دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 13. الذوبان في الغالب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه؛ أما لنظرها بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب.

فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به، وذلك هو الاقتداء؛ أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب. تغالط أيضاً بذلك عن الغلب، وهذا راجع للأول.

ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله، وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم مشابهين متشبهين بهم دائماً. وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم.

المتفوق له تأثير كبير على أصحابه وزملائه من حوله، حتى لو أنه لم يحاول أن يجذبهم إليه، مجرد أنه متفوق يجعلهم يراقبونه ويسألونه، يحاولون استكشاف أمره وعاداته في المذاكرة؛ يذاكر بالليل بالنهار بعد الفجر، أم في آخر الليل؟ يذاكر بالقلم والورقة، أم يذاكر بالآلات الحديثة والبرامج الحديثة الأبليكيشنز؟ كيف يذاكر؟ كيف يسأل؟ كيف ينظم وقته؟ مجرد تفوقه هذا هو الذي يجعلهم منجذبين إليه.

يفتشون ويراقبون عاداته وعوائده، حتى الكتب التي تحاول أن تقدم استشارات إدارية فمثلاً تقرأ العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، فهو يحاول أن يجمع العادات التي اعتادها أكثر الناس نجاحاً الذين حصل لهم ثراء واسع. تجد الكتب تقول كيف هي طريقة الإدارة لدى أكبر عشر شركات في العالم مثلاً، كيف يدير المفاوضون الكبار؟ ما هي عادات المفاوضين الكبار في إدارة الأمور؟ وهكذا.

فرغم أنه التفوق قد لا يكون ناتجاً عن هذه العادات؛ يعني هناك من يتفوق ويذاكر بالليل وهناك من يتفوق ويذاكر بالنهار، وهناك من يتفوق لأنه يذاكر بيده وهناك من يتفوق وهو يذاكر بالابليكيشنز. المسألة غير مرتبطة بالعادات، المسألة قد تكون مرتبطة بعبقرية وفرط ذكاء، أو بصبر شديد ودأب طويل، أو بكثرة استشارة المتخصصين، حتى طرق الإدارة طرق الإدارة تختلف؛ هناك من يدير بالحب وهناك من يدير بالكره، وهناك من يدير بالسطوة.

الذين بلغوا الثراء ربما بلغوا الثراء لأنهم توصلوا إلى اختراع، ولأنهم استطاعوا الحصول على صفقة، لأنهم ورثوا أموالاً أحياناً، لأنهم كانت لهم علاقات نافذة، لأنهم كانت لهم فكرة جديدة. يعني عادات الذي نجح في حياته ليست هي بالضرورة الشيء الذي يؤثر في نجاحه، لكن مجرد التفوق يجذب أنظار الناس إلى النظر في العادات التي يعتادها هذا المتفوق.

هذا الكلام يتضاعف تأثير المتفوق حين يكون غالباً على من سواه، حين تكون له السلطة والقوة حين يغلب على من سواه، يتضاعف تأثير التفوق ويتحول إلى تأثير انبهار، ويظهر هذا في الأطفال حين يقلدون آباءهم. يعني النموذج الأول للغالب في حياة الإنسان هو نموذج الأب، فتجد الطفل يتشبه بأبيه يجلس مثل ما يجلس يحاول أن يقلده في أموره، تجد الطالب طالب العلم يتشبه باستاذه أو بشيخه أحياناً يقلد طريقته في الكلام، في السكوت، في الإشارة، أن يعبث بلحيته، يمرر يده على حواجبه ونحو هذه الأمور.

فهذا التفوق الذي اقترن بالغلبة يعني السيطرة، هذا أكبر ما يشاهد فيه تأثير المغلوب بالغالب. هذا الأمر يتضح جداً في الدول والشعوب والمجتمعات؛ الدول والشعوب والمجتمعات تتأثر بمن غلبها. يعني الآن لماذا أنا أرتدي هذا الزي؟ لأنه في الحقيقة زي الغرب المتفوق. ولو كانت سبقت الحضارة الصينية أو الهندية أو اليابانية أو الأفريقية، كنا سنرتدي هذه الثياب أيضاً. لماذا يعني البرجر والبيتزا والأيفون والكولا؟ هذه مأكولات عالمية، إننا نحرص على النفور والحذر من المأكولات الصينية والأفريقية والهندية ولا نستسيغها، لأن هذه الحضارات لم تغلب.

فإذا نظرت إلى المعارك التي في عالمنا الإسلامي الآن؛ المرأة لها الحق في أن تلبس أو تخلع ما تشاء؟ ترث مثل الرجل أم لا؟ تسافر بغير محرم أو لا؟ لو تأملت في المواضيع التي تسيطر على حياتنا الفكرية ستجد أنها المنظومة الإسلامية وبين الغرب. واحد المفكرين كان يقول: لو أن الحضارة الهندية انتصرت لكنا سننادي بحرق المرأة بعد وفاة زوجها كواحد من حقوق المرأة، وربما كنا نتجادل لماذا يرفض الإسلام حرق المرأة نفسها بعد زوجها؟ أليس الإسلام يدعو إلى الوفاء ويدعو إلى يعني الوفاء للزوجية والحفاظ على ذكرى الزوج؟

الحضارة الغالبة هي التي تحدد حتى المواضيع والثقافات، لذلك تستطيع أن تعتبر مسألة الغلبة هي مسألة مؤشر تقيس بها حال الأمة. الأمة كلما احتفظت بهويتها وخصوصيتها كلما كانت أقرب إلى النهوض والتحرر الحضاري، وكلما كانت أكثر تشبهاً بغيرها كانت أقرب إلى الانهيار والانحلال. ابن خلدون طبقاً لهذه السنة توقع سقوط الأندلس قبل سقوطها بمائة عام يقول: وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر، إنهم الغالبون لهم.

حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في الاندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائلهم وأحوالهم، حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، والامر لله.

وتأمل في هذا سر قول العامة: على دين الملك، فانه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت رعيته لمن تحت يده، والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه. فهنا رغم أن الأندلس كانت حضارياً أقوى وأكثر تفوقاً علمياً في المعارف والصناعات والفنون والعلوم، رغم أنها كانت أكثر تفوقاً من الإسبان، إلا أن الإسبان كانوا يغلبون عليهم عسكرياً وما يزالون في انتصارات ويقتطعون من أرض الأندلس قطعة بعد قطعة، فتشبه الأندلسيون بهم، فلما رأى ابن خلدون هذا التشبه أيقن بعين الحكمة أن هذا من علامات الاستيلاء.

طبعا مسألة أن الناس على دين ملوكهم هذه من الطبائع التاريخية؛ الناس على دين ملوكهم، وليس كما يكون يولى عليكم بالمناسبة، كما تكونوا يولى عليكم هذا حديث ضعيف فيه انقطاع وفيه مجاهيل، وهو يخالف ما جاء في القرآن الكريم. يعني في القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2]. يعني يأتي النصر أولاً ثم يدخل الناس في دين الله أفواجاً، وليس يدخل الناس في دين الله أفواجاً ثم يأتي النصر.

وقول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: 10]. الفتح اللي هو هنا صلح الحديبية؛ لأن المجاهد في حالة ضعف الإسلام وقبل تمكنه ليس كالمجاهد والمنفق في حال قوة الإسلام. وجاء هذا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي سنته؛ فمن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». الأئمة المضلين يعني الحكام.

ولو نظرنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم سنجد النبي كان مهتماً بدعوة رؤوس الأقوام. نعم هو لا يغفل ولا يهمل من أراد أن يأتي للإسلام، لكن دعوة النبي كحالة حركية كانت تتجه إلى القادة والزعماء. تتجه إلى قادة مكة حتى قال الله له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]. ثم لما أغلقوا عليه هذا باب اتجه إلى الطائف، وهناك قابل رؤوس الطائف، لم يقابل عوام الناس، فلما رده رؤوس الطائف عاد ولم يهتم أن يبقى ليدعو الضعفاء والعامة.

ثم صار يعرض نفسه على رؤوس القبائل، فإذا رده رأس القبيلة لم يفكر في أن يذهب إلى قبيلته، ولم يسلم الأنصار إلا باسلام زعمائهم؛ سعد بن معاذ. وعلى هذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وسيدنا عمر رضي الله عنه يقول لزياد بن حدير: أتعرف ما يهدم الدين؟ يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين.

سيدنا عثمان بن عفان يقول: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وهذا أطرد في كلام أئمتنا وعلمائنا من أن الناس على دين ملوكهم، وأن الملك النظام السلطة أقدر على التأثير في الناس من قدرة الناس على التأثير في السلطة. هذا يوجد عند ابن تيمية وعند ابن كثير وعند غيرهم، حتى ألف المؤرخ اليعقوبي كتابه مشاكلة الناس لزمانهم، المؤرخ اليعقوبي هذا مات في القرن الثالث للهجرة، فصار يأتي عند كل خليفة وكيف تنتشر أخلاق هذا الخليفة في قومه من بعده.

لأجل هذا نقول إنه الإسلام هو أكثر الأمم مقاومة للذوبان في الغالب. يعني مع نهاية الاتحاد السوفيتي خرج مفكر أمريكي فرانسيس فوكوياما وكتب كتابه نهاية التاريخ. كتاب نهاية التاريخ يتكلم فيه عن أنه الليبرالية الرأسمالية هي نهاية التاريخ، هذه هي الذروة في أفكار البشر. وذكر في كتابه بعض المعوقات الأمة التي ذكرها باعتبارها معوق هي الأمة الإسلامية.

رد عليه مفكر أمريكي آخر صامويل هنتنغتون وقال له: لا، العالم يدخل إلى عالم صدام الحضارات، إحنا كل ما بندي حرية للناس الناس يتقوقعون حول خصوصياتهم، لكن بالفعل أكثر أمة عاملة مشكلة برضو هي الأمة الإسلامية. فالأمة الإسلامية هي أكثر الأمم مقاومة للذوبان في الغالب. الأسباب كثيرة، لكن من أهمها ما انتبه إليه المستشرق الفرنسي القديم رينان، كان يقول إنه الإسلام متغلغل في حياة المسلمين؛ كل يوم المسلم مليء بالصلوات، فيه خمس صلوات في اليوم، العادات الإسلامية مرتبطة بالقيم الإسلامية، فالقيم الإسلامية تحولت إلى عادات، فلذلك صار الإسلام يسكن اللحم والدم، موجود في الأمور الاجتماعية المرتبطة بالأمة.

فلاجل هذا انتزاع الإسلام من الأمة هو أشد الأمور صعوبة. بينما الهند تأثرت بالحداثة الغربية تأثراً كبيراً، الصين نفس الكلام، اليابانيون نفس الكلام، حتى إن كثيراً من هذه البلاد تعاني من أزمة هوية؛ لأنه نجح فيهم التغريب أكثر بكثير ممن نجح في بلادنا رغم المجهود الضخم المبذول لينجح في بلادنا.

لذلك في الحقيقة كل تمسك بالإسلام هو خصم من الذوبان في الغالب؛ يعني أن أرتدي الجلباب خير من أن أرتدي هذا الزي، أن أُعطي الدرس في مسجد خير من أن أُعطيه في قاعة محاضرات. ليس لأن هذا الزي حرام أو ليس لأن قاعة المحاضرات حرام، ولكن المنظومة الثقافية التي يرتبط فيها المعاني بالاشكال والمباني، المعاني بالمباني والأشكال بالمضامين، هذه المنظومة الثقافية كلها يدعم بعضها بعضاً.

زوال الخصوصيات والعادات الشخصية والملابس التقليدية، وزوال أشكال التكافل في حياتنا الاجتماعية، كل هذا من علامات التشبه التي هي علامة ولع المغلوب بتقليد الغالب. أبو العتاهية شاعر عرف بشاعر الزهد، من أشهر شعراء العصر العباسي، عبر عن المعنى الذي تحدثنا فيه بقوله: لكل شيء جرى فيه القضا سبب والدهر فيه وفي تصريفه عجب. ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها فكيف ما انقلبت يوماً به انقلبوا. يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت يوماً عليه بما لا يشتهي وصدق ما منه كفينا.

أخذنا الحب والإشراق لتاريخ لهم كنا نسود الأرض بالأخلاق.