غالباً ما يتكرر في القرآن ذكر الإنابة والامر بها، كقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزُّمر: 54]. وقوله حكاية عن شعيب أنه قال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 8]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرَّعد: 27]. وقوله عن نبيه داود: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص: 24]. وكذلك قوله في سيدنا إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75]. فالإنابة وصف مركزي في شخصيات المصلحين.
الإنابة هي الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه سبحانه وتعالى. وهي تتضمن المحبة والخشية، فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل. والناس في إنابتهم على درجات متفاوتة.
فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد، والحامل عليها العلم والخشية والحذر. أكثر الناس هذا حالهم، إنما تكون إنابتهم ورجوعهم إلى الله في حال وقوعهم في المعاصي والذنوب فيقول: يا رب أنيب وأعود إلى الله سبحانه، فيتذكر الإنابة في لحظة الوقوع في المعصية. يقول ابن القيم: هذه الإنابة عند الوقوع في المعصية مصدرها ماذا؟ انك لاحظت الوعيد والخوف من الله والوجل من العقوبة، مطلوبة ولا بد منها، لكن هل هي فعلا أعلى أنواع الإنابة؟
ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العباَدات والقربات، فهو ساع فيها بجهده، وقد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات. وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب ومحبه الكرامة من الله، وهؤلاء أبسط نفوساً وأهناً من أهل القسم الأول. لماذا هم أهنا وأبسط وأسعد؟ لأنهم إنما أنابوا إلى الله من جهة مطالعه الثواب والكرامة التي ينتظرونها عنده، وجانب الرجاء ومطالعة الرحمة والمنة أغلب عليهم. وإلا كل واحد من الفريقين، سواء الفريق الأول أو الفريق الثاني، منيب بالأمرين جميعاً بالتاكيد، لأنه إذا قلت أنت تنيب إلى الله بترك المعاصي وهو من ترك المعاصي فعل المأمور، وإذا قلت أنت تنيب إلى الله سبحانه وتعالى بفعل الطاعات وهو من فعل الطاعات ترك المحظور، فكل واحد متضمن للآخر ولا بد.
لكن الفكرة أن الأول يلحظ جانب الخوف فهذا الذي يدفعه إلى فعل الواجبات وترك المحرمات، والثاني يلحظ جانب الرجاء فهذا الذي يدفعه إلى القربات ويجعل من القربات ترك المعاصي. فهذا يلحظ الخوف وذاك يلحظ الرجاء، وإلا كما قال في النهاية كلاهما سيفعل الواجبات ويترك المحرمات كلاهما. لكن الفرق بين المرتبة الأولى والثانية هو أن ذاك الأول يلحظ الخوف وهذا يلحظ الرجاء، ومن لحظ الرجاء سيكون أسعد وأشرح.
لذلك قال: ولكن خوف هؤلاء أصحاب المرتبه الثانية مندرج في رجائهم ضمنيا وليس هو الملحوظ أساسا، فأنابوا بالعبادات والعكس بالعكس، ورجاء الاولين مندرج تحت خوفهم فكانت إنابتهم بترك المخالفات أساساً ومقصدًا.
ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه، ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنه والغنى والكرم والقدرة، فانزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم. هذا هو الركب الثالث هو المنيب إلى الله بالدعاء والتضرع وطلب الحاجات كلياً منه، وهذه هي إنابة الأنبياء وهي أعلى درجات الإنابة، وهو أن تنيخ حوائجك ببابه سبحانه وتعالى فتطلب كل شيء منه. ومصدر هذه الإنابة هو شهود الفضل والمنه والغنى الإلهي والكرم الإلهي والقدرة الإلهية، فانزلوا حوائجهم لما شاهدوا هذه المشاهد وعلقوا به آمالهم فانابتهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالامر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة إنما من هذه الجهة.
فههم صحيح ينيبون بالتضرع، لكن بالتأكيد هم حققوا النوع الأول والنوع الثاني؛ حققوا الإنابة بترك المخالفات وحققوا الإنابة بفعل المأمورات، وزادوا على القسمين الأولين بالإنابة في سؤال الحاجات، فانابتهم ميزتها وخاصيتها أنهم إنابتهم تكون من جهة مشاهدة الفضل. ولكن لا يعني هذا أنهم لم ينيبوا من جهة الخوف والرجاء، لا، هم حققوا المرتبتين الاولين واما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة.
ما معنى قوله: وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة؟ هو يقصد أن هذا القسم الثالث ليس له تميز في باب الأعمال عن القسم الأول والثاني، تماماً. وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة لأنهم يشتركون مع أصحاب القسم الأول والثاني في فعل المأمورات وترك المحظورات، لكن تميز القسم الثالث أنهم زادوا في قضية الدعاء والتضرع، فمن هنا كان تميزهم. وأما مجرد أعمالهم بالصالحات وترك المحرمات فلم يرزقوا فيها إنابة خاصة بل حالهم كحال القسمين الأولين.
ومنهم المنيب إلى الله عند الشدائد والضراء فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار، كحال الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 67]. وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [العنكبوت: 65].
وهؤلاء كلهم، قد تكون نفس أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مألوف طبيعي نفساني قد حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق، فهي ملتفتة إلى غيره ولها إليه إنابة إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له.
فاعلى أنواع الإنابة، إنابة الروح بجملتها إليه بشدة المحبة الخالصة المفنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم. وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منهم شيء من الإنابة، فإن الأعضاء كلها رعيتها وملكها تبع للروح، فلما أنابت.. ألا وإن في الجسد مضغة، القلب هو ملك الأعضاء والروح هي الملكة أيضاً تبعاً هنا. فإذا أنابت الروح أنابت سائر الأعضاء.
فهو يقول: وهؤلاء كلهم، كل الإنابات السابقة لا تعني أن صاحبها -حتى إنابة التضرع والدعاء- قال: وهؤلاء كلهم، كل الإنابات التي ذكرها سابقاً لا يعني أن صاحبها قد أناب كلياً بروحه إلى ربه، بل قد يكون له تعلق بعالم الدنيا. وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم،ها هو الكلام عن الروح، هؤلاء جميعاً السابقون روحهم كروح قد تكون ملتفتة عن الله منشغلة بالدنيا، معرضة عنه إلى شيء مما تألفه من أمور الطبيعة والحياة؛ مشغولة بمتابعة السوشال ميديا، مشغولة بدراستها الجامعية، مشغولة بزواجها وعلاقاتها. الروح قد تكون معرضة عن الله مشغولة بشيء تألفه من أمور الطبيعة، قد حال بين الروح وبين إنابتها بذاتها الروح الروح بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق، جاءت موانع فهي ملتفتة عن الله وإنما تتذكر الله سبحانه وتعالى في اوقات.
فباختصار، الإنابة بفعل الطاعات أو الإنابة بترك المحرمات أو الإنابة بالدعاء والتضرع عموماً سواء الدعاء والتضرع في كلا الحالين أو في حال فقط الشدة، هذه الإنابات لا تعني بالضرورة أن الروح كروح هي عند ظل العرش متعلقة به، فسيبقى هناك نوع قصور. لذلك أراد أن يبين ما هي أعلى أنواع الإنابات الحقيقية، وهي أن تكون الروح منيبة كلية لخالقها. فقال: فاعلى أنواع الإنابات هي إنابة الروح بجملتها بشدة المحبة الخالصة المفنية لهم، المفنية لهم يعني المشغلة لهم المعرضة لهم عما كل شيء سوى الله عما سوى محبوبهم ومعبودهم.
وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منهم شيء من الإنابة، كل الأعضاء كانت تبعا للروح، فإن الأعضاء كلها رعيتها أي رعية للروح وملكها تبع للروح. فلما أنابت الروح بذاتها إليه سبحانه إنابة محب صادق المحبة ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه، أنابت جميع القوى والجوارح، فأناب القلب أيضاً بالمحبه والتضرع والذل والانكسار. وأناب العقل بانفعاله، أي بانفعاله يعني استجابته لاوامر المحبوب ونواهيه وتسليمه لها وتحكيمه اياها دون غيرها.فلذلك الذين يأخذون من الشريعه ما يناسب أهوائهم ويختارون منها، كما تلاحظون في الواقع المعاصر، هذا دلالة عدم حصول الانابه الحقيقيه لله. من حصل الإنابة الحقيقية لله فإن عقله سيكون منفعلاً، أي مستجيباً مستسلماً لأوامر المحبوب كلها، ويحكم شرع الله عليه في كل أموره وأحواله، فلم يبق في هذا العقل منازعة شبهة معترضة دون أحكام الله.
وانابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة. يعني هو كأنه جعل الروح هي الأصل، إذا أنابت الروح أناب القلب واناب العقل وانابت النفس، فجعل القلب والعقل والنفس تبعاً للروح فقال: وانابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة. يعني ما الذي يدع الإنسان يترك كثير من العادات السيئة في حياته مع أنها تكون عادات رسخت وطبائع كبر عليها الصغير وشاب عليها الكبير، أو نشأ عليها الصغير وشاب عليها الكبير؟ يقول: الذي يجعل الإنسان ينخلع عن عوائده وممارساته السيئة في حياته من الكلام الفارغ وكثرة النوم وحب الدعاوي، والذي يجعل الإنسان يخلع هذه الامور هي إنابة النفس حقاً إلى الله، فهذه الإنابة تعينك على أن تنخلع من عوائدك النفسية وأخلاقك الذميمة وخواطرك الفاسدة. وانقادت هذه النفس للامر خاضعة له راغبة فيه مؤثرة إياه على غيره.
قال: فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر، وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضاً إلى مولاها الحق ورضا بقضائه وتسليماً لحكمه. وقد قيل: إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة في النفس.
واناب الجسد بالاعمال والقيام بها، تدبير العبد لنفسه أن يكون العبد يسلم التدبير لنفسه، يقول علماء السلوك: أن تكون منشغلاً بتدبير امور نفسك، ترى هذه آخر الصفات المذمومة، لانه من وصل إلى الكمال فإنه يضع التدبير عند خالقه، يخرج من تدبيره إلى تدبير خالقه: اللهم دبر لي فإنني لا أححسن التدبير. فعلى الإنسان إذا أراد الكمال أن يتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته وتدبيره.
واناب الجسد بالأعمال والقيام بها فرضها وسننها على أكمل الوجوه. وأناب كل جريحة وهذا آخره، فلما ذكر إنابة القلب ثم إنابة العقل ثم إنابة النفس، ختم بذكر إنابة الجسد. وأناب الجسد تبعا بعد ذلك بالأعمال والقيام بفرضها وسننها على أكمل الوجوه، وإذا أناب الجسد أنابت معه كل جارحة من جوارحه يداً ورجلاً وعيناً؛ فلا ينظر بعينه إلى الحرام، ولا ينصت إلى الغناء، ولا يتكلم بالغيبة والنميمة، ولا يبطش بيده ولا يسرق، ولا يمشي برجله إلى الحرام، وهكذا.
فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق، الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عذبة في مبادئها فإنها عذاب في عواقبها. فإنابة العبد ولو ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره، فإن إنابة هذا من إنابة من قبله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. من قبله، يعني من أناب فقط في المأمورات أو في ترك المخالفات أو فقط في باب الدعاء وسؤال الحاجات، هذا أناب بروحه، فإنابة الروح ساعة أفضل من إنابة كل العمر بدون إنابة الروح. لو عملنا مقارنة: إنابة الروح ساعة مقابل أن تنيب طول عمرك الإنابة الأولى أو الثانية يقول: إنابة الروح ساعة أعلى من كل الإنابات السابقة، كمقارنة عامة وإن كان قد يناقش هذا.
بل هذا روحه منيبه أبدا وإن توارى عنه شهود انبتها باشتغال فهي كامنه فيها كمون النار في الزناد. سبحان الله! قال: أي كما أن النار كامنه في الزناد وتحتاج فقط من يشعلها، كذلك هذه الروح بل هذا بل هذا روحه منيبة أبداً وإن توارى عنه شهود إنابتها باشتغال. هذا الذي أناب بروحه حتى لو اشتغل مثلاً بشغل كسب رزق، بمجرد ما يأتي إلى حالة صفاء يخرج من هذه الروح معاني الإنابة، فالروح إذا أنابت إلى الله حتى ولو غفل الإنسان عن شهود هذه الإنابة فإنها موجودة كامنة، كما أن النار موجودة في الزناد الذي إذا قدح اشتعلت.
وأما أصحاب الإنابات المتقدمة فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر والابتهال فلنفسه وروحه وقلبه وعقله التفات عمن قد أناب إليه، فهو ينيب ببعضه ساعة ثم يترك ذلك مقبلا على دواعي نفسه وطبيعته. مثل الواحد مثلاً يدعو الله عز وجل شوي هيك، بعدين بيرجع للدنيا وبينسى. صحيح بتلاقيه يشتغل أحيانا ببعض المأمورات، بعدين بيرجع للجوال والهاتف والحياة وينسى. فكلها إنابات قاصرة إلا إنابة الروح فهي الإنابة الكاملة. والله الموفق والمعين لا رب غيره.
فهذه كانت قاعدة في فهم ما هي الإنابة الكلية وما هي الإنابة الناقصة، ثم ذكر قاعدة أخرى من قواعد العبودية.
الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال؛ جميلة، قاعدة تذكر لك طريقاً قريب يوصلك إلى أن تستقيم أحوالك وأقوالك وأعمالك على مرضاة الله، كيف يصل الإنسان إلى هذا المستوى؟
فقال وهي شيئان: أحدهما حراسة الخواطر وحفظها، والحذر كل الحذر من إهمالها والاسترسال معها. هذه أول قضية، إذا أردت أن تستقيم أحوالك وأقوالك وأعمالك، أولاً احرص على خواطرك؛ فإن مبادئ الشر من الخواطر.
إذا أحسن الإنسان إحكام الخواطر وضبطها وحافظها عن التفلت يميناً وشمالاً في شهوات الدنيا وملاذها، استطاع أن يضبط بعد ذلك ما يصدر منه من الأقوال والأفعال، فإذاً الخواطر هي بذور الشر كما يقولون أو بذور الخير، فما تبذره في خواطرك هو ما ستحصده في أعمالك.
قال: فإن أصل الفساد كله من جبلها يجيء؛ لأنها هي بذور الشيطان والنفس. الشيطان والنفس الأمارة بالسوء في أرض القلب، كأن القلب أرضية؛ ها الأرض من الذي يضع فيها البذور؟ هناك الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، كلاهما الشيطان والنفس الأمارة تبذران في أرض القلب الخواطر الرديئة.
فاذا تمكن بذرها، تعاهدها الشيطان بالوساوس يسقيها مرة بعد أخرى، حتى تخرج هذه البذور السيئة النتنة في أرض القلب؛ ايش تخرج؟ شجرة الإرادة. كانت بذوراً، فأصبحت شجرة الإرادة، ثم يسقيها الشيطان ويتعاهدها بالوساوس والافكار حتى تصير هناك غصون العزائم.
فإذا جاءت غصون العزائم تعاهدها الشيطان ولا يزال يسقيها حتى تثمر ثمار الأعمال القبيحة، شوف هذا المثل الجميل!
إذاً الخواطر هي بذور إبليس يضعها في أرض قلبك، ثم يتعاهدها فيقول لك: تذكر فلانة، تذكر شكلها وصورتها وهيئتها، فتبدأ هناك إرادة قلبية وهي الشجرة، تبدأ بالتوجه إليها وإدامة التفكير والخيال بها، فإذا استدمت التفكير كبرت شجرة الإرادة حتى تحولت إلى غصون العزائم، فأصبحت تفكر في حيل الوصول إلى فلانة والكلام معها والتحبب إلى قلبها، فإذا استحكمت غصون العزائم أوصلتك إلى ثمار الأعمال، فوقعت في الحرام، كل من أين نشأ؟ من بذور الخواطر.
نعم، قال: ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبد نفسه عاجزاً أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة.
قال: وهو المفرط إذ لم يدفعها وهي خاطر كمن تهاون بشراره من نار وقعت في حطب يابس فلما تمكنت منه عجز عن اطفائها.
شوف الأمثلة الجميلة! تخيل حطب كبير أمامك، نشأت شرارة في طرف منه، حطب يابس كميته كبيرة، نشأت شرارة في طرف منه، السيطرة على هذه الشرارة سهل، وإذا سيطرت عليها حميت كل الحطب، لكن لو قلت: يا شيخ هذه شرارة صغيرة ما تفعل شيئاً، فأهملتها، فإن هذه الشرارة تكبر رويداً رويداً إلى أن يحترق الخشب بالكلية وعندها ولا ساعة مندم.
نعم، قال: فان قلت فما الطريق إلى حفظ الخواطر؟ قلت: أسباب عدة.
ايوه، هذا من أخطر الأسئلة، سؤال عظيم! ما الطريق إلى حفظ الخواطر؟ أصعب شيء يواجه الإنسان أو من أصعب الأمور التي يواجهها الشاب المعاصر اليوم هذا السؤال: كيف أحفظ خواطري؟ لأنه ستقول لي يا شيخ اليوم العدو لم يترك لنا شاردة ولا واردة.
يعني العدو كما أن هناك الشيطان والنفس، هناك العدو الخارجي اليوم أيضاً يتكاتف على ماذا؟ على إدخال الخواطر وبذور الخواطر، يعني قديماً في الأجيال الأمة من يعني في الأجيال القديمة من هذه الأمة ما كان في مشروع صهيوني ماسوني عالمي يهدف إلى إثارة الخواطر السيئة وبذرها في عقول الشباب المسلم، إذاً كانت محاولات جزئية يعني أشخاص معينين، مش مشروع متكامل، اليوم إذا بدي أضيف على كلام ابن القيم: لا حقيقة غير الشيطان والنفس هناك المشروع العالمي الذي يريد أن يبذل الشر في الناس، ويريد أن يصدهم عن الأخلاق والقيم، فهناك شيء ثالث يتآمر مع الشيطان والنفس في قضية بذر بذور الخواطر الرديئة.
فالسؤال الذي يسأله كل شاب حريص غيور على دينه: نريد يا شيخ وسائل أدوات عملية نحفظ بها خواطرنا لأننا تعبنا والله؟ فيقول لك ابن القيم: خذ هذه الوسائل.
أولاً: العلم الجازم باطلاع الرب تعالى ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك. أولاً أن تعقد قلبك وتجزم في داخله بأن الله مطلع عليه، وانه كل تفكير رديء الله عز وجل علم به، كل فتاة فكرت فيها، كل مشهد رايته وسبحت معه، ترى الله مطلع على تفكيرك ونمطك وأسلوبك في التعامل معه، فاستحي.
استحي من الله! فعلا نحن عندنا إشكالية الحياء من الله عز وجل فيها ضعف، جعلنا الله عز وجل أهون الناظرين إلى قلوبنا، لو أنك كطالب علم أو كمسلم تعلم أن صديقك قد كشف له عن قلبك، فصديقك يستطيع أن يأتي لينظر إلى قلبك ويرى خواطرك، فإنك ستستحي وتشعر بقمة الحياء والإحراج أن يأتي صديقي فينظر إلى قلبي فيرى قمامات الخواطر فيه، صحيح؟
لكنك لا ترعوي ولا تستحي من ربك سبحانه وتعالى المطلع على قلبك ليلا ونهاراً أن يرى هذه القاذورات قد عشعشت في قلبك، ما عندك حياء من الله؟
فاذا تفعيل خاصية الحياء من الله سبحانه من خلال العلم الجازم باطلاع الرب ونظره إلى قلبه وعلمه بتفاصيل خواطرك، والذي سيقودك إلى ايش الثاني: حياؤك منه. فأنت هذا العلم إذا كنت تعظم الله وتحب الله حقاً، هذا العلم الجازم باطلاع الله على القلب لابد وأن يولد حيائك منه.
ثالثاً: إجلالك له سبحانه أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلقه لمعرفته ومحبته، هذا القلب بيت، بيت ليسكن فيه الله في ذات حاشاه وإنما لتسكن فيه ايش معارفه ومحابه.
نعم، قال: الرابع خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر، الخوف أيضاً من أن يمقتك الله بتلك الخواطر.
خامساً: إيثارك له أن يساكن قلبك غير محبته، أن تؤثر الله على من سواه، تؤثر أن يساكن قلبك محبته على أن يكون في جوار قلبك أو أن يكون في قلبك مساكنة غيره.
السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويستعر شرارها فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبه الله وتذهب به جملة وأنت لا تشعر، وهذه من أكثر الأمور التي تعينك والله أن تبقى على وجه أنه هي الخواطر يا شيخ في لحظة واحدة قد تصبح نار شرسة لا أستطيع السيطرة عليها الآن هي ما زالت خواطر، ما زالت بذور ممكن أدفنها وينتهي أمرها، لكن إذا أخرجت جذوع الإرادات ثم أغصاناً العزائم كيف ساسيطر عليها؟ فخشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويستعر شرارها يجعلك من الأول تسعى إلى إخمادها.
السابع: أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر. تذكر أن هذه البذور هي عبارة عن فخاخ، الشيطان يحاول أن يصيدك من خلالها، تلك الخواطر بمنزلة الحب اللي يلقى للطائر حتى يصاد الطائر، كيف قديماً كانوا يصيدوا الطيور؟ ينصب له فخ، فكذلك الشيطان ينصب لك فخ هذه الخواطر حتى يصيدك وأنت لا تشعر، فانتبه.
الثامن: أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلاً، بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه.
وهذه حقيقة ينبغي أن نعلمها وأن نجزم بها إخواني، كثير منا حقيقة يشكو من ضعف في الإيمان، يشكو من تذبذب وعدم استقرار في علاقته مع الله سبحانه، يشكو من تقلب أحواله ومزاجه وبعده ودفائه، فأقول لك حقاً وصدقاً ما ذكره ابن القيم هنا: أنت سكن قلبك الخواطر الرديئة وهذه الخواطر الرديئة هي عم تزاحم خواطر الإيمان وخواطر الاستقامة والإنابة لله سبحانه وتعالى، فهذه الخواطر الرديئة مع خواطر ما في قلبك من الإيمان والاستقامة يتزاحمان ويتعاركان ولا بد في النهاية أن يغلب أحدهما الآخر.
فإصرارك على الخواطر الرديئة وتمسكك بها وكسلك عن مدافعتها وطردها سيجعلها في النهاية تغلب على إيمانك، على إخباتك، على جمالية العلاقة مع الله، ففي يوم من الأيام تشعر أن ينابيع المحبة قد جفت، وأن مشاعر الوصال قد انقطعت، تقول: لماذا وصلت لهذه المرحلة؟ اقول: لأنك لم تزاحم ولم تدافع خواطر السوء وتركتها تفعل أفاعيلها.
المشكلة إخواني أننا أحيانا نظن أننا سنكسب على كل الجبهات. شوف هذا الوهم الذي يقنعنا به الشيطان أحياناً، يظن أحدنا أنه يستطيع أن يكسب كل الجبهات، وهذه من حيل إبليس فيقول لك: ترى أنت تستطيع أن تكون شاب في العمل الإصلاحي وقيام الليل وتحافظ على أوردك وأذكار صباح ومساء ومستقيم، وفي نفس الوقت يا اخي برضه تمتع في حياتك بشيء من الخواطر والتفكير الجميل بالشهوات والمالذات، يعني أنت لازم يكون عندك قدرة على انك تجمع بين الامرين!
شوف الطريقة الإبليسية: أنه عادي أني أنا أكون في مكان معين طالب العلم أو الشاب الصالح أو المصلح أو المتكلم أمام الناس على السوشيال ميديا بمعاني الخير والصلاح، ويا شباب والامه تنتظركم، وصلاح قلوبكم، واحذروا، وفي نفس الوقت يعني من باب ساعة وساعة أعطي نفسك هيك ساعتين ثلاث في اليوم تفكير في ملذات وأمور الشهوات والنساء والقضايا التي تحبها، أنت تستطيع انك تجمع بين المشهدين، ولماذا تضيع فرص ما دام أنا قادر ألعبه على كل الحبال؟ العب!
لا، هذا الذي لا يمكن أن يكون، هذا الذي يحاول ابن القيم أن يفهمك إياه، لا يمكن أن تستمر الأمور على هذه الحالة، ممكن تستمر بضع سنوات بهذه الطريقة بين مادة الإيمان والخير ومادة البذر وبذور الخواطر، ممكن تستمر سنوات، لكن في لحظة معينة سيغلب أحدهما، إما أن تنهار وتترك الصلاح والاصلاح وطلب العلم والخير وما كنت فيه وتغلب مادة الشر، وإاما أن يعينك الله على تلك المادة السيئة في قلبك فتطردها وتنتبه: ترى أنا في غفلة، ترى أنا عندي مشكلة، وهذا ما ذكرناه في الدرس الماضي من فوائد الذنوب اللي هي لحظة اليقظة أنه اه، ممكن في لحظة معينة يأتي ذنب يجعلك تعيد التفكير تماماً أنه أنا ايش عم بسوي في نفسي؟ ايش عم بسوي في حياتي؟ أنا صار لي سنين عايش على لعبة النفاق، لعبة ال أني أكون دائماً في كل الحبال الحاضر عادي جداً أن أتكلم أمام الناس بنفس الواعظ المصلح الخير الشاب الطيب المحترم الخلوق الورع وفي نفس الوقت في لحظات خلواتي أن أبقى مستمر على ماذا؟ أنه يا شيخ بدي شوي أمشي حالي برضه أسلك حالي في الدنيا، أنا بدي أظني أتكلم عن التقوى والورع ومحبه الله وكذا وفي نفس الوقت ما عندي مرطبات.
لأنك للأسف أقنعك الشيطان أن تلك الخواطر هي نوع من إجمام النفس وتريحها من الخطاب الوعظ العالي أو من خطاب يعني طلاب علم وقراءة وتصنيف وقيام الليل وذكره، يا شيخ والله أشياء ثقيلة بدها شوية رطوبة في الحياة، فالخواطر الرديئة يعني تفكير ببعض بعض الأمور الجميلة ملاذ النفس ياتي بهذه الرطوبة، هنا يقول لك ابن القيم: عليك أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلاً، بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه، لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.
نعم، قال: فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمحبه والمعرفة فأخرجتها واستوطنت مكانها؟!
لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه، لكن ما لجرح بميت إيلام.
هي المشكلة لو كان القلب حياً لشعر بتلك اللحظة التي تخرج فيها خواطر الإيمان وتحل فيها خواطر الشيطان مكانها، لشعر بالالم الشديد، لكن لما يكون القلب ميتاً لن يشعر بذلك الألم للأسف.
التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فاذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماتة، فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه سبيلاً. فقلب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح، معذب مشغول بما لا يفيد، فقلب تملكه الخواطر تكون الأحاسيس هي التي تملكه، بعيد عن الفلاح معذب مشغول بما لا يفيد، وهو يقصد في هذه الفكرة التاسعة أن الخواطر لا تنتهي.
الخواطر لا تنتهي؛ أي لذة وأي معصية تفكر في أساليبها وكيف تطورها وكيف تنغمس فيها تبقى تفكر فيها كتفكير، ستبقى ساعات على الفراش وأنت مستلق تتخيل ساعات طويلة، ثم تستيقظ كما يقول ويده بالحصير -كما يقول ابن القيم في سياق آخر- إنه ما في شيء، بس أنت جالس تتخيل هكذا خيال: أنك عانقت وواصلت ووعدت ووعدت فأوفيت فقبلت ففعل، يبقى يتخيل ويسير مع هذه الأمور، فإذا بعد ذلك جاءه راح شخص من الجلسة والهاتف رجع للحياة الطبيعية أنه شو اللي صار؟ أنا فقط كنت جالس مع خواطر ليس لها ساحل تنتهي إليه، مسكين كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه.
طيب، العاشر: أن تلك الخواطر هي وادي الحمقى وأمان الجاهلين فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي، وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانه وأفسدت عليه رعيته والقته في الأسر الطويل.
كما أن هذا معلوم في الخواطر النفسانية، فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية هي أصل الخير كله؛ فإن أرض القلب متى بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبه والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب، وسقيت مرة بعد مرة، وتعاهد صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها، أثمرت له كل فعل جميل.
يعني بعد أن انتهى من الخواطر النفسانية الرديئة، قال لك: وكذلك الحال، العكس بالعكس.
إذا بذرت بذور خواطر الإيمان والعلاقة مع الله، فإنك ستجني ثماراً جميلة إذا بذرت الخشية والمحبه والإنابة والتصديق وسقيت مرة بعد مرة. وكيف يسقيها الإنسان؟ يسقيها من خلال قراءة القرآن، يسقيها من خلال المحافظة على الأوراد والتدبر فيها، يسقيها من خلال مجالس العلم ومجالسة الصالحين، من خلال القراءة النافعة، من خلال قيام الليل، من خلال قيام النهار وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها. أثمرت له كل فعل جميل، وملأت قلبه من الخيرات، واستعملت جوارحه في الطاعات، واستقر بها الملك في سلطانه واستقامت له رعيته. الملك هنا قلب، فإن القلب إذا استقام استقامت له الرعية.
ولهذا لما تحققت طائفة من السالكين ذلك عملت على حفظ الخواطر، وكان ذلك هو سيرها وعملها، ولذلك كثير من العلماء والسالكون إلى الله كان دابهم حفظ الخواطر. يعني المشروع المركزي في حياتهم حفظ الخواطر، وهذا أنصح به نفسي وإخواني أن تكون أحد المشاريع المركزية، بل هو المشروع الأكبر: احفظ خواطرك. إذا كوشت كما يقولون على بحر الخواطر وحسته وملكته فأنت والله في خير عظيم، ستجد أثر ذلك وانعكاساته الهائلة في حياتك لأنك ضبطت البوصلة بشكل جيد، وإذا أضعت الخواطر ضاع كل شيء.
وكان ذلك هو سيرها وعملها، وهذا نافع لصاحبه بشرطين. التركيز على حفظ الخواطر نافع بشرطين؛ أحدهما: ألا يُترك به واجب ولا سنة. أن يكون تركيزك منصباً على حفظ الخواطر، نافع بشرط ألا يؤدي انشغالك إلى حفظ الخواطر أن تنصرف عن ماذا؟ عن أداء الواجبات والسنن الرواطب. يعني بعض الناس ممكن يكون هدفه دائماً -وهذا حصلت الوسوسة عند بعض الصوفية- أنه صار اهتمامه بحفظ الخواطر يسبب عدم خشوعه في الصلاة وعدم اهتمامه بأداء الواجبات، بقول لك أنا بس شغلي الشاغل أظلني مهتم على حراسة خواطري، فنقول هذا قصور، ما هو حفظ الخواطر أحد الأمور المركزية بالتأكيد لكن لا يؤدي بك إلى التقصير في الواجبات والسنن الرواتب وغيرها. إذا يؤدي انشغاله بحفظ الخواطر إلى أن يفرط في الواجب والمسنون.
الثاني: ألا يجعل مجرد حفظها هو المقصود. لأنه في النهاية بصير وسواس، أنك بس جالس بس تحفظ الخاطر؛ أجت خاطر سيء؟ جاء خاطر سيء من هنا؟ طب بعدين؟ ما هو أنت راح تظل أنت في النهاية هي حياة، هذا عمر، أنت عندك حياة وسعي ورزق وأولاد وذرية وعلاقات اجتماعية، لن يبقى الامر هكذا بالتأكيد. أنا فقط جالس كأنني أحمل البندقية وواقف على حراسة الإنسان الذي يريد أن يصيد صيداً، كلما جاء خاطر أطلقت عليه الرصاص؟ ثم ماذا؟ لا بد أن يكون هناك هدف أسمى، بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر.
أنت مش فقط بده يكون وقاية، برضه بدي أدخل هناك مادة نافعة إلى القلب تحل محل تلك الخواطر. مش هدفي فقط أن أصير تلك الخواطر، بل أملا قلبك خواطر إيمانية، فيقول: بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية. يعني باختصار الخواطر الصحيحة، آتي بمستوطنين جدد لكن مستوطنين من عالم الخير والصلاح، فبالتالي يفرغ قلبه من تلك الخواطر الرديئة ويعمره باضدها من الخواطر الجيده.
والإلا فمتى عمل فقط على تفريغ القلب منهما معا كان خاسرا، فلا بد من التفطن لهذا. يعني بعض الناس ينشغل بطرد الخواطر الرديئة بس لا يعبأ بالخواطر الجيدة، فبنقول أنت رح تخسر أيضاً بهذه الطريقة ولن تصل للحل. ومن هنا غلط أقوام من ارباب السلوك وعملوا على القاء الخواطر وإزالتها بالكلية، قال لك خلاص بدنا خواطر تماماً، فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات والوساوس، وظنوها تحقيقاً وفتحاً رحمانياً وهم فيها غالطون، وإنما هي خيالات وفتوحات شيطانية، والميزان هو الكتاب الناطق وهو القرآن الكريم، والفطرة السليمة، والعقل المؤيد بنور النبوة، والله المستعان.
إذاً هذه الطريقة الأولى، نحن الآن السؤال الذي طرحناه في أول هي القاعدة: أريد طريقاً قريباً موصلا إلى ضبط أحوالي وأقوالي وأفعالي؟ فقال لك أول طريق ما هو؟ حفظ الخواطر.
طيب، ما هي الطريقة الثانية التي تعينني على الاستقامة في حياتي؟ قال: صدق التاهب للقاء الله عز وجل، وهذا من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته، فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا ومطالبها وخمدت. الحل الثاني هو أن تبقى طوال أيام حياتك في حالة التاهب للقاء الله. الانشغال الكلي للتاهب للقاء الله، أنه أنا ما أعد أفكر في الدنيا ولست متعلقاً بها حتى انشغالي بالوظيفة وبالزواج وبالأولاد كله أنا في الباطن عارف أن هذا بس تمشاية حال الآن، لأنني أنا في مسير ورحلة إلى الله وعما قريب ساصل.
فمن قال فإن من استعد للقاء الله وكان دائماً في حالة وضعية الاستعداد، انقطع قلبه عن الدنيا ومطالبها. لذلك إحدى أكبر الإشكاليات في القلب الجاهلي أن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها؛ الاطمئنان للحياة الدنيا والتعلق بها هو الذي يجعل أحوال الإنسان ليست على استقامة، الاطمئنان وكأنك ستعيش فقط من أجل الحياة الدنيا. وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا. فيقول: لازم تخمد هذا المعنى في قلبك أنني سأبقى في الدنيا، وتشعل المعنى الآخر وهو أنني عما قريب راحل، وهذا ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل مع الصحابة: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، اللي هي التاهب المستمر.
خلص يعني الحياة ماشية، ما تضلك كثير تفكر في التفاصيل، وهذا اللي أصلاً بفسر فيه جملة سيرة وأحوال النبي عليه الصلاة والسلام كيف أنه ما كان يدقق كثير في التفاصيل الدنيوية، كيف أنه كع سنوات لم يعاتب أنس بن مالك على شيء قصر فيه، عشر سنوات من الخدمة من أنس بن مالك لم يعاتب فيها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يضع أي وزنية للحياة الدنيا في هذا المقام.
فقال: فخمدت من نفسه نيران الشهوات. بالله عليك قلب مرابط على ثغور الآخرة، هو عنده وقت يفكر في فلانة وفلانة؟ قلب مرابط على ثغر الآخرة ينتظر اللحظة التي سيقال له فيها: أقبل، هل عنده وقت ليفكر في فلانة كيف ساعدها وفلان كيف سأعمل معه وكيف أدخل في علاقاته وأدخل في عالم الشهرة عبر السوشيال ميديا وأكون من البارزين الذين، ما هو فاضي هذه القصص، وإرهاق النفس بالمتابعين والجمهور وشكله طلع حلو ولا وحش أمامهم لا خليني أعيد المقطع مرة ثانيه، ما عنده وقت لكل التوافه التي ينشغل بها الناس، ليه؟ لأنه هو كما قلت على ثغر الآخرة انشغل وأقبل بالكلية.
فخمدت من نفسه نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى ربه سبحانه، وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته، واستحدث همة أخرى وعلوم أخرى، وولد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبته إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه. هذا الشخص الذي هو في وضعية الاستعداد للدار الآخرة، كان قلبه يولد من جديد. ولك كيف أنت كنت في رحم أمه ثم خرجت ببدنك إلى الحياة الدنيا؟ كذلك هذا القلب الذي عكف على ثغر الآخرة كأنه ولد من جديد، أنت تعطيه حياة جديدة غير الحياة التي يعيشها الناس وينظرون إليها، حياة من نوع آخر.
ولد هذا القلب ولادة أخرى، تكون هذه الولادة الأخرى نسبة القلب فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمك إلى الدنيا بعد أن خرجت إليها من رحم أمك، وقد كنت قبل ذلك في بطن الأم، فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه ولادة حقيقية. وكما كان بطن أمه حجاباً لجسمه عن هذه الدار، فهكذا كانت نفسك الأمارة بالسوء وهواك هو حجاب لقلبك عن الولادة إلى الدار الآخرة. فخروج قلبه عن نفسه بارزاً إلى الدار الآخرة مرابطاً على ثغر الآخرة، كخروج جسمه عن بطن أمه بارزاً إلى هذه الدار الدنيوية، وهذا معنى ما يذكر عن المسيح صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: يا بني إسرائيل إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين، يقصد أن تولدوا أولاً من بطون أمهاتكم، ثم تولد قلوبكم إلى الله سبحانه وتعالى.
ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها فضلاً عن أن يصدقوا بها، فيقول القائل: كيف يولد الرجل الكبير؟ أم كيف يولد القلب؟ لم يكن لهم إلا لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة، إذ كيف يعزم على شيء من لا يعرفه ولا يصدقه؟ ولكن يعني بعض الناس أصلاً لما تكلمه هذا الكلام بقول شو بتسولف أنت يا مشايخ؟ ايش معنى ولادة جديدة وقلب جديد ويولد القلب للدار الآخرة؟ ويقول لك ابن القيم هو أصلاً مش متصور هذه المعاني، يقول لك كيف يولد الرجل الكبير؟ يا اخي أنتم كلامكم كثيف وبتفلسفوها يا مشايخ، بقول لك ابن القيم شخص هكذا. هذا مستوى عقله وهذا مستوى فهمه، كيف ساقنعه أن هناك ولادة أهم من الولادة البيولوجية؟ كيف ساقنعه بذلك؟
نعم، قال: ولكن إذا كشف الحجاب الغفله عن القلب صدق بذلك، وعلم أنه لم يولد قلبه بعد. يعني هذا بدك ينكشف شوية الحجاب الغفلة عنك حتى تفهم أنك لم تولد بعد. والمقصود أن صدق التاهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه، من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبه والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال الجوارح، وسائر أعمال القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التاهب والاستعداد للقاء الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم، لا إله غيره ولا رب سواه. لكن لا بد من صدق التاهب، لأن بعض الناس هو يزعم التاهب وليس صادقاً فيه، فلا بد من صدق التاهب والجدية فيه، وأن يكون فعلك يدل على أن فلان فعلا هو متأهل.
إذاً فهاتان وسيلتان تثمران حسن الأعمال: الحفظ حفظ الخواطر، وصدق التاهب، هذه خلاصه هذه القاعدة.
قاعدة جديدة من قواعد المهاجرين إلى الله؛ قاعدة شريفة: الناس قسمان: علية وسفلة. فالعلية من عرف الطريق إلى ربه وسلكها قاصداً للوصول إليها، وهذا هو الكريم على ربه. والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ [الحج: 18].
قال: والطريق إلى الله في الحقيقية واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلاً لمن سلكه اليه. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. فوحد سبيله لأنه في نفسه واحد لا تعدد فيه، وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعدده، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره ثم قال: هذه سبيل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُوهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: 257]. قال: فوحد النور الذي هو سبيله، وجمع الظلمات التي هي سبل الشيطان، ومن فهم هذا فهم السر في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1] مع أن فيه سرا ألطف من هذا يعرفه من يعرفه، من يعرف منبع النور كله؟ قال: من أين فاض وعن ماذا حصل؟ وأن أصله كله واحد.
وأما الظلمات فهي متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها وهي كثيرة جداً، لكل حجاب ظلمة خاصة. ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادي إلى النور الهادي جل جلاله أصلاً لا وصفاً ولا ذاتاً ولا اسماً ولا فعلاً، وإنما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، فهو جاعل الظلمات، ومفعولاته متعدده متكثرة بخلاف.
يعني هي فهذه الظلمات هي مخلوقات. فيقول لك الظلمات هي ليست وصف وصف قائم في ذات الله وليست فعل من افعال الله، وإنما هي من المفعولات، كما يخلق الله الشر نرجع لقضية الشر، فالظلمات هي مخلوق من المخلوقات تمام، هذه الأفكار المظلمة هي مخلوق من المخلوقات خلقها الله سبحانه وتعالى لحكمة وإلا فهي ليست فعل الله، ففعل الله ليس ظلمه، الشر ليس إليه بخلاف النور، فالنور منبعه واحد وأصله واحد، فهو وصف لله وقائم في ذات الله، وهو أيضاً يوصف به فعل الله، أن فعله نور فالله نور وفعله نور ويخلق النور.
وأما الظلمات فهي ليست إلا وصفاً لمخلوقات، وإلا فالله عز وجل حاشاه أن يوصف بالظلم أو أن يوصف فعله بأنه ظلام، صحيح نعم. لذلك قال: وإنما ترجع إلى مفعولاته، أن هناك بعض المفعولات -يعني المخلوقات- هي الموصوفه بأنها ظلمات؛ الأفكار الإلحادية، الأفكار الشهوانية، الأفكار العلمانية، تمام. هذه هذه الأفكار التي تولى هذه مفعولات لله هي نفسها توصف بأنها ظلمات، فهو جاعل الظلمات -يعني خالقها- صحيح. ومفعولاته متعددة متكثرة، فخلق في بعض الناس ظلمات الإلحاد، وخلق في بعض الناس ظلمات الشرك، وخلق في بعض الناس ظلمات كذا، وإن كان خلقها لحكمة، نرجع لقضية لماذا خلق الله الشر الذي ذكرناه سابقاً، فهي نفسها لماذا خلق الله الكفار ولماذا خلق الله المعاصي.
فالظلمات هي وصف للمفعولات، وأما النور فهو وصف للخالق ووصف لفعله ووصف أيضاً لبعض مفعولاته، اليس كذلك؟ قال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه، ذكره الدارمي عنه، وفي صحيح مسلم عن
أبي ذر: «قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: نور أنا أراه».
والمقصود أن الطريق إلى الله واحد، فإنه هو الحق المبين، والحق واحد مرجعه إلى واحد. وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل باطل، فما دام الله نوراً وفعله نور، فالمفعول سيكون النور فيه واحد، فلذلك وحد النور؛ لأن مصدره واحد وهو الله سبحانه. بخلاف الباطل كما قلنا، فانه لا ينحصر أشكاله، بل كل ما سواه باطل سبحانه، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة.
وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطرق إلى الله متعددة متنوعة جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها رحمة منه وفضلاً، فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق. الآن يعني هذا اعتراض كأنه سيقول له: طيب كيف جعلت الطريق إلى الله واحد مع أن بعض العلماء يقول إن هناك طرقاً كثيرة توصل إلى الله؟ هل هناك تعارض بين قولنا إن الصراط المستقيم واحد وإن النور واحد، وبين قولنا أو قول بعض العلماء إن الطرق إلى الله متعددة متنوعة جعلها الله كذلك متنوعة لتنوع الاستعدادات؟ ففلان يدخل من باب الجهاد، وفلان يدخل من باب العلم، وفلان يدخل إلى الله من باب الصدقة، وفلان يدخل من باب الصيام.
نقول: حقيقة هذه كلها ضمن الطريق الواحد، يعني هي ليست طرقاً متعددة، بل هو الطريق الواحد، صراط والصراط واسع. إيش قلنا من دلالة كلمة الصراط؟ إنه الطريق الواسع، ولسعته فيه الكثير من الأعمال التي يمكن أن تلتحق بأي واحد منها فيوصلك. فهذا معنى قولهم إن هناك طرقاً متعددة متنوعة توصل إلى الله، لكن هذه الطرق هي ضمن الطريق الواحد، ضمن الصراط الذي يسعها جميعاً، وكشف ذلك وإيضاحه.
قال: الآن سيشرح لك ابن القيم أكثر وأكثر. أن الطريقة واحدة جامعة لكل ما يرضي الله، وما يرضيه سبحانه متعدد متنوع. كما قلنا طريق واحد واسع فيه مراضٍ كثيرة وهي متنوعة. فجميع ما يرضيه طريق واحد، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، فكلها طرق مرضاته. فهذه هي التي جعلها الله سبحانه برحمته وحكمته كثيرة متنوعة جداً لاختلاف استعدادات العباد.
وقبلهم: ولو جعلها نوعاً واحداً... شو استعدادات العباد؟ إنه طبائعهم، يعني في فلان طبيعته يحب القراءة، في فلان طبيعته يحب الصوم، في فلان طبيعته يحب الجهاد؛ فاختلاف الاستعدادات جعل الله لكل شخص وطביעته عمل من الصالحات يناسبه.
قال: ولو جعلها نوعاً واحداً مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد. نعم لو كان الطريق إلى الله ما فيش إلا كله جهاد أو كله قراءة كتب، لكان الطريق شاقاً. الناس مختلفة الاستعدادات والطبائع والقوى والأذهان والعقول، فلو جعل الطريق الواحد هو عباره عن عمل واحد لا يوجد غيره، أصبح الطريق شاقاً متعباً، لكن من رحمته أنه نوع الأعمال في هذا الطريق لتنوع الناس عقولاً وأذهاناً واستعداداً.
ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امرئ إلى ربه طريقاً يقتضيه استعداده وقوته وقبوله. تذكر لما في إحدى أمسيات غراس لما تكلمنا عن كلام مالك لما نصحه أحد الأئمة أنه: يا مالك، أنت يعني قللت من قيام الليل والانشغال به، فقال له مالك مخبراً له أن هذه في النهاية كلها طرق إلى الله سبحانه وكل إنسان يفتح له باب منه، كل إنسان يفتح له باب من هذه الأبواب، وهذا التنوع جميل ومطلوب، بل به فعلياً يحصل التكامل الحضاري والمجتمعي والحياة لتنشأ الأمة المسلمة.
لو كان كل الناس بتجاهد مين بدو يطلب العلم؟ ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]. فلو كان كل الناس تتفقة من سيجاهد؟ ولو كان كل الناس تجاهد طيب مين بدو يزرع؟ من سيقود؟ وهكذا.
ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد، بل تنوع الشريعة الواحدة مع وحدة المعبود ودينه. قال ومنه الحديث المشهور: «الأنبياء أولاد علات دينهم واحد». أولاد العلات هم الإخوة الذين يشتركون في الأب وتختلف أمهاتهم. تمام، فالنبي عليه الصلاة والسلام شبه الأنبياء كأنهم إخوة يشتركون في الأب وهو الدين العقيدة وتتنوع أمهاتهم، والأمهات هنا هي الشرائع، فكل واحد له شريعته وإن كانوا يشتركون في الأب وهو الأصل وهو العقائد.
قال: فأولاد العلات أن يكون الأب أبواً واحداً والأمهات متعددة، فشبه دين الأنبياء بالابن الواحد وشرائعهم بالأمهات المتعددة، فإنها وإن تعددت فمرجعها كلها إلى أب واحد.
وإذا علم هذا، فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي تعبد بسلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم، وقد وفر عليه زمانه مبتغيا به وجه الله. وقد وفر عليه زمانه ايش يعني؟ يعني أقبل بالكلية عليه، وقد وفر عليه أي على طريق العلم زمانه، بمعنى أقبل إقبالاً كلياً على العلم والتعليم. في ناس هذا طريقه صحيح. وفر عليه يعني أقبل على العلم والتعليم طيلة زمانه مبتغياً به وجه الله سبحانه، فلا يزال كذلك عاكفاً على طريق العلم والتعليم حتى يصل من هذا الطريق إلى ربه سبحانه وتعالى، ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه، يعني حتى لو ما صار عالماً ليس شرطاً أن الكل يصبح عالماً، لكن على الأقل يموت في طريق العلم فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100].
قال: وقد حكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤي بعد موته وأخبر أنه في تكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ؛ فإن العبد يموت على ما عاش عليه. جميل هذا المعنى عظيم حقيقة، وهو أن طالب العلم حتى ولو لم يصبح عالماً في الحياة يعينه الله على الاستمرار في طلب العلم يمكن وهو في حياته البرزخية، يعني هذا رجل كان حريصاً على طلب القرآن ولكن للظلم أنه لم يكمل، جاءته المنية واختارته قبل أن يكمل مشروع طلب القرآن، فرؤي في النوم بعد موته: ماذا فعل بك؟ فأخبر أن الله مكنه وهو في الحياة البرزخية أن يكمل مشروع طلب القرآن واتقانه. شوف هذه النعمة العظيمة، فهذا من سلك طريق العلم.
في بعض الناس يقول لك: يا اخي، أنا لا أقوى على العلم، أقعد معكم مشايخ كتاب أعد كتاب وتحرير، هذه ما هي قوتي. فمن الناس من يكون سيد عمله الذكر. بعض الناس يقول لك: أنا بحافظ على أن أجلس في المسجد من بعد الفجر إلى الشروق، ومن بين المغرب إلى العشاء، ومن العصر إلى المغرب في ذكر لله، وقد جعل ذكره زاده لمعاده ورأس ماله لماله، فمتى فتر عنه أو قصر فيه راى أنه قد غبن وخسر.
ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، في ناس بوابه الصلاة. فمتى تقصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها، أظلم عليه وقته وضاق صدره.
ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي كقضاء الحاجات وشرائع الخير والاصلاح، وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات قد فتح له في هذا وسلك منه طريقاً إلى ربه.
ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن فهي الغالب على اوقاته وهي أعظم أوراده. ومنه من يكون طريقه الصوم فهو متى أفطر تغير عليه قلبه وساءت حاله. ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد فتح له فيه ونفذ منه إلى ربه. ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار.
ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاه الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة. ومنهم جامع الفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق، هو قد جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عين عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كل فريق بسهم. لأن في إنسان ممكن يكون يحاول أن يسير في كل الحافلات، ممكن مش هناك من ينادى من أبواب الجنة كلها؟ في إنسان قدراته عالية، ولكن لا يطالب الناس كلهم بهذا القدر طبعا، بس في إنسان صاحب همة فذة، قد جعل حياته في وظائف العبودية يؤمها أين كانت ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كل حافلة بسهم. فأين كانت العبودية وجدته هناك؛ إن كان علم وجدته في مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمره المحسنين، أو مراقبة ومحبة وأنابة إلى الله وجدته في زمره المحبين المنيبين. يدين بدين العبودية إن استقلت ركائبها، ويتوجه اليها حيث استقلت قرت مضاربها. لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت وأين كانت، جالبة ما جلبت مقتضية ما اقتضت، جمعتني أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها، مراقباً له فيها عاكَفاً عليه بالروح والقلب والبدن والسر، قد سلمت إليه المبيعة منتظراً منه تسليم الثمن، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111].
فقال: فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة. ومعنى النفوذ إليه أن يتصل به قلبه، ويعلق به تعلق المحب التام المحبة لمحبوبه، فيسلو به عن جميع المطالب سواه، فلا يبقى في قلبه إلا الله وأمره وطلب التقرب إليه.
فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه واصطفاه، وأخذ بقلبه إليه وتولاه في جميع أموره في معاشه ودينه، وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يربي الوالد الشفيق ولده، فإنه سبحانه القيوم المقيم. وهنا تصبح مفهوم «واصطنعتُ لنفسي»، هنا الله عز وجل يجتبيه ويصطنعه لنفسه.
قال: فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه ورضي به من الناس حبيبا ورباً ووكِيلاً وناصراً ومعيناً وهادياً؟ فلو كشف الغطاء عن ألطافه به وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم، لذاب قلبه حباً له وشوقاً إليه وتقطع شكرًا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم. وإلا فأي قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى سواه؟
هذا يعني، أي قلب هذا؟ سؤال استنكاري يعني، أي قلب يذوق حلاوة الله ثم يسكن إلى سواه؟ هذا ما لا يكون أبداً. ومن ذاق شيئاً من ذلك وعرف طريقاً موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وراحته وشهواته ولذاته، وقع في بئر من المهالك، وأودع قلبه سجون المضايق، وعذب في حياته عذاباً لم يعذبه أحد من العالمين، نسأل الله العافية. فحياته عجز وغم وحزن، هذا الذي عرف الله وذاق شيئاً من معارفه ثم عاد أدراجه إلى الوراء مسكين!
يعني قال: لا هو أنس بقرب الله، ولا هو لم... يعني كما قالوا: لم يذق فلم يعرف. مشكلته ذاق وعرض ثم رجع ولم يكمل، هذا أشد ألما! كما قال: وأودع قلبه سجن المضايق، وعذب في حياته عذاباً لم يعذبه أحد من العالمين، فحياته عجز وغم وحزن، وموته كمد وحسرة، ومعاده يوم القيامة أسف وندامة، قد فرط عليه أمره.
قال: وشتت عليه شمله، وأحضرت نفسه الغموم والأحزان. فلا لذة الجاهلين ولا راحة العارفين، يستغيث فلا يغاث.
لا لذة الجاهلين... هسا الإنسان اللي ما عرف ولم يذق عنده ايش؟ على الأقل إنه هو لذه الجاهلين، تمام؟ لا هذا مشكلته عرف ثم عاد. تخيل أنه في مكان مميز على وجه الأرض فرضا، حتى أقرب لك الصورة: أنا أخذتك عليه ليلة، مكان رائع جداً في الطبيعة، قلت له: شو رأيك في هذا المكان وفي فيلا كبيرة وقصر وتحته أنهار ومطل؟ جلستك في ليلة واحدة، بعدين قلت لك: يلا الله يسهل عليك، رح يظل في قلبك ايش؟ حسرة! يا أخي والله هذا المكان، يا ريت أظني عايش فيه! فأنا لما أخرجتك منه بعد أن أجلستك فيه هذه الليلة الواحدة، أنا ترى أتعبتك نفسياً.
أيهما أفضل؟ أني ما عرفتك بهذا المكان أصلاً، فبقيت في لذة الجاهلين، أنا أصلاً ما بعرف، معقول في شيء زي هيك؟ مش متصوره! فأيهما أنعم بالاً؟ اللي ما عرف هذا القصر ولم يدخله، ولا اللي دخله تلك الليلة وخرج منها؟ اللي أنعم بالاً اللي ما عرف أصلاً بذاك الجمال؛ لأنه عايش في لذة الجاهلين أنه هو مش عارف أصلاً أنه في جمال. بس اللي دخلته ليلة ثم أخرجته هذا اللي عم يتعب، ليه؟ لأنه عرف ثم حرم، ذاق ثم منع. فلذلك يقول: هذا الذي عرف الطريق ثم عاد، أشد ألما ممن لم يعرفها، لأنه لا لذة الجاهلين الذين لم يعرفوا فهو يعني يتلذذ لأنه لا يعرف ما هو أجمل من هذا الذي بين يديه، ولا راحة العارفين الذين وصلوا وسكنوا في مواطن المحبة الإلهية.
يستغيث فلا يغاث، ويشتكي فلا يشكى، لا يلبي له طلب، قد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة، واقبلت همه وأحزانه وحسراته مقبلة، قد أبدل بأنسه وحشة، وبعزه ذلاً، وبغناه فقراً، وبجمعيه قلبه أبدل بها تشتتاً وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إحشاشاً.
ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها ناكبا عنها مكبا على وجهه فأبصر هي مشكلته أنه أبصر ثم عمي وعرفه ثم أنكر وأقبل ثم أدبر ودعي فما أجاب وفتح له فولى ظهره الباب قد ترك مولاه وأقبل بكليته على هواه.
فلو نال بعض حظوظه شو بده يحصل؟ وتلذذ براحته وشهواته فهو مقيد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد وميادين الأنس ورياض المحبة وموائد القرب، قد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل سافلين وحصل في عداد الهالكين فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده وإعراض الكون عنه إذ إعراض ربه حائل بينه وبين مراده.
قبر يمشي على وجه الأرض فروحه في وحشة في جسمه وقلبه في ملال من حياته يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه، حتى إذا جاءه الموت على تلك الحال والعياذ بالله فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين ما ولاه الحق وأحراره بنار البعد عن قربه والإعراض عنه وقد حل بينه وبين سعادته وأمنيته ص.
العافية فهذه يعني الآلم الذين ذاقوا ثم حجبوا نعم.
قال: فلو توهم العبد المسكين هذه الحال وصورتها له نفسه وأرته إياها على حقيقتها لتقطع والله قلبه ولم يلتذ بطعام ولا شراب ولخرج إلى الصعوبات يجأر إلى الله ويستغيث به ويستعتبه في زمن الاستعتاب يستعتبه أن يطلب منه العتبة وهو الرجوع نعم.
هذا مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية التي هي كخيال طيف أو مزنة صيف نغصت عليه لذتها أحوج ما كان إليها وحل بينه وبينها أقدر ما كان عليها، وتلك سنة الله في خلقه كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهُم أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].
قال: وهذا هو غب إعراضه وإيثاره شهوته على مرضاة ربه فيعوق القدر عليه أسباب مراده ص هذا غب يعني عاقبته هذه عاقبة إعراضك وإيثارك الشهوة على مرضاة الله نعم.
قال: فيعوق القدر عليه أسباب مراده فيخسر الأمرين جميعا فيكون معذبا في الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له وإن قسم له منه شيء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم فهم لا ينقطع وحسرة لا تنقضي وحرص لا ينفد وذل لا ينتهي وطمع لا يقلع.
وهذا أعطيك مثال كحال كثير من الشباب الذي يكون مثلا منشغل كما قلت لك ببناء نفسه علميا ودعويا ويقرا ومنكب على دراسته ليس مشغولا بما ينشغل به الناس من سيولة وسائل التواصل الاجتماعي وأقبالهم عليها، ثم بهذا الشاب إذا بهذا الشاب بعد أن جلس ردحا من عمره يقرأ ويتعلم في مجالس العلم ومع المشايخ ومطل يعني حياته طيبة نقية إذا به يفتح نفسه وقلبه على عالم السوشيال ميديا فيرى عالما جديدا الناس فيه تتكالب على اللايكات والإعجابات والقطعان والجمهور وهذا فلا له متابعون كثر وهذا له متابعون قلة وهذا مؤثر وهذا صانع محتوى وهذا كذا ما الذي يحصل معه؟
الآن هو ذاق معنى طلب العلم وذاق معنا مجالس أهل العلم وقراءة الكتب وجمالية التحليل والنظر والتفكير فلما فتح راى ذلك العالم اشتهاه، فترك ما كان فيه من طلب العلم النافع والانكباب بالكلية على ما فيه الصلاح وبدأ يفكر أخي كيف بدي أصير أنا مثل هذول صانع محتوى ومؤثر وسوشيال ميديا واللي متابعين وجمهور وكذا.
فتصير التاريخ يبدا به بهذا النمط من التفكير فيبدا يقول لك خلص خليني أبدأ أعمل صفحة وأصير أجمع لبعض الخواطر وكذا وخليني أصير أعمل صانع محتوى وأعلق أشوف شو المقاطع اللي بتعلق عليها الناس المقاطع الجدلية والمقاطع الحياتية وهذا شرب في الشارع مقطع مؤثر فلان شرب في الشارع فما رايكم فيه وكذا وحتى لو بده يجيبها بصيغة دعوية وفلان تكلم في حفل بكلام غير صحيح وكلام كذا، طبعا هو كيف تصير القضية؟ الشيطان كيف يغريك؟ أنا أقول هذا الكلام إني وجدت بعض الإخوة يعاني من هذا الألم.
أنه هو كما قلت لك جلس فترة ومنشغل بطلب العلم والمدارس ما عنده انشغال بقضية عوالم السوشيال ميديا والصناعة المحتوى والجمهور والسمعة تمام فكانت حياته طيبة والشاب مستقيم وفي تقدم علمي، ثم إذا بهذا العالم يعني بعد أن ذاق وعرف العلم عاد فنظر في ذاك العالم الآخر فرى ناس ضجة وحفلة صحيح لما تدخل على أي سوشيال ميديا بتلاقي سما طقة وقامة يعني الكل يتكلم الكل يسولف الكل يحكي الكل صانع محتوى الكل مؤثر الكل عنده تعليق الكل اللي بيفهم واللي ما بيفهم الصغير والكبير والشيخ الكل يسالف.
فالمسكين كيف اللي كان عايش في راحة فجأة فتح أمامه ضجيج كبير ورأى ترى الناس هي عايشة في عالم مختلف فيصبح يرى أنه كيف فلان مشهور والناس تصفق له وفلان كذا وهذا يرد على فلان وهذا يجيب فأيش يصبح؟ كيف الشيطان يغريك ويوقعك في المصيدة؟ تصبح ترى أن كل السعادة اللي أنت كنت فيها وراحة العلم والإقبال وطلب العلم والانشغال بتعليم الناس أصبحت تراها أنه ايش يا اخي ما مش عم أساوي شيء يعني أنا أرى أن كما قلت أخونا الطيب أن العقل والمعرفة ما عاد لها رصيد اليوم عند الناس وإنما الناس بتحب جماعة الاستعراض.
أنه أنا كل هذا التعب والقراءة والتعلم لسنوات وعقود وجالس وكذا آخر شيء يجيك ناس ما هي دارية شيء ولا سالفة يعمل له مقطعين وهادا ويصبح عنده خمسون ألف لايك وسستم مئة لايك يقول لك هذا ضيعت الأعمار بصير المسكين يقول يفكر بطريقة أخرى شوفون اللي أنا بقول هذا بعض الشباب من طلاب العلم خاصة أني أعلم أن طبيعة هذه الدروس يتابعها عادة شباب فيها خير من طلاب العلم، فيصبح يرى أن ذاك العالم هو الذي سيحقق فيه ذاته وشخصيته وسيجد أنه يا أخي صار لي معنى لوجودي شوف كيف صار معنى الوجود في السُمّعة والشهرة وتسهيل المتابعين والجمهور.
فيترك ما كان فيه من الخير وراحة القلب وهدوء البال ويصبح بده يتعلم يلا صناعة المحتوى وكيف أصير مؤثر وكيف أصير أجيب قضايا واستثير إشكالات الناس ويدخل كل يوم من الصباح يشوف يلا شو حصل في عمان؟ شو حصل في نيكاراغوا؟ شو حصل في نيويورك؟ شو حصل وصل في واشنطن؟ تمام خلينا نعلق على هذا الفلان هذا والله آه حكا ك حتى كيف الشيطان طبعا سياتيك أنه أنت لا رح تكون صانع محتوى متدين ها أنت مش شغلتك تكون صانع محتوى فاسد أنا بدي أزاحم.
فياتيه من باب المزاحمة فيبدا أخونا كما قلت بده يعني من باب الإصلاح وقد تكون نيته في الأول جيدة لكن أنا بقول هي البذور أو الصيدة اللي عم تصاد فيك فياتيك يقول لك يلا انشغل بهي الأمور فيبدا يصور مقطع فلان حط مقطع تحته أنه شوف كذا بعدين بده يعلق على هذا المقطع بعدين مقطع ثاني يعلق عليه يصبح مع الوقت شغلته الشغل، بعدين بده يرجع يشوف انطباعات الناس هل كان شكلي ومظهري حلو وأنا بحكي عن هذا المقطع؟ آه لا الناس انتقدت في أنه أنا ميال شوي على الكاميرا على اليمين لا أنا ميال شوي على الشمال لا خليني أرجع أصور لا أخي والله في ناس مش عاجبها اختياري.
يلا بدي أصير والمسكين نازل بعدين يا أخي الناس شافتني شوية غليظ يلا بدي أصير رقيق إذا شافتني رقيق بدي أصير غليظ فيصبح كما قال لك ابن القيم هنا معذبا في الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له ربما يعني أنت عم تلحق بجوز أصلا ترى ما تصير صانع محتوى يعني فلان زبطت معه عمل مقطع بضحك ولا عمل مقطع صار تريند هو المسكين هذا مقنع نفسه أني لازم أصير زي ذاك الشخص تمام حتى لو بدي بس أنا بدي أصير مشهور وصانع محتوى.
فبيصير يشتغل على حاله ويطور ودخل حاله في دورات بعد الدورات في صناعة المحتوى وصناعة الفيديو وصناعة الصورة والكاريزما وكذا وجميل وهذا علق وبدي أرد وهذا ما عجبه وكذا وبدنا نعمل جماعة المؤثرين وص ترى هذا كلياته الشيخ بس كبسة واحدة يطفي الضو أنا بقول لك يعني لن يبقى شيء يعني لويك بتخيل لو أن العالم انطفى أجت حرب كونية وطفوا النت شو راح يصير؟ أنا بتغير قيمة هؤلاء ايش أصبحت؟ صفر.
أن هذا ما عنده علم أنا عارف أن هذا هي ليست حالة علمية أو حالة فكرية ناضجة مبنية على قراءة طويلة وعلم متين واستقرار نفسي ووجداني هذا فقط عايش الشغل بسموها لأنها بسمي العرض أن السوق أن السوشيال ميديا عرض وطلب وهذا بحط لايك وهذا بيعلق وهذا كذا وهالناس اللي ماسك الإنستغرام واللي ماسك التيك توك واللي ماسك الفيس وكل كل هذا بحط لايك هون هذا بحط تعليقه هون هذا بحط كذا تخيل أنت ملايين البشر في العالم الإسلامي كلها كلها يعني تقريبا أنت يكفي أن تمشي في شارع في عمان أو في تركب مواصلات حتى تشوف أن كيف أصبحت هذا عالم افتراضي صار جزء من الحياة جزء لا يتجزأ من حياة الناس فانت باختصار أصبحت معروض للنقد والعرض والطلب تخيل تلك اللحظة أنا بتخيلها اللحظة التي سينطفئ فيها كل شيء وهي كل هذه المنصات تعلن إغلاقها ما قيمة هؤلاء الأشخاص الآن اللي ما لم يبني نفسه علميا ولم يستمر في طريق الصلاح وبناء القلب والروح والقراءة والكتب النافعة؟ ايش قيمته في الحياة؟ خلص نسيوك الناس أنت لا قيمة لك صفر يعني انتهيت.
فهنا ابن القيم يا إخواني ركز على معنى عظيم إخواني دعك من ضجيج الناس ضجيج الناس لا يعني شيئا طبعا أنا مش معناه أنك لا تستغل استغل يا أخي الثغور بهدوء يعني بدون ما تكون إنسان عايش ألم المنافسة وكأنك في صراع على طلب جمهور أو صناعي معنى، لأن قضية صناعة المعنى في العالم الرقمي اليوم أصبحت أحد المؤثرات الأساسية على حياة الشباب يعني أصبح اللي قاعد كذا شو رايك تصير صانع محتوى هيك يعني كلمة عادي عابرة روح اعمل لك صفحة وكذا وتعلم قواعد كذا الخوارزميات وكيف لازم تعمل وأعمل كذا وبتصير صانع محتوى سهل جدا يعني كما قال الوهيبي في صناعة السمعة الرقم اليوم أصبحت الشهرة لا قيمة لها ليست معنى قديما.
إذا كانت الشهرة لها معنى اليوم الشهرة ما عاد لها معنى لأنه راقصة بتجيب أكثر منك وتابع طبخ بيجيب أكثر منك وايش بدك كمان؟ وواحد بيلعب على الجيمز وهذا بصور حاله عم يجيب أكثر منك ترى يعني كلهم أشهر منك يا إخوان بعض الناس والله لما تمضي وتقول أنت هذا مش عارف كيف صار مشهور بس بصرخ بس بصرخ يعني لا قيمة لأي شيء يفعله ما بس بصرخ وبيعمل حركات بايديه لا قيمة ما في قيمة بسم قيمة العمل ما في قيمة.
أنا ماشي في بعض الناس يا أخي بتقول والله حقه قاعد يصير معروف لأنه في قيمة ها مثلا دمها شيء مثلا في الفيزياء شيء في الكيمياء إخواني في ناس بالملايين في عالمنا العربي والإسلامي وهذا هم الأكثر طبعا لا قيمة لما يفعلونه فهذا المعنى الذي يقول له فيعوق القدر عليه أسباب مراده شو يعني فيعوق القدر عليه أسباب مراده؟ أنه لا يقدر لك الأمور اللي أنت بدك اياها بدك تصير مشهود مش ما تزبط معك يعوق القدر عليه أسباب مراده.
هو ترك طريق العلم وطرق الثغر الذي كان مرابطا فيه بحثا عن شهوة بحثا عن معنى جديد ليس هو المعنى الصحيح في الحياة ويظن تظن أنه قطعا ستحصل مرادك الجديد لا قد يعوق القدر عليك أسباب المراد فتخسر الأمرين جميعا فلا أنت بقيت في راحة العلم ولا أنت أصبحت مشهورا فيخسر الأمرين جميعا لا هو بقي في طريق طلبه العلم الجادين المثابرين المنشغلين بصلاح أنفسهم وأمتهم ويعيشون الحياة بتماسكها ولا هو استفاد أصلا وصار صانع محتوى بالعكس ضحك الناس عليه.
فيكون معذبا في الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له مسكين عم يلهث وراء صناعة جمهور لم يقسم لك يا أخي شوف أنت كمان عذابه الشديد أن يعني بعض الناس بجوز زبطت معه الدنيا صح خسر الآخرة لما ترك ما كان فيه بس يعني زبطت معه وصار مشهور لا في ناس كثير أصلا هم الأكثر أن ترك طريق الآخرة حتى الدنيا ما حصلها شوف المأساة.
طيب مش أنت كنت في طريق الله عز وجل ومحافظ على استقامتك صلاة الفجر كنت تصليها جماعة وتجلس وتحافظ على أورادك وتحافظ على مجالس العلم والقراءة فلما أصبحت تتابع التريندات والصفحات وكذا صرت تنام الساعة اثنتين ثلاثة بالليل ليه؟ لأنه أنت مشغول يا أخي بدي أشوف شيء جديد بكره لازم أصور بكره عندي تصوير أنت شوف إيش مشغول هو مشغول أنه لازم يكون في محتوى والمحتوى بده يكون ملفت يعني المقطع اللي بدي أعلق عليه لازم يكون مقطع له قيمة دسمة حتى يجيب لايكات أن الناس ما بتحط لك لايكات ببلاش بقدر ما بتكون مثير بقدر ما بكون أنا بالنسبة للناس مقبول ومسكين عايش فما عاد يصلي الفجر جماعة وأصبح أوراده لا يقولها.
ويعيش في أزمات نفسية وطول الوقت ماسك جواله حط لايك رجع حط جواله بعدين برجع حط لايك في واحد علق له بيحكي معه صحب فلان لحق ترى واحد علق عليك ترى كذا إيه مين اللي علق علي؟ ترى في أخونا عنده التريند.
صار محتوى معلق على المحتوى تاعك، حوسة أنا بسميها اليوم اللي عم بصير حوسة. إخواني تعبانين الشباب، طبعا هو يعني هذا الشب اللي فيه خير، إبليس وين عم بصيده في النهاية؟ أنه خليك، خليك، لا ترى أنت حتى لو بتروح على قيام الليل وصيام النهار وأورادك، ترى أنت تدعو إلى الله، هذا المحتوى هو دعوة إلى الله سبحانه وتعالى. يا أخي أنت مش رديت على فلان الملحد، ورديت على فلان، مع أنه أنا ممكن أرد بكل هدوء بدون هالتعب النفسي والارهاق، يعني أحصل ما أريد وزيادة من معالجة مشاكل وإقامة محاضرات والاستمرار ونفع الناس ضمن مساحة هذا العالم الأزرق بس بدون ما أدخل في كل هالحوسات وبدون ما تكون أنت تبحث عن الشيء إلا فعلا وصدقا بينك وبين الله تريد علما نافعا، فعلا تريد علما نافعا، بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر كما يقولون، ومن شاء يحضر، شاء من لا يحضر، إيش أسوي لك؟ هذا هو الحق هكذا يعرض هكذا طريقته دون أن أنزل في مستوى دواعي وأنهار عصبيا وفكريا.
في النهاية ترى أنت مش صادق، ترى الشيطان يحاول يقنعك أنك في طريق الدعوة وأنت تبحث عن شهوة وتبحث عن جمهور وتبحث عن أناس تضع لك وقطيع يتبع لك، فيقول وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له وإن قسم له منه شيء. طب صار مشهور؟ لا والله يا شيخ زبط مع فلان، صار مشهور، صار ترند، الشب هذا ما شاء الله صار يجيب، يعني واضح أنه مستواه في الصورة والكاميرا والإخراج والكريزما علي وصار له جمهوره، قال فحشوه الخوف والحزن؛ لأنه هذا قابل للزوال في أي لحظة، بس يطفوا السوشيال ميديا، يعني جماعة الإنستغرام يطفوا هذا الموقع تبعهم، وهذا اللي قال عنه ابن حزم في مداواة النفوس أنه وجدت أن السعادة لا تكون إلا بالعمل لله وأنه أي بحث عن السعادة في شيء دنيوي هو مخوف؛ لأنه في أي لحظة يزول، فأنت خايف أن الجمهور اللي أنت مدح يعني حبوك يشوفوك وحش، وأنت ممكن مقطع واحد تغلط فيه ما تعجبهم يكفرون بك ويقولون لا فلان ما عجبناش، أو أنه تأتي مقطع معك يا تقول ما يغضي الله، يا تقول ما يحب الناس فانت خايف على الأقل أحسنهم حالا صار اللي يسكت، والله بعضهم إخواني أنا أعرف أنه شخصيته مصطنعه هنا، عجبني مقطع الوهاب المسيري يتكلم فيه رحمه الله يتكلم عن قضية ال قال أنه قال عالم الأفلام اليوم صنعنا أناس ممثلين ولسنا صادقين، كلام صحيح، قال اليوم عالم الأفلام، طبعا هو بيتكلم عن يعني عبد الوهاب بتزعاش بس ما عاش يعني هذه النفضة الكبيرة التي نحن فيها اليوم، بس عاش السنوات الأخيرة أنه كيف قال الكاميرا والأفلام صنعت منا أشخاص نمثل الحكمة، ولكن في واقع حياته لما تشوفه مع زوجته بينه وبين الحكمة حكمه نمثل الهدوء بس خليه يقعد مع صاحب له بتلاقيه مذبحين بعض.
شايفين هذول جماعة السوشيال ميديا اللي بيظهر لك أنك كثير ما شاء الله محترم مع زوجته، شوف كيف يا أخي طيبين مع بعض هذول بس خلي الكاميرا تطفي ويصير بينهم نزاع فجور في الخصومة تمام؟ هذا الذي يحصل هو تمثيل، صنعنا ممثلين السوشيال ميديا أني أتمثل أني إنسان راقي، بعض الناس أضحك عليه أنا أعرفه هو شخصية يكون غضوب جدا جدا، لا حدا يعرف يتكلم معه في لحظة غضبه وهو الآن أمام ناظريك على السوشيال ميديا يعني يظهر أنه في ثوب الحكمة وفي ثوب الرصانة وفي ثوب الإنسان الذي يستقبل جميع الآراء. خلافك ترى أنا أعرف، أعرف علاقتي معك قديمة، يعني أعرف أنت ما أنت كذا، يعني طيب ليش تتصنع بهذه الطريقة والشخصية؟ هذا معنى كلام عبد الوهاب المسيري: صنعنا ممثلين حتى ما عادت شخصياتنا صادقة، فقدنا الصدق، فقدنا ايش الصدق؟ وأصبحنا نمثل، نمثل أخلاق، نمثل قيم، نمثل أشياء، لكنها ليست واقعية؛ لأننا بمجرد أن يطفأ هذا ونعود إلى حياتنا العملية نحن لسنا صادقين في هذه الأخلاق التي نظهرها أمام الناس.
فيقول: فهذا الشخص وإن قسم له منه شيء من عالم السوشيال ميديا أو هذا القطيع الذي هو، قال فحشوه الخوف أن يزول والحزن والنكد، حزن والله في واحد علق عليه تعليق سيء، نكد يا أخي، والله في واحد نكدني، حكى عني كلمة، بدي اعرف كيف بدي أترى بعض هيك عايشين هو داواني ونكدني ويعمل لي هذه القصة والألم، قال فهم لا ينقض، هم لا ينقطع نسال الله العافيه وحسره لا تنقضي وحرص لا ينفد، حرص دوام متابعة وذل لا ينتهي وطمع لا يقلع، بده جمهور أكبر، بده متابعين أكبر، متابعة على السوشيال ميديا، فلان صانع محتوى صار عنده كذا وكذا، يا أخي ترى في أنبياء، أنبياء يأتون يوم القيامة يأتي النبي ليس معه أحد، مني ومنك ليس معه أحد، المهم صدق الكلام إخواني، صدق الدعوة، ألا يصبح الدين سلعة تباع وتشترى وللعرض والنقد والهدف الكلام من أجل الكلام وتنميق العبارات، قال هذا في هذه الدار لسه هذا النكد والألم والحسرة هذا في هذه الدار، واما في البرزخ وأضعاف أضعاف ذلك، رح تيجي الملائكة تعال وين كلامك الجميل عن الأخلاق والقيم اللي طلعت فيه في السوشيال ميديا؟ احنا كنا نراك في خلواتك مع الناس أنت غير صادق، أنت منافق، أنت كذاب، تمام قد حيل بينه وبين ما يشتهي.
راحت عليك ساعات قيام الليل؛ لأنه كنت مشغول بالليل على السوشيال ميديا، راحت عليك مجالس العلم النافع وصلاح القلب، كنت منهمك بس مشغول بتعلق وبتجاوب وبتجوط وبتجيب، قيل بينه وبين ما يشتهي وفاته ما كان يتمناه من قرب مولاه وكرامته ونيل ثوابه، وأحضر جميع غمومه وأحزانه، وأما في دار الجزاء هذا في البرزخ، وأما في دار الجزاء فسجن أمثاله من المبعودين، كذا وردت الكلمة وهي من الألفاظ الدارجة في زمن المصنف وفي بعده المب المبعودين هي عادة المبعدون، تمام؟ بس هو يقول وأما في دار الجزاء فسجن أمثاله من المبعودين المطرودين فواغوثاه ثم واغوثاه بغير أياث المستغيثين وأرحم الراحمين، فمن أعرض عن الله بالكلية أعرض الله عنه بالكلية، ومن أعرض الله عنه لزمه الشقاء والبؤس والبخس في أحواله وأعماله وقارنه سوء الحال وفساده في دينه وماله، فإن الرب سبحانه إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس يعني بها الشؤم وأظلمت أرجاؤها وانكسفت أنوارها وظهر عليها وحشة الإعراض وصارت مأوى للشيطان أو للشياطين وهدفا للشرور ومصبا للبلاء، فالمحروم كل المحروم من عرف طريقا إليه، يعني يا الله ما أصعبها أن تعرف الطريق إلى الله ثم تتركه، ما أصعبها!
ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران حيران مسكين، ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، ما أشد الألم أن تعرف ثم تحرم، قال فالمحروم كل المحروم من عرف طريقا إليه ثم أعرض عنها، أو وجد بارقة من حبه سبحانه ثم سلبها لم ينفذ إلى ربه منها، ربنا فتح لك قوة لتعرفه وتقفز إلى قربه تترك هذه هذا المكان وتأنس إلى معاشرة الناس الذين مدحهم وهم متقلب الأمزجة، خصوصا إذا مال بتلك الإرادة إلى شيء من اللذات أو انصرف بجملته إلى تحصيل الأعراض والشهوات عاكفا على ذلك ليله ونهاره غدوه وروحه، شوف إخواني تطبيق على السوشيال ميديا ليل ونهار ماسك التلفون ليل ونهار بس قاعد بتبع ماذا قيل وماذا يققال، هابطا من الأوجه الأعلى إلى الحضيض الأدنى قد مضت عليه برهة من أوقاته اجا عليه فترة من حياته فلان ترى كان همه كان همه انشغال بالله والدار الآخرة وبغيته قرب أو وبغيته قربه ورضاه وإيثاره على كل ما سواه على ذلك يصبح ويمسي ويظل ويضحي وكان الله في تلك الحال وليه؛ لأن الله ولي من تولاه وحبيب من أحبه ووالاه فاصبح في سجن الهوى ثاويه، وفي أسر العدو مقيما، وفي بئر المعصية ساقطا، وفي أودية الحيرة والتفرقة هائما معرضا عن المطالب العالية إلى الأغراض الخسيسة الفانية، كان قلبه يجول حول العرش فاصبح محبوسا في أسفل الحش، فاصبح كالبازي المنتف ريشه -البازي طير- يرى حسرات كلما طار طائرة، تخيل طير بازي مش عارف يطير والطيور كلها عم بتطير وهو مسكين منتوف ريشه وقد كان دهرا في الزمان كان هذا البازي وقد كان دهرا في الرياض منعما على كل ما يهوى من الصيد قادرا إلى أن أصابته من الدهر نكبة إذا هو مقصوص الجناحين حاسر.
هذا حال من عرف الله ثم انتكس، فيا من ذاق شيئا من معرفة ربه ومحبته ثم أعرض عنها واستبدل بغيرها منها يا عجبا له بأي شيء تعوض وكيف قر قراره فما طلب الرجوع إلى أحبته، وما تعرض اطلب الرجوع إلى حبيبك الآن قبل فوات، وكيف اتخذ سوى أحبته سكنا وجعل قلبه لمن عاداه مولاه من أجله موطنا، أم كيف طاوعه قلبه على الأصبار ووافقه على مساكنة الأغيار؟
فيا معرضا عن حياته الدائمة ونعيمه المقيم ويا بائعا سعادته العظمى بالعذاب الأليم ويا مسخطا من حياته وراحته وفوزه في رضاه وطالبا رضا من سعادته في إرضاء سواه، إنما هي لذة فانية وشهوة منقضية تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها، فرح ساعة لا شهر وغم سنه بل دهر، طعام لذيذ لكنه مسموم أوله لذة وآخره هلاك، فالعامل عليها والساعي في تحصيلها كدودة القز يسد على نفسه المذاهب بما نسج عليه من المعاطب، كيف دودة القز بتلف على حالها وأنت عم بتلف على حالك هلاك، فيندم حين لا تنفع الندامة ويستقيل حين لا تقبل الاستقالة -يستقيل أي يطلب من الله أن يعينه على العودة مرة أخرى، عقد الإقالة مش هذا أخذناه في البيوع من عقد الإقالة بده يفسخ ويرجع من جديد- راحت، فطوبى لمن أقبل على الله وكليته وعكف عليه بإرادته ومحبته فإن الله يقبل عليه بتوله ومحبته وعطفه ورحمته، وأن الله سبحانه إذا أقبل على عبد استنارت جهاته وأشرقت ساحاته وتنورت ظلماتها وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال، وتوجه إليه أهل الملأ الأعلى بالمحبه والموالاة؛ لأنهم تبع لمولاهم، يعني أهل السماء يحبونك، فإذا أحب الله عبدا أحبوه، وإذا والى سبحانه وليا والوه، إذا أحب أحب الله عبدا نادى يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فينادي جبريل في السماء أن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه أهل السماء ثم يحبه أهل الأرض فيوضع له القبول بينهم، ويجعل الله قلوب أوليائه تفد إليه بالود والمحبه والرحمة، شاف هذا الجمهور اللي بدك تجيبه من خلال السوشيال ميديا؟ والله إذا أحبك الله وأحبك أهل السماء سيوضع لك القبول في الأرض بدون ولا مقطع ولا سوشيال ميديا ولا تمسك جوال ولا شيء، بدون ما تتعب، صحيح ليه؟ لأن الله سيضع لك القبول، القبول من الله مش من الناس، وناهيك بمن يتوجه إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته ويقبل عليه بأنواع كرامته ويلحظه الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل والتكريم، إيش بدك شخص أحسن من كذا؟
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل