دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 18. مصائر الوزراء والأمراء

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

كنا نسود الأرض بالأخلاق فكم سدنا بعهد صدق والميثاق، حضر بنيناها بأيدٍ كم لها نشتاق، بومضة نوره سرى ندى، في نهجهم عبر للأوراق.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من طبائع الحكم مع ابن خلدون.

وفي هذه الحلقة نستكمل ما ذكرناه في الحلقة السابقة حول أن السلطان أو الحاكم إذا تناقصت ثروته يبدأ في أن يستلب الأموال من الشعب ثم يستلب الأموال من الوزراء والحاشية والأمراء. هنا ابن خلدون يفصل في مسألة مصير الوزراء والأمراء الذين يستلب منهم الأموال التي جمعوها وكيف يحاولون الهرب بها.

يقول ابن خلدون ولما يتوقعه أهل الدول من أمثال هذه المعاطب صار الكثير منهم ينزعون إلى الفرار عن الرتب والتخلص عن ربقة السلطان بما حصل بأيديهم من مال الدولة إلى قطر آخر، ويرون أنه أهنأ لهم وأسلم في إنفاقه وحصول ثمرته، وهو من الأغلاط الفاحشة والأوهام المفسدة لأحوالهم ودنياهم.

ثم يفصل هذه الفكرة فيقول إن كان صاحب هذا الغرض من بطانة السلطان وحاشيته وأهل الرتب في دولته فقل أن يخلي بينه وبين ذلك. يعني قل أن يخلى السلطان بينه وبين ذلك.

أما أولا فلما يراه الملوك أن ذويهم وحاشيتهم بل وسائر رعاياهم مماليك لهم، مطلعون على ذات صدورهم، فلا يسمحون بحل ربقته من الخدمة ضنانة بأسرارهم وأحوالهم أن يطلع عليها أحد غيره من خدمته لسواهم.

هنا يتحدث ابن خلدون عن أن السلطان إذا تسرب إليه خبر أن الوزير الفلاني أو الأمير الفلاني يريد أن يأخذ ما بيده من الأموال ويهرب فإنه لا يسمح له بذلك. لا يسمح له بذلك لأكثر من سبب، من أهمها سبب أن هذا السلطان أو هذا الأمير أو هذا الوزير مطلع على أسرار السلطان، مطلع على أسرار الحاكم، عارف بالثغرات، عارف بالخبايا، عارف بالمعلومات.

فلذلك لا يسمح له بالخروج حفاظا على ما في يعني حفاظا على ملكه وحفاظا على المعلومات الخاصة. وهنا بالمناسبة هذا يذكرنا ما فعله عبد الفتاح السيسي سنة ألفين وستمائة وثمانية عشر أصدر قانونا لمعاملة كبار قادة القوات المسلحة كبار العسكريين، فجعلهم دائما تحت الاستدعاء وجعلهم محصنين بحصانة دبلوماسية إذا سافروا للخارج، وجعل أمر التحقيق معهم يعني جعل لهم حصانة قانونية من التحقيق إلا بإذن من المجلس العسكري الذي هو يسيطر عليه.

فالقصد أنه عاملهم هنا بسياسة العصا والجزرة أن لا يخرجوا من نفوذه. أي أحد سيخرج من نفوذه فيعني زي مثلا ما حصل مع سامي عنان ادعى أنه مستدعى وحس أنه مستدعى وتابع للقوات المسلحة فيحاكم محكمة عسكرية. وهذا للجميع يعني هذا لمن خرجوا على المعاش وهذا حتى لمن استقالوا من الجيش، والقائمة حين نزل قال إن السيسي سيصدر قائمة بالذين ينطبق عليهم هذا القانون، فالقائمة مفتوحة.

يعني المسألة أيضا مسألة يغلب أو يفهم منها مسألة السيطرة. حتى يعني قبل أيام قليلة من تصوير الحلقة هنا كان مشتعل موضوع سعد الجبري في السعودية. سعد الجبري كان مستشار بن نايف وزير الداخلية، ويطارده محمد بن سلمان، وهو الآن لاجئ في كندا. محمد بن سلمان يعتقل أولاده ويحاول أن يغريه بالرجوع، ولما لم ينجح حاول إرسال فرقة لاغتياله في كندا.

القصد هنا أن هذه المسألة أن الحاكم لا يسمح يعني حتى وهو ينهب أموال الوزراء وأموال الأمراء، لا يسمح لأحدهم أن يخرج بنفسه من ربقته وأن يتخلص بمال الدولة كما يراه هو، وأن يتخلص بمال الدولة إلى خارج. وعلى كل حال فيعني قصص مطاردة المسؤولين السابقين والمسؤولين الحاليين قصص مشهورة جدا وقصص كثيرة جدا. والمنشغل بقراءة مسائل الجاسوسية والفرق الأمنية وعمليات الاستخبارات سيجد من هذا كثير جدا.

يفصل ابن خلدون فيضيف، وأما ثانيا فإنهم وإن سمحوا بحل ربقته هو فلا يسمحون بالتجافي عن ذلك المال، لما يرون أنه جزء من مالهم كما كان ربه جزءا من دولتهم إذ لم يكتسب المال إلا بها وفي ظل جاهها، فتحوم نفوسهم على انتزاع ذلك المال أو إبقائه كما هو جزءا من الدولة ينتفعون به.

يعني الحالة الثانية أنه إذا الحاكم سمح للأمير أو الوزير أو رجل الأعمال أو المسؤول الكبير بالخروج من الدولة فلا يسمح له بالمال. وطبعا هذه الحالة أشهر من الحالات الأولى، وهذه أي من نطلع على الأخبار يقرأها ويسمعها. يعني لا يكاد يمر أسبوع في أي دولة إلا وتجد الوزير الفلاني أو رجل الأعمال الفلاني تبرع بمبلغ كذا لصالح مشروع كذا تحت رعاية الأمير أو الوزير أو الملك أو الرئيس أو المسؤول الفلاني، أو رجل الأعمال الفلاني فتحت له قضية فساد، أو رجل الأعمال الفلاني أعيدت جدولة ديونه، يعني سيدفع أو سيتخلى عن جزء من المال مقابل أن يسمح له بأكل جزء من المال بشكل آخر.

لكن كلمة جدولة الديون كلمة لذيذة، وأنتم تعرفون نحن في عصر المصطلحات فيه مصطلحات مراوغة، فكلمة جدولة الديون هذه لا يفهمها الإنسان العادي، لكن هي معناها ببساطة أنها سنترك لك بعض المال مقابل أن تأتي ببعض المال.

فالقصد هذه مسألة مشهورة أنه يسمح للخارج عن الدولة أو الخارج من السلطة أن يخرج هو بنفسه، لكن لابد أن يدفع جزءا من المال. وهذا يظهر على صورة تبرعات، على صورة جدول ديون، على صورة إغلاق قضايا فساد، أو حتى يظهر بشكل اعتقال كما نرى جميعا الأمثال المشهورة التي كانت في السنوات الماضية معتقلي الريتز لما محمد بن سلمان استولوا على أموال عدد من الأمراء ورجال الأعمال.

ثم إذا توهمنا أنه خلص بذلك المال إلى قطر آخر وهو في النادر الأقل، فتمتد إليه أعين الملوك بذلك القطر وينزعونه بالإرهاب والتخويف تعريضاً أو بالقهر ظاهراً، لما يرون أنه مال الجباية والدول وأنه مستحق لأفقف المصالح.

وأذا كانت عيونهم تمتد إلى أهل الثروة واليسار المكتسبين من وجوه المعاش، فأحرى بها أن تمتد إلى مال الجباية. هذه حالة مغمورة لا يعرفها الناس من متابعة وسائل الأخبار، لكن يعرفها الناس في بيئة رجال الأعمال والاقتصاديين، وهو أنه إذا تصورنا مسؤول استطاع الهرب إلى بلد بأمواله، هذه البلد الأخرى عمليا توفر له الحماية مقابل أن تأخذ جزءا من هذا المال، وقد يكون أغلب هذا المال لأنها توفر له الحماية وتوفر له الأمن من المطاردة والتعقب.

وهذا مشهور جدا كما قلت في بيئة رجال الأعمال والذين يتابعون هذه الملفات، أنه يستطيع أن يهرب من بلد ما وبالتالي يهرب إلى بلد على خلاف مع البلد التي كان فيها. طبعا الخلاف بين الحكام وليس بين البلدان.

فهذا الحاكم يقول ابن خلدون هو إذا كان يستلب أموال رعيته المكتسبة من كدهم وعرقهم وجهدهم وعملهم، فكيف يرى هذا المال الذي هو مال دولة ويأتيه مأخوذ بالجباية. يعني هذا رجل الأعمال أو الوزير أو الأمير الفاسد إنما أخذ هذه الأموال بالجباية بجاه الدولة، فهو إذا كان الحاكم يقتضي من رعيته أموالا اكتسبوها بعرقهم فكيف يتعامل مع هذا المال الذي جاءه بالجباية؟

فبذلك يتسلط هذا الحاكم الذي هرب إليه الوزير أو الأمير على هذا المال حتى يستصفي كله مقابل أن يوفر له الحماية، فبالتالي لا تحدث الثمرة التي كان يتوقعها الوزير أو الأمير حين هرب من البلد الأولى لكي يتمتع بهذه الأموال.

وبالمناسبة النظام العالمي نظام الاقتصاد العالمي صمم مهارب لهذه الأموال. سويسرا مثلا سويسرا إلى الآن لا تدخل بنظامها المالي في الاتحاد الأوروبي، لأن سويسرا تعتبر مخزنا للأموال المهربة، لكن طبعا بشكل أنيق ولطيف وظريف.

والحضارة الغربية المعاصرة حضارة متميزة في تغليف وتعبئة المصنوعات وتغليف وتعبئة المعاني بالمصطلحات المنمقة. وهناك أيضا الملاذات الضريبية، أماكن ومناطق أحيانا تبقى جزر وأحيانا تبقى دول، هذه المناطق ملاذات ضريبية بمعنى أنه الذي يستطيع أن يهرب بالأموال إليها تتوفر له الحماية مقابل ما يدفعه من الأموال. هي بيئة تشبه بيئة المافيا لكن بشكل مصمم قانونيا.

وأنا أنتهز هنا الفرصة لأعرض عليكم هذا المخطط للدكتور صلاح عبد الكريم. الدكتور صلاح عبد الكريم هو مهندس ومن رجال نقابة المهندسين المصرية من النقابيين المشهورين في مصر، لكن بعد أحداث ١١ سبتمبر نستطيع أن نقول إنه بدأ الاهتمام بمسألة النظام العالمي وبدأ يدرسه وكتب كتابا كبيرا في أربع مجلدات عن النظام العالمي وكتب كتبا اقتصادية.

فالمهم من المزايا التي رأيتها في إنتاجه أنه رسم مخطط كيف تذهب الأموال إلى جيب النظام العالمي في النهاية؟ كيف النظام العالمي الاقتصادي مصمم بحيث يمتص الأموال، يصطنع لها المخارج بحيث تصب في النهاية في حوزته هو؟

فهذا المخطط المفترض إن شاء الله يظهر أمامكم على الشاشة الآن. إذا نظرنا فيه إلى الجانب الذي على اليمين سنجد كلمة ملاذات ضريبية. هذا المخطط الذي أمامكم بعنوان آلية تدوير الدولارات واليورو، هو ماذا يحدث؟ البنوك المركزية الغربية تبث وتصدر الدولارات واليوروهات. هذه البنوك المركزية هذه الأموال تذهب إلى بنوك غربية. البنوك الغربية تمول شركات غربية. الشركات الغربية تمول شركات غير غربية.

الربح الذي يحصل من هذه الشركات غير الغربية المنتشرة حول العالم، الربح يعود مرة أخرى إلى البنوك الغربية وإلى البنوك المركزية عن طريق تحويلها إلى فوائد اليورو والدولار، ويذهب إلى أن يكون أذون خزانة مرة أخرى.

فإذا ركزنا في المخطط فسنجد أن الفوائض والريوع التجارية والاقتصادية تعود مرة أخرى إلى البنوك الغربية وإلى البنوك المركزية الغربية. طيب إذا حصلت فيوض أخرى؟ فوائض اقتصادية متداولة وهذه سرقت، وهذا هو المهم الذي نتكلم عنه الآن، وهذه سرقت فإنها تذهب إلى الملاذات الضريبية. أين تصب الملاذات الضريبية أموالها؟ أيضا في البنوك الغربية التي تستعيد مرة أخرى جهد وعرق وموارد العالم كله عبر تحول هذا إلى أموال مودعة في خزائنها.

ما هو المال وكيف يحصلون هم على المال؟ المال هو الموارد الذهب والفضة البترول والماس والجهد والعرق الذي يبذله الناس في الأعمال وفي صناعة المنتجات. هذه الأموال التي يسرقها المسؤولون الفاسدون، النظام المالي العالمي صمم طريقته لكي يكون لهم ملازات ضريبية يهربون بهذه الأموال إليها أو يتاجرون فيها بغير أن تكون عليهم ضرائب، مناطق الملازات ومناطق غسيل الأموال، وفي النهاية تعود إليهم هم مرة أخرى. وهكذا يشفط النظام الاقتصادي العالمي كل موارد الناس وجهودهم.

وخلاصة هذا الأمر أنه الوزير أو الأمير إذا حاول أن يخرج من ربقة الدولة ربقة السلطان ربقة الحاكم ويتمتع بماله، فإنه غالبا لا يحصل له ذلك. أما أن ينكبه السلطان قبل أن يهرب، وأما أن ينكبه بماله من خلال الأموال التي يجبره على التبرع بها، وأما أن يترك له أن يخرج دون المال، وأما أن يهرب بالمال فيكون في ربقة سلطان آخر يستصفي منه هذا المال، أو يذهب إلى الحكومات والملاذات الضريبية التي هي عمليا أنواع من المافيا التي تأخذ منه المال مقابل توفير الحماية.

الشاعر المعاصر عبد الرحمن العشماوي لمس هذا المعنى الذي تحدثنا عنه في النظام الاقتصادي العالمي، فكان يقول عن الغرب: قالوا لنا والغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا. لكنه خاو من الإيمان لا يرعى ضعيفا أو يسر حزينا.

الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يد أبدى لها السكينة. الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينية. الغرب يحمل خنجرا ورصاصة وعلى ما يحمل قومنا الزيتون.

كفر وإيمان فأنّى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهون؟ أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتون. أنا منه كفينا أخذنا الحب والإشراق لتاريخ له كنا نسود الأرض بالأخلاق.