الذي لمسناه عن أن الشيب إذا نزل بالدولة أو بالمرء لا يرتفع، فيقول رضي الله عنه:

خبت نار نفسي باشتعال مفارقي وأظلم ليلي إذ أضاء شهابها أنعم عيشاً بعدما حل طارعي عوارض شيب ليس يغني خطابها ولذة عمر المرء قبل مشيبه وقد فنيت نفس تولى شبابها إذا اصفر لون المرء وابيض شعره تنغص من أيامه مستطابها ومن يذق الدنيا فاني طعمتها ومن يذق الدنيا فاني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها فلم أرها إلا غروراً وباطلاً كما لاح في ظهر الفلاة سرابها -ظهر الفلاة يعني سطح الصحراء- كما لاح في ظهر الفلاة سرابها فإن تجتنبها كنت سلما من أهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها ولن تخرب الدنيا بموت شرورها ولكن موت الأكرمين خرابها

ما منا كفينا أخذنا الحب والإشراق، لتاريخ لهم كنا نسود الأرض بالأخلاق.