طوبى لمن شرب في تاريخه، لقد كنا نسود الأرض بالأخلاق، فكم سدنا بعهد صدق والميثاق، بنيناها بأيدي كم لها نشتاق، بومضة نوره سرى ندى، في نهجهم عبر للأوراق.
الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات، منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة، فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم. وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات، ففسدت الحماية بفساد النيات، وربما أجمعوا على قته، لذلك فتفسد الدولة ويخرب السياج. وإن دام أمره عليهم وقهره فسدت العصبية، وفسد السياج من أصله بالعجز عن الحماية.
وإذا كان رفيقا بهم متجاوزا عن سيئاتهم، استناموا اليه ولاذوا به وأشربوا محبته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه، فاستقام الأمر من كل جانب. في بيئتنا العربية ينتشر تنظير فاسد عن أن شعوبنا العربية هي شعوب مستغلة، شعوب سيئة، شعوب مخادعة، شعوب من طبيعتها الجبن والكذب. وهذا التنظيم الفاسد، بالمناسبة، أغلب الذين يقولونه هم أقل الناس كلاما عن الطغيان وعن فساد السلطة، وهم في الحقيقة يحاولون أن يحملوا مصائبنا وكوارثنا للناس وطبيعة الناس. وبعضهم أكثر فجاجة وقبحا فيحملها لثقافتنا، هو يقول بأن ثقافتنا بطبيعتها تنتج الذل وبطبيعتها تنتج الاستعباد، وتراثنا ليس فيه أصلا معنى الحرية.
وهذا الكلام الفاسد الذي لا يستقيم في الواقع، أخلاق الناس ترتبط بأخلاق السلطة المهيمنة عليه، وبقدر ما تتغير السلطة وتتغير سياستها تتغير أخلاق الناس، فهناك أمثلة في غاية الوضوح. يعني ألمانيا مثلا، الشعب الألماني انقسم إلى ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، في هذه السنوات العقود التي انفصل فيها الألمان أنفسهم إلى شرقيين وغربيين، الطبائع والأخلاق والسلوك المسيطر على هؤلاء كان مخالفا تماما للطبائع والأخلاق والسلوك المسيطر على هؤلاء وهم شعب واحد. كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية كلاهما شعب واحد، لكن هيمن على هذا نظام، وهيمنة على هذا نظام، فهذا الشعب صارت له طبائع وسلوك وأخلاقيات وتقاليد تنافي وتناقض وتختلف عن طبائع وسلوك وأخلاقيات هذا الشعب الآخر.
فهنا ابن خلدون يلفت النظر إلى أن أخلاق الشعوب تتكون بفعل سياسة السلطة المهيمنة على الناس، فالحاكم حين يكون باطشا قاهرا بالعقوبات ظلوما متجسسا على الناس، مهتما بتتبع عيوبهم، هنا ينشأ في الناس بشكل طبيعي الكذب والخديعة والمكر واللؤم والخبث ومحاولة المراوغات والمناورات، ويصير هذا خلقا فيه، لأن الملك القاهر الباطش ملك لا يمكن أن يستقيم معه خلق الصدق والشجاعة، هذه الأخلاق تكون أخلاق مؤذية. يعني الإنسان الصدوق الأمين الشجاع الذي يمارس النصح، الذي يمارس الإيجابية في البيئة الفاسدة المستبدة، هذه أخلاق مؤذية، أخلاق مؤذية لأهلها، لذلك الناس يضطرون إلى هذه الأخلاق التي يراوغون بها السلطة وينجون بها من هذا البطش.
الأخلاق دي نفسها، أخلاق الكذب والمكر والخديعة، هذه الأخلاق قد تنقلب على السلطان نفسه، على الحاكم نفسه، فبالتالي حين يحدث غزو خارجي، أو حين تحدث حتى مؤامرات داخلية في أروقة السلطة، فالطبع العام قد يكون مساعدا لقتله والانقلاب عليه أو إسلامه والتخلي عنه في لحظات الحروب، لأنه خلاص النفوس اكتسبت الطباع الرديئة التي تجعل كل إنسان يبحث عن مصالحه الذاتية. بينما حين يكون الحاكم حاكما عادلا رفيقا مستقيما، فهنا يكون الصدق والأمانة والشجاعة والإقدام أسلم وأقوم وأنسب لهذا العصر، لأنه صاحب الأمانة في عصر العدل قوة أنسب له، والقيام بخلق الأمانة والقيام بخلق نجدة المظلوم والقيام بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذا يناسب هذا العصر ويستقيم معه، يناسب هذه السياسة، يناسب هذا الملك، لا تكون هذه الأخلاق مؤذية له وضارة به، تطرقه إلى السجن أو إلى القبر أو إلى المنفى.
فبالتالي حين يكون الملك حاكما عادلا رفيقا تنصلح أخلاق الرعية، ده شرط طبعا أن يكون ملكا حقيقيا لا أن يكون صورة لا تحكم، كما حدث مثلا في التجربة المصرية حقيقة أنه الرئيس لم يحكم. لكن القصد هنا أن وجود الحاكم العادل ينشر في الناس أخلاقه، أخلاق العدل والرحمة وأخلاق الرفق، وبالتالي هؤلاء الناس يشربون محبته ويستنيمون اليه ويلوذون به، ويكونون أشد الناس دفاعا عنه، لأن قيام حياتهم وقيام أخلاقهم يعرفون أنها تكون بقيامه وبوجوده. هذا الأمر لا يتعلق فقط بعلاقة السلطة بالرعية، وإنما يتعلق أيضا بكل علاقة مسؤول بمسؤوليه ومرؤوس بمرؤوسيه، حتى الأب في البيت، حتى المعلم بالنسبة لطلاب، حتى الرجل بالنسبة لخدمه ومن يرأسه.
وبالتالي نشأت هذه الأخلاق، نشأة البيوت نشأة الأخلاق الأولى في البيوت تعتمد على أخلاق الأب وأخلاق الأم التي تشكل البذرة الأولى من أخلاق الأبناء. فابن خلدون يلفت النظر إلى هذا ويقول: من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطى به القهر، وضيّق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة، لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، وارتكس وعاد في أسفل السافلين، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف.
هذا المعنى في غاية الأهمية، الإنسان حين يكتسب الأخلاق الرديئة يصعب عليه أن يكتسب الأخلاق الحسنة، الأخلاق الرديئة تطرد الأخلاق الحسنة، وبعض هذه الأخلاق الرديئة لا يمكن النجاة منها، تتأصل في النفس وتتعمق حتى يصير اكتساب الخلق الحسن فيها متعذرا وأحيانا يكون مستحيلا. فلأجل ذلك الشعوب التي طال عليها أمد القهر وتعمق فيها شأن الذل وصار فيها خلق للانقياد، هذه الشعوب لا تتخلص من هذه الصفات إلا بعد عقود أو بعد نشأة جيل آخر.
وبالمناسبة كان هذا من أسرار تربية الله تبارك وتعالى لسيدنا موسى، بأن جعله ينشأ في قصر فرعون فلا يشرب الذل الذي كان سيشربه لو أنه ربي في بني إسرائيل، سيدنا موسى لما نشأ في قصر فرعون نشأ عزيزا نشأ نشأة الأمراء، لم يكن منطبعا بالذل الذي كان فيه بنو إسرائيل، خلق الذل هذا من الأخلاق التي تطرد خلق الشجاعة. يعني ابن خلدون يتحدث عن أن الناس مع كثرة القهر والعسف، يعني حتى في الأطفال وحتى في الخدم وحتى في المرؤوسين الذين ينتشر فيهم القهر والخوف، فهذا يلجئه إلى المراوغات، ولما يلجأه إلى المراوغات يصير صعبا أن يكتسب خلق الشجاعة والحمية، وبالتالي يفقد خلق المدافعة، لأنه الإنسان المقهور لا يستطيع الدفاع عن نفسه، لا يستطيع حماية نفسه، ما هو لو يستطيع حماية نفسه لم يكن مقهورا أصلا، لكن هو حيث إنه فقد القدرة على المدافعة فهو يكتسب أخلاق الخبث واللؤم والمكر، وبالتالي يصير عيالا على غيره. فحين تأتي فرصة خيانة يخون، وحين تأتي فرصة قهر آخر وذل آخر فيستجيب له، لأنه فقد إمكانية المدافعة والحماية.
الفكرة الأخيرة أنه بعض الأخلاق التي يزرعها القهر والعسف في الناس يكون صعبا التخلص منها، ولا تتخلص منها الأمة إلا حين ينشأ جيل جديد يفارق هذا الموضوع. وإن شاء الله في حلقة قادمة أتحدث عن قصة بني إسرائيل بوضوح، لأن هذه القصة فيها هذا المعنى بأوضح ما يمكن. لكن الخلاصة التي نريد أن نتحدث فيها الآن هو أن من أراد إصلاح أخلاق قوم، فهو على الحقيقة يجب أن يسعى في إصلاح السلطة المهيمنة عليهم، لأنه يتعذر إن لم يكن يستحيل أن تصلح أخلاق الناس والسلطة التي عليهم سلطة عسف وقهر وظلم، هذا ضد طبيعة البشر، هذا ضد الطبائع، ضد السنن، فبالتالي محاولات الإصلاح من الأسفل ومحاولات ايجاد خلق عام ينتشر بالعدل في وجود السلطة القاهرة التي تدفع الناس لأخلاق الكذب والخديعة هذا أمر غير ممكن في الحقيقة، وهذا أمر كما يراعى في السلطة يجب أن يراعى أيضا عند المعلمين الذين من أول الكتاتيب وحتى المدارس، وكذلك لدى الأبناء ويراعيه كل إنسان على مرؤوسيه.
ما منه كفينا أخذنا الحب والإشراق، لتاريخ لهم كنا نسود الأرض بالأخلاق.
محمد إلهامي