اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها، انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك.
وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب. فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش، كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالأموال جملة بدخوله من جميع أبوابها.
وإن كان الاعتداء يسيرا، كان الانقباض عن الكسب على نسبته. والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين جايين، فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران.
في عام ألفين وستاشر كان عدد المهاجرين من الشعب المصري عشرة مليون تقريبا، عشرة مليون يعني عشر الشعب المصري، أكثر من عشر الشعب المصري في ذلك الوقت. وفي عام ألفين وتسعتاشر أصدر الجهاز المركزي للمحاسبات تقريرا يقول بأن نسبة زيادة الهجرة من مصر هي في حدود العشرة بالمية، يعني معدل الهجرة يتزايد بنسبة عشرة بالمية.
ابن خلدون يتحدث عن أن الظلم مؤذن بخراب العمران. كيف؟ هناك قصة أو حكمة فارسية تحاول تبسيط كيف أن الظلم يودي بالعمران، الحكمة الفارسية دي من الحكم التي ذكرت في كتب السياسة الشرعية وكتب الآداب السلطانية لكي تنصح الملك كيف يفعل.
فيقال إن أحد الملوك الفرس اسمه بهرام بن بهرام كان جالسا ومعه نديمه، وسمعوا صوت البوم. فلما سمعوا صوت البوم يسأل نديمه: هل من يعرف لغة البوم؟ فقال له: أنا أعر فها أيها الملك، هذه بومة أنثى تقول البوم الذكر إنه إذا أراد أن يخطبها فإنها تريد مهرها عشرين قرية خرابا، الخراب يعني لكي تنعق فيه. فقال لها: لو استمر حكم هذا الملك فلك مني مائة قرية خرابا.
فالتفت هذا الملك الفارسي وسأل نديمه، فقال له: أيها الملك إن الملك لا يتم عزته إلا بالشريعة، الشريعة إطاعة أمر الله تبارك وتعالى، والشريعة لا قوام لها إلا بالملك، والملك لا قوام له إلا بالرجال، والرجال لا قوام لهم إلا بالمال، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل.
وأنت أيها الملك -وهنا يبدأ الظلم، الظلم يبدأ من الملك أنه انتزع لكي يتمتع هو وتتمتع حاشيته- فانتزع الضياع والأراضي من أهلها وأعطاها لحاشيته، وحاشيته كان همهم الإنفاق والترف والتمتع. وبالتالي الذين يقومون على شأن العمارة في هذه الضياع وفي هذه الدور وفي هذه الأملاك والأموال سحبت من أيديهم، انتزعت من أيديهم، لم تعد مفيدة بالنسبة لهم فهاجروا من ديارهم، خربت تلك الدور وخربت تلك الضياع.
وبالتالي عاد هذا على الجيش بالضعف، وبالتالي عاد هذا على الدولة بالضعف، وبالتالي عاد هذا على أن أعداء الدولة لما رأوا منها ثغرات بدأوا في انتهابها واقتطاعها والطمع فيها. فيقولون، هذه القصة الفارسية تقول بأن الملك انتبه لهذا المعنى ورد الضياع والأوال والدور إلى أصحابها لكي يقوموا عليها، ونزعها من حاشيته. وبالتالي بدأت تحدث العمارة، بدأت تأتي الأموال، والأموال تقوي الأجناد، والأجناد تقوي الدولة، والدولة تنتصر على أعدائها. وبالتالي القصة تحاول أن تسلسل وتشرح كيف أن الظلم مؤذن بخراب العمران، وأن المسألة مش مسألة كفاءة إدارية، لما الملك يكون ظالم يستطيع أنه بكفاءته الإدارية يقوي العمران.
هنا سنجد أنه مسألة الظلم المؤذن بخراب العمران راجع إلى معنى أن الناس حين ييأسون -ده الفكرة التي يذكرها ابن خلدون- الناس حين يكتسبون الأموال لكن الأموال مصيرها إلى الانتهاب منهم، أنها تنتهب منهم، تنتزع منهم، فبالتالي يقصر سعيهم عن اكتساب هذه الأموال، لأن الأموال في النهاية ستنتهي. التقصير في هذا السعي يأتي بالكسل عن النشاط، الكسل عن النشاط في الإنتاج وفي الحركة وفي العمل وفي التجارة يضعف هذه الأحوال، الأحوال العمرانية والأحوال الاقتصادية والأحوال التجارية، وبالتالي لا يجد الحاكم نفسه المال الذي يستطيع أن ينتزعه، ويعود هذا بالضعف على الجميع وبالضعف على الرعية بطبيعة الحال، فيرن العمران وتنتهي الدول.
طيب، فبعض الناس قد يقول مثلا إنه لأ، الكلام ده مش صحيح، في دول ظالمة ودكتاتورية ومستبدة ومع ذلك الأمر فيها ليس على هذا النحو. دولة زي الصين مثلا ما هي دولة مستبدة جدا وديكتاتورية جدا، ولكن نشاطها الاقتصادي عالي جدا وتمثل نسبة المركز التاني في الاقتصاد العالمي.
قبل أن أتي إلى هذه النقطة أذكر أمرا مهم، في هذا العصر الذي نحن فيه، الدول الغربية الاستعمارية الكبرى الاجنبية المسيطرة على عالمنا حريصة على تنصيب الأنظمة الظالمة الفاسدة لكي تنهب لهم أموالنا ومواردنا وثرواتنا. كتاب زي كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم، هذا الكتاب الذي ألفه خبير اقتصادي جون بيركنز، كان خبير اقتصادي يعمل على إغراق البلاد بالديون، ثم مقابل أنه سيحصل هناك نهضة يخطط لهم تخطيطا مموها أنه ستحصل نهضة، ثم تغرق البلد بالديون، وبالتالي تظل الموارد تنزاح إلى الدول الغربية وتشترى المواقف السياسية.
كان يركز على أن هذا النظام الرأسمالي يعتمد على وجود الفساد لدى الحاكم، لا يصلح لها الحاكم الوطني، لابد أن يكون الحاكم فاسدا لكي تمثل الإغراءات التي تعطى له وتمثل إغراءات وجوده في السلطة الأمر الذي يعتمد عليه في أن يبيع ويستهلك ويستنزف ويستجيب لهذه الخطط التي تستنزف موارد الدولة.
قبل أيام من تسجيل هذه الحلقة استقالت كبيرة اقتصادي البنك الدولي، لأن البنك الدولي، قيادة البنك الدولي، رفضت نشر بحث رصدت فيه أن قروض البنك الدولي لهذه الأنظمة تساوي أو توازي تضخم مصارف هذه الأنظمة في البلاد التي تمثل الملاذات الضريبية؛ البلاد اللي بيبقى فيها بنوك خارجة عن الرقابة وخارجة عن الضرائب، يعطى قرض البنك الدولي، فبالتالي نرى تضخما في الحسابات المصرفية، وبالتالي القروض لا تذهب أصلا إلى التنمية، وهذا هو المقصود من العملية التي تستنزفها الدول.
نأتي للسؤال: طيب، كيف نفسر حالة الصين؟ سأترك الرد لابن خلدون يقول: ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالأمصار العظيمة من الدول التي بها، ولم يقع فيها خراب. واعلم أن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بين الاعتداء وأحوال أهل مصر. فلما كان المصر كبيرا وعمرانه كثيرا وأحواله متسعة بما لا ينحصر، كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم يسيرا، لأن النقص إنما يقع بالتدريج، فإذا خفي بكثرة الأحوال واتساع الأعمال في مصر لم يظهر أثره إلا بعد حين. وقد تذهب تلك الدولة المعتدية من أصلها قبل خرابه، وتجيء الدولة الأخرى فترفعه بجدتها وتجبر النقص الذي كان خفيا فيه، فلا يكاد يشعر به إلا أن ذلك في الأقل النذر.
ابن خلدون يلفت النظر هنا إلى عامل قد يخفي سنة أن الظلم مؤذن بخراب العمران، وهو أن هذه الدولة تكون متسعة العمران، وافرة الحضارة، كثيرة الثروة. الدول المتسعة العمران وافرة الحضارة كثيرة الثروة، الظلم يؤثر فيها، نعم، يؤثر فيها فعلا وينقص منها، لاتساع العمارة وفور الحضارة وكثرة الأموال لا يبدو هذا ظاهرا عيانا جليا كما يظهر في الدول التي تكون في الأقل منها.
في التاريخ أمثلة، بالمناسبة مصر كانت من هذه الأمثلة، ولعلنا في ختام الحلقة نشير إلى شيء من هذا. لكن مصر كانت بوفور أموالها، حتى وإن وقع فيها الظلم، لا ينتهي منها العمران، يؤخر نعم، ينحط شأن العمران فيها نعم، لكن لا يختفي ذلك بالكلية. فوفور الحضارة واتساع العمران يعطي فرصة أوسع لظهور الخراب، لما يعطي فرصة أوسع لظهور الخراب قد تنتهي الدولة الظالمة، النظام الظالم، ويأتي نظام آخر يستطيع أن يرفع بهمته النقص الذي كان واقعا. فهذا يفسر مسألة وجود دول مثلا زي الاتحاد السوفيتي، زي الصين، الدول التي كانت اتساعها وعمرانها يطيل من عمر بقائها دون خراب العمران ويؤجل ظهور هذه السنة، ولكن في النهاية السنة ماضية في أن الظلم مؤذن بخراب العمران.
بمناسبة مصر، لنعلم أنه مصر كانت من الدول العظيمة الثروة إلى درجة أنه لم تظهر فيها الهجرة إلا في السبعينات، مع بداية الحكم العسكري، قبلها قليل في الستينات، أقل في الخمسينات، ولم يحدث أن المصريين هاجروا أراضيهم إلا في عصر محمد علي. محمد علي كان طاغية جبارا متوحشا، وخربت الأرض في عصره.
لكن الشعر الذي سجله أبو الطيب المتنبي وهو يهجو كافور الإخشيدي حاكم مصر، فتعجب أبو الطيب المتنبي من وجود ظلم في مصر ووجود انتهاب للأموال ومع ذلك الخيرات لا تزال وافرة. نحن لا نأخذ الكلام هنا على أنه حقيقي، لأن العلاقة بين كافور والمتنبي يحتاج تحرير في مقام آخر، لكن لأننا نريد أن يستقر الكلام من خلال الشعر فنذكر لكم هذه الابيات، قال يهجو كافور الإخشيدي:
إني نزلت بكذابين ضيفهم عن القرى وعن الترحال محدود جود الرجال من الأيدي وجودهم من اللسان فما كانوا ولا الجود لا يقبض الموت نفسا من نفوسهم إلا وفي يده من نتنها عود ثم يقول: نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمنا وما تفنى العناقيد ما منه كفينا اخذنا الحب والاشراق.
محمد إلهامي