كنا نسود الأرض بالأخلاق فكم سدنا بعهد صدق والميثاق بنيناها بأيد كم لها نشتاق بومضة نوره سراء ندى في نهجهم عبر وصلي للأوراق بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما اللهم اجعل عملنا كله خالصا لوجهك الكريم. مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من طبائع الحكم مع ابن خلدون واليوم طبيعة مهمة وسنة ماضية لا تتخلف يقول ابن خلدون فصل في أن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد.
وذلك أن الملك كما قدمناه إنما هو بالعصبية والعصبية متألفة من عصبيات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلها فتغلبها وتستولي عليها حتى تصيرها جميعا في ضمنها وبذلك يكون الاجتماع والتغلب على الناس والدول هذا الأمر أمر ظاهر. من الذي يحكم الناس؟ الذي يحكم الناس ببساطة هو الطرف الأقوى فيهم.
لو لم يكن الطرف الأقوى لم يكن قادرا على أن يحكمهم. طيب كيف تكون هذه القوة؟ هذه القوة تكون بعصبته العصبة كانت قديما للعوائل والقبائل ولا تزال ولا تزال غالب العصبة للقبائل والعوائل.
لكن في زماننا هذا دخلت ظروف كثيرة فمن الممكن أن تكون العصبة عصبة طبقة ذات مصالح مشتركة. ممكن أن تكون العصبة عصبة جيش مسلح فالذي يملك هذه القوة أو الذي تدعمه وتسنده هذه القوة التي يخلو منها غيره هو الذي يحكم الناس.
أحيانا قد يضطر الحاكم الحقيقي الحاكم الفعلي أن يحكم من وراء ستار. يحدث أحيانا ولكن هذا قليل الغالب أن الحاكم الظاهر هو الحاكم الفعلي والغالب أن الحاكم الظاهر لم يتسيد ولم يتول هذا المنصب إلا بوجود هذه القوة التي تدعمه وتسنده.
قد يكون منفردا بها يعني هذه القوة بقية الأطراف أو بقية القبائل أو بقية القوى خالية منها وقد يكون حكمه هو نوعا من توازن القوة يعني يحدث أحيانا أن يكون هناك عدد من القبائل متوازنة القوة.
فهؤلاء يضطرون اضطرارا إلى أن يختاروا من بينهم من يفوضوه أمرهم لأنه حياة الدنيا كما قدمناها في حلقات سابقات حياة الناس لا تصلح بدون حاكم لابد لهم من حاكم لكي يقضي ويفصل بينهم في نزاعاتهم ولكي يضرب على يد الظالم يحقق لهم الأمن. الحاكم تستقر به التجارة وهذا كلام مقدم لهنا لا نعيد ولا نكرره.
فالحاكم قد يكون موجودا في لحظة توازن قوة بين أطراف مختلفة. لكن حتى هذا الحاكم الموجود في لحظة توازن القوة يكون ميزا عن غيره أيضا بميزة قد يكون أكثرهم شجاعة في وقت يحتاج إلى الحرب والقتال فلذلك يفوضوه أمرهم رغم أنه ليس من أقوى قبائلهم أو قد يكون حليما حكيما في اوقات التنازع والتشاكس. فلذلك هذه الصفة الذاتية هي التي تفوق بها على غيره وتولى عليهم بها.
أو قد يكون قادرا على الإنفاق في وقت فقر وحاجة فكذلك عدته المالية هي التي تجعله يتميز عن غيره فالخلاصة في نهاية الأمر أن الحاكم هو الطرف الأقوى في الناس الذين يحكمونه هذا الحاكم الذي صاحبته هذه القوة ومكنته من توليها في بداية تأسيس الدول يكونون كأنهم جسد واحد هذه هي العصبية هذا هو التماسك هذه هي اللحمة التي تتأسس بها الدولة.
في بداية الدولة لا يكون الحاكم كثير التميز عن أقرانه وأنداده لا يكون متميزا عليهم إلا لماما. يعني كأنه متقدم عنهم خطوة فقط لكن لا تكاد تعرفه من بينهم إلا بمجلسه أو إلا ببعض سماته. وهو لا يكاد يتميز عليهم بأنواع الترف أو السلطة أو هكذا هذا في بدايات تأسيس الدول.
أما حين تستقر الدولة فتبدأ سنة الانفراد بالمجد يقول ابن خلدون وإذا تعين له ذلك ومن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكم فيهم.
ويجيء خلق التأله الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من الانفراد بالحكم لفساد الكل باختلاف الحكام لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فيجدع حينئذ أنوف العصبيات ويكبح شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكم ويقرع عصيهم عن.
وينفرد به ما استطاع حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر ناقة ولا جمل فينفرد بذلك المجد بكليته ويدفعهم عن مساهمتهم فيه تأسست الدولة خلصت من وقت الصراع وقت المغالبة.
فالآن لابد أن تظهر طبيعة الانفراد بالمجد لابد أن ينفرد هذا الطرف الأقوى عن شركائه الذين مهدوا له الأمر وعن أعوانه الذين كانوا معه في تأسيس الدولة لابد أن ينفرد منهم بالمجد ولابد أن يتميز عنهم.
لماذا يقول ابن خلدون لأنه الطبيعة الحيوانية هو يقصد الطبيعة الحيوانية يعني الطبيعة الغريزية يعني الغرائز الموجودة في الإنسان وفي الحيوان متشابهة الطبيعة فيها خلق الكبر والأنفة الأمر لا يظل شركا في أوقات الهدوء في أوقات الاستقرار ولخلق التأله الذي في البشر.
يعني هناك خلقان في خلق بالغريزة وهو خلق الكبر والأنفة وهذا خلق يعني يعرفه الناس حتى المتابعون لعالم الحيوان الذكر الواحد لا يقبل بوجود ذكر آخر معه في القطيع أو ذكر آخر معه في الحظيرة.
وخلق التأله الذي في طباع البشر لأنه البشري بطبيعته لديه نزوع نحو الألوهية تخلق التأله ولذلك الفرعون حين يستبد فانه يطلب أن يعبد وهذا تجدونه في حال الطغاة.
حال الطغاة الذين تمكنت لهم الدول واستقرت لهم الممالك ينزعون إلى أن لا يراجعوا وأن يكون أمرهم في قلوب الناس كأمر العبادة ولذلك تصل الذروة إلى نموذج فرعون حين يقول ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24] وما علمت لكم من إله غيري لكن هذا الخلق ظاهر جدا في بقية الطغاة.
فهذان الخلقان مع ما يكون من أحوال الدولة التي لابد لها من أن ينفرد بها واحد لأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا والامثال الطبيعية بتقول المركب اللي فيها ريسين بتغرق.
فحين تستقر أمور الدولة وينتهي عهد الصراع الذي صاحب التأسيس لابد أن ينفرد أحد الناس بالملك هذه طبيعة لا تتخلف طيب هذه الطبيعة من أول من ذكرها في تراثنا نحن سيدنا عمر رضي الله عنه.
في حادثة السقيفة لما جاء رجل من الأنصار والحباب بن المنذر فحصل الخلاف بين المهاجرين والأنصار فقال أحدهم منا أمير ومنكم أمير فسيدنا عمر قال ببساطة وبسرعة تشبيها بديعا. قال سيفان في غمد لا يجتمعان يعني ما ينفعش يكون فيه أميرين لنفس القبيلة أو لنفس الحكم أو في نفس السلطة.
ولذلك لم يحدث أبدا أن انقسمت الدولة بين اتنين لو حصل توزيع للصلاحيات بين الاتنين إلا وغلب أحدهما على الآخر في فترة ما.
فهنا الأمر يكون في غاية الوضوح أنه لابد من أن ينفرد أحد الناس بالسلطان فبشكل عام هذا ليس بذاته شيئا سيئا. يعني أن ينفرد واحد بالسلطان هذا بذاته ليس شيئا سيئا. ويعني نحن لدينا في الإسلام أنه الخليفة الذي يولى يولى برضاء الأمة ويكون عليه أن يستمع إلى الشورى ويعزل أيضا للأمة لها حق مراقبته ونصحه وتقويمه ولها حق عزله أيضا.
لكن في النهاية لابد أن يكون أميرا له كافة صلاحيات الإمارة وله على الناس إن استقام حق السمع والطاعة فلانه لا يمكن أن تعتدل أحوال الناس إلا إذا كان الحكم فيهم منصرفا إلى أحدهم لذلك هنا يقول بعض الناس إن الثورة تأكل أبناءها.
دائما الثورة تأكل أبناءها لأنه لابد بعد انتصار الثورة أن يؤول الحكم من مجلس قيادة الثورة أو من الجماعة القائمين بالثورة أو من ائتلاف القوى الثورية لابد أن يؤول إلى واحد منهم طبعا يكون ربما هذا الذي انفرد انفرد بحق أو انفرد بباطل هذه قصة أخرى.
ربما يكون انفرد بعدل أو انفرد بظلم هذه أيضا قصة أخرى لكن طبيعة الحكم أنه لا يقبل الشرك وأنت إذا تأملت في أي شيء يعني مثلا عبد الفتاح السيسي في مصر كم بقي مع عبد الفتاح السيسي من الذين كانوا معه سنة ألفين وتلاتة عشر.
إذا كان بقي فبقي واحد أو اتنين في المجلس العسكري إذن مدير الشؤون القانونية أو ما شابه يعني رجل لا ناقة له ولا جمل في مسائل القوة.
من كان مع محمد بن سلمان؟ من كان مع حافظ الأسد قبل أن ينفرد؟ انظر إلى أي تجربة حكم لابد أن ينفرد فيها واحد فعلى كل حال فلذلك إذا كانت الثورة لوجه الله هذا نحن نتكلم الآن عن المسلم.
المسلم حين يشارك في ثورة أو يشارك في إصلاح أو يشارك في تغيير فلابد له أن يطلب وجه الله لأنه ليس أمامه خيار إلا أحد هذين الخيارين بعد انتصار الثورة يعني.
الخيار الأول أن يكون هو الرجل الوحيد الجدير بالانفراد بالمجد فينفرد به والخيار الثاني أن يتعفف عن صراع السلطة الذي لم يعد خالصا لوجه الله الخيار الأخرى خيارات منافسة وصراع إن لم يكن أحد إن لم يكن هو الرجل الوحيد الفائز فسيكون هو أحد الصرعى والقتلى والمقصين والمعزولين بعد انتصار هذه الثورة هذه سنة ماضية لا تتخلف ربما تكون الظروف الموضوعية تجعلها بطيئة فقط يعني لا تتم في الجيل الأول من الحكم تتم في الجيل الثاني مثلا.
يعني حتى ابن خلدون يقول في هذا وقد يتم ذلك للأول من ملوك الدولة وقد لا يتم إلا للثاني أو الثالث على قدر ممانعة العصبيات وقوتها إلا أنه أمر لابد منه في الدول.
سنة الله في عباده ومن هنا نرجع ونؤكد ونقول إنه المسلم أما أن يكون هذا الرجل الوحيد الجدير بالانفراد بالسلطة أو أن يتعفف عن صراع لم يكن لوجه الله لأن صراعات السلطة لابد في النهاية أن تنتهي إلى أحد الأطراف ولا أكثر من ذلك.
من الذين لمسوا هذا الموضوع الذي نتحدث فيه الشاعر أبو الفتح البستي وهو شاعر أدبي شاعر معروف وكان في نفس زمن المتنبي يعني في نفس طبقة المتنبي الزمنية.
فكان من جميل ما يقول يا من يرى خدمة السلطان عدته ما أرش كدك إلا الكد والندم. الأرش هو المقابل أو المكافئ الكد التعب ما أرش كدك إلا الكد والندم.
إني أرى صاحب السلطان في ظلم ما مثله إن إذا قاس الفتى ظلموا النفس خائفة وجسمه تعب وعرضه عرضة والدين منثلم هذا إذا استوثقت أيام دولته والصيلم الأداة إن زلت به القدم.
يعني هو يتعب ويشقى ويخاف وعرضه يكون عرضه ودينه مفقود ومجروح وكل ده إذا كانت أيام دولته في ازدهار. لكن إذا حصل منه خطأ إذا زال ملكه فهذا هو الصيلم الأداة ده هي الفظيعة.
هذا إذا استوثقت أيام دولته والصيلم الأداة إن زلت به القدم ما منه كفينا اخذنا الحب والإشراق لتاريخ لهم كنا نسود الأرض بالأخلاق
محمد إلهامي