الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم. وهذا لأن كل أمر تحمل عليه الكافة فلابد له من العصبية. وفي الحديث الصحيح: ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه. وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد، فما ظنك بغيرهم.
لو أن الناس يهتدون بمجرد معرفة الحق، لكان الأمر سيكون سهلا ولم تكن تنشأ في هذا العالم لا جيوش ولا إمبراطوريات ولا أجهزة شرطة ولا أمن ولا استخبارات ولا تقوم حروب، لأنه كل ما نريد لحل الخلاف بين متنازعين أن أحدهما يقيم الحجة على أنه صاحب الحق فيهتدي له الآخر. حيث إن هذا لا يحدث، حيث إن الدول قامت فيها أجهزة أمن وشرطة وجيوش ومخابرات وخاضت حروب، فهذا في حد ذاته دليل على أن مجرد معرفة الحق لا تساوي الاهتداء والالتزام بهذا الحق.
هذا أمر نعرفه في أنفسنا؛ كل فرد يعرف في نفسه أنه قد يرتكب الذنب وقد يرتكب الجريمة وهو يعرف أنه ذنب وأنه جريمة وأنه يضعف. قد يكون الضعف هذا للشهوة، غلبة الشهوة تدفعه لأن يرتكب ما يعرف هو أنه ذنب وجريمة، وقد يرتكب هذا للمصلحة؛ يعني مخالفة القانون أو الخطأ أو الجريمة هو الأمر الذي يحقق له مصلحته فيأتي له بالمال أو يأتي له بالجاه أو يأتي له بالنفوذ.
وقد يكون للألف والعادة، رجل نشأ في بيئة تسير على منهاج خاطئ فهو لا يستطيع التحرر من هذا، وكل هذا قاله الأنبياء لأقوامهم، يعني قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]. هذا ألف العادة. والذين قالوا: ﴿إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: 57]، هذا المصلحة. هم عارفين إنه هدى، قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، الهدى بتاعك ده سيأتينا بويلات اقتصادية وسيضرب مصالحنا الاقتصادية.
وقد يكون لغلبة الشهوة والناس ينشأ فيهم من جحود الحق خصوصا إذا كان الحق ضعيفا، ينشأ فيهم من جحود الحق ما يجعلهم يقولون كما قال الأنبياء لأقوامهم: ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز. فلذلك احتاج الأنبياء إلى القوة، لذلك لم يكن وجود الحق وحده يكفي للهداية. لو كان هذا، ما حمل الأنبياء سيفا ولا جاهدوا، ولا حمل أي مصلح في التاريخ سيفا ولا جاهد ولا كافح ولا ناضل، ولكن كل هذا حصل لأن معرفة الحق وحده لا تؤدي إلى أن يهتدي إليه الناس.
ومنها هنا كان من سنة الله تبارك وتعالى أن يرسل الأنبياء في أشراف أقوامهم، كما في حديث أبو سفيان مع هرقل لما سأله ما نسبوه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب. فقال أبو سفيان، وكذلك الأنبياء يبعثون في أشراف أقوامهم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ما بعث الله نبيا إلا في ثروة من قومه، يعني في منعة من قومه.
وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على هذا؛ فقد عاش النبي في حماية عصبته بني هاشم وزعيمهم أبو طالب، عاش في حمايتهم حتى استوت الدعوة الإسلامية على عودها. ولولا ذلك لانهار أمر الإسلام وانهار أمر الدعوة. وضرب الله لنا مثلا أحسب أنه مثل للنبي المستضعف، وهو مثل سيدنا لوط عليه السلام الذي أراد قومه أن يفجروا بضيوفه فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: 80].
فلذلك الحق وحده غير كاف في اهتداء الناس إليه، ولابد أن يكون الحق متسلحا بقوة كي يستطيع أن يسود. والأنبياء وهم أكمل الناس دينا، وهم أفضل الناس أشخاصا، وهم اصح الناس عقولا، وهم أفصح الناس ألسنة، لم يستطيعوا أن يوصلوا أقوامهم إلى الهداية لو لم يكن لديهم نوع من هذه القوة. فلذلك ابن خلدون يقول: الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم. وهذا في الأنبياء فما بالك بغيرهم.
يضيف ابن خلدون أمرا آخر يقول: ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والامر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله، فيكثر اتباعهم والمتحلقون بهم من الغوغاء والدهماء، ويعرضون في ذلك أنفسهم للمهالك.
هنا نأتي إلى مسألة مهمة، وهو أن القائم بالحق لابد له من نوع قوة ولابد له من إعداد لهذه القوة، وإلا فالذي يسلك طريق الحق ويعتصم في ذلك بمجرد البيان وبمجرد الدعوة ومجرد رفع الصوت بدون إعداد للقوة، فإن أمره ينتهي إلى هلكته وهلكة من كانوا معه.
فهنا ابن خلدون يدين الذين قاموا لتغيير المنكر قاموا على أمراء الجور ولم يكن لهم من الإعداد، الإعداد بمعنى العصبية المانعة الكافية التي تمثل الحماية التي تحميهم من بطش أمراء الجور في فترة الإعداد، كما تمثل العصبية التي يقوم عليها أمر دولتهم فيما بعد حين ينتصرون. فالمسألة هنا ابن خلدون طبعا يدين هؤلاء وله فيهم كلام شديد، ويقولون يهلكون مأزورين غير مأجورين. يعني نحن لا نوافقه في هذا في أنهم مأزورين، لكنه يشير إلى أمر حقيقي وطبيعي وهو أن كل ساع في إقامة حق لابد له من عصبية.
الآن أحد المشكلات الشديدة المريعة في عالمنا الإسلامي؛ يعني الإسلاميون في إعلامنا الآن لو كانوا قبيلة من القبائل، لو كانوا عرقا من الأعراق، لو كانوا عصبية من العصبيات، مثلا لم يكن ليحدث فيهم هذا الذي حدث، يعني لم تكن دولة يحكمها الإسلاميون لينتزعوا منها كما ينتزع شعرة من العجين بهذه البساطة. ولو كان كذلك لخاضوا حربا أهلية كما تفعل أي قبيلة أخرى، ولم تسكن الحرب الأهلية إلا بالوصول إلى نوع من المحاصصة أو حتى نوع من توزيع السلطات.
أما هذا، يعني أن يكون كيان الإسلاميين كيانا مترهلا يسهل ذبحه ويسهل إزالته ويسهل الانقلاب عليه، ويسكن وضعه في السجون وهو في المنافي، هذا كله يدل على أن هناك إعدادا للحق لكنه يفتقر الإعداد للقوة، يفتقر الإعداد للعصبية، يفتقر الفهم بالسنن التي تجب لمن أراد أن يقوم بحقه أن يعرفها وأن يعمل بها وأن يعد نفسه لها.
لذلك من أهم ما يجب أن نستوعبه أن الإسلام لم يحاول كسر العصبية ولم يحاول كسر القبلية أبدا، الإسلام إنما عزز وجود القبلية وعزز وجود العصبية وكل ما جاء في صلة الرحم وفي تعظيم أمر الرحم وفي اشتقاقها من اسم الله الرحيم ومن اسم الله الرحمن كل هذا إنما كان يعززها. والنبي صلى الله عليه وسلم حين ذهب إلى المدينة إنما كان يقطع الناس الأراضي التي في المدينة على كأنهم قبائل وعائلات.
وجيش النبي صلى الله عليه وسلم ثم جيش الصحابة من بعده في حروب المرتدين وفي الفتوحات كان جيشا منقسما إلى قبائل. الإسلام كان يستفيد من هذه العصبية القبلية التي تحمل الناس على الدفاع عن أرحامهم وأصهارهم، إنما حارب الإسلام أن تعلو هذه القبلية على الحق. هذا الذي حاربه الإسلام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». قالوا: كيف ننصره ظالما؟ قال: «بأن تدعه عن الظلم». فهذه نصرة الظالم، وهذا هو المعنى الجديد الذي وضعه الإسلام للعصبية؛ أن يكون الحق فوق العصبية، لكن لم يحاول الإسلام أن يكسر هذه العصبية.
فهذه من الأمور التي لابد أن يتمسك بها الراغبون في الإصلاح ولابد أن يعد لها المصلحون؛ أنه في النهاية حمل حقي والدعوة إليه بمجرد الوسائل السلمية الحسنة أمر لا يغني شيئا في حال توحش الباطل وفي حال إحاطة الباطل بالداعية صاحب الحق.
طبعا كما تعرفون جميعا مسائل مثل القانون والدستور والنظام الدولي، هذه كلها خرافات لا توجد إلا عند المغفلين، بينما صاحب الحق إذا أراد إقامة الحق فلابد له من قوة تعينه على هذا.
مدح أحمد شوقي أمير الشعراء أحمد شوقي لنبينا صلى الله عليه وسلم في البردة لمس هذا المعنى الذي نتحدث فيه فقال يمدح نبينا صلى الله عليه وسلم: قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا لقتل نفس ولا جاؤوا لسفك دم، جهل وتضليل أحلام وسفسطة فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم. لما أتى لك عفوا كل ذي حسب تكفل السيف بالجهال والعمم، والشر أن تلقه بالخير ضقت به ذرعا، وإن تلقه بالشر ينحسم. ما منه كفينا أخذنا الحب والإشراق، لتاريخ لهم كنا نسود الأرض بالأخلاق.
محمد إلهامي