دخولتسجيل الدخول

طريق الهجرتين ( السير إلى الله يحتاج قوّتين ) | برنامج رياض الجنة | المجلس الثامن عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

ما زلنا نعيش أيها الكرام في أفياء هذا الكتاب الطيب المبارك طريق الهجرتين وباب السعادتين للحافظ ابن القيم عليه رحمة الله، في كتابه الجميل العذب الرائع الذي يوقف الإنسان على قواعد السير إلى الله سبحانه وتعالى بعبارة عميقة جميلة رائقة من إمام خريت في هذا الباب عرف الطريق وسبره، ونسأل الله أن يرحمه وأن يجزيه عنا خير الجزاء. وصلنا إلى قاعدة من قواعد الهجرتين: السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين علمية وعملية.

قال رحمه الله تعالى: السائر إلى الله والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية وقوة عملية. قال: فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك، فيقصدها سائراً فيها، ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل.

الآن أي شخص يريد أن يسير في طريق ليصل إلى غاية لا بد له من أمرين، لا بد له إذا أراد فعلاً النجاح والوصول إلى نهاية الطريق من علم وعمل. العلم وظيفته أن يبصرك بمواضع الطريق، أنه هذا الشارع سليم لا يوجد فيه مطبات، لا يوجد فيه حفر، لا توجد فيه إشكالات؛ فيبصر به منازل الطريق ومواضع السير. بخلاف الإنسان الذي يسير في طريقه ولا يعرف إلى أين يتجه، ولا يعرف ما الذي سيتفاجأ به، وممكن حفرة واحدة في هذا الطريق يقع فيها ويهلك؛ فأنت تحتاج إلى علم تبصر به منازل الطريق ومواضع السلوك، فيقصدها سائراً فيها، ويجتنب في أثناء سيره أسباب الهلاك، هنا منزلق، هنا منعطف حاد، ومواضع العطب وطرائق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل.

فقوته العلمية كنور، مثل المصباح، كنور عظيم بيده يمشي به في ليلة مظلمة شديدة الظلمة، فهو يبصر بذلك النور ما يقع الماشي في الظلمة في مثله من الوهاد والمتالف؛ فلو لم يكن معك مصباح في يدك تعرف أن هنا حفرة فتقفز عنها، وهنا منزلق فتحذر منه. قال: ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره، ويبصر بذلك النور أيضاً أعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها، فينظر مثلاً بقي مائتا متر وتصل إلى وجهتك، اذهب إلى اليمين؛ أنت تحتاج أيضاً إلى هذا الكشاف حتى تبصر علامات السير، فلا يضل عنها، فيكشف له النور عن الأمرين: أعلام الطريق ومعاطبها.

إذاً فائدة النور وخلاصته أنك تحتاج إلى العلم لأمرين: أن تعرف أعلام الطريق وتوجيهاته، وأن تعرف أين المنحدرات والأماكن الخطرة. وهذه فائدة العلم في حياة الإنسان، أن يعرفك مواطن الزلل والإشكالات ومواطن الهدايات والخير، وهذه خلاصة ما تحتاجه في العلم؛ أن يبصرك بالاتجاهات ويحذرك من الإشكالات.

قال: وبالقوة العملية يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية، فإن السير هو عمل المسافر. وأما القوة العملية فهي التي أصلاً ستجعلك تسير؛ يعني لو أنني جلست سنوات وأنا أعلمك أن هذا الطريق فيه كذا وكذا، وفيه من المعاطب كذا وكذا، وبعد مائتي متر ستذهب إلى كذا، لكنك لم تتخذ إجراء السير ولم تبدأ العمل، ما في فائدة من كل ما تعلمته، فالعلم حتى يوصلك إلى نهاية الطريق يحتاج بعد ذلك إلى عمل وإلى خطوات تتخذها، فإن السير في النهاية هو العمل.

وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها وأبصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها، فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافراً في الطريق قاطعاً منازلها منزلة بعد منزلة، فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى واستشعر القرب من المنزل فهان عليه مشقة السفر. وكلما شكت نفسه من كلال السير ومواصلة شد الرحل -وكلال السير يعني تعب المسير- وعدها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول.

نعم، الإنسان السائر إلى الله كلما شعر بالإرهاق والتعب في أثناء سيره، كلما شكت إليه نفسه من كلال السير ومواصلة شد الرحل، بماذا يمنيها؟ يمنيها بقرب التلاقي، اصبري يا نفسي فقد قرب الوصول، قرب التلاقي وبرد العيش. قال: فيحدث له ذلك نشاطاً وفرحاً وهمة، فهو يقول: يا نفس أبشري فقد قرب المنزل ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة، فإن صبرت وواصلت السرى وصلت حميدة مسرورة جذلة، وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات، وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة، فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة وعمرك درجة من درجات تلك الساعة، فالله الله لا تنقطعي في المفازة، فهو والله الهلاك والعطب لو كنت تعلمين.

فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامها من أحبابها وما لديه من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها وما لديه من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء. فإذا استصعبت عليك النفس ورفضت المسير وجمحت فليذكرها بأحبابها الذين سبقوها، وذكرها بأعدائها الذين يقفون وراءها وينتظرون هزيمتها. دائماً الذي يعين الإنسان على الاستمرار محفزات، عليك أن تصنع الحافز في سيرك إلى الله. وهنا يختلف الناس في ذكائهم في صناعة الحافز، كل شخص له طريقة معينة يتعامل بها مع النفس ليحفزها، وهذه النفس مثل الطفل الصغير؛ تخيل أنك تحفز ابنك الصغير على القرآن فشكى إليك من طول الدرس وتعبة وإرهاقه، فإنك تحفزه بماذا؟ أنه يا بني إذا ختمت كتاب الله فهو كذا وكذا، ويمكن أن تحفزه بالجانب المعنوي وممكن بالجانب المادي، فتشحد همته، ثم تبين له أنك إذا لم تحفظ ستبقى مع الكسالى وستبقى نادماً متأسفاً طوال عمرك على فوات حظك من السعادة.

هكذا هي النفس مثل الطفل الصغير، تحتاج أن تمنيها بالجنة وما فيها؛ ولماذا ذكر الله الجنة في القرآن وذكر ما فيها من التفاصيل مرات ومرات؟ حتى يزيدنا شوقاً كلما ضعفت هممنا في المسير. ولماذا ذكر النار وما فيها من المعاطب والهلاك؟ حتى يخوفنا من الرجوع، أنه إذا رجعت فالمصائب تنتظرني. قال: فإن رجعت فإلى أعدائها رجوعها، وإن تقدمت فإلى أحبابها مصيرها، وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها فإنهم وراءها في الطلب، فلا بد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت.

قال: وليجعل حديث الأحبة حاديها وسائقها، ونور معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها، وصدق ودادهم وحبهم غذاؤها وشرابها ودواؤها. ولا يوحشنه انفراده في طريقه، وليجعل حديث الأحبة؛ يعني وليجعل حديثه عن الأحبة الذين ينتظرهم هو حاديها وسائقها، والأحبة هم أولاً الله عز وجل، ثم النبي صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام والسلف العظام، فتبقى تتذكر الله عز وجل ونعيم النظر إلى وجهه والشوق إلى لقائه، ثم تتذكر مجالسة النبي عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح، وما في الارتقاء إلى منازل هؤلاء من السعادة والخير.

قال: ولا يوحشنه انفراده في طريق سفره ولا يغتر بكثرة المنقطعين، فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم، وحظه من القرب والكرامة مختص به دونهم، فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم؟ قال: وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم، بل هي من عوارض الطريق، فسوف تبدو له الخيام وسوف يخرج إليه المتلقون يهنئونه بالسلام والوصول إليهم، فيا قرة عينه إذ ذاك ويا فرحته إذ يقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: 26-27].

قال: ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع ودرن النفس وبطء سيرها، فكلما أدمن السير وواظب عليه غدواً ورواحاً وسحراً قرب من المنزل وتلطفت تلك الكثافة. هذه قضية مهمة، أن بعض الشباب يقول: يا شيخ أنا أسير في طريق الالتزام لكنني في كثير من الأحيان لا أشعر باللذات، أشعر كأنني أجبر نفسي إجباراً على السير؛ فبماذا تجيبه؟ يقول لك: حتى لو لم تشعر باللذة أحياناً أو في كثير من الأحيان بسبب كثافة الطبع ودرن النفس وبطء السير، أدمن السير واستمر، لا تستسلم، لا تقف؛ فكلما أدمن السير وواظب عليه غدواً ورواحاً وسحراً قرب من المنزل وتلطفت تلك الكثافة بإذن الله، تحلت تلك العقد، لا تقل والله خلاص ما عندي أشعر بلذة الطاعة.

هنا سقط كثير من الشباب حقيقة، ولنا تواصلات مع كثير من الإخوة، وإحدى أبرز المشاكل التي يعاني منها بعض طلاب العلم أو بعض الدعاة أو بعض الشباب الملتحقين بالدعوة إلى الله أو بأن يكون شاباً صالحاً، أنه في أثناء سيره يصل في محطة من محطات حياته أنه يقول: لا أشعر بلذة الطاعة ولا بأنس القرب ولا بجمال المناجاة، كل هذا الذي تتكلمون عنه، أنا أسير الآن سيراً مثقلاً ثقيلاً بطيئاً؛ فيبدأ يشعر أنه يجب أن يغير طريقة المسير، وهذا خطأ وكارثة، وهذه نقطة يريدها الشيطان منك، يريدك أن تشعر بالثقل حتى يبطئك، فإذا بطأت أرادك أن تقف؛ انتبه، ابن القيم يقول لك: أدمن حتى ولو بالثقل، حتى ولو بقلة اللذة، أدمن فإنه بإذن الله تتلطف مع الوقت تلك الكثافة وتذوب تلك الخبائث والأدران وتظهر عليه همة المسافرين وسماهم، لا مشكلة، حتى ولو لم تشعر بالأنس، على الأقل أن يراك الله مسافراً.

اجعل الله يراك مسافراً حتى ولو كنت لم تستأنس بعد في سيرك وفي سفرك، عليك أن تظهر سيما المسافرين وعلامتهم. قال: فتبدلت وحشته أنساً، وكثافته لطافة، ودرنه طهارة.

قال: فصل، فمن الناس من تكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفاً في القوة العملية. نعم، كثير من طلاب العلم ربما هذا حاله، أن يكون جيداً في الكلام ومعرفة معاطب الطريق ومهالكها، وأنا مستطيع أعطيك دورة في مفسدات القلوب وأعمال القلوب وأحوال للقلوب، ويكون خريتاً في التنظير والكلام عبر السوشيال ميديا وغيرها، وإذا سمعت كلامه في الوعظ ذبت من جماله، فهو قوي في القوة العلمية، لكن لما يأتي هذا الشاب ينظر إلى نفسه يجد نفسه ضعيفاً جداً في باب العمل. يعني يقول لك الشيخ: أنا خليني آكل ثلاث أربع ساعات من أعمال القلوب أحكي وأسولف، وأعطني أتكلم محاضرة عن أعمال القلوب أتكلم، لكن لما تأتيني تقول لي والله اليوم عليك قيام الليل أشعر بجبل على صدري، أو صيام نهار أو أوراد وتحافظ عليها أو خلوات وعلاقة مع الله سبحانه وتعالى عملية، بتلاقيه ضعيفاً؛ فبعض الإخوة يغلب عليه الجانب العلمي ويضعف في الجانب العملي، موجود وبكثرة.

قال: يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها. عنده قدرة أنه يبصر الحقائق، عارف أنه هذا هو الطريق بس ما بيعمل، وعارف أنه هذه الطريقة في الحياة خطأ لكنه يسقط فيها مراراً وتكراراً. قال: فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم. وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمه الله فلا قوة إلا بالله. ركزوا يا شباب، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم؛ في كثير من الحالات ننتقل نحو الحقيقة من كثرة القراءة والنظر وكذا، إذا لم نتعهد قلوبنا بالعمل ننتقل من العلم والعمل إلى العلم فقط، ويصبح كلامنا يغلب عليه جانب التنظير، وهذه مشكلة عويصة في حياة طالب العلم عليه أن ينتبه لها قبل أن تتفشى وتصبح سمة الظاهرة، أنه فقط يتكلم ولا عنده أي أعمال صالحة أخرى، ما عنده صدقات، ما عنده صلة أرحام، ما عنده مساعدة ملهوف، ما عنده خلوات بينه وبين الله، ما عنده مناجاة، ما عنده دعاء، أنت ماذا تسوي في حياتك؟ يقول لك أنا بس أقرأ، وأقرأ أحفظ مذهب الحنابلة وأدرس ألفية ابن مالك وأقرأ حواشي فلان على كذا، وعندي تحريرات على حاشية فلان على التصريف العزي؛ بس بيسولف ويقرأ، لكن جمد عند هذا جمود، فقلبه في غفلات وبعد عن الله سبحانه وتعالى من جهة العمل.

قال: ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والجد والتشمر في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، والانحرافات في الأعمال والأحوال والمقامات. أيوة، الثاني المقابل قوي في العمل، يعني عنده جلد، والله بتلاقي -وهذا كثر في الخوارج ترى- كثر في الخوارج هذا النمط، أنه عنده جلد على القوة العملية، تمام؟ حتى كان يسمى أحدهم يعني أبو المناقب، وذاك الرجل سيما السجود، تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم، عنده جلد في القوة العملية، لكن كما قال: أعمى البصر.

عند ورود الشبهات في العقائد، ما يحسن أن يتصرف، مغفل. والانحرافات في الأعمال والأحوال والمقامات، لا يعرف شيئاً في هذا. كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات؛ فالأول الذي قوته العلمية عالية يسقط عند ورود الشهوات، وأما الثاني فهذا يسقط عند ورود الشبهات. فداء هذا الثاني من جهله، وداء الأول من ماذا؟ من فساد إرادته وضعف عزمه.

الأول قوي علمياً، فساده من جهة أن عزمته ضعيفة على العمل، وأما الثاني ففساده من جهة الجهل والحمق وعدم العلم والتبصر. فهذا ماشي لك قوة عملية، وعندك همة وإرادة، لكنها في النهاية غير مغنية؛ لأنك لا تتصرف بالشكل الصحيح، ولا توجهها بالاتجاه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، وهذا حاله. أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، كذلك كما هو كثير في الخوارج، كثير في الصوفية.

أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، بل الذين يعبدون الله بأذواقهم ومواجيدهم والعادات. نعم. قال: بلى. قال: والوجد والعادة، يرى أحدهم أعمى عن مطلوبه، لا يدري من يعبد ولا بماذا يعبده، فتارة يعبده بذوقه ووجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين أو كشف رأس أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالأوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين وليس لها أصل في الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائناً ما كان، وهناك طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد. فهؤلاء كلهم عمي عن ربهم وعن شريعته ودينه، لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، ولا يقبل من أحد ديناً سواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التي تعرف بها إلى عباده على ألسنة رسله، ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها، فلا معرفة بالرب ولا عبادة له.

قال: فمن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله تعالى، ورجي له النفوذ وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فالسعيد من قويت قوته العلمية والعملية كما يقول ابن القيم. واستطاع بها بإذن الله أن يرد القواطع والموانع بعون الله وحوله وقوته، فلا تكتمل السعادة للإنسان إلا بقوة هاتين القوتين علماً وعملاً؛ فإن القواطع كثيرة. هذا مهم تفهمه؛ طبيعة الطريق إلى الله أن الشواغل والقواطع فيه كثيرة يا قوم، وشأنها شديد، وخلق الإنسان ضعيفاً، عليك أن تفهم هذه الفكرة.

لا يخلص من حبائلها من هذه القواطع إلا الواحد بعد الواحد. ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين؛ يعني لماذا الطريق إلى الله يقل فيه السالكون؟ لكثرة القواطع، هذا هو الواقع. لو كانت الطريق ما فيها شواغل والطريق إلى الله مفروش بالورود، ما فيه بلاء، حفت الجنة بالمكاره؛ لو لم تكن المكاره موجودة لرأيت طريق الجنة عامراً بالناس، لكن الواقع ليس كذلك. قال: ولو شاء الله لأزالها وذهب بها بهذه القواطع، لكن الله أراد بقاءها حتى تعسر في الحياة الدنيا. نعم.

قال: والوقت هو كما قيل سيف، فإن قطعته وإلا قطعك. قال: فإذا كان السير ضعيفاً والهمة ضعيفة والعلم بالطريق ضعيفاً والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة، فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، إلا أن يتدارك الله برحمة منه من حيث لا يحتسب، يأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع، والله ولي التوفيق. نعم.

قال: قاعدة جيدة نافعة، أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم. قال: العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار، فهو مسافر إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له، فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره، فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر. فالكيس الفطن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالماً غانماً، فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضره التسويف والوعد والتأخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة، فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته؛ فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل.

عليك أن تعتبر أن كل لحظة هي آخر لحظات الحياة، فتعمل على أنه هذه آخر ساعة من العمر، وقد أنتقل بعدها إلى الدار الآخرة. نعم. وطوعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك. فإذا كتب الله لك عمراً جديداً ومضيت إلى شوط آخر، تتعامل مع كل شوط على أنه الشوط الأخير. نعم. فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها، فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته. فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذٍ يحمد سراه، وينجلي عنه كراه، فما أحسن ما يستقبل يومه، وقد لاح صباحه، واستبان فلاح.

ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان: فقسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاء، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار، وبعدوا عن ربهم وعن دار الكرامة، فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداته ومعاداة رسله وأوليائه ودينه وسعيه. يعني الناس كلهم في سفر، لكن هناك من يسافر إلى جهنم، وهناك من يسافر إلى الجنة وإلى مرضاة الرب. فأما من سافر إلى جهنم وإلى دار الشقاء، فهو الذي قطع ساعات العمر معادياً لله ولرسوله وللمؤمنين، واقفاً ومصطفاً في المكان الخطأ مع الذين يحادون الله ورسوله. نعم.

والسعي في إطفاء نوره وإبطال دعوته، دعوة الحق، وإقامة دعوة غيرها. فهؤلاء جعلت أيامهم مراحل يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بعملها، فهم مصحوبون فيها بالشياطين، وهي دار جهنم؛ الدار هذه التي لهم هي جهنم. نعم. قال: فهم مصحوبون فيها بالشياطين الموكلة بهم، حتى يسوقوهم إلى منازلهم سوقاً، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]، أي تزعجهم إلى المعاصي والكفر إزعاجاً، وتسوقهم سوقاً.

القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام، وهناك من سافر إلى الله وإلى جنته، وهم ثلاثة أقسام. قال: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله، وهؤلاء كلهم مستعدون للسير، موقنون بالرجعة إلى الله، ولكنهم متفاضلون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه. إذن اختلفوا في الزاد وفي طبيعة السير. نعم.

قال: فالظالم لنفسه مقصر في الزاد، غير آخذ منه ما يبلغه المنزل، لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في الزاد الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به في طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار. قال: والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشد مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم، لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة.

والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح وشد أحمال التجارات؛ لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسراناً أن يدخر شيئاً مما بيده ولا يتجر فيه، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجارتهم. فهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل، وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيئ به تجارة إلى ذلك البلد لفعل. وهكذا حال السابق بالخيرات بإذن ربه، يرى خسراناً بيناً أن يمر عليه وقت في غير متجر.

قال: فنذكر بعون الله وفضله نبذة من متاجر الأقسام الثلاثة، ليعلم العبد من أي التجار هو. قال: فأما الظالم لنفسه، فإنه إذا استقبل مرحلة يومه وليلته، استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه، فحركت جوارحه طالبة لها، ساعية فيها. فإذا زاحمتها حقوق ربه، فتارة وتارة؛ فمرة يأخذ بالرخصة، ومرة بالعزيمة، ومرة يقدم على الذنب وترك الحق تهاوناً ووعداً بالتوبة. فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ التوحيد والإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والتصديق بالثواب والعقاب.

فهذا في صعود ونزول، بيصلي بيرجع بيعصي، بيرجع بيعمل له صدقة ثم بعد ذلك يقطع رحمه، وهكذا ما بينه صعود وهبوط، وفي النهاية هو للأغلب منهما، أحياناً يغلب عليه جانب الصعود وأحياناً يغلب جانب الهبوط. فإذا ورد يوم القيامة ميز ربحه من خسرانه وحصل ربحه وحده وخسرانه وحده، وكان الحكم للراجح منهما، وحكم الله عز وجل من وراء ذلك لا يعدم عباده منه فضله وعدله.

قال فصل: وأما المقتصدون فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولم ينقصوا منها، فلا حصلوا على أرباح التجار ولا بخسوا الحق الذي عليهم. قال: فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة في وقتها بأركانها وواجباتها وشرائطها، ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التي أذن الله له فيها مشتغلاً بها، قائماً بأعبائها مؤدياً واجب ربه فيها، غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار والتوجيه.

فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول، فهو كذلك سائر يومه، فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين النوم يأخذ مضجعه حتى ينشق الفجر فيقوم إلى عهده ووظيفته. قال: فإذا جاء الصوم الواجب قام بحقه، وكذلك الزكاة الواجبة والحج الواجب، وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم.

قال فصل: وأما السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقربون. وهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أهل اليمين، وهم المقتصدون والأبرار والمقربون، أما الظالم لنفسه فليس من أصحاب اليمين عند الإطلاق، وإن كان مآله إلى أصحاب اليمين في النهاية كما أنه لا يسمى مؤمناً عند الإطلاق وإن كان مصيره أن يكون مع المؤمنين بعد أخذ الحق منه؛ يمكن يعذب في النار فترة ثم يخرج منها. نعم.

قال: وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: 33] الآية، هل ذلك راجع إلى الأصناف الثلاثة الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات؛ لأنه هذه الآية جاءت بعد ذكر الأصناف الثلاثة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 32-33]، فهل هذه الجنات للأصناف الثلاثة حتى للظالم لنفسه، أو هي مختصة بالقسمين الأخيرين المقتصد والسابق؟ قال: على قولين، فذهبت طائفة إلى أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة، وهذا يروى عن ابن مسعود وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين.

قال أبو داود الطيالسي حدثنا الصلت بن دينار قال حدثنا عقبة بن صهبان الهنائي قال: سألت عائشة عن قول الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ فقالت لي: يا بني، كل هؤلاء في الجنة؛ فأما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك.

وقال ابن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث؛ ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام، فيقول الله: ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم، فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا، فيقول عز وجل: أدخلوهم في سعة رحمتي. وقال كعب: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، وتفاضلوا بأعمالهم. المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، ولكن ما الذي فاضل بينهم؟ الأعمال. نعم.

من رجحت حسناته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من خفت موازينه. قال: واحتجت هذه الفرقة بأن الله سبحانه سمى الكل مصطفين، وأخبر أنه اصطفاهم من جملة العباد، ومحال أن يكون الكافر والمشرك من المصطفين؛ لأن الاصطفاء هو الاختيار، وهو افتعال من صفوة الشيء وهو خياره. فعلم أن هؤلاء الأصناف الثلاثة صفوة الخلق وبعضهم خير من بعض؛ فسابقهم مصطفى عليهم، ثم مقتصدوهم مصطفى على ظالمهم، ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك. قال: واحتجت أيضًا بآثار روتها تؤيد ما ذهبت إليه؛ فمنها ما رواه سليمان الشاذكوني، قال: حدثنا حسين بن نمير، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: «كلهم في الجنة».

قال: ومنها ما رواه الطبراني بإسناده عن أبي الدرداء قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32]. فقال: «أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم فيحبس في طول المحبس ثم يتجاوز الله عنه». قال: ومنها ما ذكر بإسناده عن أبي هشام الطائي قال: قدمت المدينة فدخلت مسجدها فجلست إلى سارية، فجاء حذيفة فقال: لأحدثنك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يبعث الله تبارك وتعالى هذه الأمة -أو كما قال- ثلاثة أصناف»، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32]. «فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يحاسب حسابًا يسيرًا، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله».

قال: ومنها ما ذكر بإسناده عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ الآية، قال: «السابق بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة». قال: ومنها ما ذكر بإسناده عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] إلى قوله: ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32]. قال: «فأما السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالمون فيحاسبون، فيصيبهم عناء وكرب ثم يدخلون الجنة، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 34]».

قال: ومنها ما ذكر بإسناده قال: قال أبو الدرداء لرجل: ألا أحدثك بحديث أخصك به لم أحدث به أحدًا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32]، قال: «جنات عدن، دخلوا الجنة جميعًا». قال: واحتجت أيضًا بالآيات والأحاديث التي تشهد بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنة. قال: واحتجت أيضًا بأن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بذنوب ومعاصي؛ فإن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم في حق نفسي باتباعها شهواتها وإيثارها لها على طاعة ربها، وظلم في حق الخلق بالعدوان عليهم ومنعهم حقوقهم، وظلم في حق الرب بالشرك به. فظلم النفس إنما هو بالمعاصي، وقد تواترت النصوص بأن العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135].

قال طائفة: بل الوعد بالجنة إنما هو للمقتصد والسابق دون الظالم لنفسه. هذا القول الثاني أنهم قالوا: إنها خاصة بالمقتصدين والسابقين دون الظالم لنفسه؛ فإن الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق، والظالم لنفسه هنا جعلوه الكافر. هنا تلاحظ أين الخلاف؟ أنه هنا هؤلاء جعلوا الظالم لنفسه كافرًا، والمقتصد هو المؤمن العاصي، وجعلوا السابق هو المؤمن التقي. قال: وهذا يروى عن عكرمة والحسن وقتادة، وهو اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف ومنذر بن سعيد في تفسيره والرماني وغيره. لاحظ أن هؤلاء -صاحب الكشاف والرماني- هؤلاء معتزلة، والمعتزلة عمومًا أيضًا عندهم مشكلة في قضية فاعل الكبيرة.

قالوا: وهذه الآية متناولة لجميع أقسام الخلق شقيهم وسعيدهم، وهي نظير آية: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: 7-10]. قالوا: فأصحاب الميمنة هم المقتصدون، وأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، والسابقون هم السابقون بالخيرات. قالوا: ولم يصطف الله من خلقه ظالمًا لنفسه، بل المصطفون من عباده هم صفوته وخيارهم، والظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد بل شرارهم، فكيف يقع عليهم اسم المصطفين ويتناولهم فعل الاصطفاء؟ قالوا: وأيضًا فصفوة الله هم أحباؤه والله لا يحب الظالمين فلا يكونون مصطفين.

قالوا: ولأن الظالم لنفسه وإن كان ممن ورث الكتاب فهو بتركه العمل بما فيه قد ظلم نفسه، والله سبحانه إنما اصطفى من عباده من أورثه كتابه ليعمل بما فيه، فأما من نبذه وراء ظهره فليس من المصطفين من عباده. قالوا: ولأن الاصطفاء اشتقاق من صفوة الشيء وهو خلاصته ولبّه وأصله اصطفى فأبدلت التاء طاءً لوقوعها بعد الصاد كالاصطباح والاصطلاح ونحوه، والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا خلاصتهم ولا لبهم فلا يكون مصطفى. قالوا: ولأن الله سبحانه سلم على المصطفين من عباده فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ﴾ [النمل: 59]، وهذا يقتضي سلامتهم من كل شر ومن كل عذاب، والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا، فكيف يكون من المصطفين؟

قالوا: وأيضًا فطريقة القرآن أن الوعد المطلق بالثواب إنما يكون للمتقين لا للظالمين كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63]. فأين الظالم لنفسه هنا؟ وقوله: ﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: 15]. المتقون ليس منهم الظالمون، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. فالقرآن إنما علق الفوز لأهل التقوى، ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: 31]. والقرآن مملوء من هذا ولم يجد فيه موضعًا واحدًا بإطلاق الوعد بالثواب والجنة للظالم؛ هل هناك آية في القرآن قالت: الظالمون لأنفسهم سيدخلون الجنة؟ الأسلوب القرآني يجعل الوعد متعلقًا بوصف التقوى والصلاح مش بوصف الظلم لنفسه. فقالوا: كيف يدع وصف الظلم لنفسه ثم بعد ذلك يأتيه وعد أنه: أنت ظالم لنفسك بس يلا مش مشكلة بنوعدك بالجنة، مثلك مثل المقتصد والسابق؟ هذه مشكلة أصحاب القول الثاني، يرون أنه ليس هذا هو السياق المعتاد في القرآن.

قالوا: وأيضًا فلم يأت في القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا في الوعيد والتوبيخ لا الوعد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 74]، نفس الشيء، فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ: 19]، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118]، ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]. فوصف الظلم في القرآن إنما يعلق عليه الذم والوعيد وليس المدح. وقالوا أيضًا: فالظالم لنفسه هو الذي خفت موازينه ورجحت سيئاته، والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناجٍ كقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 8-9]. قالوا: فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته لظالمي أنفسهم الخفيفة موازينهم؟

قالوا: وأيضًا فقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33]، مرفوع لأنه بدل من قوله: ﴿ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]، وهو بدل نكرة من معرفة كقوله: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: 15-16]؛ فناصية الثانية هي بدل من الناصية الأولى وهي نكرة والأولى معرفة، وحسن وقوعه مجيء نكرة موصوفة لتخصصها بالوصف. وهنا النكرة جاءت موصوفة بالإضافة، ومعلوم أن المبدل منه هو الفضل الكبير مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى أن سبقهم بالخيرات بإذنه أذن لهم بالفضل الكبير وهو جنات عدن يدخلونها، وجعل السبق بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها، فجعل السبق هو نفس الجنة مجازًا باعتبار أنه كان سببًا إليها.

قالوا: وأيضًا فإنه وصف حليتهم فيها بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ، وهذه جنات السابقين لا جنات المقتصدين؛ فإن جنات الفردوس أربع كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن». ومعلوم أن الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين، فإذا كانت الجنتان ذهبيتان للظالمين لأنفسهم فمن يسكن الجنتين الفضيتين؟ فعلم أن هذه الجنات المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم.

قالوا: وأيضًا فإن أقرب المذكورات إلى ضمير الداخلين هم السابقون، في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، الضمير واو الجماعة وهو ضمير الداخلين، والأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، فأقرب مذكور إلى ضمير يدخلونها هم السابقون بالخيرات. وفي اختصاصهم بعد ذكر الأقسام بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما هو معلوم من طريقة القرآن، إذ يصرح بذكر ثواب الأبرار والمتقين والمخلصين والمحسنين ومن رجحت حسناتهم وبذكر عقاب الكفار والفجار والظالمين لأنفسهم ومن خفت موازينهم، ويسكت عن القسم الذي فيه شائبتان وله مادتان؛ هذه طريقة القرآن.

يسكت عما سيحصل في القسم الذي فيه شائبتان وفيه مادتان، مادة خير ومادة صلاح، اللي هم ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102]. اللي فيه مادة خير وصلاح، يقول لك: طريقة القرآن أن يسكت عما سيحصل له، وإنما يأتي الوعد في القرآن عمن خلصت مادته أو غلبت مادة الخير فكانت مادة الشر فيه شبه معدومة، هذا الذي يذكر القرآن وعده. هذه طريقة القرآن كقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13-14]. أما اللي في النص مثلًا لا يذكرون، اللي فيه جانب بر وجانب فجور القرآن يسكت عنه، يذكر فقط أقصى اليمين وأقصى الشمال.

قالوا: وفي السكوت عن شأن صاحب الشائبتين عظيم وتخويف له، فإن أمره مرجع إلى الله وليس له عليه ضمان ولا له عنده وعد، فليحذر كل الحذر وليبادر بالتوبة النصوح التي تلحقه بالمضمون لهم النجاة والفلاح. قالوا: وأيضًا فمن المحال أن يقع على أحد من المصطفين اسم الظلم مطلقًا، وإنما يقع اسم الظلم مطلقًا على الكافر كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254]. وقال تعالى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 107]، مع قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257]، فالظالم لا ولي له فلا يكون من المؤمنين.

قالوا: وأيضًا فمن تدبر الآيات وتأمل سياقها وجدها قد استوعبت جميع أقسام الخلق ودلت على مراتبهم في الجزاء، فذكر سبحانه فيها أن الناس نوعان ظالم ومحسن، ثم قسم المحسنين إلى قسمين ومقتصد، ثم ذكر جزاء المحسن فلما فرغ منه ذكر جزاء الظالم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36]. فيكون إذًا في الآيات لف ونشر غير مرتب: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ * ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: 32-35]. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾، هؤلاء هم الظالمون لأنفسهم. فلما ذكر التعداد ذكر الظالم ثم المقتصد ثم الأبرار، ثم ذكر ثواب المقتصد والأبرار، ثم ذكر عقاب الظالم لنفسه. فهذا لف ونشر غير مرتب وهذا هو السياق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، وذكر أنواع العباد وجزاءهم.

أصناف الخلق ثلاثة كما ذكرها الله تعالى في سورة الواقعة، فقد ذكر أصناف الخلق ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون. فأصحاب المشأمة هم الظالمون، وأصحاب الميمنة قسمان: الأبرار أصحاب الميمنة، والسابقون هم المقربون. وقال في آخرها نفس الشيء: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 88-94]. فذكر حالهم في القيامة الكبرى في أول السورة، ثم ذكر حالهم في القيامة الصغرى وهي في الحياة البرزخية.

هذا ما يتعلق بآخر سورة الواقعة، ولهذا قدم قبل آخرها ذكر الموت: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: 86-87]، ثم قال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحَلْقُومَ﴾ [الواقعة: 83]. أما في أول سورة الواقعة فذكر أقسام الخلق عقب ذكر أحوال يوم القيامة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 1-3]. فهذا يشير إلى أن سورة الواقعة تتكلم في أولها عن يوم القيامة، وفي آخرها تتكلم عن الحياة البرزخية.

أما سورة الإنسان فنفس الشيء، الله عز وجل تكلم عن الأصناف الثلاثة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 4]، فهؤلاء هم الظالمون وهم أصحاب المشأمة. ثم قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5]، فذكر الأبرار وهم المقتصدون أصحاب اليمين. ثم قال بعد ذلك: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6]، فهؤلاء هم المقربون السابقون. فالأبرار لما خلطوا خلط لهم في شرابهم فكان مزاجها كافورًا، والمقربون لما صفوا صفي لهم في شرابهم فكانوا يشربون مباشرة من العين، عينا يشرب بها عباد الله. خصها بالإضافة إليهم، وأخبر أنهم يشربون منها صرفًا محضًا.

قال ابن القيم في تأويل قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، إنها ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البشر، ولم يقل منها إشعارًا بأن ريهم بالعين نفسها خالصةً، لا بها وبغيرها، فضمن يشرب معنى يروى فعدى بالباء. وهذه طريقة الحذاق من النحاة كطريقة سيبويه وأئمة أصحابه في التضمين. وقال في الأبرار: ﴿مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾؛ لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباء الدالة على شرب الري بالعين خالصة.

وقال تعالى في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ إلى قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: 7-17]، فهؤلاء الظالمون أصحاب الشمال. ثم قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: 18-19]، فهؤلاء الأبرار المقتصدون. وأخبر أن المقربين يشهدون كتابهم، ثم ذكر نعيم الأبرار وشرابهم فقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 25-28].

التسنيم أعلى أشربة الجنة، فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم، وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج. كما قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا. وهذا لأن الجزاء وفاق العمل؛ فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم. فمن أخلص أخلص له، ومن مزج مزج له.

قالوا: فهكذا هذه الآيات التي في سورة فاطر (سورة الملائكة) ذكر فيها الأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه وهو من أصحاب الشمال، والمقتصد وهو من أصحاب اليمين، والسابقون وهم المقربون. وليس في الآية ما يدل على اختصاص الكتاب بالقرآن والمصطفين بهذه الأمة، بل الكتاب اسم جنس للكتب التي أنزلها على رسله، فإنه أورثها المصطفين من عباده من كل أمة، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ثم أورثه المصطفون من أممهم بعدهم.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر: 53]، فأخبر أنه إنما يكون هدى وذكرى لمن له لب عقل به الكتاب وعمل بما فيه. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: 14]، كيف حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول لما كان في معرض الذم لهم ونفي العلم عنهم، ولما كان في سياق ذكر نعمه قال: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ بالمبني للمعلوم. والمقصود أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده أولًا وأخيرًا.

وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32]، فهل يرجع الضمير في "فمنهم" إلى المصطفين؟ لا، بل إما أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ثم استؤنفت جملة جديدة ذكر فيها أقسام العباد أنهم ينقسمون إلى ظالم ومقتصد وسابق، أو أن المعنى هو تقسيم المرسل إليهم وهم الأقوام بالنسبة إلى قبولهم للكتاب الذي جاء به المصطفون من الله.

أما قول من قال إن الظالم لنفسه داخل في أهل الجنة، فكلها آثار ضعيفة لا تثبت، وهي معارضة بآثار مثلها وأقوى منها، كقول ابن عمر في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾: هو الكافر. والنصوص الدالة على أن أهل التوحيد يدخلون الجنة مطلقة ولها شروط وموانع، كما أن النصوص الدالة على عذاب أهل الكبائر لها شروط وموانع يتوقف لحوق الوعيد عليها.

وأما قولكم إن ظلم النفس إنما يراد به الذنوب والمعاصي دون الكفر فليس بصحيح، فقد ذكرنا من القرآن ما يدل على أن ظلم النفس يكون بالكفر والشرك، كقول موسى لقومه: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 54]، ونظائره كثيرة. لو تدبرتم القرآن حق تدبره ورأيتم وجوه الدلالة وسياق الكلام لعلمتم أن الصواب معنا، وأن هذه الأقسام الثلاثة هي الأقسام التي خلقت للجنة وهم درجات عند الله.

أكتفي اليوم بهذا، ونترك إجابة الطائفة الأولى ودفاعها عن نفسها للمجلس القادم بإذن الله. اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.