فاذا استمرت الدولة واتصلت وذهب سر البداوة وجاء الملك والححضارة وتكثرت عوائدهم وحوائجهم بسبب ما غمسوا فيه من النعيم والترف، فيكبرون الوظائف والوزائع حينئذ على الرعايا ويزيدون في كل وظيفة ووزيعة مقدارا عظيما لتكثر لهم الجباية.
ويضعون المكوس على المبايعات وفي الابواب حتى تثقل المغارم على الرعايا وتهضمهم، فتذهب غبطة الرعايا في الاعتمار لذهاب الامل من نفوسهم بقلة النفع إذا قابل بين نفعه ومغارمه وبين وفائدته.
فتنقبض كثير من الايدي عن الاعتمار جملة، فتنقص جملة الجباية إلى أن ينتقص العمران ويعود وبال ذلك على الدولة.
وإذا فهمت ذلك، علمت أن أقوى الاسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف من السنن التي يكشف النظر عنها ابن خلدون.
وهذه القاعدة معروفة باسمه حتى في الدراسات الغربية؛ أن الدولة في البداية تكون قليلة الضرائب لكن كثيرة الموارد والاموال، بينما الدولة في حال انهيارها تكون كثيرة الضرائب ومع ذلك قليلة الموارد والاموال.
كيف يكون ذلك؟ الدولة في بداية امرها لها حالتان. الحالة الاولى: اما ان تكون دولة على هدي الشرع، يعني دولة تسير على الكتاب والسنة، فمقدار الاموال التي ينبغي أن تأخذها السلطة من الناس مقادير محددة وقليلة، الزكاة، الخراج، العشور، الجزية.
يعني هذه اموال قليلة ومحدودة ولا يجوز للدولة، لا يجوز للسلطة ان تأخذ من اموال الناس فوق هذه المقادير المحددة الموزعة التي اقرها القرآن الكريم والسنة النبوية وعمل على الاجتهاد فيها الفقهاء فيما بعد.
اذا لم تكن الدولة على هذا الشرع، كانت على سنن الملك الطبيعية، فاهل الدولة في البداية الذين هم مؤسسو الدولة والقائمون بأمر الدولة يكونون عادة اهل قوة وخشونة وبداوة، يعني ناس مترفعين عن مسائل الاموال وعن الطمع.
عادة مؤسسو الدول هم الشخصيات القوية ذوو الطموح والهمة العالية والنفوس النبيلة، فالدولة في بدايتها مع هؤلاء المؤسسين لا يكون اهلها في حاجة إلى الترف، يكون اهلها محاربين ومقاتلين واشداء، ولهم من سياسة الناس ومن التعامل مع الرعايا ومن التعامل مع وجوه القوم واعيانهم ما يجعلهم يترفعون عن اموالهم.
وأصلا الدولة في تلك المرحلة، التي هي مرحلة البدايات، تكون مهتمة بالامور الاساسية، الجيوش، الامن، الامور القوية، ولا تكون مهتمة بالترف والزخارف والزينة.
وبالتالي يعمل كل هذا على ان الضرائب تكون قليلة وفي حدها الادنى، حين تكون الضرائب قليلة وفي حدها الادنى ينشط الوضع التجاري؛ لانه أي تاجر أو أي فلاح أو أي انسان يعمل هو يكسب كثيرا ويدفع ضرائب قليلة، يدفع موارد قليلة.
وبالتالي كثرة مكسبه تحمله على كثرة نشاطه وتجارته واتساعها، ومع كثرة النشاط والتجارة والاتساع ينشأ العمران ويتطور العمران وتتسع الحالة، وتكون الرعية في قدر من الراحة والامل والنشاط وفي قدر من الغنى ايضا، رغم ان الضرائب قليلة، ورغم ان الموارد التي تصيبها الدولة بناء على اتساع النشاط الموارد تكون كثيرة.
يعني صحيح ان مقدار الضرائب قليل، لكن لكثرة الاموال فالضرائب تكون الموارد تكون كثيرة.
حين ننتقل إلى المرحلة الاخرى، الدولة تطورت وذهب سر البداوة، ذهب المؤسسون الاوائل، جاء الذين تدرجوا في الترف والنعيم، بدأت الدولة تتخذ طابع الزخارف والزينة والقصور والتجمل.
هذا في هذه اللحظة مع ضعف الدولة وهرمها، تبدأ الدولة في فرض الكثير من الضرائب وهنا تبدأ تظهر الضرائب على التجارات والضرائب على المبيعات والضرائب على العقارات والضرائب على الخدمات؛ لانه السلطة تحاول ان تستثمر وتكثر من مواردها لكي تحافظ على ترفها.
حين تكثر الضرائب ما الذي يحدث؟ يحدث ان الناس الذين يتاجرون وينشطون ويعملون يدفعون الكثير من الاموال، دفع الكثير من الاموال يقلل مكاسبهم في حركتهم التجارية؛ لانه بيدفع اموال كثيرة المكسب يقل، وبالتالي حين يقل المكسب تضيق دائرة العمران، يكسد امر التجارة.
وبالتالي صحيح الضرائب الموجودة كثيرة التي تأخذها الدولة من الناس، لكن المقادير التي تستطيع ان تأتي بها الدولة قليلة؛ لانه المكاسب في حد ذاتها صارت اقل والعمران يبدأ في ان ينزوي ويضعف ويذبل، بينما ترف السلطة هو الذي يتضخم.
فالحقيقة أن ترف السلطة، يعني القصور الرئاسية والقصور الملكية والمواكب الفخمة والحفلات الهائلة، كل هذا يتغذى من اموال الناس، وبالتالي يتغذى من مكاسب الناس، وهذا يعود في النهاية على الناس بالخسارة وقلة المكاسب، ثم يعود هو نفسه على الدولة بقلة الموارد رغم كثرة الضرائب.
يلفت ابن خلدون النظر إلى امر آخر يقول: ثم يزيد الخراج والحاجات والتدريج في عوائد الترف وفي العطاء للحامية، ويدرك الدولة الهرم وتضعف عصابتها عن جباية الاموال من الاعمال والقاصية.
فتقل الجباية وتكثر العوائد، ويكثر بكثرتها ارزاق الجند وعطاؤه، فيستحدث صاحب الدولة انواعا من الجباية يضربها على البيعات ويفوض لها قدرا معلوما على الاثمان في الاسواق وعلى اعيان السلع في اموال المدينة.
وهو مع ذلك مضطر لذلك بما دعاه اليه ترف الناس من كثرة العطاء مع زيادة الجيوش والحامية، وربما يزيد ذلك في اواخر الدولة زيادة بالغة، فتككسد الاسواق لفساد الاموال ويؤذن ذلك باختلال العمران ويعود على الدولة، ولا يزال ذلك يتزايد إلى ان يضمحل.
يلفت النظر ابن خلدون إلى انه الدولة في حالة الهرم تزهر فيها مراكز القوة، مراكز القوة وبالذات تتمثل في الجيوش واجهزة الامن؛ لانه الدولة الان فرضت ضرائب كثيرة على الناس وهي تحتاج إلى الترف، وهذا يضر بالناس، ولكن لا يستطيع صاحب الدولة صاحب السلطة ان يتخلى عن الترف ويتراجع عنه ولا يستطيع، يعني هو اذا تخلى عن الترف وتراجع عنه فقد ينقلب عليه اهل دولته، العساكر والجنود واهل النفوذ.
فهو دائما مضطر إلى الحفاظ على ترفه والحفاظ على صورته وهيبته وتأمين الزخارف والمتع والترف والعطايا لاهل دولته.
في هذه الحالة، بعض مراكز القوى الموجودة عنده يفوض لهم امر جباية الاموال، فهم يكثرون من اموالهم وهو يحاول ان يحافظ على الدولة فهم يكثرون من اموالهم، فهذه الكثرة من الاموال تعود على الرعية بالضعف مع ضعف الدولة ووجود اهلها في مراحل من الترف.
الاطراف القاسية البعيدة أو بعض مراكز القوى لا تؤدي الضرائب لانها موجودة في دوائر نفوذ أو موجودة في مكان بعيد، والدولة لا تستطيع أن تحارب لكي تجبي من هذه الاموال البعيدة، فكل هذا يؤدي إلى تناقص الاموال العائدة على الدولة، وهي التي تعالجها بكثرة الضرائب.
وبالتالي تحدث هذه الدائرة المستمرة التي يتبع بعضها بعضا، اموال قليلة في الضرائب تكثر، الضرائب تكثر تقل الاموال الاتية من الضرائب وتقل الاموال الاتية من الضرائب، وبالتالي يتفنن في زيادة ضرائب أكثر.
يفوض بعض الناس بالجبايات ويحاول أن يؤمن ترف السلطة والسلطان والحاشية لكي لا تنقلب عليه، فكل هذا يزيد في الضيق الذي يعاني منه الناس وبالتالي يزيد في الضيق على العمران، وبالتالي يزيد في قلة الضرر والاموال، ولا يزال هذا حتى تذبل الدولة.
كيف يعالج الاسلام هذا؟ عالج الاسلام هذا بنزع الاسلام من يد السلطان مسألة أن يفرض الضرائب.
فرض الضرائب كبيرة من الكبائر في الاسلام، وفي الحديث: «والله لقد تاب التوبة لو تابها صاحب مكس لغفر له».
وفرض الضرائب أكبر من الزنا والسرقة؛ إن فرض الضرائب ذنب عام، لكن الزنا والسرقة في الآخر ذنب خاص، يعني يقع بين رجل أو امرأة ويقع بين رجال، لكن فرض الضرائب هذا أمر عام وهو من الكبائر في الاسلام.
وبالتالي جعل كل ضريبة يفرضها السلطان هو ذنب يجب على القادر ألا يستنيم لها ولا يطيعها ولا يؤديها، يعني من استطاع أن يتهرب من الضرائب كان له هذا؛ لانه لا يجوز مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس.
والعلماء الذين أجازوا فرض الضرائب أجازوها في الحالات الخاصة؛ حين تأتي داهية عامة، حرب كبرى، زلزال كبير، كارثة، هذه الحرب لا تقوم لها خزانة الدولة، فحينئذ حين تفرغ خزانة الدولة يجوز للحاكم أن يفرض الضرائب.
ولكن يفرضها على من؟ يفرضها على الاغنياء دون الفقراء، لا يفرضها على الجميع حتى إذا تساوى الاغنياء والفقراء يمكن أن ينزل إلى فرضها على الجميع، ويكون هذا استثناء موقوتا بوقته وبقدره، يعني اذا زالت الحاجة زالت هذه الضرائب، ويكون هذا الامر من قبيل الاستثناءات والاضطرار والاضطرارات لا أكثر.
كذلك نهى الاسلام عن العمل في اروقة السلطة الجائرة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون من بعدي أمراء»، ثم وصفهم بالظلم، ثم قال: «فإذا أدركتموهم فلا يكونن أحدكم لهم عريفا ولا جابيا».
وعريفا يعني من اجهزة الشرطة، جابيا يعني من اجهزة المالية، وكثر هذا الكلام في حديث النبي صلى الله عليه وسلم مما لا يتسع له الوقت بطبيعة الحال، لكن القصد انه مجرد فرض الضرائب في الاسلام هو عمل جرمه الاسلام، وهو عمل اباح الاسلام مقاومته حتى لا يزيد ترف السلطة واموال الناس بالإثم والباطل.
للشاعر المشهور أبو الطيب المتنبي قصيدة بهذا المعنى ذكر فيه هذا المعنى معنى ارتباط المال بالمجد، وأن زيادة المال أو زيادة انفاق المال يعود على المجد بالضعف.
فقال لكفور الإخشيدي حين كان يمدحه قبل أن يهجره فيما بعد، قال له:
فلا ينحلل في المجد مالك كله فينحل مجد كان بالمال عقده ودبره تدبير الذي المجد كفه إذا حارب الاعداء والمال زنده فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وللتاريخ أنه كنا نسود الارض بالاخلاق.
محمد إلهامي