دخولتسجيل الدخول

طبائع الحكم مع ابن خلدون | 5. ترسخ الحكم فيمن غلب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طوبى لليل شراب بالتاريخ له كنا نسود الأرض بالأخلاق بإيمان فكم سدنا بعهد صدق والميثاق، بنيناها بأيدٍ كم لها نشتاق، بومضة نوره سراً ندياً في نهجهم عبر كنبذلهم توصني للأوراق.

الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب للغرابة ولأن الناس لم ألفوا ملكها ولا اعتادوا، فاذا استقرت الرئاسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا بعد آخر.

نسيت النفوس شأن الأولية واستحكمت لأهل ذلك النصاب طبقة الرئاسة ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم، وقاتل الناس معهم على أمرهم قتالهم على العقائد الإيمانية، فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة.

بل كأن طاعتها كتاب من الله لا يبدل ولا يعلم خلافه، ويكون استظهارهم حينئذ على سلطانهم ودولتهم المخصوصة إما بالموالي والمصطنعين الذين نشأوا في ظل العصبية وغيرها، وإما بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها.

ذكرنا في حلقة سابقة أن السلطة تنتزع بالحرب، وأن الحرب هي الصفحة الأولى في كتاب كل دولة وهي الصفحة الأخيرة في كتاب كل دولة كذلك، وانتقال الدول لا يكون إلا بالسيف. وإن شاء الله في حلقة قادمة سنتكلم عن أنه أيضاً السيف سيكون هو المرحلة الأخيرة، وحاجة الدولة إليه في أواخرها أشد من حاجتها إليه في وسط الدولة.

لكن هنا ابن خلدون يتطور لكي يصف مسألة ترسخ الحكم فيمن غلب، يعني في البداية الناس يقاومون أو الناس لا يعتادون على هذه السلطة الجديدة للغرابة، لأنهم يستغربونها لم يعتادوا عليها. لكن حين تغلب هذه السلطة وحين ينسى الأمر، ينسى أمر الأولية، ينسى أمر أول الدولة، ينسى أمر بداية الدولة، ويستقر الحكم فيمن غلب، ساعة إذ يعتاد الناس على هذه الدولة.

وتزول وتذهب مقاومتهم لها، حتى إنهم يرون طاعتها واجبة كأنها حقيقة كونية بأنها قوة قاهرة، وابن خلدون يعني عبر عنها بقوله كأنها كتاب من الله لا يبدل. فالناس حين تعتاد على الطاعة والاستنامة للسلطة فيقاتلون معها قتالهم على العقائد الإيمانية، كأن القتال مع هذه الدولة مع هذه السلطة جزء من الإيمان، جزء من النظام، جزء من الولاء والبراء، وكأنه حقيقة كونية كما قلنا.

عندئذ حين يستقر الحكم فيمن غلب، لا يكون صاحب السلطة بحاجة إلى نفس القدر من القوة التي رسخ بها أمر الدولة في بدايتها، والتي استطاع أن يغلب بها وأن يتغلب على مقاومة الناس لها في حال الغرابة. وساعة إذ ينفرد صاحب السلطة، يعني إذا الدولة في بدايتها كان فيها مجموعة يقودهم واحد، ففي أوسطها هذا الواحد ينفرد بالسلطة إلى درجة أنه سيكون قد أزال كافة الذين كانوا معه، ويكون قد استنصر واحتمى وهو في مرحلة غلبه بالذين لم يكونوا معه من أول الدولة.

بل قد تكون عصبته وشوكته وجنده من آخرين لم يحضروا هذا التمهيد الأول، يعني العصبة الأولى التي أنشأت الدولة هذه العصبة نفسها قد تزول وتنحل، هذه القوة قد تذوب وتختفي أو قد تهمل، بينما تصير القوة الموجودة في وسط الدولة هي قوة آخرين، وقد يكونون من الطراء، يعني يكونون من الأغراب كما نرى.

قال مثلاً في بعض الدول إنه الحراسة الملكية وكثير من فرق الجيش من الأجانب ومن المرتزقة، بينما في أول الدولة طبعا لم يكن هذا ليطمح ممكنا أبدا. وابن خلدون يضرب على هذا المثل بعدد من الدول، دعونا نرى ماذا يقول: ومثل هذا وقع لبني العباس فإن عصبية العرب كانت فسدت لعهد دولة المعتصم وابنه الواثق، واستظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من العجم والترك.

وكذا دولة بني أمية بالأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوك الطوائف على أمرها واقتسموا خطتها وتنافسوا بينهم وتوزعوا ممالك الدولة، فاستظهروا على أمرهم بالموالي والمصطنعين والطراء على الأندلس من أهل العدوة من قبائل البربر وزناتة وغيرهم، اقتداء للدولة في آخر أمرها في الاستظهار بهم حين ضعفت عصبية العرب.

ولم يزالوا في سلطانهم ذلك حتى جاز إليهم البحر المرابطون أهل العصبية القوية من لمتونة، استبدلوا بهم وأزالوهم عن مراكزهم ومحوا آثارهم، ولم يقتدروا على مدافعتهم لفقدان العصبية لديهم، فبهذه العصبية يكون تمهيد الدولة وحمايتها من أولها. في أغلب الأحوال لا يكون تغيير النظام بعد وصوله إلى التمكن إلا من خلال احتلال خارجي أو ثورة عنيفة دموية أو انقلاب عسكري، فحالة التمكن هي من الحالات شديدة الصعوبة على أهل الإصلاح، على من يريدون الإصلاح، خصوصا لو كان هذا المتوكل بطبيعة الحال متمكنا فاسدا أو طاغيا.

ورغم كل الأمثلة التي ضربها ابن خلدون تتحدث عن الأمويين والعباسيين ومن بعدها يمكن أيضاً عن العثمانيين، فكل هؤلاء لم يبلغوا لا في الطغيان والاستبداد ولا حتى بلغوا في الإمكانيات، إمكانيات السلطة المتوفرة الآن، ما بلغه المعاصرون، الحكام المعاصرون في الدولة الحديثة.

ومع ذلك كما رأيت مسألة حصول الإصلاح أو مسألة التغيير أو مسألة المقاومة في حالة التغلب هي مسألة من أصعب ما يكون، ولذلك تفهم من هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة هو رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله». لأنه هذا الشخص الذي يذهب إلى جائر وهو في تمكنه في قوته ثم يأمره ونهاه والعقوبة عقوبة القتل حاضرة ومخيفة، هذه طاقة نفسية عظيمة لا تكون لأغلب الناس، يعني هذه طاقة فزة هذه حالة نادرة، فلأجل هذا كان شهيدها ليس شهيدا عاديا وإنما كان سيد الشهداء.

من هنا سنفهم أن الإسلام حين أوجب على الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنما جعله واجبا وليس حقا، وهذا تفريق مهم وضروري. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على المسلم بمعنى أنه يأثم إذا تركه، وليس حقا، يعني الفلسفات الغربية وغير الغربية تتكلم عن حرية التعبير، حق تعبير، حق رأي، لا، الإسلام جعل ذلك واجبا وليس حقا، يعني شيء ليس للمسلم أن يتنازل عنه، بل على المسلم دائما أن يكون ذا حساسية لكل منكر وأن يكون مندفعا إلى تغييره ولا يحجزه عن التغيير إلا العجز عنه، وهذا الأمر مربوط بالأيمان.

النبي صلى الله عليه وسلم حين يتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». هذه الحساسية حين تكون موجودة عند المسلمين فإنه يجعل قدرتهم على كبح جماح السلطة ومنع التغلب الراسخ الذي فيه الاستبداد والطغيان بالناس هو الأمر الطبيعي والبديهي، لأنه المسلم مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من الإيمان.

في الحديث الآخر النبي صلى الله عليه وسلم عبر عن هذا وذكر مسألة السلاطين تحديدا تذكر قال: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». يعني المسلم الذي لا يجد في قلبه كراهة وإنكارا للسلطة التي ترتكب المنكر وللحاكم الذي يرتكب المنكر، الذي ليس في قلبه الإنكار، هذا ليس في قلبه حبة خردل من الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

لذلك هذا الإيجاب إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أكثر الكوابح التي تكبح جماح اندفاع السلطة في استبدادها وطغيانها، ويظل دائما قدر الذي استطاع أن يواجه السلطة المتمكنة الجائرة محفوفا بالمكانة العظيمة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد الشهداء. وأولى من هذا أن المسلم لا يعمل لهذه السلطات الجائرة في الوظائف التي تزيد من سلطانها، كما في الحديث: «فلا يكونن لهم جابيا ولا عريفا». الجابي الذي يعمل في الإدارة المالية، العريف الذي يعمل في الإدارة الأمنية والعسكرية، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عمل المسلم في ظل سلطة ترى.

وبالتالي حتى الإمام أحمد في القول المشهور لما جاء رجل وقال: يا إمام، إني أخيط ثوب السلطان، فهل أنا من أعوان الظلمة؟ قال: بل أنت من الظلمة أنفسهم، إنما أعوان الظلمة من يبيع لك المخيط، يعني الذي تشتري من عنده الإبرة هذا الذي عليه عقوبة وذنب أعوان السلاطين.

من القصائد المشهورة لأمير الشعراء أحمد شوقي قصيدته التي يحرض فيها على اغتنام وانتزاع الحرية وفيها يقول: ومن يسقي ويشرب بالمنايا إذا الأحرار لم يسقوا ويسقوا ولا يبني الممالك كالضحايا ولا يدني الحقوق ولا يحق ففي القتلى لأجيال حياة وفي الأسرى فدىً لهم وعتق وللحرية الحمراء باب بكل يد مدرجة ودق أنا منه كفينا أخذنا الحب والإشراق لتاريخ له كنا نسود الأرض بالأخلاق.