طوبى لمن شرا بتأريخ له كنا نسود الأرض بالأخلاق، فكم سدنا بعهده صدق والميثاق. حضارات إن بنيناها بأيديكم لها نشتاق، بومض نوره سرا ندى في نهجهم عبر كنبتلهم.
الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء. السبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم، فيقصر الأمل ويضعف التناسل والاعتمار إنما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية.
فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال، وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم، تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم لما خضد الغلب من شوكتهم. فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل.
في بلادنا المغلوبة تتزايد نسب الانتحار؛ آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية كانت مصر الأولى عربيا في الانتحار، ثلاثة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون حالة انتحار في عام واحد. يليها السودان ثلاثة آلاف ومئتان وخمسة حالة، ثم اليمن ألفان وثلاثمائة وخمسة وثلاثون حالة، ثم الجزائر، ثم العراق، ثم السعودية. وفي بلادنا تزيد حالة الطلاق؛ مصر في مصر مثلا عام ألفين وثمنات عشر، مئتان وخمسة عشر ألف وخمسمائة حالة طلاق.
عدد المطلقات تقريبا خمسة مليون وستمائة ألف مطلقة، ينتج عن ذلك تضرر تقريبا سبعة ملايين طفل، بالإضافة إلى مئتين وخمسين ألف حالة خلع. وطبقاً لتقرير مركز معلومات رئاسة الوزراء، حالة الطلاق في مصر أصبحت بواقع حالة كل دقيقتين ونصف، وتقل نسب الزواج؛ عقود الزواج تناقصت من ثمنمائة سبعة وثمانين ألف عقد خلال عام ألفين وثمنات عشر، كانت في عام ألفين وسبعة عشر تسعمائة واثني عشر ألف وستمائة وستة عقد زواج.
وبالتالي تزيد نسبة العنوسة عند الشباب والبنات حتى بلغت نسبة غير المتزوجين خمسة عشر مليون حالة، وفي نفس الوقت يقل معدل إنجاب الأطفال، يزداد التفكك الأسري، تزداد نسبة الهجرة إلى الخارج. ثلاثة أرباع العقول المهاجرة تذهب إلى كندا وأمريكا، بلادنا تخسر مئتي مليار دولار من أثر هجرة العقول؛ العلماء العرب السنة الواحدة يهاجر منهم مائة ألف إلى الدول الغربية، ثلث الكفاءات المهاجرة عبر العالم من العرب.
مصر وحدها هاجر منها ستة وثمانون ألف عالم، منهم حوالي ألفين متخصصين في الطاقة النووية. السبب كما يقول ابن خلدون هو ما يكون من التكاسل؛ الإنسان حين يفقد الأمل يفقد الرغبة في النشاط، في العمل، في الجد، يفقد الرغبة في الزواج، وإذا تزوج وشعر بالمسؤوليات يفقد الرغبة في استمرار الزواج فيسارع إلى الطلاق، أو يسارع إلى هجران البيت. والآن نسب هائلة من نسب النساء المعيلات التي تتولى رعاية الأطفال.
يعني ازدياد نسبة الطلاق، وازدياد نسبة هجران البيت، وازدياد نسبة الانتحار، كل هذا راجع إلى زوال الأمل، حصول اليأس، أصول القهر؛ القهر الذي لا يجد فيه الإنسان مجالا لأن يفعل شيئا. الأصل في العمران، الأصل في الحياة، الأصل في النشاط المادي، الأصل في الإنجاز، أن يكون مدفوعا بالأمل، فإذا زال الأمل وحصل القهر وكان الإنسان المغلوب لا يستطيع أن يدفع هذا القهر عن نفسه، تناقص هذا، هذا مسلما هو حاصل في الأفراد يحصل في الأمم.
الأمم المغلوبة تذوب؛ لا تذوب بمعنى أنها تفنى وتباد بمعنى أن الناس تختفي بطبيعة الحال، وإنما الأمة ككيان ككتلة، هذه الأمة تذوب وتدخل في طاعة الأمة التي غلبتها أو طاعة الحضارة التي غلبتها. مصير الأمم المغلوبة هو الذوبان، الانتهاء، التلاشي؛ يحدث هذا بالنسبة للأفراد كما يحدث هذا بالنسبة للمجتمعات.
ولذلك الطغيان بما يكسره من قوة الأمة، وبما يسببه من ضعف الأمل؛ ابن خلدون يتكلم عن لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة، الطغيان بما يفعل ذلك فهو يمهد الأمة للاحتلال لأنه يكسر هذه الطاقات. يعني ابن الأثير يفسر هذا الانتشار السريع للتتار بأنهم لم يجدوا المانع، لماذا لم يجدوا المانع؟ لأن محمد خوارزم شاه صاحب الدولة الخوارزمية كسر بطغيانه وحروبه الأمم التي كانت محيطة به فلم يبق إلا أن ينكسر هو أمام التتار، لكي يجد التتار قوة لا يجدوا قوة تدافعهم ولا تمنعهم. فكان يقول إنما انتشروا هذا الانتشار لزوال المانع.
نقرأ من ابن خلدون: فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء والبقاء لله وحده. واعتبر ذلك في أمة الفرس، كيف كانت قد ملأت العالم كثرة، ولما فنيت حاميتهم في أيام العرب بقي منهم كثير وأكثر من الكثير. يقال إن سعدا يعني ابن أبي وقاص أحصى ما وراء المدائن يعني من الفرس فكانوا مائة ألف وسبعة وثلاثين ألفا، منهم سبعة وثلاثون ألفا رب بيت. ولما تحصلوا في ملكة العرب وقبضة القهر لم يكن بقاؤهم إلا قليلا ودثروا كأن لم يكونوا. ولا تحسبن أن ذلك لظلم نزل بهم أو عدوان شملهم فملكة الإسلام في العدل ما علمت، وإنما هي طبيعة في الإنسان إذا غلب على أمره وصار آلة لغيره.
فابن خلدون هنا يلفت النظر إلى أنه ذوبان الأمة أو انتهائها ليس لوجود الظلم الذي نزل بهم، يعني ليس بالضروري أن يكون نزل بهم ظلم أو شملهم عدوان، وإنما هي الأمة حين تغلب تنحل ككيان.
لمثل هذا كان المسلمون؛ النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده كانوا شديدي الحساسية لئلا يتكرر على المسلمين هزيمة، وهذا ما يجب أن يحاوله المسلم في نفسه. فالنبي صلى الله عليه وسلم أصر أن يخرج بمن غلب معه من صحابته في أحد إلى معركة حمراء الأسد في اليوم الثاني مباشرة، لكي لا تصاب، لا تتكرر الهزيمة. وبالفعل استطاعوا أن يتجنبوا حصول وقوع هذه الهزيمة من خلال معركة حمراء الأسد.
النبي صلى الله عليه وسلم لما بدت بوادر هزيمة في حنين وقف وجمع إليه الصحابة وصار ينادي: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، حتى جاءه الصحابة وانقلبت الهزيمة إلى نصر مرة أخرى.
سيدنا أبو بكر في حروب الردة؛ بنو حنيفة هزموا جيشين للمسلمين بقيادة شرحبيل وقيادة عكرمة، ومع ذلك ظل يدفع إليهم الأرصاد حتى خالد بن الوليد، فانتصر على بني حنيفة. في فتوحات فارس هزم المسلمون في معركة الجسر في خمس وعشرين شعبان سنة ثلاث عشرة هجرية، فأتبعه عمر رضي الله عنه وكان في ذلك الوقت أمير المؤمنين بجيوش أخرى حتى أعادت الانتصار في معركة البويب ثلاث عشرة رمضان سنة ثلاث عشرة هجري، يعني بعد موقعة الجسر بأقل من عشرين يوم.
كان النبي وصحابته من بعده شديدي الحساسية ألا تتكرر الهزيمة على المسلم، إن وجود الهزيمة يحل ويضعف من قوة الإنسان في نفسه، كما يحل ويضعف من قوة الكيان.
وخالد بن الوليد رضي الله عنه لما سمع رجلا من المسلمين في معركة اليرموك يقول: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! الروم في ذلك الوقت كانوا مئتين وخمسين ألفا أو مئتي ألف، المسلمون ثلاثة وثلاثين ألفا. فسيدنا خالد قال: بل قل ما أقل الروم وما أكثر المسلمين! إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالهزيمة. وفعلا الروم كانوا مسلسلين في هذه المعركة لما توالى عليهم من انتصارات المسلمين.
سيدنا خالد كان يدرك هذه القاعدة: إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالهزيمة، وانتصر المسلمون في اليرموك مع هذا الفارق الهائل في العدد.
أبو مسلم الخراساني كانت له كلمة مشهورة لما سئل من أقوى الناس؟ قال: كل قوم في إقبال دولتهم. القوم في إقبال الدولة يتمتعون بالنصر، ويزيدهم النصر قوة إلى قوتهم، فلذلك أقوى الناس هم القوم في إقبال دولتهم.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر المسلم؛ المسلم سيقع في معاصي، فماذا يفعل؟ يسارع بالتوبة ويسارع بأن يتلوها بحسنات: واتبع السيئة الحسنة تمحوها؛ لأنه إذا تكررت السيئة على المسلم وصار يضعف وينهار أمام نفسه أو أمام الشيطان، فيصعب للغاية أن يسترد قوته فيما بعد. هذا في الناس كما هو في الجماعات والأمم.
واليأس عند المسلمين من الكبائر، بل وصفه القرآن الكريم بأنه كفر؛ ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ من رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
والانتحار من أكبر الكبائر في الإسلام، النبي صلى الله عليه وسلم في حديث شديد الوطأة المنتحر يعني يريد أن يتخلص من حياته، النبي صلى الله عليه وسلم وعده بأن يتكرر عليه عذابه: «من وجأ نفسه بحديدة فحديدته في يده في نار جهنم، لا يزال يتوجأ بها فيه خالد مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من شاهق فتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». والانتحار عمل من أكبر الكبائر لأنه دليل على الضعف والانهيار والذلة والسقوط النفسي، ولا ينبغي للمسلم ولا للأمة أن تكون هذا.
وقد وعدنا الله تبارك وتعالى بأن هذه الأمة لن تفنى ولن يكون لها مصير الأمة المغلوبة، ففي الحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستأصل شأفتهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم شديدا فمنعنيها». فمسألة ذوبان الأمة وانتهائها وانهيارها وفنائها هذه مسألة غير مطروحة.
إذاً ما الواجب علينا؟ الواجب علينا هو الصبر، وقد مدح الله تبارك وتعالى عباده الصابرين وقال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 146-147]. وفي آية أخرى يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون. ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال وأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.
الصبر نصف الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمسلم لا يعرف اليأس، المسلم لا بد له من الصبر، واليأس من الكبائر، بل اليأس موصوف في كتاب الله بالكفر، ومهما كان فلا بد أن يتعلق الإنسان بالله. يقول الرافعي: إن إيمانك بشيء لا يجعل قوتك قوتك، وإنما يجعل قوتك قوة الذي آمنت به. لأجل هذا يجب أن نحفظ أنفسنا من أن يتسرب إليها يأس وأن نستعين بالصبر؛ صبر العمل والدأب لا صبر القعود والاستجابة.
الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله كان له قصيدة ألفها في السجون الناصرية في المحنة الناصرية، وهذه القصيدة حفظت في الصدور ثم جمعها فيما بعد من هذه الصدور ومن المحفوظات ونشرها في ديوانه وبلغت أكثر من ثلاثمائة بيت. كانت قصيدة في المحنة الناصرية الشديدة، ومع ذلك فقد ختمها بهذا الأمل الذي يقول فيه:
صبرا أخي في محنتي وعقيدتي لابد بعد الصبر من تمكيني ولنا بيوسف أسوة في صبره وقد ارتمى في السجن بضع سنين هون عليك الأمر لا تحفل به إن الصعاب تهون بالتهوين أمس مضى واليوم يسهل بالرضا وغدا ببطن الغيب شبه جنين سنعود للدنيا نطب جراحها سنعود للتكبير والأذين ستسير سفن الحق تحمل جنده بالفلك حتى الشاطئ المأمون بالله مجراها ومرساها فهل تخشى الردى؟ والله خير ضميني
وبالفعل تحقق هذا الأمل، وعاش الشيخ بعدها سبعين سنة ما شاء الله، وملأ الدنيا علما هو وأخوانه، ملأوا الدنيا علما ودعوة وجهادا؛ فلا ينبغي أن نتوقف عند لحظة المحنة، بل أن نتجاوزها إلى ما بعدها. ما منه كفينا، اخذنا الحب والإشراق، لتاريخ لهم كنا نسود الأرض بالأخلاق.
محمد إلهامي