دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 14. الحاكم التاجر ضرر على الناس

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

على تسمية الجباية لما يرون التجار والفلاحين يحصلون على الفوائد والغلات مع يسار أموالهم، يحسبون ذلك من أضرار الجباية وتكثير الفوائد، وهو غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة.

فإن الرعايا متكافئون، وإذا رافقهم السلطان في ذلك وماله أعظم كثيراً منهم، فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته. ثم إن السلطان قد ينتزع الكثير من ذلك إذا تعرض له غصباً أو بأيسر ثمن أو لا يجد من ينافسه في شرائه، فيببخس ثمنه على بائعه.

ابن خلدون يتحدث عن السلطة حين تحرص على الترف وتجميع الأموال وتكثير الأموال. وحين تكون السلطة وحاشيتها السلطان والوزراء وأجهزة الأمن مترفون، كيف يستطيع الحاكم، كيف تستطيع السلطة أن تجمع هذه الأموال؟ لا يفكرون في التخلي عن الترف، بل يفكرون في استحداث الضرائب والمكوس على الرعية، فيضعون الضرائب على المبيعات، الضرائب على العقارات، الضرائب على الخدمات. هذا التكثير من الأموال تحاول به السلطة أن تجمع ما يقوم بترفه، ما يقوم بزخارفها وزينتها، ولا تلتفت فيه لمصلحة الرعية.

فمن هذه الوسائل بعد أن يستصفي أكثر أنواع الضرائب ويتفنن في أنواع الضرائب، أن تتحول السلطة، يتحول الحاكم إلى تاجر، وتشارك السلطة في حركة التجارة. وهذه مشكلة كبيرة ضخمة، لأنه الحاكم حين ينزل إلى السوق التجاري، السوق التجاري هذا قائم على الرعايا، والرعايا متكافئون يعني الرعايا ليست لهم، ليست بينهم الفوارق الكبيرة في الأموال، ولا الفوارق الكبيرة في النفوذ.

لكن حين ينزل الحاكم، حين تنزل السلطة وتمارس بنفسها التجارة، ففي ذلك الوقت يتحول السوق التجاري إلى أن نزل فيه حوت كبير، وهو حوت السلطان. حوت السلطان هذا يكون مدعوماً بالأموال، الآن مال السلطان أكثر بكثير من أموال بقية التجار، النفوذ الذي يتمتع به السلطان أكبر بكثير من النفوذ الذي يتمتع به عموم التجار، القوة والسطوة وإرادة الغلبة التي يمتلكها السلطان الحاكم أكبر بكثير من إرادة النفوذ والقوة والغلبة التي يمتلكها عموم التجار. فبالتالي بنزول الحاكم على ساحة التجارة يؤدي إلى كسادها.

كيف يؤدي إلى كسادها؟ أولاً الحصة التي يأخذها السلطان، الحصة التي تتاجر فيها السلطة وتأخذها لنفسها تخصم من عموم السوق التجاري، فعموم السوق التجاري هذا يعود على الناس على الحالة التجارية بالكساد؛ لأنه هناك قدر كبير من هذا السوق ومن هذا النشاط اغتصبته السلطة، فالتنافس وإدارة التجارة وإدارة الأموال التي بين عموم الناس انحصرت في مساحة أقل.

الأمر الثاني أنه نزول السلطان، نزول الحاكم، نزول السلطة على هذه التجارة فإنه يأخذ أقيم ما فيها بأيسر سعر. فلما يأخذ أقيم ما فيها بأيسر سعر، وبالتالي هو سلطان في الحقيقة لا يتاجر، وإنما يعهد بتجارته إلى آخرين. فحين تبيع السلطة وتشتري فالسلطة تكسب مكسباً هائلاً، وتحوز من الأموال أجودها وأقيمها وأنفسها، ثم يعود الضرر على عموم التجار والبائعين والفلاحين؛ لأنهم يتنافسون في هذا الجزء الضيق.

ثم هذا الجزء الضيق الفائض عن حاجة السلطان بعد أن أخذ منه السلطان مكسبه ونفائس ما فيه، فبالتالي كل هذا يعود على حركة التجارة بالكساد، يعود على حركة الزراعة الفلاحة بالكساد، وبالتالي يقل أخذ الضرائب المفروضة سواء زكوات خراج غيرها. حتى الضرائب التي يفرضها السلطان الضرائب غير الشرعية التي يفرضها السلطان يقل العائد؛ لأنه الحقيقة لم تحدث مكاسب لحركة التجار والفلاحين، فهنا دخول السلطة على حركة التجارة حركة مفسدة.

للسلطة الآن في عصرنا هذا صارت هناك وسائل عديدة في التفنن في فرض الضرائب أو التفنن في الحصول على الموارد. منها مثلاً بيع أراضي الدولة، يعني قبل ذلك لم يكن السلطان في الحاكم في التاريخ الإسلامي يرى أن هذه الأرض هي ملك له أو ملك للدولة، يعني ملك يتصرف فيها، إنما هي أراضي عامة المسلمين. بينما أراضي الدولة فالنموذج الحديث هي أراضي تمتلكها الدولة وبالتالي يمتلكها الحاكم، فالحاكم يتصرف فيها ببيعها وأحياناً بالتنازل عنها، وقد تكون هذه المنطقة منطقة استراتيجية وفيها أطماع فيتنازل عنها يبيعها للخارج.

أحياناً وصلت بعض السلطات ومنها السلطة المصرية وكثير من السلطات الإفريقية أنهم يؤجرون أراضي الدولة لتدفن فيها نفايات نووية أو نفايات سامة جاءت من مصانع الدول الكبرى المتقدمة مقابل مبلغ يحوزه السلطان. في كل الأحوال دخول السلطة على خط الترف يحملها على أن تتفنن في كثرة الضرائب، ثم يحملها على أن تقاسم التجار والفلاحين في تجارتهم.

ويلفت ابن خلدون النظر إلى شيء آخر، يقول: قد ينتهي الحال بهؤلاء المنسلخين للتجارة والفلاحة من الأمراء والمتغلبين في البلدان أنهم يتعرضون لشراء الغلات والسلع من أربابها الواردين على بلدهم، ويفرضون لذلك من الثمن ما يشاؤون، ويبيعونها في وقتها لمن تحت أيديهم من الرعايا بما يفرضون من الثمن. وهذا أشد من الأولى وأقرب إلى فساد الرعية واختلال أحوالهم، وربما يحمل السلطان على ذلك من يداخله من هذه الأصناف أعني التجار والفلاحين، لما هي صناعته التي نشأ عليها، فيحمل السلطان على ويضرب معه بسهم لنفسه ليحصل على غرضه من جمع المال سريعاً، ولا سيما مع ما يحصل له من التجارة بلا مغرم ولا مكس، فإنها أدر بمو الأموال وأسرع في تثميرها.

هنا يلفت ابن خلدون النظر إلى أنه السلطان قد يحتكر بعض السلع أو يحتكر بعض النشاطات الاقتصادية، فبالتالي إذا كانت في تجارة خارجية يعني بعض الأشياء تستورد من الخارج فيحتكرها السلطان لنفسه، ثم يبيعها لمن يعملون بها في السوق الداخلي. حين يحتكرها لنفسه فهو يفرض لنفسه أعلى المكاسب، وحين يبيعها لمن يعملون في السوق الداخلية فهو يجني منهم أفضل المكاسب، ويظل المتضرر بهذا هم الرعية الذين أخذوا هذه البضائع والسلع بأسعار قليلة ويحاولون أن يبيعونها ويثمرونها في السوق الداخلية على هذه القلة من الأسعار.

وبالتالي حالة الكساد وقلة الأرباح هي التي تؤثر في عموم نشاط السوق المالي. هنا يحدث مع الفساد أن بعض أرباب التجارات يغري السلطان بأن يتاجر معه في هذا المجال، وأن هذا المجال هو أسرع في نمو الأموال وتثميرها، يستفيد بذلك هذا التاجر الفاسد المقرب من السلطان. يستفيد بذلك أن تجارته هذه ستكون معفاة من الضرائب، كما يحدث الآن في مصر مثلاً الأشياء التي يحتكرها الجيش باعتبار أن الجيش دخل على التجارة وهو معفى من الضرائب، ويجد عمالة بلا أجر، وينزل إلى أسواق بلا منافس.

فبالتالي النمو الذي يحصل عليه هذا التاجر الفاسد المقرب من السلطان بالمشاركة مع السلطان، هذا يؤدي إلى أن تسحب وتمتص الأموال التي يتاجر فيها عموم الناس وتكسد المنافسة بين جانب فيه السلطة بما لها من الأموال الفوز والقوة والغلبة العفو عن الضرائب والمكوس والعمالة الرخيصة، وهذه المنافسة تكون مع بقية الحالة التجارية الضعيفة التي لا تمتلك مال السلطان من نفوذ وقوة وغلبة، وتدفع الضرائب وتدفع أجور رواتب للعمال، يؤدي هذا كله بالتدريج إلى كساد الحالة العامة من التجارة. فلذلك كما يقول ابن خلدون بأن الحاكم التاجر مفسدة للرعية، فصل في أن تجارة السلطان موجبة للكساد.

طيب قد يسأل سائل ويقول: نحن خلفاؤنا الراشدون كانوا تجاراً، سيدنا أبو بكر كان تاجراً، سيدنا عمر كان تاجراً، سيدنا عثمان كان تاجراً، وهؤلاء حكموا وكانوا تجاراً؟ هنا يجب أن ننتبه إلى تفريق مهم.

أولاً ابن خلدون يتحدث عن هذه الظاهرة عند السلطة التي نشأ فيها الترف وهي تحاول أن ترسخ طرفها وتنميه بالجور على أموال الرعية، يعني هو لا يتكلم عن مجمل الحكام، وإنما يتكلم عن الحاكم الذي يريد أن يرسخ ترفه.

الامر الثاني أنه سياسة هؤلاء الخلفاء الراشدين في الأموال كانت أبعد ما تكون عن هذا، يعني هم لم يكونوا تجاراً فقط، وإنما سيدنا أبو بكر خصص له راتب لكي يتفرغ لإدارة أموال المسلمين، سيدنا عمر نفس الكلام. سياسة سيدنا عمر حتى في التجارة كانت سياسة تدل على ورع شديد، يعني سيدنا عمر رأى مرة ابنه عبدالله بن عمر وله إبل سمينة، لمن هذه الإبل؟ قالوا لعبدالله بن عمر، فسيدنا عبدالله بن عمر أمر ابنه برد هذه الإبل، وقال: إني أحسب الناس يقولون: افسحوا لإبل ابن أمير المؤمنين.

حين ترد المرعى أو حين ترد الماء، فبالتالي إبل ابن أمير المؤمنين كانت سمينة أكثر سمالة من أموال الناس. هذه الحساسية الدقيقة يعني مثلاً عمر بن الخطاب كان ابنه عبدالله وعبيد الله يرجعون من العراق إلى المدينة، فأبو موسى الأشعري وأهل العراق قال لهم يعني خذوا هذه الأموال أوصلوها لعمر بن الخطاب لكن اتجروا فيها، وإذا وصلتم أدو الأموال ويكون لكم الربح.

فهذا نوع من الخدمة التي حاول أن يخدم بها أبو موسى الأشعري أبناء سيدنا عمر، سيدنا عمر أول ما بلغه هذا الكلام قال: لا تردن الربح والمال. فعبيد الله بن عمر عبدالله بن عمر سكت، عبيد الله بن عمر قال: ليس لك هذا يا أمير المؤمنين، لانه لو هلك المال لكنا ضمنا، يعني نحن هاجرنا في هذا المال لكن لو كنا خسرناه أنا أتينا لك بالمال. يعني دخلوا في نزاع مع سيدنا عمر، ثم انتهوا إلى أن يردوا المال ثم يردوا نصف الربح أيضاً، لأن أبا موسى الأشعري لم يجعل هذا المال أو لم يجعل هذه الخدمة لكل الأبناء.

وكان سيدنا عمر يقاسم الولاة في أموالهم، إذا سيدنا عمر ولى أحد الناس ولاية ما، فانه يحسب ماله، إذا زاد ماله فانه يأخذ نصف هذه الزيادة ويردها إلى بيت المال، ولذلك حتى أن بعض الصحابة لم يروا أن يتولوا ولاية لسيدنا عمر لشدة سيدنا عمر في مسألة المال. على كل حال.

طيب كيف واجه الإسلام مثل هذه الأمور؟ هنا أمر إن شاء الله نجعلهم في حلقة أخرى ومسألة تجارة السلطان هذه من المسائل التي يجب أن نفهمها جيداً، فوجود دخول السلطة على التجارة التي في الرعية إنما يدل هذا على قرب انحلال وانهيار وتفكك الدولة، وعلى ترف وزخرفة السلطة.

للشاعر المصري المعروف حافظ إبراهيم قصيدة بعنوان شكوى مصر من الاحتلال، كان الاحتلال الإنجليزي في مصر الأموال إدارياً وحسابياً الأموال تنمو، لكن الحقيقة أن هذه الأموال تذهب إلى السلطة وأتباع السلطة؛ لأنه الأجانب كثروا في مصر، فبالتالي كان كل مكسب وأرباح هذه التجارة ذهبت إلى الأجانب. فهو يحكي هذا المعنى في قصيدته التي بعنوان شكوى مصر من الاحتلال فيقول:

لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت حواشيه حتى صار ظلماً منظماً عملتم على عز الجماد وذلنا فأغليتموه طيناً وأرخصتموه دماً إذا أخصبت أرض وأجدب أهلها فلا أطلعت نبتاً ولا جادها السماء نهش إلى الدينار حتى إذا مشى به ربه للسوق ألفاه درهما فلا تحسبوا في وفرة المال لم تفد متاعاً وإن لم تعصم الفقر المغلوب