بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. مرحبا بكم يا أحباب في حلقة جديدة من طبائع الحكم مع ابن خلدون.
وفي هذه الحلقة نتكلم عن تناقص ثروة السلطان، أو تناقص ثروة الحكام، وكيف ينقلبون على حاشيتهم. يقول ابن خلدون: فصل في أن ثروة السلطان وحاشيته إنما تكون في وسط الدولة. والسبب في ذلك أن الجباية في أول الدولة تتوزع على القبيل وأهل العصبية بمقدار غنائهم وعصبيتهم، ولأن الحاجة إليهم في تمهيد الدولة كما قلناه من قبل، ورئيسهم في ذلك متجافٍ لهم عما يسومون إليه من الجباية، معطاد عن ذلك بما هو يروم من الاستبداد عليهم. فلهم عليه عزة، وله إليهم حاجة، فلا يطير في صهمانهم من الجباية إلا الأقل من حاجته، فتجد حاشيته لذلك وأذياله من الوزراء والكتاب والموالي مملقين في الغالب، وجاههم متقلص لأنه من جاه مخدوم، ونطاقه قد ضاق بمن يزاحمه فيه من أهل عصبيته.
نتحدث هنا ابن خلدون عن الأموال في أول الدولة. نحن ذكرنا من قبل أن أول الدولة يؤسسها أهل الخشونة، أهل الخشونة والعفة والزهد، وهؤلاء حين يستولون على الدولة فلا يظهر فيهم الطمع، يعني هو بطبيعة الحال المؤسسين ليس من أخلاقهم الطمع في الأموال في بداية الدولة، هو يكون صاحب السلطان هو يكون محتاجاً إلى عصبيته، محتاجاً إلى رجاله، محتاجاً إلى أهل دولته، ويكون متجافياً عن أموالهم. يعني هو بنفسه ليست فيه أخلاق الطمع والترف، وهو كذلك محتاج إلى الأموال في تأليف القلوب وتثبيت العصبية وجمع الرجال والمال، فلذلك ثروته هو ومظهره وملبسه ومركبه يكون متواضعاً، وكذلك حاشيته. حاشيته لا يزيدون عنه في المظهر والموكب والملبس، فلذلك تكون الأموال في ذلك الوقت أموال السلطان، أموال السلطة، الأموال أموال الدولة، يعني ما يسمى بأموال الدولة، أنتم في الإسلام لا يوجد شيء اسمه أموال الدولة، في الإسلام هو مال المسلمين.
يعني سيدنا معاوية وسيدنا أبو ذر اختلف: هل يسميه مال الله ولا يسميه مال الدولة أو مال المسلمين؟ فأبو ذر أصر على تسميته مال المسلمين لكي ينزع عن الحكام قدرتهم على التصرف فيه باعتباره مال الله. هذه مسألة دقيقة، لكن ما فيش حاجة اسمها مال الدولة، لا هذا ولا ذاك، قال إنها مال الدولة. المهم القصد هنا أن السلطان في بداية تأسيسه للدولة يكون متجافياً عن المال، ومستعملاً للمال في إرضاء أهل عصبيته وإرضاء الذين انضموا إليه. لذلك حتى إذا نظرت إلى الحكام في عهد بدايات تأسيس الدولة ستجدهم كذلك.
يعني عبد الناصر في مرة من المرات كان طلب سيارة لكي ينتقل بها من مكان إلى آخر، أحد المساعدين أرسل إليه سيارة الملك فاروق لكي ينتقل بها، فركبها وأول ما وصل إلى هذا المكان ضرب الذي أرسل إليه، قال: صارت سيارة الملك فاروق؟ ماذا يقول الناس؟ يقول: ذهبوا بملك وجاؤوا بملك. أنا كنت مستخبي في السيارة ومش عايز حد يشوفني، لأنه سيقال: من الذي يسير بسيارة الملك فاروق؟ كان حريصاً على أن يظهر باعتباره من الشعب. وهذه السمعة ظلت معه رغم كذبها إلى قريب، يقول: إن ما مات وخزنته ومش عارف ما فيهاش كم ونحو هذه الأمور. لكن القصد أنه كان حريصاً على أن يظهر باعتباره أحد افراد الشعب.
إذا نظرت مثلاً في الخليج، عبد العزيز آل سعود تجده متقشفا في ملبسه ومركبه، ومتواضعاً حاله كحالهم، وكان ذلك قبل الطفرة النفطية، حتى لما ظهرت الطفرة النفطية لم يتأثر مظهر هؤلاء. من يعود إلى قليل، أنا شخصياً أتذكر حين كنت يافعاً كنت أرى ملك البحرين يلبس الثياب التقليدية لعقال التقليدي القديم، عامة أهل الخليج وعامة أمراء الخليج هكذا. القصد أن مؤسسي الدول لا يتميزون عن الناس، ويكون هذا من أدوات حكمهم، أنهم لا يتميزون ولا يفتخرون على الناس.
هذا الوضع من الزهد هو ما يجعل، كما قلنا في حلقة سابقة، هو ما يجعل الأموال تكثر بين يدي الناس؛ لأن الجباية قليلة، هو أصلاً الملك ليس حالته لا يحتاج إلى الترف ولا يستخدم المال في ملذاته الشخصية، فالجباية قليلة وبالتالي حيث إن الجباية قليلة الضرائب قليلة يعني، فالأموال تكثر بيد الناس، وتبدأ الأموال تزيد مع تمهد الدولة ووجود النشاط الزراعي والتجاري والعمراني وهكذا يزيد، حتى تصل الدولة إلى مرحلة التمكن، هذا ممكن يكون في عهد المؤسس إذا طال به العمر، أو في الأجيال التي تليه.
حين يحدث هذا تبدأ الصورة في الانقلاب. كيف يحدث هذا؟ يقول ابن خلدون: فإذا استفحلت طبيعة الملك وحصل لصاحب الدولة الاستبداد على قومه، قبض أيديهم عن الجبايات إلا ما يطير لهم بين الناس في سهمانهم، وتقل حظوظهم إذ ذاك لقلة غنائهم في الدولة بما انكبح من أعنتهم، وصار الموالي والصنائع مساهمين لهم في القيام بالدولة وتمهيد الأمر، فينفرد صاحب الدولة حينئذ بالجباية أو معظمها، ويحتوي على الأموال ويحتجنها للنفقة في مهمات الأحوال، فتكثر ثروته وتمتلئ خزائنه، ويتسع نطاق جاهه، ويعتز على سائر قومه، فيعظم حال حاشيته وذويه من وزير وكاتب وحاجب ومولى وشرطي، ويتسع جاههم ويقتنون الأموال وتأفلونها.
تمكنت الدولة، انفرد السلطان بالمجد، لم يعد في حاجة إلى أهل عصبيته بما تمكن لهم من أمر الدولة وبما تمهد له من أمر الدولة، فبالتالي يظهر عنده الترف ويبدأ في حصاد ثمار السلطة وتبنك شأن السلطان، فيحتاج هذه الأموال، ومنفرد بالمجد، وهذه الأموال هو يحتاجها في مهمات الأحوال، ويحتاجها في الحصول على ثمرات السلطة، ويحتاجها أيضاً لكي لا يكون هذا المال مشجعاً أو مغرياً لهم على الانقلاب والتمرد. وهو أيضاً لا يحتاجهم؛ لأن الدولة تمهدت ولم يعد في حاجة إلى تألف الرجال ولا في حاجة إلى الحفاظ على عصبيته؛ لأن أمره قد تمهد.
فهنا تبدأ الثروة، ثروة السلطان تظهر على السلطان، ثروة السلطان تزيد، وحين تزيد ثروة السلطان ويتغير مظهره ويكون له الموكب والحشم والخدم والاتباع، يتغير كذلك حال حاشيته؛ حاشيته الذين هم أتباع ليسوا شركاءه في تأسيس الدولة من بداية أمرها، ولكن هؤلاء الذين انضموا إليه بعد ما قامت الدولة، فهؤلاء يبدأ هذا في الظهور عليهم ويقتنون الأموال والمرافق وتكون لهم المواكب وهكذا. فهذه هي اللحظة التي يحدث فيها أن تزيد أموالهم ثم تنقلب الدائرة عليهم، حين يزيد ترف السلطان ويزيد ترفهم، ويبدأون في فرض الضرائب على الناس لاستيعاب ترفهم ونعيمهم الذي يتمتعون به، والذي يظنون أيضاً أن عموم الناس والرعايا والأغنيا لديهم أموال كثيرة السلطة أحق بها.
يقول ابن خلدون: ثم إذا اخذت الدولة في الهرم بتلاشي العصبية وفناء القبيل الماهدين للدولة، احتاج صاحب الأمر حينئذ إلى الأعوان والأنصار لكثرة الخوارج والمنازعين والثوار وتوهم الانتقاض، فصار خراجه لظهرائه وأعوانه وهم أرباب السيوف وأهل العصبيات، وأنفق خزائنه وحاصله في مهمات جبر الدولة، وقلت مع ذلك الجباية لما قدمناه من كثرة العطاء والانفاق، فيقل الخراج وتشتد حاجة الدولة إلى المال، فيتقلب ظل النعمة والترف عن الخواص والحجاب والكتاب بتقلص الجاه عنهم وضيق نطاقه على صاحب الدولة.
ثم تبدو حاجة صاحب الدولة إلى المال، وينفق أبناء البطانة والحاشية ما تأثل آباؤهم من الأموال في غير سبيلها من إعانة صاحب الدولة، ويقبلون على غير ما كان عليه آباؤهم وسلفهم من المناصحة، ويرى صاحب الدولة أنه أحق بتلك الأموال التي اكتسبت في دولة سلفه وبجاههم، فيستلمها ويقتزعها منهم شيئاً فشيئاً وواحداً بعد واحد. لذلك فالانقلاب على الوزراء والامراء واستصفاء أموالهم عادة ما يكون من علامات غروب الدولة.
حين نجد السلطان بدأ في الانقلاب على الوزراء والأمراء وبدأ في استصفاء أموالهم، نعرف أن هذا أحد علامات غروب الدولة، وأحد علامات إنهيارها؛ لأن طبقة السلطة تبدأ في التنازع والتآكل والتنافس، تظهر وجهتي النظر: الحاكم يرى أن هذه الأموال أموال اكتسبها هؤلاء بجاه الدولة وسلطة الدولة ونفوذ الدولة وتسهيلات الدولة لهم في المشاريع وبسبب قربهم من السلطان، وأصحاب الأموال يرون أن هذه الأموال إنما كانت بثمرة عملهم وجهدهم، ولكنهم لا يتمتعون بها ويجبرون على أن يتبرعوا بها أو يتنازلوا عنها. فلذلك هذه الطبقة التي كانت تحكم الدولة تبدأ في التآكل والتنازع والتحاسن.
ومن هنا يرى كثير من المؤرخين والباحثين والمتكلمين في فلسفة الحضارات أنه حين تتآكل الطبقة المالية، حين تتآكل شريحة الأموال في أهل الدولة، فإن هذا يكون أول أسباب ظهور المنازعات والانقسامات داخل الدولة، التي قد تؤدي إلى إما انقسام الدولة من خلال ظهور الأجنحة، أو ضعف هذه الدولة من خلال قلة الأقوياء الفاعلين المنصاعين للسلطان، وبالتالي يظهر هذا على أطراف الدولة ويكون هذا محفزاً للثورة والتمرد والانقضاض على الدولة.
لذلك كثر في الأدب العربي، ومن قبله الأدب الفارسي، الكلام في شأن الوزراء والولاة؛ وأن الوزير أو الوالي من الذين مهما اقتربوا من السلطان فإنهم يظلون منه على حذر. فمما قاله في ذلك الصاحب بن عباد، وهو من مشاهير وأعلام الأدب في التراث العربي، يقول: إذا أَدْنَاكَ سلطانٌ فزده من التعظيم، واحذره وراقب؛ فما السلطان إلا البحر عظماً، وقرب البحر محظور العواقب.
ومما قاله أيضاً ابن المعتز، وابن المعتز شاعر عباسي مشهور وله قصة درامية قد نحكيها فيما بعد أنه تولى الخلافة ليوم واحد ثم قتل، كان يقول: «سكر الولاية طيب وخماره ذل شديد كم تائه بولاية وبعزله ركض البريد».
محمد إلهامي