والمذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها، فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها، فما راموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة.
فأولى أن يكونوا أعجز عن المقاومة والمطالبة، واعتبر في ذلك ببني إسرائيل لما دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشام وأخبرهم بأن الله قد كتب لهم ملكها، كيف عجزوا عن ذلك وقالوا إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.
أي يخرجهم الله تعالى منها بضرب من قدرته غير عصبيتنا وتكون من معجزاتك يا موسى، ولما عزم عليهم لجئوا وارتكبوا العصيان وقالوا فاذهب أنت ربك فقاتلا، وما ذلك إلا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة كما تقتضيه الآية.
وما يؤثر في تفسيرها، وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد وما راموا من الذل للقبط أحقابا حتى ذهبت العصبية منهم جملة، مع أنهم لم يؤمنوا حق الإيمان بما أخبرهم به موسى من أن الشام لهم.
وأن العمالقة الذين كانوا بأريحا فريستهم بحكم من الله قدره لهم، هذه القصة من أبلغ القصص التي ضربها الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم لنا، تعرفون قصة موسى عليه السلام وبني إسرائيل أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم.
وهي أكثر ورودا في القرآن الكريم لأن بني إسرائيل كانوا نموذجا ومثلا ضربه الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، بنو إسرائيل هنا سنجد أنهم عاشوا في الذل تحت الفراعنة.
وعاشوا في الذل بلغوا من انكسار نفسهم ومن ذهاب مناعتهم ومن انحلال قوتهم إلى الحد الذي كان فرعون يستطيع أن يأمر فيه بقتل الأولاد الرضع وهؤلاء لا يدافعون.
يعني هذا قدر هائل من الظلم، ومع هذا القدر الهائل من الظلم لم يكن عندهم من المدافعة والممانعة والجرأة ما يدفعون به الذبح عن أولادهم، هؤلاء الذين ركب وتعمق وترسخ فيهم.
شأن الظلم، هؤلاء لما جاءهم موسى عليه السلام ضجروا منه وقالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، يعني هم مع كل هذا الذل لم يفرحوا بالمخلص المنقذ الذي جاءهم.
وإنما كرهوه لما كان قد جاءهم به من الإيذاء على يد فرعون رغم أنه نبي من عند الله، وما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، ذرية اللي هم الشباب يعني من قومه.
على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم، انظر في حال بني إسرائيل كل أنواع وكل مسببات الثورة والمقاومة تدفعهم إلى أن يثوروا الظلم الشديد القتل الذي يصل إلى حد قتل أبنائهم.
وجود المنقذ ومع ذلك لم يثوروا، وإنما كانوا عقبة وعائقا، ولما نجاهم الله تبارك وتعالى من فرعون، فما إن عبروا البحر بالمعجزة الهائلة حتى قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.
من كثرة ذلهم لم يتصوروا أن يؤمنوا بإله لا يرونه ولا يشاهدون بطشه ولا يحسون بقهره، إنه كان يرون فرعون ويعرفون فرعون ويرون صوت فرعون وجنود فرعون لكن لا يستطيعون أن يؤمنوا بإله.
لا يرون سطوته، ولذلك كانت بنو إسرائيل لا تستقيم إلا لموسى، يعني هذا العنت لكن موسى بقوته المشهورة كان هو الذي يستطيع أن يستقيم له بني إسرائيل بنوع من هذه القوة.
فلما غاب عنهم موسى ثلاثين ليلة استضعفه هارون وكادوا يقتلونه وعبدوا العجل، وهارون قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولما جاء موسى استناموا وعادوا وحرق موسى العجل ونسفه.
حتى نصل إلى هذه المرحلة الشديدة الوضوح الشديدة الدلالة، أن الله تبارك وتعالى وعدهم أنهم إذا دخلوا الباب على هؤلاء القوم الذين في المدينة المقدسة فإن الله سينصرهم، ومع ذلك.
قوم عاشوا في الذل سنينا نجاهم الله بمعجزة هائلة رأوها بأعينهم من فرعون يقودهم نبيان ووعدهم الله بالنصر شرط أن يتشجعوا ويخوضوا هذه الحرب، ومع ذلك رفضوا وقالوا إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها.
ثم قالوا والله أنت عايز تقاتل فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، لذلك فرض الله عليهم التيه أربعين سنة، التيه الذي فرضه الله عليهم أربعين سنة ما حكمته؟ يقول ابن خلدون.
فعاقبهم الله بالتيه وهو أنهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشام ومصر أربعين سنة لم يأووا فيها لعمران ولا نزلوا مصرا ولا خالطوا بشرا كما قصه القرآن لغلظة العمالقة بالشام والقبط بمصر عليهم.
لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه، ويظهر من مساق الآية ومفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة، وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيتهم.
حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا يسام بالمذلة، فنشأت لهم ذلك فنشأت لهم في ذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب.
ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر، التقط ابن خلدون حكمة التيه أربعين سنة بأنه المقصود منه هو ذهاب هذا الجيل الذي تعود على الذل وأن ينشأ جيل آخر.
كتيه في الصحراء في القفر في البداوة في الخشونة ليست عليهم الأحكام، يعني ليست عليهم سطوة الفراعنة الذين كانوا في مصر ولا عليهم سطوة العماليق الذين كانوا في الشام.
هؤلاء حين ينشأون في البداوة والخشونة ولا يكون لديهم ولا يكونون محكومين بالقهر والسطوة والسلطة فإنهم ينشأون وقد اكتسبوا بأسهم ومناعتهم وصار لهم الشجاعة والإقدام خلقا وطبعا، فنجوا بهذا مما نشأ فيه آباؤهم.
وبالفعل هذا الجيل الجديد الذي نشأ في الخشونة والبداوة رغم أنه لم ير مسببات الثورة التي كانت في فرعون، يعني لم يأتي أحد ويقتل أبناءه ولم يروا ولم يكن عندهم حين فتحوا وعد من الله بالنصر لهم كما كان الوعد.
جيل آبائهم وقادهم نبي وهو يوشع بن نون، ولم يكن على قدر موسى عليه السلام، فموسى عليه السلام هو من أولي العزم من الرسل، إذا نعرف من هنا أنه السنن ليست عملية رياضية وليست عملية منطقية، طبائع البشر ليست عملية رياضية.
يعني نحن نتوقع أنه الجيل الذي عانى من القهر وعانى من الذل جاءته فرصة للنجاة، أن هذا الجيل هو الذي ينجو وهو الذي يقاتل وهو الذي يدافع عن نفسه لأنه ذاق الذل وذاق الظلم.
لكن الواقع أنه سمة الذل قد رسخت فيهم لدرجة أنه الجيل الذي فتح الأرض المقدسة هو الجيل الذي لم يقع به الظلم ولم تقهره سطوة الأحكام ولم يكن موعودا بالنصر على النحو الذي كان موعودا به آباؤهم من قبلهم.
من هنا نرى بعض الأشياء التي يجب أن نهضمها لكي نستفيد منها، من الخطر الشديد أن يطول الظلم على أمتنا، من الخطر الشديد أن يطول الظلم، إطالة الظلم تساوي استنباط الذل.
والذل أمر لا يزول إلا بالجيل ولا يزول بمجرد زوال الظلم، يعني هؤلاء بنو إسرائيل زال عنهم الظلم لكن لم يزل عنهم لم يزل عنهم الذل، الأمر الثاني هو.
أنه بعض الصفات يجب أن نقاوم وجودها منذ اللحظة الأولى، يعني خلق الظلم والقهر والسطوة والإخافة، هذه يجب أن تواجه من اللحظة الأولى لأنه رسوخ هذا يساوي رسوخ العيوب والصفات السيئة لجيل.
أن توجد لحظة ثورة أو توجد لحظة فارقة للخروج من الظلم، هذه اللحظة لابد من الإمساك بها، لأنه فشل اللحظة الفارقة لا يعوض بعد سنة أو سنتين وإنما يعوض بعد جيل، لأنه ترسخ الحكم فيه من غلب كما شرحناه في حلقة سابقة يؤدي إلى ترسخ الذل والانقياد فيمن غلب وقهر.
ثم نستفيد بعد ذلك أن الخشونة والبداوة ومقارعة الصعاب هذه من الأمور الضرورية لكل شعب ولكل طليعة تبحث عن التغيير، الوجود يعني خلو النفس من أخلاق الشجاعة والإقدام والخشونة هذا دليل على أو هذا مؤشر على أن المكتسبين لهذه الصفات لا يستطيعون أن يقوموا بعملية التغيير.
للشاعر الجاهلي قريط بن أنيف قصيدة مشهورة، هو من شهرتها ومن قوتها بدأ بها أبو تمام ديوان الحماسة، هذه القصيدة فيها المعنى الذي نتناوله هنا من أنه خلق الذل وعدم المدافعة وعدم المطالبة أمر لا يغني فيه عدد ولا مدد، قد تكون الناس كثيرة العدد لكن ليست عندهم هذه النفسية التي تدفعهم لمقاومة ومجابهة ما يراد به.
فهذا الشاعر قريط بن أنيف يمدح بني عمه الذين هم بنو مازن، لأنه لما اعتدي على إبله من بني زهل بن شيبان لم يقم قومه بنو العنبر بمدافعته بالمدافعة عنه، فيقول: لو كنت من مازن لم تستبح أبلي بنو اللقيط من ذهل بن شيبانة.
إذا لقام بنصري معشر خشن عند الكريهة إن ذو لوثة لانا، يعني عندما يضعف ويلين المريض صاحب الضعف، لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء، وأنهم يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء أحسانا.
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا شدوا الإغارة فرسانا وركبانا، لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهان.
محمد إلهامي