طوبة واللي بتاريخ له كنا نسود الأرض بالأخلاق، فكم سدنا بعهده صدق والميثاق. حضارات إن بنيناها بأيدي، كم لها نشتاق بومضة نوره سرى ندى في نهجهم عبر كنبذلهم للأوراق.
اعلم أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بها على أمره، إلا أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم تبدو من الحاجة إلى القلم؛ لأن القلم في تلك الحال خادم فقط منفذ للحكم السلطاني، والسيف شريك في المعونة.
وكذلك في آخر الدولة حيث تضعف عصبيتهما كما ذكرنا ويقل أهلها بما ينالهم من الهرم الذي قدمناه، فتاحت الدولة إلى الاستظهار بأرباب السيوف، وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة والمدافعة عنها كما كان الشأن أول الأمر في تمهيدها، فيكون للسيف مزية على القلم في الحالتين، ويكون أرباب السيف حينئذ أوسع جاهاً وأكثر نعمة وأسنى قطاعاً.
في كلام ابن خلدون، السيف هو القوة العسكرية هو القوة المسلحة والقوة الخشنة والمادية، أما القلم فهو الإعلام هو الفكر والثقافة والقوى الناعمة. كلاهما بحاجة إلى الآخر، والدولة بحاجة إلى كليهما معاً، فالسيف بدون قلم، السيف بدون فكر، أصحاب السيف بدون عقل هم قاطعو طريق.
كذلك القلم بدون السيف عاجز لا يستطيع أن يفعل شيئاً ولا أن يغير شيئاً. القلم هو الذي يبرر، يمهد له، يشرعن أمره، يحرض عليه، يحرض الناس إليه، ويجمع الناس إليه، ويبرر له ويفسر طريقته، وهو الذي يكتب ويخلد ذكره أيضاً. والسيف والقلم بحاجة إلى السيف أن السيف هو الذي ينفذ رؤيته القلم. إذا لم يستطع القلم الفصيح البليغ لو ظل مئات السنين ويستطيع أن يقيم الحق بالبلاغة والفصاحة والبيان لم يستطع أن يغير شيئاً على أرض الواقع، لم يقم سلطان بلا سيف، ولم يقم سلطان بلا قلم.
لكن هنا ابن خلدون يلفت النظر إلى أمر مهم، وهو آلات قوى للدولة وحالات آخر الدولة. القلم حين يكون مهزوماً، القلم المهزوم يمكن أن يكتب بنفسه اعتذاراً عما كان قد سبق وكتبه. من يقرأ منكم أدب السجون، الروايات التي تحدثت التي كتبها السجناء، فيجد أن السجناء حين يطول بهم الزمن يبدؤون في نقض أنفسهم، يبدؤون في الاعتذار عما فعلوه، ويبدؤون في سب بعضهم البعض. وبعضهم يقول للثاني: لو أننا على حق ما كنا وصلنا إلى هنا، لو أنك على خير ما كان الله ألقاك هنا.
العلماء، المثقفون، المفكرون الذين دخلوا إلى السجون في حالة من النضال، هم بانفسهم يكتبون مراجعاتهم الفكرية ويعتذرون بأنفسهم عما كانوا قد فعلوه، لماذا؟ لأنهم هزموا أمام السيف. ابن خلدون يلفت النظر إلى مسألة، مسألة أول الدولة، آخر الدولة ووسط الدولة، فيقول: السلطان دائماً في حاجة إلى القلم والسيف، ما فيش دولة قامت بلا سيف، ولا دولة قامت بلا قلم، يعني بلا فكر، بلا قوة ناعمة.
لكن في بداية الدولة، بداية النظام، الحاجة إلى السيف أكثر من الحاجة إلى القلم؛ في وقت الحرب، في وقت الثورة، في وقت الانقلابات العسكرية، في وقت الاحتلال الأجنبي، في وقت التغيير بالقوة، إنشاء الدول وإسقاط الدول، الإقناع والنقاش غير مفيد قليل الفائدة، لأجل ذلك صاحب الدولة يحتاج إلى السيف في هذه المرحلة أكثر من حاجته إلى القلم.
وفي هذه الفترة يبزغ العسكريون الذين يتحولون إلى أبطال، وفي هذه الفترة العسكريون يسيطرون على أغلب المناصب العليا في الدولة. طيب، أين القلم؟ القلم موجود، لكن القلم القلم منفذ للحكم السلطاني، سيف شريك في المعونة، فلاجل هذا الحاجة إلى السيف في أول الدولة ما دام أهلها في تمهيد أمرهم تبدو من الحاجة إلى القلم.
نفس الكلام في مرحلة آخر الدولة، في مرحلة آخر الدولة الدولة ستنهار، الحاجة إلى السيف في إبقاء الدولة وفي تأجيل انهيارها أشد من الحاجة إلى القلم، وإذا كانت الدولة نفسها ضعفت يأتي السلاطين والملوك بالمرتزقة وبالقوات الأجنبية وبغيرها لأنهم يريدون قوة تسند الدولة، وتستطيع القوة العسكرية أن تؤجل انهيار الدولة سنوات وقد تطول، وهذا أمر مهم وكثيراً ما حصل أن الدولة ينخرها الفساد وتعمل فيها عوامل الضعف لكن قوتها العسكرية تستطيع أن تمد في عمرها عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو حتى مائة سنة وفي بعض الأحيان، وهذا يكون مؤثر للغاية.
ففي أول الدولة وفي آخر الدولة الحاجة إلى السيف أكثر من الحاجة إلى القلم. نحن لو كنا فقهنا هذا، رغم أن الذي كتبه جدنا ابن خلدون من أمتنا العربية والاسلامية ورجل نفتخر به ونردد اسمه، لو فقهنا هذا لم تكن ثوراتنا قد آلت إلى ما آلت إليه. في لحظات الحروب، في لحظات الثورات حاجته إلى السيف أكثر من الحاجة إلى القلم والإقناع والحوار والتوافق.
ولذلك أنت حين تفتش في تاريخ الثورات الناجحة ستجد أنها ثورات تعاملت بكل الحزم والجذرية مع النظام السابق. طب إذا لم تتعامل بهذا الحزم والحسم والجذرية مع النظام السابق فينقلب النظام السابق بأشد من هذا قسوة واستئصالا وحسما وجذريا لكي يعود أشد نكيرا، فلذلك الثورات الفاشلة هي في الحقيقة تؤدي إلى ما كان أسوأ مما صارت عليه، ولذلك قالوا: أنصاف الثورات قبور الثوار. فهنا يجب أن نفرق المرحلة التي نحن فيها، مرحلة أننا نريد إنشاء نظام، أو مرحلة الدفاع عن النظام، هذه مراحل الحاجة فيها إلى السيف.
وأما في وسط الدولة فيستغني صاحبها بعض الشيء عن السيف لأنه قد تمهد أمره ولم يبق همه إلا في تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضبط ومباهاة الدول وتنفيذ الأحكام، والقلم هو المعين له في ذلك، فتعظم الحاجة إلى تصريفه، وتكون السيوف مهملة في مضاجع أغمادها إلا إذا أنابت نائبة أو دعيت إلى سد فرجة، ومما سوى ذلك فلا حاجة إليها، فتكون أرباب الاقلام في هذه الحاجة أوسع جاها وأعلى رتبة وأعظم نعمة وثروة، وأقرب من السلطان مجلساً وأكثر إليه تردداً في خلواته نجيا؛ لأنه حينئذ آلته التي بها يستظهر على تحصيل ثمرات ملكه، والنظر إلى أطرافه وتسقيف أطرافه والمباهاة بأحواله.
أما وسط الدولة، الدولة استقرت ولم يعد لها عدو تمهد أمرها، حينئذ يكون القلم هو الشريك في المعونة السيف هو المنفذ للحكم. لا يحتاج الملك أو لا يحتاج النظام إلى القوة العسكرية في حال تمهد الدولة إلا بأدنى أحوالها يعني حفظ الأمن في الداخل، تحقيق الهيبة والردع في الخارج، والأمن الذي يتيح له أن يأتي بالموارد وأن ينظم الأمور الأمور التي تقيم الملك، بينما هنا تكثر المدارس هنا تبدأ المناظرات الفكرية والمكتبات العلم، وهنا يكثر المدنيون والعلماء في حاشية السلطان، وهنا يهتم السلطان نفسه أن يظهر كراع للعلم والعلماء والثقافة والمثقفين.
هذا مما يمهد الدولة، يعني الدولة حين قامت قامت بقوتها العسكرية القوة الخشنة، لكنها حين تتمهد تعظم بقوتها الناعمة. فلذلك حين يكثر المدنيون في المناصب العليا يحدث الاقتراب بين فئة العلماء، العلماء من كل التخصصات -يعني طبعاً لا أقصي هنا العلماء الشرعيين- فئة العلماء تكون أكثر ارتباطاً بالدولة، ارتباط بشكل مباشر بمعنى أن العلاقات بينهم وبين السلطة علاقات قائمة، أو بشكل غير مباشر، حتى العالم الذي ليس له ارتباط بالسلطة وليس له ارتباط بالنظام، حالة الأمن التي يحياها والتي تجعله ينتج ويدرس وتفتح المكتبات والمدارس، هذه الحالة تجعله أكثر حرصاً على بقاء هذا النظام وعلى بقاء هذه السلطة حتى لو لم يكن مستفيداً منها.
فوسط الدولة تتزين الدولة بالعلم والعلماء تكثر الإنتاجات والمدارس والأمور والحالة الإعلامية، ويكون هذا من دواعي تمهيد الدولة في الداخل وفي الخارج، الدولة الممهدة تتحول إلى مبهرة تستقبل البعثات التعليمية، يأتي إليها طلاب العلم من الخارج يدرسون فيها وينبهرون بها، وصرون منجذبين إليها، وإذا عادوا إلى بلدانهم صاروا دعاة إليها ومحاولين لأن يقلدوا ما هي فيه من النهضة.
وحتى السلطة نفسها بذلك الوقت تتعامل مع المعارضين تعاملاً ضعيفاً لأن الدولة متمهدة، يعني العقوبات المخففة الإبعاد، السجن البسيط، العزل من المناصب وهذه الأمور، بينما خصوم الدولة في حالة إنشائها، في حالة انهيارها، خصوم الدولة في هذه المرحلة يعاملون بكل الحسم والجذرية والاستئصالية.
حتى إنك تستطيع أن تعرف هل هذه الدولة في حالة انهيار، في حالة تمهد، بحالة شك أم في حالة يقين من تعامل النظام مع المعارضين. النظام طالما تعامل مع المعارضين بعنف شديد فلا تزال هذه الدولة غير واثقة من نفسها لا تزال في تمهيد أمرها أو ما زالت عرضة للسقوط والانهيار. طيب النظام يستوعب المعارضة وقد يعطي معارضة شكلية أو يتعامل معهم بالعقوبات المخففة فهذه دولة في حالة من تمكن، فتستطيع أن تفهم من هذه الحالة مؤشر وجود هذه الدولة.
غير المتنبي رأيه في آخر حياته، كان يقول: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أولاً وهي المحل الثاني.
ثم قال فيما بعد: حتى رجعت وأقلامي قوائل لي المجد للسيف ليس المجد للقلم. اكتب بنا أبداً بعد الكتاب به فإنما نحن للاسياف كالخدم.
ثم هو يرد عليها على أقلامه فيقول: صدقتني ودوائي ما نطقت به فإن غفلت بدائي قلة الفهم. من اقتضى بسوى الهندي حاجته أجاب كل سؤال عن هل بلمي.
يقول: يعني من لا يستطيع أن ينفذ إرادته بالسيف سيجيب كل سؤال: هل فعلت؟ هل أنجزت؟ هل تجنبت؟ بلمي لم أفعل ولم أنجز ولم أتجنب.
فلو كان البيان يغيث رجلاً لكان المتنبي -سيد شعراء العرب- هو أسعد الناس بهذا البيان، ولكنه ختم بقوله هذا: المجد للسيف ليس المجد للقلم.
أنا منه كفينا أخذنا الحب والإشراق لتاريخ كنا نسود الأرض بالأخلاق.
محمد إلهامي