دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 20. كيف يتجدد شباب الدولة أو يتأجل انهيارها؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من طبائع الحكم مع ابن خلدون، وهذه الحلقة سنناقش فيها طبيعة جديدة. نحن تحدثنا في الحلقات السابقة عن شيخوخة الدولة، وكيف تبلغ الدولة الهرم، وكيف يتناقص مال السلطان، ويضطر إلى فرض الضرائب والمكوس، ثم ينقلب على حاشيته من الوزراء والأمراء.

وتبدو هنا وكأن شمس الدولة تميل إلى المغيب، ولكن يحصل أحيانا أن تتجدد قوة الدولة. فكيف يحصل ذلك؟ سنأخذ في هذه الحلقة أشهر مثالين أو أشهر ظاهرتين تكررتا عبر التاريخ؛ وهما الظاهرة الأولى: ظاهرة أن يتخذ الحاكم عصبة جديدة جندا وأشياعا جدد، يعني يغير تغييرا كبيرا وجوهريا في عصبة الدولة وقوة الدولة. والظاهرة الثانية: أن يظهر وزير قوي يجدد شباب الدولة ويمنعها ويؤجل سقوطها زمنا آخر.

نأخذ المثال الأول؛ يقول ابن خلدون: وربما يحدث في الدولة إذا طرقها هذا الهرم بالترف والراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصارا وشيعا من غير جلدتهم ممن تعود الخشونة، فيتخذهم جندا يكونون أصبر على الحروب، وأقدر على معاناة الشدائد من الجوع والشظف. ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه يطرقها حتى يأذن الله فيها بأمره.

طيب، هنا يظهر هذا الحل حين يوجد حاكم قوي وذو بصر ويقظة، ويجد أن عصبة الدولة أو عماد الدولة والقوة التي قامت عليها الدولة تضعف وتنهار، أو بدأ يشيع فيها الفساد، وبدأ يشيع فيها الترف، وبدأ يشيع فيها الضعف. وحيث شاعت فيها هذا فإنه يظهر فيها الطموح السياسي والمنازعات والمنافسات على الملك وعلى النفوذ وعلى السلطان. فبالتالي يحدث هذا التغيير الجوهري ويأتي بأجناد آخرين.

طبعا هذه الظاهرة حدثت مبكرا في التاريخ الإسلامي منذ وقت المعتصم. المعتصم العباسي الذي هو الخليفة الثامن من خلفاء الدولة العباسية؛ المعتصم هذا أزاح عماد الدولة العباسية الذي كان موجودا في هذا الوقت وهم الفرس، واستبدل بهم الترك. الترك في ذلك الوقت كانوا قوما تغلب عليهم البداوة، ويتعودون الخشونة وشظف العيش، قوم مقاتلون أشداء محاربون، فبالتالي كان استجلابه لهم هو تجديد لجيش الدولة بعدما بدأ يظهر تظهر الأزمات في طبقة الفرس. طبقة الفرس يعني كما تعلمون.

كما بدأ من أيام البرامكة، قال سهل: البرامكة كانوا يمهرون الرشيد، وآل سهل كانوا أيام المأمون الحسن بن سهل والفضل بن سهل، وحاولوا التسلطن على المأمون نفسه. ثم قال طاهر بن الحسين وهؤلاء كانوا أيضا في عصر المأمون، ثم جاء المعتصم وكادوا أن يدبروا عليه انقلابا، يعني الفرس كادوا أن يدبروا عليه انقلابا لكي يولوا ابن المأمون؛ لأن أمه كانت فارسية، كان المأمون ابن جارية فارسية ولدته لهارون الرشيد.

فالترك الذين جاء بهم المعتصم جددوا بالفعل شباب الدولة، وأعطوا للدولة العباسية قوة أخرى، وظلوا جيلا آخر حتى نهاية عصر المتوكل على الله، ثم بدأوا وهم يغلبون على الخلفاء. هنا حين يأتي هذه الطبقة الجديدة التي تغلب على الخلفاء، صحيح الدولة العباسية غلب عليها الترك ثم البويهيون ثم السلاجقة، لكن لم يفكر أحد فيهم في أن يعزل الخليفة العباسي، يعني ظل الخليفة العباسي رجلا متمتعا بالمظاهر الشكلية أو الحكم الاسمي، بينما الحكم الفعلي كان موجودا لمن تغلبوا عليه.

هذه كانت لها مشاكل بالامور الداخلية وفي تسيير الدولة وفي قيمة الخلفاء؛ لأنه أحيانا الخلفاء قتلوا في هذه المنازعات، لكن مع ذلك كان احتفاظ العباسيين بهذا المقام مما أعطى الفرصة لخلفاء عباسيين أقوياء أن يظهروا فيما بعد، مثل المعتضد بالله ومثل المكتفي بالله، وحتى الناصر لدين الله وخلفاء الناصر لدين الله كذلك كان فيهم قوة. أكثر من خليفة عباسي استطاع أن يستعيد قوة الدولة رغم وجود المتغلبين منذ زمن طويل.

الذي نعنيه هنا أو الذي يهمنا الآن هو أن هذه العصبيات التي غلبت على الدولة، يعني التي بدأت بالترك الذين استجلبهم المعتصم، جددوا شباب الدولة، وحاربوا في سبيل الدولة، وحققوا انتصارات باهرة ومدوية وقوية، وحافظوا على تماسك الدولة جيلا آخر. ابن خلدون سيضرب أمثلة كانت في زمنه، فيقول: وهذا كما وقع في دولة الترك بالمشرق، فإن غالب جندها من الموالي من الترك، فتتخير ملوكهم من أولئك المماليك المجلوبين إليهم فرسانا وجندا، فيكونون أجرأ على الحرب وأصبر على الشظف من أبناء المماليك الذين كانوا قبلهم وربوا في ماء النعيم والسلطان وظله.

وكذلك في دولة الموحدين بإفريقيا، فإن صاحبها كثيرا ما يتخذ أجناده من زناتة والعرب، ويستكثر منهم، ويترك أهل الدولة المتعودين للترف، فتستجد الدولة بذلك عمرا آخر سالما من الهرم، والله وارث الأرض ومن عليها. هذان المثالان اللذان ضربهما ابن خلدون هما من الأمثلة التي خبرها هو؛ لأن ابن خلدون عاش في عصر المماليك، فهو يتحدث عن أن المماليك الذين كانوا في مصر كانوا أصحاب السلطان، كانوا يستجلبون الترك الذين يقدمون إليهم من البداوة، من القوقاز ومن وسط آسيا؛ لأن أبناء المماليك الذين نشأوا في ظل السلطان وفي الترف والنعيم لم يعودوا بتلك القوة، فكانوا المماليك أنفسهم يستجلبون مماليك آخرين لكي يستزيدوا بهم ويتقووا بهم في جيوشهم وحروبهم وأجنادهم.

ونفس هذا الكلام كان مع دولة الموحدين؛ فإن صاحب دولة الموحدين التي كانت في تونس في ذلك الوقت تونس والمغرب الأدنى كان يستكثر من الاقوام ذوي الخشونة من زناتة، قبائل زناتة ومن العرب، ويترك أصحاب الدولة؛ لأن أصحاب الدولة أيضا داخلهم الترف. وأصلا دولة المماليك نفسها، دولة المماليك نفسها ماذا كانوا؟ كانوا مقاتلين أصحاب خشونة استجلبهم الأيوبيون، يعني استجلبهم الصالح أيوب لكي يكونوا الطرف الأقوى في وقته؛ لأن وقت الصالح أيوب كان هناك صليبيون، وكان هناك أيضا بقايا تتار، وكانت هناك منازعات داخل البيت الأيوبي.

فأصل المماليك والذين استجلبهم الصالح نجم الدين، الملك الصالح نجم الدين الأيوبي، فبالتالي جددوا شباب الدولة، ودافعوا عن مصر، وأمسكوا دولة الأيوبيين زمنا، ثم تغلبوا وصاروا هم أصحاب دولة.

نأتي للحالة الثانية؛ الحالة الثانية هي حالة أن يظهر وزير قوي في سلطان رجل ضعيف فيغلب عليه. يعني الحالة الأولى هي حالة سلطان قوي لكن الأجناد ضعفت، الحالة الثانية هي حالة أن السلطان نفسه هو الذي ضعف والوزير هو الذي تقوى.

يقول ابن خلدون: إذا استقر الملك في نصاب معين ومنبت واحد من القبيل القائمين بالدولة، وانفردوا به، ودفعوا سائر القبيل عنه، وتداوله بنوهم واحدا بعد واحد، فربما حدث التغلب على المنصب من وزرائهم وحاشيتهم، وسببه في الأكثر ولاية صبي صغير أو مضعف من أهل المنبت، يترشح للولاية بعد أبيه أو بترشيح ذويه وخواله، ويؤنس منه العجز عن القيام بالملك، فيقوم به كافله من وزراء أبيه أو حاشيته ومواليه أو قبيله، ويثوري عليه ويوري بحفظ أمره عليه حتى يؤنس منه الاستبداد، ويجعل ذلك ذريعة للملك.

من أشهر الأمثلة التي وقعت في هذا ما وقع في مصر مثلا؛ كافور الإخشيدي كان قائد الجيش ومدبر الدولة للإخشيد صاحب الدولة، وهو الذي تولى فيما بعد وكان وصيا على ابن الإخشيد، ولكنه كان هو القائم الأمر. والحقيقة أن مصر عاشت في وقته فترة قوية وكانت مزدهرة، واستطاع كافور الإخشيدي أن يحفظ مصر من الفاطمي العبيديين، وطول ما كان كافور الإخشيدي موجودا في مصر لم يستطع العبيديون الفاطميون أن يتغلبوا على مصر أبدا.

الفاطميون أنفسهم ينقسم عهدهم إلى عصر القوة وعصر الضعف؛ عصر الضعف هذا يسمى عصر الوزراء، ويبدأ بالوزير بدر الجمالي وهو مشهور في مصر وتنسب إليه الجمالية المنطقة الموجودة في القاهرة. بدر الجمالي هذا من بداية هذه اللحظة، ثم ابنه من بعده حتى نهاية الدولة الفاطمية، حين كان ابن زوهر وشاور ودرغام الذين كانت على يدهم نهاية الدولة؛ لأن الأيوبيين أو دولة الزنكيين بدأت تتمدد إلى مصر في ذلك الوقت لتدفع عنها عدوان الفرنجة، لكن القصد يهمنا الآن أن الوزراء غلبوا في النصف الثاني من الدولة الفاطمية، وهم الذين احتفظوا بالدولة الفاطمية إلى أن كان انهيارها على يد الأيوبيين، فهم جددوا شباب الدولة.

حصل نفس الكلام في الأندلس؛ المنصور بن أبي عامر. المنصور بن أبي عامر رجل من أبرع وأعظم شخصيات التاريخ الإسلامي؛ وصل الحكم بحكم العرف والعادة والتقليد إلى خليفة صغير وهو هشام المؤيد كان عنده حداشر سنة؛ لأن أباه الحكم المستنصر أنجبه بعد كبر، فالمنصور بن أبي عامر كانت له السلطة الفعلية، تغلب على هشام وكان هو الوزير المدبر للدولة، وبلغ بالاندلس ذروتها، يعني ذروة الأندلس هو الدولة العامرية التي أسسها المنصور بن أبي عامر.

المنصور بن أبي عامر غزا ست وخمسين غزوة، كان يغزو صيفا ويغزو شتاء، يعني في ظرف سبعة وعشرين سنة حكمها غزا ست وخمسين غزوة لم يهزم فيها قط، ولذلك كان مجددا؛ المنصور بن أبي عامر كان مجددا لشباب الدولة، ولو تصورنا أن الأندلس لم يكن فيها المنصور لنتصور أن عهد ملوك الطوائف كان قد جاء قبل هذا الوقت بخمسين سنة، فنستطيع أن نقول أن المنصور بن أبي عامر والدولة العامرية أجلت عمر ازدهار الأندلس نصف قرن آخر على الأقل.

وما حتى من يطالع الدولة العثمانية؛ الدولة العثمانية ظهر فيها الوزير كوبرلي محمد وابنه أحمد، كانا في عصر السلطان محمد الرابع، فهذين الوزيرين قضيا عشرين سنة أمسكا بها الدولة العثمانية عن الانهيار؛ لأن هذا العصر العصر ما قبل محمد الرابع عصر إبراهيم كان عصر هيمنة النساء، فلذلك حصلت كادت الدولة العثمانية أن تسقط لولا مجهود هذين الوزيرين اللذين جددا الفتوحات وأمسكا بالدولة العثمانية وأجلا انهيارها أزمانا أخرى.

طبعا وهذا الكلام كما قلت مضطرد في العديد من تجارب التاريخ، هاتين الحالتين هما الحالتان الشهيرتان؛ أن يستبدل صاحب الدولة أجنادا آخرين بعماد الدولة الذي ظهر فيه الفساد، أو أن يظهر الوزير القوي الذي يمسك بتلابيب الدولة ويجدد شبابها أو يمنعها ويجلها من السقوط والانهيار.

المنصور بن أبي عامر كان مما يوقله في الفخر بنفسه والفخر بإنجازه وما بلغ به شأن الدولة من ذروة القوة والمهابة، فقال مفتخرا بنفسه أبياتا جميلة يقول فيها: رميت بنفسي هول كل عظيمة وغامرت والحر الكريم يغامر وما صاحبي إلا جنان مشيع وأسمر خطي وأبيض باتر

وأبيض باتر يعني ما كانت عدته إلا القلب القوي الشجاع والسيف والرمح.

فسدت بنفسي أهل كل سيادة وفاخرت حتى لم أجد من أفاخر

ولما مات المنصور بن أبي عامر نقش على قبره أبيات شعر مؤثرة وتكاد أن تكون صادقة، كتب الشاعر يقول: آثاره تنبيك عن أخباره حتى كأنك بالعيان تراه تالله لا يأتي الزمان بمثله أبدا ولا يحمي الثغور سواه

ويعني يمكن أن نقول إنه من بعد المنصور بن أبي عامر، هذه أمور نشرحها في حلقات أخرى، لم يكن بعده مثله في الأندلس.

لنا منه كفينا أخذنا الحب والإشراق لتاريخ له كنا نسود الأرض بالأخلاق.