دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 15. كيف تحكم الدولة القبائل

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلًا. اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا وَزِدْنَا عِلْمًا. مَرْحَبًا بِكُمْ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَحْبَابُ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ الثَّانِي مِنْ بَرْنَامَجِ طَبَائِعِ الْحُكْمِ مَعَ ابْنِ خَلْدُونٍ.

طَبْعًا أَنَا اسْتَفَدْتُ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ الَّتِي وَرَدَتْنِي وَالْأَسْئِلَةِ وَالْمُقْتَرَحَاتِ، وَلَعَلَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَوْسِمُ الثَّانِي نَتَخَفَّفُ فِيهِ مِنَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى، أَنْ نَجْعَلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ الْفُصْحَى لِلْكِتَابَةِ، وَنَجْعَلَ اللَّهْجَةَ الْأَقْرَبَ لِعُمُومِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَلَقَاتِ.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَغْلَبُ الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ يَفْهَمُ اللَّهْجَةَ الْمِصْرِيَّةَ. الْيَوْمَ نَبْدَأُ فِي سُنَّةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ ابْنِ خَلْدُونٍ يَقُولُ فِيهَا فَصْلٌ فِي أَنَّ الْأَوْطَانَ الْكَثِيرَةَ الْقَبَائِلِ وَالْعَصَائِبِ قَلَّ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فِيهَا دَوْلَةٌ.

وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ، وَأَنَّ وَرَاءَ كُلِّ رَأْيٍ مِنْهَا وَهَوَى عَصَبِيَّةٌ تُمَانِعُ دُونَهَا، فَيَكْثُرُ الِانْتِفَاضُ عَلَى الدَّوْلَةِ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ عَصَبِيَّةٍ، لِأَنَّ كُلَّ عَصَبِيَّةٍ مِمَّنْ تَحْتَ يَدِهَا تَظُنُّ فِي نَفْسِهَا مَنَعَةً وَقُوَّةً.

يَعْنِي بِبَسَاطَةٍ الدَّوَلُ الَّتِي فِيهَا قَبَائِلُ وَعَصَائِبُ كَثِيرَةٌ، سُلْطَةُ الدَّوْلَةِ لَا تَكُونُ فِيهَا قَوِيَّةً، لِمَ؟ لِأَنَّ هُنَاكَ قُوًى مُتَعَدِّدَةً، هُنَاكَ قَبَائِلُ وَهَذِهِ الْقَبَائِلُ لَهَا قُوَّةٌ. فَكَثْرَةُ الْقَبَائِلِ وَالْعَصَائِبِ تَمْنَعُ اسْتِحْكَامَ أَمْرِ السُّلْطَةِ وَاسْتِقْرَارَ شَأْنِ الدَّوْلَةِ بالشَّكْلِ السُّلْطَوِيِّ الَّذِي هُوَ دَوْلَةٌ وَرَاعِيَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَبِيلَةٍ وَكُلَّ عَصَبِيَّةٍ لَهَا رَأْيٌ وَلَهَا هَوَى تُمَانِعُ دُونَ ذَلِكَ.

وَابْنُ خَلْدُونٍ يَتَّخِذُ هَذِهِ السُّنَّةَ لِكَيْ يُفَسِّرَ بِهَا سُهُولَةَ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِلْعِرَاقِ وَالشَّامِ؛ لِأَنَّ الْفُرْسَ وَالرُّومَ كَانَ أَغْلَبُ الْعَرَبِ الَّذِينَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَأَغْلَبُ الْمَنَاطِقِ الَّتِي تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مَنَاطِقَ أَمْصَارٍ، خَمَدَتْ فِي النَّاسِ شَوْكَةُ الْقَبِيلَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ، فَبِالتَّالِي لَمْ يَحْتَجِ الْمُسْلِمُونَ إِلَّا إِلَى إِزَالَةِ السُّلْطَةِ، فَكَانَ الْفَتْحُ هَيِّنًا وَاسْتَانَامَتْ لَهُمُ الْبِلَادُ.

بَيْنَمَا الْعَكْسُ مِنْ هَذَا حَصَلَ مَثَلًا فِي شَمَالِ إِفْرِيقْيَا الْمَغْرِبِ الْعَرَبِيِّ. الْمَغْرِبُ الْعَرَبِيُّ لِأَنَّهُ مَا يَزَالُ مَلِيئًا بِقَبَائِلِ الْبَرْبَرِ، عَصَائِبِ الْبَرْبَرِ. طَبْعًا نَحْنُ نَسْتَخْدِمُ هُنَا لَفْظَ الْبَرْبَرِ عَلَى مَا جَرَى تَارِيخِيًّا لَيْسَ بِمَعْنَى التَّنْقِيصِ؛ أَنَّ بَعْضَ إِخْوَانِنَا الْمَغَارِبَةِ يَرَوْنَ حَرَجًا فِي كَلِمَةِ الْبَرْبَرِ وَيُفَضِّلُونَ الْأَمَازِيعَ، لَكِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِكَيْ نَفْهَمَ التَّارِيخَ، فَابْنُ خَلْدُونٍ عُنْوَانُ كِتَابِهِ فِي أَخْبَارِ الْعَرَبِ وَالْبَرْبَرِ، فَقَبَائِلُ الْبَرْبَرِ كَانَتْ قَبَائِلَ كَثِيرَةً وَعَصَائِبُهُمْ مَا تَزَالُ عَصَائِبَ قَوِيَّةً، فَلِذَلِكَ صَعُبَ تَمْهِيدُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

فَاحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَحُوهَا مَرَّةً -طَبْعًا الْمَوْجَةُ الْأُولَى أَيَّامَ سَيِّدِنَا عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ- وَيَحْصُلُ الِانْتِقَاضُ. يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ نُعْمَانَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْفَاتِحِينَ: وَلَمْ يَتَمَهَّدْ وَيَسْتَقِرَّ أَمْرُ الْمَغْرِبِ حِينَئِذٍ إِلَّا حِينَ جَاءَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ؛ الْمَوْجَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ، فَتَمَهَّدَ أَمْرُ الْمَغْرِبِ فِي عَهْدِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ.

حَصَلَتْ أَكْثَرُ مِنْ انْتِفَاضَةٍ، ابْنُ خَلْدُونٍ يَنْقُلُ أَنَّ الْبَرْبَرَ انْتَقَدُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً. فَهُوَ يُفَسِّرُ سُهُولَةَ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعِرَاقِ وَالشَّامِ بِأَنَّ الْفُرْسَ وَالرُّومَ كَسُلْطَةٍ كَانُوا أَخْمَدُوا الْقَبَائِلَ وَصَارَ النَّاسُ أَهْلَ أَمْصَارٍ، لَكِنِ الْمَنَاطِقُ الَّتِي لَمْ تُخْمَدْ فِيهَا الْقَبَائِلُ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى الِانْتِقَادِ وَالِانْتِفَاضِ عَلَى الدَّوْلَةِ.

وَحَتَّى لَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْمَغْرِبِ فِي عَهْدِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، الْحَالَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ تَسَرَّبَ فِيهَا رَأْيُ الْخَوَارِجِ لِكَيْ تُكْمِلَ ثَوَارَاتِهَا. يَعْنِي الْمَغْرِبُ كَانَ زَاخِرًا بِالْخَوَارِجِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَالدَّوْلَةُ الْأُمَوِيَّةُ عَانَتْ مَعَهُ كَثِيرًا. فَالْقَصْدُ أَنَّ الْقَبَائِلَ وَالْعَصَائِبَ كَانَتْ ذَاتَ قُوَّةٍ وَذَاتَ مَنَعَةٍ، فَلِذَلِكَ الْأَوْطَانُ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْقَبَائِلُ وَالْعَصَائِبُ قَلَّ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فِيهَا الدَّوْلَةُ.

هَذَا الْأَمْرُ مُسْتَمِرٌّ حَتَّى وَاقِعِنَا الْحَالِيِّ؛ فَمَثَلًا الْآنَ نَجِدُ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، الْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ مَا تَزَالُ حَتَّى الْآنَ ظَاهِرَةً فِيهَا الْقُوَّةُ قُوَّةُ الْقَبَائِلِ وَقُوَّةُ الْعَصَائِبِ، وَدُوَلُ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ سُلُطَاتُ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا تَزَالُ حَتَّى الْآنَ تَتَعَامَلُ مَعَ هَذَا الْوَضْعِ الِاجْتِمَاعِيِّ. يَعْنِي لَيْسَتِ الْحَالَةُ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ حَالَةَ دَوْلَةٍ وَرَاعِيَةٍ، وَسِيَاسَتُنَا مَا هِيَ حَالَةُ شَيْخِ قَبِيلَةٍ كَبِيرٍ يَتَعَامَلُ مَعَ شُيُوخِ الْقَبَائِلِ الْأَخَرِينَ وَيَرْعَاهُمْ وَيَعْتَبِرُ مَكَانَهُمْ وَمَقَامَهُمْ وَيَرْفَعُهُمْ، وَلَعَلَّ أَبْرَزَ النَّمَاذِجِ فِي هَذَا الْكُوَيْتُ مَثَلًا.

يَعْنِي الْكُوَيْتُ عَائِلَةُ الصَّبَاحِ حَتَّى مُنْذُ أَنْ تَأَسَّسَتْ لَمْ تَكُنْ أَشَدَّ الْقَبَائِلِ وَلَا أَكْثَرَهَا عَصَبِيَّةً؛ هُمْ هَذِهِ الْقَبَائِلُ اجْتَمَعَتْ عَلَى الصَّبَاحِ الْأَوَّلِ، اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ وَوَلَّتْهُ أَمْرَهَا فِي الْقَضَاءِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْمُنَازَعَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَلَمْ يَكُنْ أَقْوَاهُمْ عَشِيرَةً.

فَلِذَلِكَ الْكُوَيْتُ تَجِدُونَهَا أَكْثَرَ دُوَلِ الْخَلِيجِ حُرِّيَّةً، وَفِيهَا صَوْتٌ سِيَاسِيٌّ مَسْمُوعٌ، وَمَسْأَلَةُ التَّوَازُنِ حَاضِرَةٌ بِقُوَّةٍ بَيْنَ سُلْطَةِ الْكُوَيْتِ وَبَيْنَ شَعْبِ الْكُوَيْتِ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ دُوَلِ الْخَلِيجِ.

لَكِنْ مَثَلًا حَتَّى فِي الْإِمَارَاتِ؛ الْإِمَارَاتُ الْعَرَبِيَّةُ الْمُتَّحِدَةُ هُوَ الشَّيْخُ زَايِدُ أَفْهَمَ مَجْمُوعَةَ الْقَبَائِلِ فِي هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ اتِّحَادًا يُشْبِهُ الِاتِّحَادَ الْفِيدْرَالِيَّ وَيَتَنَاقَلُونَ بَيْنَهُمُ الْحُكْمَ، أَنْ يَكُونَ هُوَ حَاكِمًا لِمُدَّةِ سَنَتَيْنِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إِلَى غَيْرِهِ ثُمَّ إِلَى غَيْرِهِ ثُمَّ إِلَى غَيْرِهِ.

لَكِنْ طَبْعًا حَصَلَ الِانْفِرَادُ، الِانْفِرَادُ بِالسُّلْطَانِ هَذِهِ سُنَّةٌ سَنَأْتِي لَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي حَلَقَةٍ قَادِمَةٍ سُنَّةُ الِانْفِرَادِ بِالْمَجْدِ؛ الْحُكْمُ لَا يَكُونُ شَرِكَةً وَلَا يَسْتَمِرُّ مُتَدَاوَلًا، لَا بُدَّ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدٌ. وَلِأجْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ حَصَلَ النِّزَاعُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ دُبَيِّ وَبَيْنَ أَبُوظَبِي الَّذِي يَبْدُو طَبْعًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنَّ أَبُوظَبِي قَدْ حَسَمَتْهُ لِنَفْسِهَا، وَطَبْعًا مُحَمَّدُ بْنُ زَايِدٍ قَدْ غَلَبَ عَلَى غَيْرِهِ وَصَارَ مُنْفَرِدًا بِشَأْنِهِ.

فَالْقَصْدُ أَنَّ أَضْرِبَ هَذَا الْمِثَالَ عَلَى أَنَّ الْجَزِيرَةَ الْعَرَبِيَّةَ نَمُوذَجٌ مَا يَزَالُ وَاضِحًا لِقُوَّةِ الْقَبَائِلِ الَّتِي تَصْنَعُ نَوْعًا مِنَ التَّوَازُنِ. حَتَّى السُّّعُودِيَّةُ، رَغْمَ أَنَّ عَبْدَالْعَزِيزِ قَاتَلَ الْقَبَائِلَ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَرْعَاهَا وَيُقَدِّرُهَا، فِي زَمَانِ تَأْسِيسِهِ لِلدَّوْلَةِ كَانَ أَيُّ أَحَدٍ يَعُودُ عَنْ مُقَاتَلَةِ عَبْدِالْعَزِيزِ، عَبْدُالْعَزِيزِ يُعْطِيهِ قَدْرَهُ طَالَمَا عَادَ خَاضِعًا.

إِلَّا طَبْعًا هَذِهِ الْأَيَّامِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلْمَانَ بَدَأَ الْآنَ يَضْغَطُ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَسَنَرَى إِذَا كَانَ هَذَا سَيَنْجَحُ أَمْ لَا. وَبِالْمُنَاسَبَةِ هَذَا أَمْرٌ مُهِمٌّ أَنْ نَنْتَبِهَ لَهُ؛ ابْنُ خَلْدُونٍ حِينَ يَتَكَلَّمُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْخِبْرَةِ التَّارِيخِيَّةِ فِي عَصْرِهِ، الْآنَ حَصَلَتْ مُسْتَجَدَاتٌ فِي عَصْرِنَا مِثْلُ تَدَخُّلِ الْقُوَى الدَّوْلِيَّةِ وَالنِّظَامِ الْعَالَمِيِّ لِتَنْصِيبِ الْحُكَّامِ وَنَزْعِ الْحُكَّامِ وَإِسْنَادِ الْقَبَائِلِ الصَّغِيرَةِ وَإِسْنَادِ الْعَشَائِرِ الصَّغِيرَةِ وَتَمْكِينِ الْأَقَلِّيَّاتِ، وَهَذِهِ فُرُوقٌ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَبِهَ لَهَا الْقَارِئُ لِابْنِ خَلْدُونٍ، وَفِي الْحَلَقَاتِ الْقَادِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سَنُشِيرُ بَعْضَ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ إِلَى الْمَظَاهِرِ الَّتِي تَغَيَّرَتْ.

لَكِنِ الْقَصْدُ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْأَوْطَانَ كَثِيرَةَ الْقَبَائِلِ وَالْعَصَائِبِ قَلَّ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فِيهَا الدَّوْلَةُ.

إِذَا انْتَقَلْنَا إِلَى شَأْنٍ آخَرَ: الْأَوْطَانُ الْقَلِيلَةُ الْعَصَائِبِ وَالَّتِي تَسْتَحْكِمُ فِيهَا الدَّوْلَةُ. ابْنُ خَلْدُونٍ يَضْرِبُ مَثَلًا عَلَى ذَلِكَ بِمِصْرَ وَالشَّامِ، يَقُولُ: وَبِعَكْسِ هَذَا أَيْضًا الْأَوْطَانُ الْخُلُوُّ مِنَ الْعَصَبِيَّاتِ يَسْهُلُ تَمْهِيدُ الدَّوْلَةِ فِيهَا، وَيَكُونُ سُلْطَانُهَا وَادِعًا لِقِلَّةِ الْهَرْجِ وَالِانْتِقَادِ، وَلَا تَحْتَاجُ الدَّوْلَةُ فِيهَا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ لِهَذَا الْعَهْدِ -يَقْصِدُ عَهْدَ الْمَمَالِيكِ- إِذْ هِيَ خُلُوٌّ مِنَ الْقَبَائِلِ وَالْعَصَبِيَّاتِ كَأَنْ لَمْ يَكُنِ الشَّأْنُ مَعْدِنًا لَهُمْ كَمَا قُلْنَاهُ. فَمُلْكُ مِصْرَ فِي غَايَةِ الدَّعَةِ وَالرُّسُوخِ لِقِلَّةِ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْعَصَائِبِ، إِنَّمَا هُوَ سُلْطَانٌ وَرَعِيَّةٌ.

هُنَا يَلْفِتُ النَّظَرَ، ابْنُ خَلْدُونٍ يَضْرِبُ الْمَثَلَ الْوَجْهَ الْآخَرَ: الْأَوْطَانُ قَلِيلَةُ الْعَصَائِبِ تَسْتَحْكِمُ فِيهَا الدَّوْلَةُ وَيَصِيرُ فِيهَا السُّلْطَانُ وَالرَّعِيَّةُ. وَهُنَا طَبْعًا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ بِاعْتِبَارِهَا الظَّاهِرَةَ الْمُنْتِجَةَ لِلِاسْتِبْدَادِ، وَأَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي تَنْشَأُ فِي الْأَنْهَارِ -تَتَذَكَّرُونَ قَوْلَ شَفِيقٍ أَنَّ أَهْلَ الْوُدْيَانِ سَهْلُ الْمَعْشَرِ، هُوَ كَانَ يَقْصِدُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَكِنْ لَمْ يُحْسِنِ التَّعْبِيرَ عَنْهَا- الْقَصْدُ أَنَّ أَهْلَ الْوُدْيَانِ أَهْلَ الْمَنَاطِقِ السَّهْلَةِ الْأَوْطَانَ قَلِيلَةَ الْعَصَائِبِ وَالْقَبَائِلِ تَسْتَحْكِمُ فِيهَا الدَّوْلَةُ، يَظْهَرُ فِيهَا الدَّوْلَةُ، وَهَذَا مِنَ الظَّوَاهِرِ الْمُنْتِجَةِ لِلِاسْتِبْدَادِ الَّتِي يُفَسِّرُونَ بِهَا أَنَّهُ يَحْدُثُ اسْتِبْدَادٌ كَمَا فِي مِصْرَ يَسْهُلُ فِيهَا الِاسْتِبْدَادُ.

جَيِّدٌ، سَنُنَاقِشُ هَذَا، لَكِنْ لِنَنْتَبِهَ وَلِيَكُنْ دَائِمًا فِي أَذْهَانِنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَوْطَانَ قَلِيلَةَ الْعَصَائِبِ الَّتِي تَسْتَحْكِمُ فِيهَا الدَّوْلَةُ هِيَ الْأَوْطَانُ الَّتِي يَنْمُو فِيهَا الْعِلْمُ وَيَزْدَهِرُ، تَنْمُو فِيهَا الْحَضَارَةُ وَتَزْدَهِرُ. يَعْنِي الْآنَ أَيُّ بَاحِثٍ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، فِي تَارِيخِ الْعِرَاقِ، فِي تَارِيخِ سُورِيَا مَثَلًا، سَيَجِدُ آلَافَ الْمَصَادِرِ، آلَافَ عَشَرَاتِ آلَافِ الْمَصَادِرِ، مِئَاتِ آلَافِ الْمَصَادِرِ، بَيْنَمَا الَّذِي يَبْحَثُ مَثَلًا فِي تَارِيخِ أَفْغَانِسْتَانَ أَوْ فِي تَارِيخِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَقَبَائِلِهَا لَا يَجِدُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَصَادِرِ. الَّذِي يَبْحَثُ فِي تَارِيخِ الْمَغْرِبِ الْعَرَبِيِّ بَعِيدًا عَنِ الْأَمْصَارِ فِي الْقَبَائِلِ لَا يَجِدُ مِثْلَ الْأَوْطَانِ الَّتِي تَسْتَحْكِمُ فِيهَا الدَّوْلَةُ، تَكُونُ مَوْئِلًا لِلْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، مَوْئِلًا لِلصِّنَاعَاتِ وَالْحَضَارَةِ وَالنَّشَاطِ الْعُمْرَانِيِّ، وَهَذَا مَا يَجْعَلُهَا تَخْتَزِنُ الْخِبْرَةَ الْبَشَرِيَّةَ وَالْحَضَارَةَ الْبَشَرِيَّةَ.

وَلَكِنْ هَلْ مَعْنَى هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَوْطَانَ تُنْتِجُ اسْتِبْدَادًا بِطَبِيعَتِهَا لَا يُمْكِنُ التَّغَلُّبُ عَلَيْهِ؟ يَعْنِي إِذَا سَلَّمْنَا بِأَنَّ هَذِهِ الدُّوَلَ يَسْهُلُ فِيهَا الِاسْتِبْدَادُ بِالنَّاسِ لِقِلَّةِ الْقَبَائِلِ وَالْعَصَائِبِ -وَبِالْمُنَاسَبَةِ كَيْ لَا نَنْسَى أَيْضًا، هَذِهِ الدُّوَلُ الَّتِي تَقِلُّ فِيهَا الْعَصَائِبُ وَالْقَبَلِيَّاتُ حِينَ يَحْكُمُهَا السُّلْطَانُ الصَّالِحُ الْعَادِلُ تَبْلُغُ الذُّرْوَةَ، لِأَنَّهُ يَحْكُمُهَا بِسُهُولَةٍ وَيَسْتَثْمِرُ مَوَارِدَهَا الْهَائِلَةَ وَحَضَارَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْكَثْرَةِ فِي صَالِحِ الْأُمَّةِ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى مِصْرُ كِنَانَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ فِي اللَّحَظَاتِ الْمَفْصِلِيَّةِ كَانَتْ تَجِدُ مِصْرَ بِمَوَارِدِهَا وَأَهْلِهَا وَرِجَالِهَا وَأَمْوَالِهَا فِي مُوَاجَهَةِ الْحَمَلَاتِ الصَّلِيبِيَّةِ، فِي مُوَاجَهَةِ الْحَمَلَاتِ الْمَغُولِيَّةِ، فَهَذِهِ الدُّوَلُ حِينَ يَحْكُمُهَا سُلْطَانٌ عَادِلٌ تَبْلُغُ الذُّرْوَةَ.

لَكِنِ السُّؤَالُ الَّذِي كَثِيرًا مَا لَا يَسْأَلُهُ فَلاسِفَةُ الْخُضُوعِ وَالْخُنُوعِ وَالِاسْتِبْدَادِ الَّذِينَ يُعَايِرُونَنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حَيَاتِنَا الْخُنُوعُ وَالْفَسَادُ الِاسْتِبْدَادُ، وَأَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَصْلًا أَنْ نُقَاوِمَ، وَأَنَّنَا أَرْضٌ بِطَبِيعَتِهَا مُنْتِجَةٌ لِلِاسْتِبْدَادِ. هُنَا ابْنُ خَلْدُونٍ سَيَضْرِبُ مَثَلًا مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَسَنَعُودُ إِلَيْهِ فِي حَالَةِ بِلَادِنَا الْآنَ، يَضْرِبُ ابْنُ خَلْدُونٍ مَثَلَ الْأَنْدَلُسِ أَنَّ ابْنَ الْأَحْمَرِ السُّلَالََةَ الْأَخِيرَةَ الَّتِي حَكَمَتِ الْأَنْدَلُسَ قُبَيْلَ سُقُوطِهَا، حَكَمَتِ الْأَنْدَلُسَ حَوَالَيْ مِئَتَيْ سَنَةٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْكُمُ غَرْنَاطَةَ لَمْ تَكُنْ صَاحِبَةَ عَصَبِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ قِلَّةً قَلِيلَةً.

لَكِنَّ هَذِهِ الْقِلَّةَ الْقَلِيلَةَ مِنْ بَنِي الْأَحْمَرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْأَنْدَلُسِ وَهِيَ قَلِيلَةُ الْعَصَائِبِ، سَهُلَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْكُمُوا الْأَنْدَلُسَ وَيَظَلُّوا فِي حُكْمِهَا هَذِهِ الْمِئَتَيْ سَنَةً الَّتِي خَتَمَ بِهَا تَارِيخُ الْأَنْدَلُسِ. يَقُولُ ابْنُ خَلْدُونٍ هُنَا عِبَارَةً نَحْتَاجُ أَنْ نَتَوَقَّفَ مَعَهَا طَوِيلًا وَنَتَأَمَّلَ فِيهَا، لِأَنَّهَا هِيَ الْعِبَارَةُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَنْسَاهَا فَلاسِفَةُ الِاسْتِبْدَادِ وَفَلاسِفَةُ الْخُنُوعِ: وَقَامَ بِالْأَمْرِ -يَقْصِدُ ابْنَ الْأَحْمَرِ- وَتَنَاوَلَهُ بِعِصَابَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ قَرَابَتِهِ كَانُوا يُسَمُّونَهُمُ الرُّؤَسَاءَ، وَلَمْ يَحْتَجْ لِأَكْثَرَ مِنْهَا لِقِلَّةِ الْعَصَائِبِ بِالْأَنْدَلُسِ وَأَنَّهَا سُلْطَانٌ وَرَعِيَّةٌ.

يَقُولُ أَيْضًا: وَقَدْ كَانَ مَبْدَؤُهُ بِعِصَابَةٍ إِلَّا أَنَّهَا قَلِيلَةٌ وَعَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ وَطَنَ الْأَنْدَلُسِ لِقِلَّةِ الْعَصَائِبِ وَالْقَبَائِلِ فِيهِ يُغْنِي عَنْ كَثْرَةِ الْعَصَبِيَّةِ فِي التَّغَلُّبِ عَلَيْهِمْ.

هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَدُلُّنَا عَلَى طَرِيقِ مُقَاوَمَةِ الِاسْتِبْدَادِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْأَوْطَانُ إِذَا كَانَتِ الْبِلَادُ قَلِيلَةَ الْعَصَائِبِ، الْقِلَّةُ الْمُنَظَّمَةُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ. هَذِهِ الْقِلَّةُ الْمُنَظَّمَةُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْتَزِعَهُ مِنْ يَدِ الْمُسْتَبِدِّ الْقَائِمِ الْحَاكِمِ لِهَذِهِ الْبَلَدِ. يَعْنِي إِذَا كَانَتْ قِلَّةُ الْقَبَائِلِ سَهَّلَتِ الِاسْتِبْدَادَ، فَأَيْضًا قِلَّةُ الْقَبَائِلِ سَهَّلَتِ الْمُقَاوَمَةَ وَالثَّوْرَةَ وَالْإِصْلَاحَ.

الْقِلَّةُ الْمُنَظَّمَةُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَغْلِبَ عَلَى السُّلْطَةِ الْقَائِمَةِ؛ لِأَنَّ السُّلْطَةَ الْقَائِمَةَ لَيْسَتْ سُلْطَةً لَهَا عَصَبِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، لَيْسَتْ سُلْطَةً لَهَا جُذُورٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ قَوِيَّةٌ. وَلِذَلِكَ نَحْنُ إِذَا تَأَمَّلْنَا فِي التَّارِيخِ الْمِصْرِيِّ مَثَلًا الْأَيُّوبِيُّونَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سُلْطَةٌ كَبِيرَةٌ -يَعْنِي جُذُورٌ قَوِيَّةٌ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمِصْرِيِّ- وَلَا الْفَاطِمِيُّونَ، وَلَا الْمَمَالِيكُ، وَلَا عَهْدُ مُحَمَّدِ عَلِيٍّ أُسْرَةُ مُحَمَّدِ عَلِيٍّ.

وَبِالْمُنَاسَبَةِ لَعَلَّهُ قَرِيبًا يَصْدُرُ كِتَابٌ تَرْجَمَهُ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ عَبْدِالْعَاطِي مِنْ جَامِعَةِ سَوْهَاجَ، كِتَابٌ عَنْ فَتْرَةِ مُحَمَّدِ عَلِيٍّ فِي الْوَثَائِقِ الْعُثْمَانِيَّةِ، لَكِنْ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْفَتْرَةِ الَّتِي قَبْلَ أَنْ يَتَوَلَّى مُحَمَّدُ عَلِيٍّ السُّلْطَةَ؛ إِزَايَ مُحَمَّدُ عَلِيٍّ دَبَّرَ أَنْ يَصِلَ إِلَى السُّلْطَةِ رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِوَى جُنْدِيٍّ عَادِيٍّ جُنْدِيٍّ عَادِيٍّ فِي الْجَيْشِ الْعُثْمَانِيِّ، لَكِنْ كَيْفَ دَبَّرَ أَنْ يَصِلَ إِلَى السُّلْطَةِ بِقَلِيلٍ مِنَ الدَّهَاءِ مَعَ قَلِيلٍ مِنَ التَّدْبِيرِ وَصَلَ إِلَى السُّلْطَةِ؟ وَمَا زِلْنَا نَحْنُ نَعِيشُ الْحَقِيقَةَ فِي دَوْلَةِ مُحَمَّدِ عَلِيٍّ وَنُعَانِي آثَارَهَا.

فَيَعْنِي هُوَ الْكِتَابُ الْمُؤَرِّخُ التُّرْكِيُّ قَتْلَ نِيجِيتِينَ أَتِيلَا لَكِنْ سَيَصْدُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْعَرَبِيِّ، الدُّكْتُورُ تَفَضَّلَ وَجَعَلَنِي أُرَاجِعُهُ يُعْجِبُكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَكِنِ الْقَصْدُ أَنَّ طَيِّبْ حَتَّى الضُّبَّاطَ الْأَحْرَارَ عَسْكَرَ يُولْيُوكَ مَا كَانُوا إِلَّا قِلَّةً مُنَظَّمَةً، قِلَّةً مُنَظَّمَةً قَادِرَةً عَلَى حُكْمِ الدَّوْلَةِ الْكَبِيرَةِ.

طَبْعًا أَرْجِعُ وَأَقُولُ وَأُكَرِّرُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي زَمَانِنَا هَذَا لَمْ يَعُدْ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ، وَأَنَّ هُنَاكَ نِظَامًا دَوْلِيًّا وَقُوَى دَوْلِيَّةً وَتَتَدَخَّلُ فِي تَعْيِينِ الْحُكَّامِ وَتَنْصِيبِهِمْ، وَلَكِنِ الْقَصْدُ هُنَا أَنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوُا الْحُكْمَ بِالْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جُذُورٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ. فَهَذِهِ الْقِلَّةُ الْمُنَظَّمَةُ قِلَّةُ الْقَبَائِلِ كَمَا سَهَّلَتِ الِاسْتِبْدَادَ وُجُودَ الِاسْتِبْدَادِ كَمَا سَهَّلَتْ حُصُولَ الْمُقَاوَمَةِ.

عَلَى كُلِّ حَالٍ يَنْبَغِي أَنْ نَفْقَهَ أَنَّ الْأَوْطَانَ قَلِيلَةَ الْعَصَائِبِ هِيَ الْأَوْطَانُ الَّتِي تَسْتَحْكِمُ فِيهَا الدَّوْلَةُ، الْأَوْطَانُ كَثِيرَةُ الْعَصَائِبِ هِيَ الْأَوْطَانُ الَّتِي لَا تَسْتَحْكِمُ فِيهَا الدَّوْلَةُ وَيَكُونُ فِيهَا الْحُكْمُ نَوْعًا مِنْ مُوَازَنَةِ الْقُوَّةِ.

عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي نَتَحَدَّثُ فِيهِ الْمُتَنَبِّي أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي لَمَّا كَانَ يَهْجُو كَافُورًا الْإِخْشِيدِيَّ. كَافُورٌ الْإِخْشِيدِيُّ كَانَ يَعْنِي قَائِدًا عَسْكَرِيًّا وَصِيًّا عَلَى ابْنِ الْإِخْشِيدِ الَّذِي كَانَ يَحْكُمُ مِصْرَ، وَكَانَ عَبْدًا وَأَسْوَدَ وَخَصِيًّا، وَمَعَ ذَلِكَ تَمَهَّدَ لَهُ أَمْرُ مِصْرَ. فَالْمُتَنَبِّي حِينَ كَانَ يَهْجُوهُ كَانَ يَذْكُرُ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ صِفَاتٌ لَا تَصْلُحُ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَحْكُمَ -بِالْمُنَاسَبَةِ كَافُورُ الْإِخْشِيدِيِّ فَتْرَتُهُ كَانَتْ فَتْرَةً جَيِّدَةً فِي حُكْمِ مِصْرَ- وَلَكِنْ أَنَا أَتَحَدَّثُ هُنَا عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْأَوْطَانَ قَلِيلَةَ الْعَصَائِبِ يَتَمَهَّدُ فِيهَا الْحُكْمُ لِمَنْ غَلَبَ.

فَالْمُتَنَبِّي يَذْكُرُ يَهْجُو كَافُورًا الْإِخْشِيدِيَّ فَيَذْكُرُهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَيَقُولُ: أَكُلَّمَا اغْتَالَ عَبْدُ السُّّوءِ سَيِّدَهُ... أَوْ خَانَهُ، فَلَهُ فِي مِصْرَ تَمْهِيدُ؟ صَارَ الْخَصِيُّ إِمَامَ الْآبِقِينَ بِهَا... فَالْحُرُّ مُسْتَعْبَدٌ وَالْعَبْدُ مَعْبُودُ مَنْ عَلَّمَ الْأَسْوَدَ الْمَصِيَّةَ مَكْرُمَةً... آبَاؤُهُ الْقُومُ اَلْبِيضُ أَمْ آبَاؤُهُ الصِّيدُ؟ أَمْ أُذُنُهُ فِي يَدِ النَّخَّاسِ دَامِيَةٌ...

أَمْ قُدْرَةٌ وَهْوَ بِالْفَلْسَيْنِ مَرْدُودُ، أَوْلَى اللِّئَامِ كُوَيْثِرٌ بِمَعْذِرَةٍ فِي كُلِّ لُؤْمٍ وَبَعْضُ الْعُذْرِ تَفْنِيدُ. وَذَاكَ أَنَّ الْفُحُولَ الْبِيضَ عَاجِزَةٌ عَنْ الْجَمِيلِ فَكَيْفَ الْخُصْيَةُ الصُّغْرَى؟

مَا مِنْهُ كَفَيْنَا، أَخَذْنَا الْحُبَّ وَالْإِشْرَاقَ لِتَارِيخٍ لَهُ.

كُنَّا نَسُودُ الْأَرْضَ بِالْأَخْلَاقِ.