بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.
مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من طبائع الحكم مع ابن خلدون، وفيها سنة جديدة من سنن التاريخ، وهو كيف يبدأ سقوط الدولة؟ ما هي اللحظة التي يبدأ فيها سقوط الدولة؟
كان الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله يقول: يقول المؤرخون أمران لا يعرف مبدأهما بدقة؛ وقت نوم الإنسان، ووقت انهيار الدولة أو بدء دخول الخلل إلى الدولة. فابن خلدون هنا يحاول أن يرسم متى يبدأ الخلل يتطرق إلى الدولة.
يقول: اعلم أن مبنى الملك على أساسين لابد منهما؛ فالأول الشوكة والعصبية، وهو المعبر عنه بالجند، والثاني المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال. والخلل إذا طرق الدولة طرقها في هذين الاساسين.
كل دولة تقوم على المال والرجال، يعني أي فكرة، أي مشروع، حتى أي شركة متوسطة فما فوقها لا بد لها من هذين الامرين؛ المال والرجال وكفاءة المدير. مهما كانت موهبة المدير، أو موهبة الزعيم، أو موهبة الرئيس، لو لم يتوفر له الرجال والمال لا يستطيع أن يحقق هذه الفكرة.
بل إنه أصل موهبة الزعامة والرئاسة هو القدرة على جمع الرجال وتأليف الرجال والقدرة على إدارة المال. لو أن إنسانا رئيس أو زعيم ليست لديه القدرة على جمع الرجال ولا إدارة المال، لا يستحق أصلا أن يكون زعيما، بل لا يستحق أن يكون مديرا في شركة متوسطة أو شركة أكبر من ذلك.
فالزعامة والرئاسة جوهرها القدرة على التعبير عن الفكرة وتحويلها إلى مشروع من خلال إدارة المال وجمع الرجال. في المرحلة الأولى من بناء الدول يكون الرجال أهم من المال، فلا ينتمي إلى الدعوة أو إلى الفكرة إلا الرجال الأفذاذ النادرون، أو أصحاب العصبية، المقتنعون بالفكرة والمضحون في سبيلها، الذين يهلكون أنفسهم ويهلكون أموالهم وقتما تكون الدولة في مرحلة تأسيسها كلها مغارم ليس فيها مغانم.
وهذا ما نتذكره في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني السابقون الأولون إلى الإسلام هؤلاء رجال تكلفوا المغارم والمشاق دون أن يروا المغانم ولا أن ينتظروها، بل ومنهم من نقص حاله، يعني منهم من أنفق أمواله في سبيل الله كما فعل أبو بكر، ومنهم من تخلى عن الرياش والحياة التي كان يحياها مثل مصعب بن عمير وغيرهم وغيرهم، المسألة مشهورة وكثيرة.
فالدولة في بدايتها الرجال أهم من المال، الرجال هم الذين يأتون بالرجال وبالمال أيضا. لكن لا بد في مرحلة تحول الدعوة إلى دولة، لا بد بعد هذه المرحلة أن يأتي المال الذي يتألف به الرجال، ويصطنع به الرجال، وتدار به أمور الدولة.
ومن المشهور سيدنا عمر رضي الله عنه لما سأل جلساءه تمنوا، كل واحد يتمنى إيه؟ فقالوا: أتمنى ملء هذا البيت ذهبا أنفقه في سبيل الله. فقال عمر: ولكني أتمنى ملء هذا البيت رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح؛ أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة، الرجال الذين تسد بهم الثغور.
إذا كنت في أمر ما مرسلا ففارسل حكيما ولا توصه. وجود الرجل الكفء القادر على أداء المهمة هذا أمر لا يستغني عنه أحد، ويحتاج إليه كل صاحب مشروع. بل إن الله تبارك وتعالى امتن على نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِكَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 62-63].
فالله تبارك وتعالى امتن على نبيه بالمؤمنين. وقال له في آية أخرى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. المعنى المقصود أن الدولة تقوم على الرجال والمال، وفي عهد تأسيس الدولة الرجال أهم من المال فإنهم يأتون بالرجال والمال، لكن حين تتحول الدعوة إلى دولة فلا بد لها أيضا من المال.
فابن خلدون يحاول أن يرصد كيف يبدأ تطرق الخلل إلى هذين الامرين إلى الرجال والمال، ويبدأ بكيف يتطرق الخلل إلى الرجال العصبية الرجال ونظامهم وتآلفهم.
يقول: فاذا جاءت للدولة طبيعة الملك من الترف وجدع أنوف أهل العصبية، كان أول ما يجدع أنوفه عشيرته وذوي قرباه المقاسمين له في اسم الملك، فيشتد في جدع أنوفهم بأبلغ من سواهم. ويأخذهم الترف أيضا أكثر من سواهم لمكانهم من الملك والعز والغلب. فيحيط بهم هادمان وهما الترف والقهر.
ثم يصير القهر آخرا إلى القتل، لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحب الأمر، فتنقلب غيرته منهم إلى الخوف على ملكه، فيأخذهم بالقتل والاهانة وسلب النعمة، والترف الذي تعودوا على الكثير منه، فيهلكون ويقلون وتفسد عصبية صاحب الدولة منهم.
هنا كيف يبدأ التطرق إلى الخلل في الرجال؟ ابن خلدون يتكلم عن أن الدولة حينما تستقر وتتأسس وترسخ تحصل فكرة الانفراد بالمجد تحدثنا عنها. الانفراد بالمجد هذا الذي انفرد بالمجد لا يريد شركاء، إنما يريد اتباعا، فهو حين يقصيهم يعزلهم وقد يتطور هذا إلى السجن والقتل، يعني أقل ما فيه أن يقصيهم.
لأن هؤلاء كانوا يرون أنفسهم شركاء، فاذا حاولوا مقاومة هذا الإقصاء ومقاومة هذا العزل اندفع إلى قتلهم وإلى سجنهم وإلى نفيهم، فهنا يبدأ فساد العصبية. طبعا هذا يحدث بعد أن تصل الدولة إلى مرحلة التأسيس والاستقرار.
ولذلك من كلام أبو مسلم الخرساني لأبي جعفر قال: أنا كنا ننقل عن حكماء آل ساسان الفرس أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء. يعني الدولة لما تستقر وما يبقاش في انتفاضات، فهذا الوقت يبدأ الملك في الانقلاب على الحاشية والعصبة ويستبدل بهم.
المهم الهادم الأول أن الملك أو الذي انفرد بالمجد يسعى في استئصال القوة الأخرى المشاركة له في الملك، وسعيه في هذا الاستئصال يفسد عليه أهل عصبيته ويجعلهم ما بين مبغض له ساع في الانقلاب عليه وما بين مبغض له متجاف عنه. يعني لم يسعى في الانقلاب عليه لكن قوته نقصت من قوة العصبية العصبية التي تحكم الدولة العصبية بمعنى التماسك.
يعني كلمة ابن خلدون لو حابين نفسرها بما نفهمه في أصلنا هذا بمعنى التماسك، اهل الحكم تماسك طبقة الدولة تماسك جناح السلطة، لا تبدأ تنقسم السلطة إلى أجنحة. فهذا الهادم الأول الذي يهدم هذا التماسك.
الهادم الثاني وهو أنه السلطة لما تمكنت وترسخت، طبعا في جيل التمكن وجيل الترسخ يبدأ هذا الجيل ينسى الخشونة التي كانت في الجيل المؤسسين الخشونة والقوة يبدأ يدخل إليهم الترف والنعيم. فلما يدخل إليهم الترف والنعيم إلى هذه السلطة إلى هذه الطبقة، هذا الترف والنعيم يخفض من شوكتهم. أنتم تعرفون من دخل إليه الترف والنعيم وتعود على الملذات والأهواء والشهوات وصار مستجيبا لأهواء نفسه، ينقص من شجاعته وبأسه وقوته وعزمه وهمته بقدر ما استنام إلى شهوته.
فبالتالي صار دافع المقاومة، دافع التصدي لاستئصالهم يقل ويخفت. فهو من ناحية يقصيهم ومن ناحية أخرى يفعل فيهم الترف فعله فيخفض من شوكتهم ويقلل من همتهم. وبالتالي فنحن أمام طبقة يشيع فيها الترف وتشيع فيها الخلافات. هذه الطبقة التي تشيع فيها الترف وتشيع فيها الخلافات تبدأ تنقسم تتفكك تتنازع تفقد قوتها الأولى التي أسست بها الدولة، فهذا هو بداية دخول الخلل على الدولة في الرجال.
نأتي إلى بداية دخول الخلل على الدولة في الأموال. يقول ابن خلدون: ثم يحصل الاستيلاء ويعظم ويستفحل الملك فيدعو إلى الترف، ويكثر الإنفاق بسببه، فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على العموم، بل يتعدى ذلك إلى أهل مصر، ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند وأرزاق أهل الدولة.
ثم يعظم الترف فيكثر الاسراف في النفقات، وينتشر ذلك في الرعية لأن الناس على دين الدولة وعوائدها، ويحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في الأسواق لادرار الجباية، لما يراه من ترف المدينة الشاهد عليهم بالرفه، ولما يحتاج هو إليه من نفقات سلطانه وأرزاق جنده.
ثم تزيد عوائد الترف فلا تفي بها المكوس، وتكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة والقهر لمن تحت يدها من الرعايا، تمتد أيديهم إلى جمع المال من أموال الرعايا من مكس أو تجارة أو تعد في بعض الأحوال بشبهة أو بغير شبهة.
هذه الدائرة الجهنمية المالية التي ذكرناها في حلقات سابقة، ومختصرها كالاتي: بما أننا في كيفية دخول الخلل إلى الدولة؛ الدولة تأسست ورسخت واستقرت وبدأ يدخلها الترف والطرف، فالطبقة الغنية طبقة السلطة تترف يكثر فيها النعيم ألوان النعيم البناء القصور الغناء الملذات المآكل المشارب المواكب الملبس المظهر. طبقة السلطة يكثر فيها النعيم، وحين يكثر النعيم مع الدولة المستقرة يتهيأ أيضا هذا للطبقة الغنية من المجتمع. الطبقة الغنية من المجتمع أيضا جاءها الترف باستقرار الدولة ورخائها ودخل عليها الترف، ويقلدهم في هذا عموم الناس.
يعني أحيانا وهذا كثير جدا ما تجد الفقراء لديهم عوائد عادات وتقاليد ينفقون فيها أموالا كثيرة لماذا وهم فقراء؟ صارت عادات من أيام ما من أيام الغنى.
طيب ماذا يحدث هنا؟ لا بد لهذه الذروة أن تنقلب؛ السلطان تزيد نفقاته وتزيد تكاليف الطرف، وهذا ذكرناه في حلقات سابقة، فيضطر إلى أن يفرض الضرائب يفرض المزيد من الضرائب على الناس، لأنه يرى الناس وقد رفهوا فأصابهم الترف، فيبدأ في فرض الضرائب على الناس.
فرض الضرائب على الناس حين يزيد يتقلص النشاط الاقتصادي، لأن الضرائب حين تزيد تقل المكاسب، والمكاسب حين تقل تقصد التجارات والزراعات والصناعات تبدأ المشاريع تقل لأن المكاسب تقل، فلما يقل هؤلاء تقل الضرائب. فاضطر السلطان لكفاية ألوان طرفه ونعيمه والاستزادة من الجند والشرطة والمخابرات العيون، لأنه يتخوف من التمردات. ما هو يعني طالما بدأنا في فرض الضرائب بدأنا في صناعة كراهية، صناعة كراهية قد تولد حالة من التمردات، حالة التمردات تتطلب مزيد الإنفاق على الشرطة والجيش والمخابرات.
فهو يحتاج النفقات لسد طرفه ولسد مطالبه الأمنية فيفرض المزيد من الضرائب، فتتكرر هذه الدائرة. فاذا ترفه وحاجته الأمنية للانفاق يضغط بها على الشعب، إذا استصفى أموال الشعب يبدأ بالانقلاب على الحاشية الوزراء والامراء ورؤساء القبائل والعوائل، وبالتالي تزيد مساحة الكراهية ويبدأ في دخول دائرة العداء تدخل إلى أناس من أركان الدولة ومن أصحاب النفوذ. وبالتالي هذا الخلل في المال هو الذي يكون الهادم الثاني مع الخلل في الرجال.
هنا إذا نظرنا إلى طبقة السلطة في هذه الحالة، فسنصادف سلطة منقسمة تكثر بينها النزاعات، تكثر بينها المشاكسات والمنافسات، ويقال أجنحة السلطة، ويقال مراكز القوى، ويقال مراكز النفوذ، وتتحول حالة السلطة من حالة التماسك التي يعبر عنها بالعصبية إلى حالة التنازع.
متى تظهر حالة التنازع؟ تظهر أكثر ما تكون في الأطراف، أطراف الدولة الأماكن التي لا يصلها بسرعة جيش السلطان ولا يصلها جهاز أمنه. وهنا يمكن أن يبدأ الناس الخوارج ليس الخوارج هنا بالمعنى الشرعي إنما الخوارج بمعنى الثائرين، يبدأ الثائرين المتمردين يظهروا في أماكن ضعف قبضة الدولة، أو تنقسم الدولة نفسها إلى أكثر من جناح.
يعني هذه أجنحة السلطة المتعارضة قد تنقسم إلى أكثر من مكان، ممكن تنقسم إلى اثنتين مثلما حصل في عهد الأمين والمأمون مثلا، أو ثلاثة مثل ما حصل في عهد الأيوبيين أحفاد صلاح الدين انقسموا إلى ثلاثة أو أكثر كما يحصل في ملوك الطوائف.
وبالتالي حين يظهر هذا النزاع ويظهر هذا التنافس ويظهر هذا التحاسد، تبدأ ظهور الثورات والتمردات والخروج، ويكون هذا بداية ضعف الدولة وسقوطها أمام أعدائها.
يقول أبو البقاء الرندي في قصيدته المشهورة التي رثى بها الأندلس وهي أشهر مرائي الأندلس، فهو لمس ولمح هذا المعنى الذي نتحدث فيه من أن النقص والخلل يكون بعد الوصول إلى الذروة:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان هي الحياة كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان يمزق الدهر حتما كل سابغة إذا نبت مشرفيات وخرسان أين الملوك ذوي التيجان من يمن وأين منهم أكاليل وتيجان وأين ما شاده شداد في إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان أتى القوم أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا وصار ما كان من ملك ومن ملك كما حكى عن خيال الطيف وسنان
محمد إلهامي