بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من التعليق على كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين للحافظ ابن القيم عليه رحمة الله.
في المجلس الماضي أنهينا الكلام عن معضلة الشر، وعرفنا أقوال الفرق، وعرفنا في الدروس الماضية أقوال أهل السنة والجماعة في التفكير في قضية دخول الشر في القضاء الإلهي. وهذا الكلام إنما استجره لنا قضية في بداية هذا الكتاب تكلم فيها ابن القيم، أن الله سبحانه وتعالى يحب الخير لعباده، ويريد أن يمنحهم ويريد أن يعطيهم، ولكن الإنسان إنما يفوته الخير بأحد وجهين.
قال وهو سبحانه يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان، أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته. فإن حبس جوده وعطاءه عنك، فاعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما. الأمر الأول قال: أن تكون أنت الذي وقف في طريق مصالحك، وأنت المعوق لوصول فضله عليك، وأنت حجر في طريق نفسك؛ يعني أنت حجر العثرة الذي منع وصول هذا الخير والإمداد من الله سبحانه وتعالى له. وهذا الأمر قال هو الأغلب على الخليقة؛ أن يكونوا هم أساءوا، فحرمهم الله سبحانه وحجب فضله بسبب إساءتهم وذنوبهم؛ فإن الله سبحانه قضى فيما قضى أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته.
ثم أخذ ابن القيم يتكلم عن دور المعاصي، ثم قال: فإن أصررت على اتهام القدر وقلت: فالسبب الذي أُصبت به وأتيت منه ودُهيت منه قد سبق به القدر، وهو هذه الذنوب والمعاصي التي حالت دون وصول خيره إلي، هذا أصلاً قدر سابق قد سبق به القدر والحكم، وكان في الكتاب مستوراً فلا بد منه على الرغم مني، وكيف لي أن أنفك عنه وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة؟ إلى غير ذلك. فهنا بدأ ابن القيم يتكلم عن قضية ماذا؟ الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي. ثم ذكر في خمسين صفحة تقريباً في إثبات القدر، نحن نثبت القدر لكن نرفض قضية الاستدلال بالقدر على ذنوبك ومعاصيك.
ثم استطرد في قضية دخول الشر في القضاء الإلهي باعتبار أن الذنوب والمعاصي هي جزء من الشر؛ صحيح فقد عرفنا أن الشر إنما هو ماذا؟ ذنوب العباد. والشر البلائي الوجودي يتعلق بالآلام والأطفال والبهائم والفيضانات وما شابه ذلك، وهذا استطرد فيه استطراداً طويلاً ذاكراً فيه أصول دخول الشر في القضاء الإلهي وإجابة أهل السنة والجماعة عن ذلك. وربما النقطة المحورية كانت استدلاله بحديث: «اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا»، وأراد أن يبين أن الأعمال السيئة لها عواقب، وأن سيئات الأعمال هي عقوباتها.
ثم استطرد عندئذ في هذه النقطة في بيان كيف دخل الشر، وكيف يفهم أهل السنة والجماعة لماذا قدر الله أن أناساً يفعلون المعاصي وأناساً لا يفعلونها؛ وفهمنا ذلك، وكان كلاماً جميلاً رائعاً رائقاً، لكن هذا كله هو الوجه الأول؛ أليس كذلك؟ إنه قال: لماذا يحجب الله عنك الفضل؟ في صفحة 133 قال: وجهان لا ثالث لهما؛ أحدهما أنك أنت السبب.
ما هو الثاني؟ طبعاً هو قال الغالب أن الله يحجب فضله لأنك أنت كنت حجر عثرة في هذا الطريق. الثاني أين هو؟ أنا أعتقد أنه لا يوجد كلام صريح من كلام ابن القيم، ولكن القاعدة التي تلي ما نحن فيه الآن، وهي قاعدة أن السبب الثاني هي بلايا ومحن خارجية؛ يعني قد لا يكون السبب منك أنت، لكن هناك بلايا ومحن قدرها الله سبحانه وتعالى عليك، فحجب بها شيئاً من الخير عنك لأمور يريد الله سبحانه وتعالى أن يراها فيك؛ أن يرى موقفك من هذه البلايا والمحن التي تنزل بك.
فكأنه يقول: حجب الله عنك الفضل والخير مع أنه يحب الإمداد والخير والعطاء، إما لذنوبك فهي التي حجبت عنك، وإما -قالوا وهذا الغالب على الخليقة- السبب الأول هو الغالب: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]. لكن هناك سبب ثاني قد يحصل معه شيء من الحجب، لم يصرح به تماماً، لكنني فيما أشعر وأفهم أن هذا الذي سنتحدث عنه اليوم؛ وهي قضية البلايا والمحن وما موقف الإنسان منها.
إن الله سبحانه يبتليك ويختبرك بمواقف في الحياة فيحجب عنك بها شيئاً من المدد، يحجب بها شيئاً من الغنى، يحجب بها شيئاً من الصحة، يحجب بها شيئاً من الرزق. فكأنك تقول: الله عز وجل لماذا يحجب عني المال والرزق والصحة؟ فقال لك: السبب الأول قد يكون منك وهو الأغلب، اللي هي ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. إذاً في سبب ثاني، مع أنه سبحانه يحب العطاء والخير ويريد لك الخير، فبتقول: طب إذا ما كان هو المعاصي هي التي كانت حجر عثرة فما هو السبب الآخر؟
فسيأتي إلى الحديث عن هذه القضية، لكن قبل ذلك كان هناك قاعدة لطيفة لعله ختم بها الكلام السابق، فقال: كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من أحد جهتين. يعني حقيقة هذه فكرة لطيفة؛ تستطيع أن تقول قاعدة لطيفة في السلوك: كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من أحد وجهين.
الوجه الأول قال: إما أن تكون طبيعته يابسة قاسية غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها. السبب الأول أن تكون طبيعة هذا الشخص يابسة قاسية غير لينة ولا ينقاد إلى الحق ولا قابل لما به كمالها وفلاحها، على هذا طبع. طبعاً هنا سترجع للسؤال السابق: طب لماذا طبعه الله بهذه الشخصية اليابسة القاسية غير اللينة؟ أرجع لكل الإجابات التي قدمناها سابقاً؛ أن هناك مشيئة إلهية للصراع بين الحق والباطل، وأن هناك إرادات إلهية في الوجود البشري لا بد وأن تحصل، ولا بد من ثبات المؤمنين وعقاب الكافرين وجهاد في سبيل الله؛ فمن مستلزمات ذلك وجود هؤلاء الأشرار.
وسياتي: طب لماذا جعلهم أشرار؟ طب هو ليس هذا ظلماً؟ قلنا هذا ليس ظلماً وإنما هو ماذا؟ تركهم مع طبائعهم؛ يعني هو خلق الإنسان بطبائع، هناك من أعطاه فضله وهناك من تركه مع نفسه، وهذا اللي هو الشر العدمي، وهذا الشر العدمي سيتولد عنه شر وجودي في قتالهم للمؤمنين وفي إساءتهم وفي تعذيبهم، لتحصل قصة هذا الكون وهذه المشهدية كما أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون.
فدائماً احمد الله على أن اختارك وجبلك على طبيعة محبة للخير؛ والله هذه لو سجدت لها طول عمرك ما أديت حق هذه النعمة، أن وضع لك جبلة محبة للخير. وسيبقى في جانب من الحكم فوق الإدراك العقل البشري، فمن رحمة الله بك أنك على جبلة طيبة تحب الخير وتؤمن بالله وتوحده وتقف في صفه، فاحذر من الانتكاسة وسل الله الثبات إلى آخر الأمر.
إذاً: أن تكون إما طبيعته يابسة غير منقادة للحق. الثاني قال: وإما أن تكون لينة منقادة سليسة القياد، لكنها غير ثابتة على ذلك، بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب. وهذا السبب الثاني هو الأكثر اليوم في حياة الناس من حولك؛ قل إنك تعيش في بيئة ملتزمة، راقب أن أكثر الناس من حولك من الشباب الملتزمين اللي بيعانوا من انتكاسات، هو في طينة طيبة، هو مش شخصية يابسة، لا، لين عنده ليونة، لكن ما مشكلته؟ التذبذب، ما عنده قدرة على الثبات على الخير.
فتجده يوماً يدخل في برنامج، يوماً يطلع من البرنامج، يوماً يمشي مع شباب من أهل مسجد وخير وصلاح، اليوم الثاني يا أخي بيحضر أفلام ومسلسلات ومباريات، اليوم الثالث مش قادر يثبت على حالة من التدين. فلذلك قال: لكنها غير ثابتة على ذلك؛ شوي بيثبت على الحق والالتزام أسبوع، شهر، شهرين، سنة، ضعف؛ يمشي مع أهل البطالة، مع أهل السوء، مع أهل الشر، بعدين بيتذكر شوي؛ آه والله غلطت كذا، آه والله جزاكم الله خير ذكرتوني بحب الخير، لكنه سبحان الله ليس منقاداً له تماماً.
فكما قلنا أيها الكرام، إن بعض الشباب يكون عنده حب للخير وللحق، لكنه طبيعته سائلة؛ قابل لأن يتذبذب كثيراً، قابل لأن تتغير نفسيته، يوم مع أهل الخير ويوم ينقلب عنهم؛ فهذا يفوت من الكمال بقدر تذبذبه. لذلك قال: فمتى رزق العبد انقياداً للحق -شخصية لينة- وثباتاً عليه، فليبشر هذا السعيد حقيقة؛ أنه ربنا يجعل شخصيتك نفسيتك تحب الخير وتنقاد له، ومتى عرفته وتتمسك به ويرزقك الثبات على الخير، فهذا الذي فليبشر بسعادته وهنائه بإذن الله، فقد ييسر لكل خير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قاعدة، قال رحمه الله تعالى: إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن، فإن ردّه ذلك الابتلاء والامتحان إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابِه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به. والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت؛ هيك طبيعة الشدة، الشدة بتراء طبيعتها منقطعة، لذلك يقولون: الشدة بتراء، شايف؟ بتراء منقطعة ما لا تدوم.
نعم، قال: فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجلَّ عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شريداً عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائياً عنه، وانطراحه على بابه وقد كان عنه معرضاً، وللوقوف على أبواب غيره متعرضاً. قال: وكانت البلية في حق هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه؛ فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سبباً ما مثله سبب.
قال: وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. قال: وإن لم يرده ذلك البلاء إليه، بل شرد قلبه عنه، ورده إلى الخلق، وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه، فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به. فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه؛ حكم طبيعته وهو أنه ظلوم جهول.
نعم، قال: فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء، فبلية هذا وبال وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل، وبالله التوفيق.
نعم، قال: قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب. الناس في البلوى التي تجري عليهم أحكامها بإراداتهم وشهواتهم متفاوتون بحسب شهودهم بأسبابها وغاياتها أعظم تفاوت، وجماع ذلك ثمانية مشاهد. أحدها شهود السبب الموصل إليها والغاية المطلوبة منها فقط، وهو شهود الحيوانات؛ إذ لا تشهد شهود إلا طريق قضاء وطرها وبرد النفس بعد تناولها، وهذا الضرب من الناس ليس بينه وبين الحيوان البهيم في ذلك فرق إلا تدقيق الحيلة في الوصول إليها، ربما زاد وربما زاد غيره من الحيوانات عليه في تناولها ولذته بها.
المشهد الثاني: من يشهد مع ذلك مجرد الحكم القدري وجريانه عليه ولا يتجاوز شهوده ذلك، وربما رأى أن الحقيقة هي توفية هذا المشهد حقه ولا يتم له ذلك إلا بالفناء عن شهود فعله وهو جملة، فيشهد الفاعل فيه غيره والمحرك له سواه، فلا ينسب إلى نفسه فعلاً ولا يرى لها إساءة ويزعم أن هذا هو التحقيق والتوحيد.
طيب، إذاً يقول قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب، يقول: الناس في البلوى التي تجري عليهم أحكامها بإراداتهم وشهواتهم متفاوتون بحسب شهودهم لأسبابها وغاياتها أعظم تفاوت. يعني الناس عندما تجري عليهم بلايا في هذه الحياة الدنيا، كيف تكون إراداتهم ومواقفهم منها؟ هكذا هو السؤال، نعيد صياغته باللغة؛ عندما يقدر الله بلاءً ومحناً على إنسان في الحياة الدنيا كيف يفكر في هذا البلاء والمحن؟
في هذه البلايا والمحن حقيقة عندما تقلب النظر في أنحاء هذا العالم تجد أن الناس يتفاوتون في مواقفهم من المحن التي تجري عليهم أحكامها؛ متفاوتون في إراداتهم واختياراتهم ومواقفهم؛ أليس كذلك؟ فيقول: الأول هو الذي يشبه البهائم، هو الذي لا نظر له ولا تأمل ولا تدبر بهذه المبنية أصلاً، بل حاله وحال البهائم الذي هدفه فقط أن يقضي وطره؛ عفواً إذا جاع فقط يأكل ويخرج، إذا عطش يشرب ويرتوي ثم يبول، إذاً فهو حاله حال البهائم الذي أصلاً هو لا ينتبه لقضية المحن ومراد الله منها ولعلها بسبب ذنوبه، كل هذه المفاهيم التي يتميز بها الإنسان عن البهائم غير مستحضرة عنده.
وهذا حال الغرب اليوم في كثير من أحوالهم، وهذا الذي أوصل من للكآبة؛ الشخص فيهم إذا ابتلي بأي بلاء، طبيب، دواء، جيب لي كذا، ارفع لي كذا، أعمل رياضة، يعني هو فقط لا يفكر، لا يفكر بأي بعد في أن ديني قدري إلهي، أن الله سلط علي شيء، الحياة المادية صبغت حياتهم تماماً، فما يحصل مع أحدهم بعد مدة من كثرة البلايا التي قد تنزل به هو انهيار عصبي ويصبح يراجع العيادات النفسية وبعضهم ينتحر، وبعضهم هو ما عنده أي بعد ولا أي معنى إيماني روحاني يتأمله في هذه.
البلية التي نزلت به، ما عنده لوم لنفسه، مساعده لإصلاحها، لا يشاهد كل هذه المشاهد التي يشاهدها للمؤمن. فإيمانك والله كنز، كنز لك في الحياة؛ أنه يجعل للبلية معنى. أنت تنظر في أسبابها التي أوقعتها عليك، ثم تنظر في الاستفادة التي ستستفيدها من هذه البلية، وإلى المقاصد الإلهية التي قصدها الله، وبوقت تجد أن هناك معاني كثيرة تراها وتتأملها في مشهد البلاء. الإنسان المادي الغربي المعاصر ما عنده مشاهد، سبحان الله، سوى أن يفزع إلى طبيب، وسوى أن يذهب يبحث عن علاج، وسوى أن يبقى يندب حظه وحاله حال البهائم.
طيب من أحسن منهم حالاً؟ من هم؟ من لاحظ في البلاء المشهد الثاني، قال: وأما المشهد الثاني، من لاحظ فيها الحكم القدري ولم يلاحظ أنه مأمور بأحكام شرعية تجاهها، بأمور أن يصلحها، وأشياء ينبغي أن ينفذها، وتوبة يعود فيها إلى الله. وهؤلاء يكثر في الصوفية هذا المشهد، وكثير ما كان ينبه عليه ابن تيمية وغيره؛ الذين فقط لا يلاحظون في البلايا إلا ماذا؟ أن هذا بلاء من الله، لا يطلب منا أن، حتى لا يطالبون أنفسهم بمدافعته إن كان يمكن مدافعته. الله سلط علينا الأعداء، خلاص هذا قدر! طيب يا أخي روح جاهد حتى تذودهم عنك، فلا يدافعون القدر بالقدر، ويستسلمون زاعمين أن الاستسلام هو المشهد الصحيح مع البلايا التي يمكن دفعها.
الآن في بلايا لا يمكن دفعها ومصائب مثل فراق الأحبة، هذا نعم مشهدك فيه مشهد الاستسلام ابتداءً، لكن في هناك بلايا ومصائب الله ينزلها بالعبد مطلوب منه أيضاً أن يدافعها؛ فالمرض مطلوب منك أن تداويه، والعدو مطلوب منك أن تحاربه، والرزق والفقر مطلوب منك أن تبحث عفواً عن لقمة العيش لأبنائك. فيقول هذا المشهد المشهد خاطئ، وإن كان يبقى أفضل من المشهد الحيواني السابق، لكنه أيضاً ليس المشهد الذي يريده الله. وهو مشهد الجري مع الحكم القدري، فهو لا يتجاوزه ولا يشهد سواه، بل رأى أن الحقيقة هي توفية هذا المشهد حقه. ولا يتم ذلك عندهم إلا بالفناء عن شهود فعله هو جملة، فيشهد الفاعل فيه غيره، والمحرك له سواه، فلا ينسب إلى نفسه فعلاً، ولا يرى لها إساءة، ويزعم أن هذا هو التحقيق والتوحيد.
نعم، يعني يصل إلى مرحلة، قال: ولا يتم له ذلك إلا بالفناء عن شهود فعله، أن يفنى عن فعله هو كإنسان، لا يرى أنه أصلاً له فعل يمكن أن يفعله، فما بالك أنه يجاري القدر بالقدر! ولا يرى لنفسه فعلاً ولا يشهد، فيشهد الفاعل فيه غيره. إنه يقول خلص أنا كالريح أو كالريشة في الريح، الله هو الفاعل وهو سبحانه الفاعل، لكن هو الذي طلب منك أن تواجه القدر بالقدر، كما قال الجيلاني شيخ الطريقة: أن ندافع القدر بالقدر. لا، هو رأى أنني كالريشة في مهب الريح، استسلم لله استسلاماً ليس هو الاستسلام الذي يريده الله منك تماماً. فلا ينسب، وبالتالي يفنى عن فعله، ولا ينسب إلى نفسه فعلاً، ولا يرى لها إساءة، يعني حتى لدرجة أنه لا يرى أنه هذا البلاء ممكن بسبب ذنبك، هذا معنى ولا يرى لها إساءة، يعني هو لا يرى أنه أصلاً كان سبباً في هذا البلاء أنه نزل به، فلا ينسب إلى نفسه فعلاً، يقول لك: أنا ما لي دخل أصلاً، أنا كل أفعالي لم تتسبب في نزول شيء، هذا فقط قدر. طيب يا أخي لا تكون لعل وعسى أسأت فبسبب الإساءة حل بك! لا، هذا مجرد القدر الذي يجب أن لا أدافعه ولا أتهم نفسي أنني سببته. شوف شغلتين: لا هو دافعه، ولا هو نسب إلى نفسه، لعلني أسأت فتسببت بهذا. هو لا يشهد هذه المعاني، فقط القضية مجرد قدر، ويزعم أن هذا هو التحقيق وهو الفناء تماماً في هذه المشهدية.
وربما زاد على ذلك نعم، أنه يشهد نفسه مطيعاً من وجه وإن كان عاصياً من وجه آخر، فيقول: أنا مطيع للإرادة والمشيئة وإن كنت عاصياً للأمر. فإن كان، يعني بالعكس، هو ممكن يكون لا يحافظ على الصلاة وقد يقع في المحرمات والفواحش، لكنه ايش؟ بس بيقول لك أنا من جانب آخر مطيع، أنني مطيع للقدر، منقاد له، مستسلم. طيب أخي أنت مش شايف أن عصيانك للشرع هو اللي قاد القدر والمصيبة أن تحل بك؟ لا، هو عنده انفكاك في الجهة تماماً، يقول لك: أنا عاصي للشرع بس مؤمن بالقدر، فكما أسأت، بس في عندي نقطة إيجابية هنا! أما أنه يربط بين أن أصلاً عصيانك للشرع هو اللي خلى هذه المحن تحل بك، ما عنده هذا الشهود.
نعم، قال: فإن كان ممن يرى الأمر تلبيساً وضبطاً للرعاع عن الخبط والجريان مع حكم الطبيعة الحيوانية فقط، رأى نفسه مطيعاً لا عاصياً، كما قال قائلهم في هذا المعنى: أصبحت منفعلاً لما يختاره مني، ففعلي كله طاعات. أعوذ بالله! إن بعض غلاة هؤلاء رأى أنه أصلاً كل باب الشرع، الأمر والنهي، إنما هدفه ما هو؟ يقول لك ضبط التصرفات. فإن كان ممن يرى الأمر تلبيساً وضبطاً للرعاع عن الخبط، والجريان مع حكم الطبيعة الحيوانية فقط، ممتاز. بعض الناس يرى أنه أصلاً كل الشريعة بامرها ونهيها، ليس المراد منها أننا عصاة إذا لم نمارسها، لا، الهدف منها تهذيب النفس وتهذيب السلوك، وهذا رأي الفلاسفة ترى بعضهم في قضايا التعبدات، تأثر به بعض الصوفية، مع أن الفلاسفة يرون أن الهدف من العبادات ما هو؟ التهذيب والترقية للنفس حتى تصلح وليست مقصودة لذاتها. فبعض الصوفية يطور هذا المعنى ويرى أنه إذا أنا استسلمت للقدر وشاهدت أن كل شيء من الله، فسيكون كل فعلي طاعة حتى الزنا وشرب الخمر والسرقة والعياذ بالله!
شوف كيف وصلوا لهي الفكرة: أنه بعض الناس يرى أنه القضية هي قضية تهذيب نفس وإصلاحها، ما في شرع مقصود لذاته أنه أمر ونهي وأنه لازم وفيه مصالح. لا، هو يرى أنه قضية تهذيب نفس، فإذا أنت وصلت لدرجة الفناء فشاهدت أنه كل شيء من الله فكل باب الشرع أنت لا تحتاجه، من يحتاجه؟ من لم يصل إلى درجة الفناء. الناس اللي ما وصل لدرجة الفناء، الله عز وجل حتى يضبط تصرفاتهم أمرهم ونهاهم، أما من وصل إلى درجة الفناء فهذا لا يحتاج إلى أن يؤمر وينهى؛ فيصبح يرى كل ما يصدر منه طاعة لله. طبعاً طاعة للقدر، يعني يقصد أنه خلص وقع بحكم القدر، فحتى المعاصي طاعة من جهة أني استسلمت في هذا القدر. شوف طبعاً الحمق والغفلة، حتى قال قائلهم: أصبحت منفعلاً، يعني أنا عبارة عن ردة فعل، منفعل، يعني أنا منسجم مع ما تختاره يا الله، فإني تماماً باختيارك، فكل ما ستختاره لي أن أفعله من خير أو شر وكله طاعة؛ طبعاً طاعة للحكم القدري، عافانا الله وإياكم.
وهذا قال: وأصحاب المشهد الأول ربما أقرب إلى السلامة من هؤلاء وخير منهم. يعني هو اعتبر الحيوانيين أحسن من هؤلاء، وإن كنا نحن قلنا أنه هذا على الأقل شهد الله من هذه الجهة فقد يكون أحسن، لكن صاحب المشهد الأول الحيواني هو أقرب إلى السلامة من هؤلاء وخير منهم إذا وصلوا إلى هذه المرتبة، والله أعلم أنه إذا وصلوا إلى مرتبة أن يشاهد حتى المعاصي طاعة، لا، الحيوانات أحسن من هؤلاء. وهذا المشهد بعينه هو المشهد الذي شهده المشركون عباد الأصنام لما قالوا ايش: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: 20]، فاستدلوا بأيش؟ فاستدلوا بالقدر على ماذا؟ على المحبة، مش هي مرت معنا سابقاً؟ استدلوا بالقدر على محبة الله لشركهم، أنه لو شاء الرحمن ما عبدناهم، طب ربنا شاء أن نعبد الأصنام، اه، ما دام شاء نعبد الأصنام إذاً نحن مطيعون لما يحبه. استدلوا بالقدر على صحة مسلكهم ورضاهم به وأن الله يحبه، ولو شاء الله ما أشركنا. وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، قال الذين كفروا للذين آمنوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: 47]. شوف كيف فاهمين هم هي الموضوع، أنه ما دام ربنا ما أطعمه إذاً ربنا بده إياه يضله فقير وربنا حاب أن هذا يظله فقير، لو شاء الله أن يطعمه أطعمه، ما دام أن الله لم يطعمه إذاً هو يحب ويرضى أن يبقى فقيراً، فليش نحن نروح نطعميه؟ شوف كيف الاستدلال بالقدر على المحبة.
فهذا مشهد من أشرك بالله ورد أمره، وهو مشهد إبليس الذي انتهى إليه إذ يقول ربه: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39]، بما أغويتني يعني بسبب إغوائك، حلف أنه يا رب بسبب أنك أغويتني ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وهذا لسه أسوأ من مشاهد، يعني هذا المشهد الإبليسي كما سماه سابقاً أنه هو الاحتجاج بالقدر على ماذا؟ على ما سيفعل من المعاصي والذنوب، أنه يا رب بسبب أنك أغويتني سأستمر في ماذا؟ هذا هو، وأنت أهل الله عز وجل أغواك هكذا، ولا أنت من جر نفسك إلى هذه الغواية؟ المهم.
المشهد الثالث قال: مشهد الفعل الكسبي القائم بالعبد فقط، ولا يشهد إلا صدوره عنه وقيامه به، ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له، ولا جريان حكمه القدري به، ولا عزة الرب تعالى في قضائه ونفوذ أمره، بل قد فني بشهود معصيته وذنبه وقبح ما اجترمه عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق، أما لعدم اتساع قلبه لشهود الأمرين، فقد امتلأ من شهود ذنبه وجرمه وفعله، مع أنه مؤمن بقضاء الرب وقدره، وأن العبد أقل قدراً من أن يحدث في نفسه ما لم يسبق به مشيئة بارئه وخالقه، وأما لإنكاره القضاء والقدر جملة، وتنزيه الرب أن يقدر على العبد شيئاً ثم يلومه عليه.
قال: فاما الأول، طيب الآن أصحاب المشهد الثالث هؤلاء عكس الثاني، هؤلاء هم الذين خلص وقفوا مع أفعالهم القبيحة، فبكوا عليها وبقوا يلومون أنفسهم عليها، ولم يروا جانب أنها في نفس الوقت قدر من الله، فشاهدوا فقط قبح ما جنوا ولم يلاحظوا القدر. هؤلاء على نوعين، قالوا: قوم لم يلاحظوا القدر مع أنهم مؤمنون به لضعف قلبهم عن مشاهدة المشهدين، عن مشاهدة جريمة النفس مع ملاحظة وجود القدر السابق، فهم اختاروا أن يقفوا مع جريمة النفس وغفلوا تماماً عن القدر، وقومهم المعتزلة لا، وقفوا مع ذنوبهم وخطاياهم وأنكروا أصلاً وجود قدر فيها، فهم يرون أن العبد هو الذي كما قلنا يشاء فعله ويختار فعله، وليس لله مشيئة في فعله ولا خلق، صحيح. فهؤلاء أصحاب المشهد الثالث انقسموا إلى قسمين: من لم يشاهد القدر مع إيمانه به لضعف قلبه عن رؤية المشهدين، ومن لم يشاهد القدر لعدم إيمانه به أصلاً ويرى أن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه ومشيئته.
قال: فأما الأول وإن كان مشهده صحيحاً نافعاً له، موجباً له أن لا يزال لائماً لنفسه، مزرياً عليها، ناسباً للذنب والعيب إليها، معترفاً بأنه يستحق العقوبة والنكال، وأن الله تعالى إن عقبه فهو العادل فيه، وأنه هو ظالم نفسه، وهذا كله حق لا ريب فيه. لكن صاحبه ضعيف، مغلوب مع نفسه، غير معانٍ عليها، بل هو معها كالمقهور المخذول، فإنه لم يشهد عزة الرب تعالى في قضائه ونفوذ أمره الكوني ومشيئته، وأنه لو شاء لعصمه وحفظه، وأنه لا معصوم إلا من عصمه، ولا محفوظ إلا من حفظه، وأنه هو محل لجريان أقضيته وأقداره، مسوق إليها في سلسلة إرادته وشهوته، وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره، فهو القادر على سوقه بها إلى ما فيه صلاحه وفلاحه، وإلى ما فيه هلاكه وشقاه.
قال: هذا معنى جميل حقيقة، يطالب ابن القيم أصحاب المعاصي أن يشاهدوه، وهو أنه العلو والكمال أنك إذا أصبت بمعصية فابكِ على نفسك وعلى خطيئتك ولُم نفسك، لكن في نفس الوقت ينبغي أن تكون قادراً على استحضار مشهد آخر، وهو مشهد تصرف الله فيك، وكيف أنت شاب طالب علم أو شاب ملتزم أو شيء، كيف أن الله سبحانه وتعالى بمشيئته جعلك تفعل معصية وخذلك في لحظة ما، وأنه كيف أن العبيد يتقلبون في مشيئته وقدرته، وأنك مهما كنت أنت محافظاً على كثير من الأدبيات والأخلاقيات وتصلي الفجر وكذا، يعني كيف أن الله سبحانه وتعالى سلبني هذا في لحظة ما، فسبحان من بيده مقاليد العباد يصرفها كيف يشاء. فمن الجميل طبعاً هذا المشهد حقيقة عندما يعلم للناس يعلم بحذر، هو كما قال: بعض الناس لا يتسع صدره لهذين المشهدين، أن يشاهد لوم نفسه مع نظرة إلى مشيئة الله وقدره، فأكثر الناس يفشل، فيذهب إلى المشيئة والقدر، يعني تطغى مشاهدته لجانب القدر على مشاهدته لنفسه وخطئها وتقصيرها. لكن الكمال في الإيمان أن تقدر على مشاهدة الأمرين.
نعم، فهو لغيبته عن هذا المشهد، عن مشهد القدر طبعاً، وغلبة شهود المعصية والكسب، هؤلاء ما هو الشيء المخوف في من يشاهد معصيته ولا يشاهد القدر فيها؟ أن يبالغ في جلد الذات لدرجة يجعله خلص ييأس من صلاح نفسه مرة أخرى، هذا هو المخوف في الإغراق في مشاهدة النفس عند المعصية والذنب وعدم ملاحظة الجانب القدري؛ لأنه إذا أنت أكثرت من جلد ذاتك ولومها، "أنا مش نافع، وأنا إنسان سيء، وأنا إنسان قبيح"، يصبح مع الوقت عندك نظرة سلبية للذات، فتقول: أنا خلص واضح إني إنسان فاشل، كل ما بشوف الصالحين والناس الشباب طلاب العلم والأخيار وكذا، وأنا مش ضابطة، أنا إنسان، أنا لا أستطيع! فيدخل في حالة اكتئاب نفسي ويزور العيادات، جلد الذات بخلاف اللي شاهد: "يا أخي ماشي أنا أخطأت وأذنبت، وهذا بسبب ذنبي، ولكن في هناك مشيئة".
فهذا الذي ابتلي بالمعصية، والله عز وجل الذي شاء للمصيبة يشاء للتوبة، فيبدأ ينظر بنظرة تفاؤلية. فلذلك يقول: وغفلته عن هذا المشهد، عن مشهد القدر، وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه، لا يعطي التوحيد حقه ولا الاستعانة بربه. الفكرة هي أن الذي شاء لك المعصية قادر أن يشاء لك الطاعة بعدين؛ فلماذا لا تستعين به ولا تستغيث به وتلجأ إليه وتفتقر وتتضرع وتبتهل؟ فهو لا يعطي هذه المشاهد حقها بحيث يشهد سر قوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك».
فإنه سبحانه رب كل شيء وخالق كل شيء، فالمستعاذ منه واقع بخلقه ومشيئته وهو الذنوب والمعاصي مثلاً، ولو شاء لم يكن. فالفرار منه إليه، والاستعاذة منه به، ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
وأما الثاني وهو المعتزلي الذي لا يشاهد القدر إنكاراً له -مش ضعفاً عن استحضاره- وهو منكر القضاء والقدر، هذا مخذول محجوب عن شهود التوحيد، مصدود عن شهود الحكمة الإلهية، منكور إلى نفسه، ممنوع عن شهود عزة الرب سبحانه في قضائه وكمال مشيئته ونفوذ حكمه، وعن شهود عجزه هو هذا الإنسان وفقره، وأنه لا توفيق له إلا بالله، وأنه إن لم يعنه ربه فهو مخذول، وإن لم يوفقه ويخلق له عزيمة الرشد وفعله فهو عنه ممنوع. فحجابه عن الله غليظ، فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إلى الله أقرب من دوام الافتقار إليه.
قال المشهد الرابع: مشهد التوحيد والأمر، فيشهد انفراد الرب تعالى بالخلق ونفوذ مشيئته وتعلق الموجودات بأسرها بها وجريان حكمه على الخليقة وانتهائها إلى ما سبق في علمه وجرى به قلمه. ويشهد مع ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وارتباط الجزاء بالأعمال واقتضائها له.
طبعا هنا كما قال في الحاشية في هذا الموطن من الكتاب سماه مشهد التوحيد والأمر، وفي مفتاح دار السعادة تطرق لنفس المسألة وسماه مشهد أهل العلم والإيمان، وهو مشهد القدر والشرع، وتلك التسمية أوضح؛ يعني هذا المشهد هو مشهد أن تجمع بين القدر والشرع. وسماه هنا مشهد التوحيد والأمر، لا أدري هل هذه العبارة عبارة دقيقة ولا من النساخ، لكن العبارة الأوضح التي هو يتداولها أو دعا له في المشهد الرابع مشهد الجمع بين الشرع والقدر، وهي مرت معنا سابقاً في هذا الكتاب.
إذاً فيشهد انفراد الرب بالخلق والمشيئة، ويشهد مع ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وارتباط الجزاء بالأعمال واقتضائها له ارتباط المسببات بأسبابها التي جعلت أسباباً مقتضية له شرعاً وقدراً وحكمة. فشهوده توحيد الرب سبحانه وانفراده بالخلق ونفوذ مشيئته وجريان قضائه وقدره يفتح له باب الاستعانة به، هذا الذي يستفيد من مشاهدة القدر ودوام الالتجاء إليه والافتقار إليه، وذلك يدنيه من عتبة العبودية.
وذلك يدنيه من عتبة العبودية ويطرحه بالباب فقيراً عاجزاً مسكيناً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. فالعبودية إخواني، حقيقة العبودية تقوم على مشاهدة مشهدين، ومن ظن أن العبودية هي فقط قيامك بالطاعات فهذا نقص في شهود العبودية. العبودية تقوم على مشاهدة القدر مع مشاهدة الشرع، العبودية لها جناحان: أن تشاهد القدر وتشاهد الأمر والنهي. فلذلك قال: مشاهدة انفراد الله تقودك إلى الاستعانة به، وهذا يدنيك من عتبة العبودية ويطرحك بالباب فقيراً عاجزاً مسكيناً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
والمشهد الآخر: شهود أمره ونهيه وثوابه وعقابه، يوجب له الجد والتشمير وبذل الوسع والقيام بالأمر والرجوع على نفسه باللوم والاعتراف بالتقصير، فيكون سيره بين شهود العزة والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنة العظيمة، هذا المشهد الأول، وبين شهود تقصيره وإساءته هو وتطلب عيوب نفسه وأعمالها. فهذا هو العبد الذي جمع بين جناحي العبودية: مشاهدة القدر مع مشاهدة الأمر والنهي، فهو العبد الموافق المعان الملطوف به المصنوع له، الذي أقيم في مقام العبودية وضمن له التوفيق.
ثم بعد ذلك ابن القيم عليه رحمة الله سرد لنا مقامات الأنبياء في القرآن وأحوالهم في القرآن، وبين لنا أن الأنبياء كانوا من أصحاب المشهد الرابع، وأنهم جمعوا في حياتهم بين ملاحظة القدر فيما صدر منهم، وفي ملاحظة الشرع فلاموا أنفسهم وعاتبوها. ولكنهم في نفس الوقت أعطوا القدر حظه من العبودية بأن التجؤوا إلى الله واستعانوا به، ورأوا أنه هو الذي يعيذهم من تكرار الخطأ، وهو الذي يغفر لهم ويرحمهم مما وقعوا فيه من الخطأ. فاستعادتك بالله من تكرار الخطأ هذا من مشاهدتك لقدر الله وأنه هو صاحب المشيئة الأولى، وطلبك من الله أن يغفر لك ويرحمك هذا أيضاً من مشاهدة القدر وأنه سبحانه وتعالى بيده هذه المغفرة والرحمة، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها.
فمثلاً مشهد آدم عليه السلام، قال وهذا هو مشهد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فهو مشهد أبيهم آدم إذ يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]. ظلمنا أنفسنا هذا معاتبة للنفس، وأنه أنا من أخطأت وأنا من ظلمت نفسي، وإن لم تغفر لنا وترحمنا مشاهدة للقدر من جهة أن من بيده المغفرة والرحمة هو الله سبحانه وتعالى، فيطلبها منه ويلتجئ إليه في طلبها.
ومشهد أول الرسل نوح إذ يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: 47]. إذاً لاحظ أنه استعاذ بالله وهذا قدر، أن يعيذك من الخطأ مرة أخرى، هو أين الخطأ الذي صدر؟ أنه سأل الله عز وجل في ابنه، فهو اتهم نفسه أنه يسأل ما ليس له به علم، اتهم نفسه أنه يسأل سؤالاً ليس له به علم، وما كان يعرف أنه لا ينبغي أن يسأله، لكنه شاهد أن الله هو الذي سيعيذه من تكرار هذا السؤال مرة أخرى، أعوذ بك، وأن الله هو الذي يغفر له ويرحمه بمشيئته.
ومشهد إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذ يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: 78-82]. فلاحظ نسب الخطأ إلى نفسه، خطيئتي، فهذا مشاهدة لقصور النفس، أن يغفر لي خطيئتي ذنوبي، هناك مشاهدة للخطيئة وفي نفس الوقت مشاهدة للقدر في الآيات جميعها، من عند لما قال الذي خلقني وهو يهدين، يطعمني ويسقين، بل حتى مشاهدة أن المغفرة من أطمع أن يغفر، هذا مشاهدة لهذا المقام. وقال في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. فعلم صلى الله عليه وسلم أن الذي يحول بين العبد وبين الشرك وعبادة الأصنام هو الله لا رب غيره، فسأله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، فهذا مشاهدة للقدر، أن هو إذا شاء أن يجنبنا جنبنا.
قال وهذا هو مشهد موسى عليه السلام إذ يقول في خطابه لربه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 155]. أي أنت ولينا، تهدي من تشاء، كلها مشاهدة لباب القدر.
أي أن ذلك إلا امتحانك واختبارك، كما يقال فتنت الذهب إذا امتحنته واختبرته، وليس من الفتنة التي هي الفعل السيئ كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: 10]. كلمة الفتنة في القرآن لها معاني كثيرة، من أفضل من تكلم عن ذلك ابن قتيبة رحمه الله عليه في تأويل مشكل القرآن، تكلم عن معاني الفتنة في القرآن وكيف وردت. وكما في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193]، فإن تلك فتنة المخلوق، وموسى أعلم بالله تعالى أن يضيف إليه هذه الفتنة، وإنما هي كالفتنة في قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: 40]، أي ابتليناك واختبرناك وصرفناك في الأحوال التي قصها الله سبحانه علينا من لدن ولادته إلى وقت خطابه له وإنزاله عليه كتابه.
والمقصود أن موسى صلى الله عليه وسلم شهد توحيد الرب وانفراده بالخلق والحكم، وفعل السفهاء مباشرتهم الشرك، فلما قال أتهلكنا بما فعل السفهاء؟ فعل السفهاء ملاحظة للخطأ والنفس، فهذه ملاحظة لجانب الأمر والنهي، ولكن قضية تضل من تشاء وتهدي من تشاء وأنت ولينا هذه للقدر، فاستطاع أن يشاهد المشهدين. فتضرع إليه بعزته وسلطانه، وأضاف الذنب إلى فاعله وجانيه، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي».
موسى عليه السلام لما قتل القبطي قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: 16]. فظلمت نفسي شرع، فاغفر لي التجاء واعتصام، هذا يدل على ملاحظة لجانب القدر. قال تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: 16].
قال وهذا مشهد ذي النون إذ يقول: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، فوحد ربه تعالى ونزهه عن كل عيب وأضاف الظلم إلى نفسه. قال وهذا مشهد سيد الاستغفار حين يقول في دعائه: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي».
أعوذ بك من شر ما صنعت هذا شرع، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي، هذا قدر؛ لأنه طلب المغفرة والالتجاء إلى الله عز وجل. أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فأقر بتوحيد الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلق وعموم المشيئة ونفوذها، أنت ربي.
وتوحيد الإلهية المتضمن لمحبته وعبادته وحده لا شريك له، والاعتراف بالربوبية المتضمن للافتقار من جميع الوجوه إليه سبحانه، ثم قال: وأنا على عهدك ووعدك، فتضمن ذلك التزام شرعه وأمره ودينه، وهو العهد الذي عهده إلى عباده، وتصديق وعده وهو جزاؤه وثوابه، فتضمن التزام الأمر والتصديق بالوعود، وهو الإيمان والحساب.
ثم لما علم أن العبد لا يوفي هذا المقام حقه الذي يصلح له تعالى، علق ذلك باستطاعته وقدرته التي لا يتعداها فقال: ما استطعت، أي ملتزم ذلك بحسب استطاعتي وقدرتي، فإنك مهما بلغت فإنك لن توفي هذا المقام حقه وقدره، لن تستطيع أن توفي بهذا الميثاق مع الله، ميثاق العبودية. ثم شهد المشهدين المذكورين وهما مشهد القدرة والعزة ومشهد التقصير من نفسه فقال: أعوذ بك من شر ما صنعت. فهذه الكلمة تضمنت المشهدين معاً؛ لأنك لما تعوذ بالله وتلتجئ إلى الله إذاً أنت تشاهد قدرته وعزته، أعوذ بك من شر ما صنعت، إذاً هذا مشاهدة لقدر وتقصير النفس، أنا الذي صنعت يا الله، فنسب الخطيئة إلى نفسه، ففي كلمة أعوذ مشاهدة لعزة الله وقدرته وهو مشهد متعلق بالقدر، وفي ما صنعت مشاهدة للنفس وخطئها.
ثم أضاف النعم كلها إلى وليها وأهلها والمبتدئ بها، والذنب إلى نفسه وعمله، فقال: أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي. فأنت المحمود المشكور الذي له الثناء كله والإحسان كله ومنه النعم كلها، فلك الحمد كله ولك الثناء كله ولك الفضل كله، وأنا المذنب المسيء المعترف بذنبه المقر بخطائه. كما قال بعض العارفين: العارف يسير بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.
فشهود المنة توجب له المحبة لربه سبحانه وحمده والثناء عليه، ومطالعة عيب النفس والعمل يوجب استغفاره ودوام توبته وتضرعه واستكانته لربه سبحانه. ثم لما قام هذا بقلب الداعي وتوسل إليه بهذه الوسائل قال: فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. لما قامت هذه المشاهد، مشهد القدر مع مشهد تقصير النفس، لما قامت في قلبه ختم الدعاء بقوله: فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
قال ثم أصحاب هذا المشهد فيه قسمان: أحدهما من يشهد تسلط عدوه عليه، وقيادة إياه بسلسلة الهوى وكبحه إياه بلجام الشهوة، فهو أسير معه بحيث يسوقه إلى ضرب عنقه، وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه وناصره ووليه، عالم بأن نجاته في يديه، وأن ناصية عدوه بيده، وأنه لو شاء طرده عنه وخلصه من يديه، فكلما قاده عدوه وكبحه بلجامه أكثر الالتفات إلى وليه وناصره.
هذا مشهد جميل رسمه ابن القيم لحال الإنسان مع الشيطان، يقول وأصحاب هذا المشهد الذين شاهدوا القدر والشرع قسمان: قسم يشهد تسلط عدوه، يعني يشهد كيف أن الشيطان مسلط علينا، وقيادة إياه بسلسلة الهوى، وكيف أن الشيطان يقودني بسلسلة الهوى إلى المعاصي والذنوب، وكبحه إياه بلجام الشهوة، لاحتنكن ذريته، أليس هكذا قال الشيطان؟ وكأنه سيركب فوقنا والحنك هو أن يضع اللجام على الحصان أو الجمل ويقودك بلجامه، فهذا وكبحه إياه، كيف أن الشيطان يحاول السيطرة علينا من خلال لجام الشهوة، يركبنا ويحاول أن يضع لجام الشهوة علينا ليقودنا حيث أراد إبليس، قال فهو أسير معه بحيث...
يسوقك الشيطان ويقودك إلى ضرب العنق، لكنك مع ذلك ملتفت إلى ربك وإلى ناصره وإلى وليه عز وجل، عالم بأن نجاتك في يديه سبحانه، وأن ناصية عدوك بيده، وأن إبليس أيضًا ناصيته بيد الله، وأنه لو شاء الله لطرده عنك ولخلصك من بين يدي إبليس. فكلما قاده عدوه وكبحه بلجامه، أكثر العبد الالتفات إلى وليه سبحانه وناصره، والتضرع إليه، والتذلل بين يديه.
وكلما زاد اغترابه وبعده عن بابه، تذكر عطفه وبره وإحسانه وجوده وكرمه وغناه وقدرته ورأفته ورحمته، فانجذبت دواعي قلبه هاربة إليه، مترامية على بابه، منطرحة على فنائه على باب ربه سبحانه. ينطرح على عتابات الله عز وجل كعبد قد شدت يداه إلى عنقه وقدم لضرب عنقه، وقد استسلم للقتل، لكنه نظر إلى سيد أمامه وتذكر عطفه ورأفته به، ووجد فرجه فوثب إلى سيده منها، فهب طرح نفسه بين يدي مولاه، ومد له عنقه وقال: سيدي، أنا عبدك ومسكينك وهذه ناصيتي بين يديك، ولا خلاص لي من هذا العدو إلا بك، وإني مغلوب فانتصر. فهذا مشهد عظيم المنفعة، جليل الفائدة، تحته من أسرار العبودية ما لا يناله الوصف.
قال: وفوقه مشهد أجل منه، وأعظم وأخص، تجفو عنه العبارة وإن أشارت إليه بعض الإشارة، وتقريبه إلى الفهم بضرب مثل يعبر منه إليه. دعنا نرى ما هذا المشهد، قال: وذلك مثل عبد أخذه سيده بيده، وقدمه ليضرب عنقه بيده، فهو قد أحكم ربطه وشد عينيه، وقد أيقن العبد أنه في قبضته وأنه هو قاتله لا غيره، وقد علم مع ذلك بره به ولطفه ورحمته ورأفته وجوده وكرمه، فهو يناشده بأوصافه ويدخل عليه به. قد ذهب عن وهمه وشهوده كل سبب، وانقطع تعلقه بشيء سواه، فهو معرض عن عدوه الذي كان سبب غضب سيده عليه، قد محى شهوده من قلبه، فهو مقصور النظر إلى سيده وكونه في قبضته، ناظر إلى ما يصنعه به، منتظر منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه.
هذا المثل الثاني راه أعلى، وهو أنه هنا في هذا المشهد الثاني يرى العبد ماذا؟ أنه بين يدي سيده وهو الله، وأن الله سبحانه قد غضب عليه بسبب أنه مشى مع إبليس، ومقته بسبب انصياعه لتعليمات إبليس، فسيده هو الذي يريد أن يضرب عنقه. المشهد السابق إبليس هو الذي يقودك إلى ضرب العنق وأنت تحاول أن تقفز إلى جناب الله، في هذا المشهد لا؛ أنت هنا مسلسل، موضوع بين يدي الله عز وجل الذي مقتك وسخط عليك بسبب طاعتك لإبليس. فمع أنك بين يدي ربك مأسور وتقام بين يديه لتضرب العنق، لكنك تذكرت عطفه وبره وكرمه وجوده فتوسلت إليه، وقطعت كل علاقاتك بكل الأسباب التي تنجيك، وقلت: يا أيها السيد العظيم، بجودك وكرمك ورحمتك منَّ علي وسامحني وتجاوز عني. أنت أدركت هنا أنك بين يدي الله، وأنه هو الذي سيعاقبك، لكنك تذكرت أن رحمته سبقت غضبه، فهو معرض عن عدوه الذي كان سبب غضب سيده عليه؛ هنا أنت إبليس تضعه في الرف الآن وتشتغل بطلب رحمة الله ومسامحته، قد محى شهوده من قلبه.
فهو مقصور النظر الآن وهو في محكمة الله وفي عدل الله، فهو مقصور النظر إلى سيده وإلى كونه في قبضته، ناظر مترقبًا ما الذي سيصنعه به مولاه، منتظر منه ما يقتضيه عطفه وبره. فهذا مشهد أعلى؛ مشهد لا تشاهد فيه إبليس، وإنما تشاهد فيه نفسك الخطاءة المذنبة، وأنت واقف بين يدي الله ليعاقبك ولكنك تستجدي منه المغفرة واللطف. المشهد السابق لا، بالعكس، أنت كنت تشاهد إبليس؛ تشاهد السبب وأن إبليس يقودك، وترمي نفسك على عتبات الله لينقذك. لماذا اعتبر المشهد الثاني أعلى؟ لأن في المشهد الثاني أنت شاهدت حتى إبليس أنه من قدر الله. في المشهد الأول أنت وقفت مع السبب مع إبليس وهربت إلى الله، لكن في المشهد الثاني حتى إبليس ما عدت تشاهده سببًا، وأن كل شيء بقدر الله، وأنك تريد منه سبحانه أن يسامحك ويعفو عنك. فهو مشهد طردت منه قضية سببية إبليس كما قال، وما عدت تشاهده وفنيت، هذا طبعًا لذلك هو اعتبره مشهدًا عاليًا جدًا، يصعب على عامة الناس استحضاره ولا يطالبون به حقيقة إلا الأصفياء الأولياء.
يكثر كلام الصوفية مشهد الفناء، أنه حتى إبليس هو من قدر الله الذي سلط علي، فلما آجي أطلب السماح من الله عز وجل؛ خلص الآن حط إبليس على جنب زي ما بيقولوا، واشتغل بملاحظة أنه يا رب أنا أريدك أن تسامحني وتعفو عني، وأنا الآن بين يديك وأنت قدير، وانقيادي لك وأنت قادر على أن توقي بي أشد العقوبات، فما عاد يشاهد سببية شيء خارجي، بخلاف صاحب المشهد الأول، يشاهد إبليس أن إبليس هو الذي عم يقودني يا رب. ومثل الأول مثل عبد أمسكه عدوه وهو يخنقه للموت، وذلك العبد يشهد خنق عدوه له ويستغيث بسيده، وسيده يغيثه.
ففي المثل الأول أنت ما زلت تشاهد إبليس؛ تشاهده وهو يخنق فيك، ولكن ما يحصل للثاني في مشهده ذلك من الأمور العجيبة فوق ما يحصل للأول؛ لأنه في الثاني قال: وهو بمنزلة من قد أخذه محبوبه فهو يخنقه، وهو لا يشهد إلا خنقه له، فهو يقول: اخنق خنقك، فأنت تعلم أن قلبي يحبك. هذا هو المشهد الثاني، أن الذي في المشهد الأول أنت تشاهد أن إبليس يجلدك وأنت تريد تفر إلى الله، في المشهد الثاني لا؛ الذي يعاقبك الآن هو الله، وأنت تقول: يا رب أنت تعاقبني ولك كل الحق والمشيئة والمنة حتى في معاقبتي، اخنق خنقك؛ عبارة يقولها صوفي، أعمل ما شئت فإني أشهد أني أحبك يا رب. أعمل أي شيء تريده يفعله في، فإنك تعلم أن قلبي يحبك. طبعًا هذا مش معناه أنه تطلب به البلايا، لكن هو قصر الإنسان ويعرف أنه لم يؤد حق الله في العبودية، فيرى أن الله عز وجل له أن يعاقبني بما يشاء. فهو الآن ما عاد يشاهد إبليس، هو يشاهد التقصير وأن مقام الله أعظم، أن الله له أن يعاقبه ما يشاء، ولكنه في نفس الوقت يستجدي عطفه ورحمته سبحانه وتعالى. وفي هذا المثل إشارة وكفاية، ومن غلظ حجابه وكثف طباعه لا ينفعه التصريح، احفظ لنا عن ضرب الأمثال والله المستعان. يعني بيقول لك ابن القيم: هذا المشهد الثاني دعه لمن صفا قلبه، ابن القيم عنده شيء من التصوف الجميل الذي يشاهد فيه بعض من المشاهد لكن بثوب أهل السنة والجماعة، ويرى أن هذه المشاهدات لا يطالب بها العامة حقيقة. هذا انتبهوا له، أن العامة قد تخاطب بعض هذه الأمور، يقول لك: إيش بتقول يا شيخ؟ ولذلك ابن القيم يقر أن بعض الناس غلظ حجابه؛ يعني عقله سميك، صعب يفهم الإشارة في هذه الحالة الثانية، خلص خليه مع المشهد الأول فهو أيسر وأسهل له.
قال: فهذه ستة مشاهد، هي كانت أربعة لكن المشهد الرابع لما خلاه لقسمين أصبحت ستة. قال المشهد السابع: مشهد الحكمة، وهو أن يشهد حكمة الله في تخليته بينه وبين الذنب، وإقداره عليه، وتهيئة أسبابه له، وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه، ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله. أحدها: أنه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده أنه يذنب، أي قضى عليك أنك تذنب؛ لأنه يحب أن يظهر مشهد التوبة منه. ثم إذا كان ممن سبقت له العناية قضى له بالتوبة.
الثاني: تعريف العبد عزة الرب تعالى في قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه، وهذا ما ذكرناه في قول بعض السلف: عرفت الله بفسخ العزائم. أنك تكون عازم على التوبة وأنك ما تفعل، وأنه يا رب آخر مرة، يا أخي اليوم الثاني ولا تجد نفسك رجعت لنفس المعصية. شيخ، أنا مبارح كنت عازم وأعطيت ربي المواثيق أني لن أكرر النظر إلى الحرام، في هذا اليوم الثاني ضعفت، ضعفت مع أنه سبحان الله البارحة كنت شاعر بقوة عجيبة في هذا الميثاق، وأنه خلاص فعلاً هذا فراق بيني وبينك أيتها المعصية، فإذا باليوم الثاني أرجع أسقط. ترى تخلية الله بينك وبين الذنب أيضًا من فوائدها أن تشاهد عزة الله؛ تظن أنك أنت بقوتك ستترك الذنوب؟ كلا، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]؛ فالله يخلي بينك وبين الذنب حتى تعرف أنه حتى تركك للذنب وانقطاعك عنه بالكلية يحتاج أن تلتجئ وتعتصم وتفزع، وليست القضية مجرد كلام يقال باللسان أو مجرد عزائم في لحظة معينة دون أن تتبعها بشدة الاعتصام بالله سبحانه وتعالى والوقوف على أبوابه. فجعلك تقع في الذنب ليجعلك تشاهد عزته في قضائه وفي نفوذ مشيئته جبرًا عنك.
الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته، وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ولا بد، والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق. إذا أيضًا من حكمة جعل الله تخلية الله بينك وبين الذنوب أن تشاهد -غير مشهد العزة- مشهد الحاجة إلى أن يحفظك الله وأن يصونك، فتبقى حريصًا على حفظ الله لك وصونه لك، وأنه أنت مع نفسك ستهلك؛ لأن إبليس سهل أن يقودك ويلعب بك.
الرابع: استجلابه من العبد استغاثته به واستعاذته به من عدوه وشر نفسه، ودعاءه والتضرع إليه والابتهال بين يديه. بعض الناس إخواني يظن نفسه أنه أذكى من إبليس، دون أن ينظر إلى أن إبليس عنده خبرة طويلة في سبل الغواية، ومن أين الغواية ومن أين يدخل عليك، وفي تزيين المعاصي لك؛ خبرة طويلة جدًا منذ تاريخ البشرية منذ استطاع أن يسقط آدم في خطيئة الشجرة، وهو عنده أساليبه وأحابيله، لا تظن نفسك ذكيًا، التجئ إلى الله، اعتصم بالله. لو نظرت لماذا ترك الله إبليس يفعل أفاعيله في البشرية؟ ليرى الله سبحانه وتعالى منك مشهد الفزع إليه والالتجاء إليه وطلبك الحفظ والصون منه، لأن إبليس خبرته في الضلال، خبرة عالية جدًا في الضلال والإضلال والإفساد، فالإنسان ضعيف أمام إبليس إذا لم يعتصم بالله، فإذا اعتصم بالله كان قويًا ولا يقدر إبليس عليه. لذلك قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]، لذلك قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42].
الخامس: إرادته من عبده تكميل مقام الذل والانكسار، فإنه متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه، فإذا ابتلاه بالذنب تصغرت عنده نفسه وذلت وتيقن أنه. السادس: تعريفه بحقيقة نفسه، وأنها الظالمة الجاهلة. كانوا يقولون: معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا، فالله يجعل للمعصية تقودك إلى مقام الذل والانكسار.
السابع: تعريفه بحقيقة نفسه وأنها الظالمة الجاهلة، وأن كل ما فيها من علم أو عدل أو خير فمن الله مَنَّ به عليه لا من نفسه.
الثامن: تعريفه عبده سعة حلمه تعالى وكرمه في ستره عليه، فإنه لو شاء لعجله على الذنب ولهتكه بين عباده، فلم يصف له معهم عيش.
التاسع: تعريفه أنه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته.
العاشر: تعريفه كرمه في قبول توبته ومغفرته له على ظلمه وإساءته.
الحادي عشر: إقامة الحجة على عبده، وأنه له عليه الحجة البالغة، فإن عذبه فبعدله وببعض حقه عليه بل اليسير منه. قامت الحجة على عبده، فيوم القيامة الله عز وجل له الحجة البالغة في تعذيبك لو شاء يعذبك، صحيح؟ فإنك أكثرت الخطأ وأكثرت الزلل وأكثرت هتك الحجاب بينك وبين الله.
الثاني عشر: أن يعامل عباده في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يحب أن يعامله الله به، فإن الجزاء من جنس العمل، فيعتمد في ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه الله بذنوبهم؛ يعني لما أنت شخص يسيء لك أنت في الحياة الدنيا.
ما الذي يجعلك تتجاوز عن زلة صديقك وأخيك المؤمن؟ تذكرك أنك تسيء إلى الله كثيرًا، وكيف تحب أن يعاملك الله إذا أخطأت؟ أليس بالستر والصفح والعفو؟ فكذلك أنت ستعامل الناس؛ إذا أعطيت هذا المشهد حقه، كما أريد أن الله يتجاوز عني وأن يقيل عثرتي، أُقيل الناس في عثراتهم معي.
قال: الثاني عشر أن يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم مع إقامة أمر الله فيهم، فيقيم أمر الله فيهم رحمة لهم لا قسوة وفظاظة عليهم. وهذا إذا كان له مساحة من الحكم؛ إذا كنت مثلاً أنت مديرًا على شركة، أبًا على أبناء، كلّ على حسب الإدارة التي يستلمها، فإذا جاءك الموظفون يعتذرون إليك على تقصيرهم معك في العمل؛ تعذر الخلائق. هذا الإنسان العاصي يقيم المعاذير للخلائق، ليس أنت يعني، هذا تكميل للقضية الحادية عشرة؛ أنه كما أنت تعتذر إلى الله وتطلب من الله أن يعذرك، تصبح أنت تتعلم كيف تعذر الناس. فإذا جاؤوا معتذرين لك، ابنك جاء يعتذر لك عن تقصيره في حقك، موظف عندك في الشركة أتى يعتذر لك عن تقصيره، تتسع رحمتك للموظفين.
طبعًا اتساع الرحمة لا يعني أني لا أحاسب، لا؛ فبعض الناس يقول: يا أخي سامح الموظفين! يا أخي ماشي، أنا بدي أظلني أسامح؟ من غير عقوبات ما هي عمرها ما بتضبط الإدارة، ولا بد في خصم ولا بد في حسم، بس برضه في جانب رحمة، وهذا كله من التخلق بكمالات الله، فتصبح تعامل الناس من حيث أنني أقيم العقوبة المناسبة، بس في نفس الوقت أعذر وأتجاوز؛ لأنه هكذا تريد الله أن يعاملك، أن يقبل عذرك حتى لو أنه عاقبك، تريد أن يرفع العقاب عنك، وأن يتجمل معك في العقوبة وأن يستر. قال: فيقيم أمر الله فيهم رحمة لهم، فأنا لما صحيح أنا قبلت عذرك، بس لازم أعاقبك مثلاً رحمة لك لمصلحتك حتى عمرك ما تعيدها، لا قسوة وفظاظة عليهم.
قال: الثالث عشر أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه فتتبدل برقة ورأفة ورحمة. يعني هذا إذا كان الإنسان مثلاً أطاع الله سبحانه وتعالى وأحسن، فقد يشاهد لنفسه أن يدل على الله بطاعته، فلما يتركك الله تعصي وتذنب، هذه صولة الطاعة والإحسان وأنه أنا العبد الذي لا يخطئ، هذا الإدلال على الله بهذا ينكسر، فتتبدل برقة ورأفة ورحمة.
قال: الرابع عشر أن يعريه من رداء العجب بعمله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد منه العجب» أو كما قال. أحسنت، فيكسرك الله، يكسر صولة العجب أيضًا من خلال إيقاعك في الذنب، فيجعلك لا تعجب بنفسك، إذا الناس نفخت فيك أو أنت جلست، والله أنا ما شاء الله علي إنسان مميز، تجلس تتذكر قبائحك ومخازيك فيسقط هذا العجب من نفسك.
الخامس عشر أن يعريه من لباس الإدلال الذي يصلح للملوك، ويلبسه لباس الذل الذي لا يليق بالعبد سواه. اللي هي فكرة كما قلنا أن الإدلال الذي يصلح للملوك؛ تمام، من الذي له أن يدل على من تحته؟ الملك هو الذي له أن يدل، فالعبد ليس له الإدلال. الإدلال يعني -كيف يمكن أن يعبر عنه بلغة يفهمها الناس؟- الإدلال يعني الشعور بالمنة، الشعور أنه أنا يا أخي لي فضل، أنا ترى هذا الشعور أنه لك فضل، منا تكلمنا عنه قبل قليل، يكسر عنك الله عز وجل من خلال جعلك تعصي، فالمعصية كما أنها تكسر العجب وشعورك بالتميز النفسي، تكسر أيضًا قضية إدلالك على الله عز وجل بطاعتك.
قال: السادس عشر أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من البكاء والإشفاق والندم. جميل، أيضًا من أهداف الذنوب أن الله عز وجل يستخرج بها عبوديات لا تستخرج إلا بالذنب، عبودية الخوف، إنسان ما عصى أبدًا أبدًا، كيف بده يخاف؟ فرض الخشية من آثار الذنوب البكاء والإشفاق والندم.
السابع عشر أن يعرفه مقدار نعمة معافاته وفضله في توفيقه وعصمته، فإن من تربى في العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى ولا يعرف مقدار نعمة العافية. صحيح ذلك كما مر معنا مع ابن حزم في مداواة النفوس، في بعض النعم لا يشعر فيها إلا من فقدها، زي نعمة الأمن، نعمة الغنى، نعمة الصحة، من الذي يشعر بقيمتها؟ كما قال ابن حزم: من فقدها. كذلك نعمة العصمة من الذنب، وأنك ما عندك إدمانات للحرام، كيف تشعر بنعمة أنه أنا ما عندي إدمان حرام؟ ما دام أنك أنت ما بتعصي، لن تشعر بنعمة المعافاة من الحرام، لكن يوم تقع في نظر حرام بتصير تعرف، شو يا أخي والله هذا النظر الحرام كله كآبة، هذا الله يعينهم الناس المبتلين بإدمان الحرام اللي بس طول عمره جالس ينظر إلى أفلام إباحية وينظر ويقلب، إذا الإنسان نظرتين ثلاث حصلت هذا النكد والنكبة والنكسات، فما بالك بإنسان ليلاً ونهارًا لا يستطيع أن يرفع بصره عن الحرام؟ فتعرف إذًا نعمة الله عليك؛ لأنه بدون ما تبتلى بشيء من المعاصي ما رح تحس بما يعانيه ذلك المبتلى بإدمان الحرام وما فيه حياتهم من القبح والكآبة، فتنسى نعمة العصمة، فتنسى شكر نعمة العصمة.
قال: الثامن عشر أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه، فإن الله يحبه ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا، لا يحصل بدون التوبة وإن كان يحصل بغيرها من الطاعات أثر آخر، لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا بالتوبة.
التاسع عشر أنه إذا شهد إساءته وظلمه استكثر القليل من نعمة ربه لعلمه بأن الواصل إليه منها كثير على مسيء مثله، واستقل الكثير من عمله لعلمه بأن الذي يصلح له أن يغسل به نجاسته ويدفع ذنوبه أضعاف أضعاف ما يفعله، فهو دائمًا مستقل لعمله كائنًا ما كان. جميل هذا المعنى أيضًا، أن الله يتركك تفعل المعاصي والذنوب حتى تشهد إساءتك وظلمك فتصبح تستكثر القليل من نعمة الله عليك، يعني إذا ربنا أعطاك 400 دينار راتب شهري تقول كثير علي، والله من ينظر في قبائحه ومخازيه يقول هذا لازم، هذا العبد لازم يحرم من الراتب الشهري تمامًا، وفي المقابل أيضًا تستقل كثرة أعمالك الصالحة، فلو كنت ما كنت في طلب العلم وفي التعليم وفي الدعوة وفي العمل الإصلاحي وفي ترى أنه كل أعمالك هذه قليلة جدًا ولا تكفي لستر مخازيك وعيوبك.
قال: ولو لم يكن في فوائد الذنب وحكمه إلا هذا وحده لكان كافيًا. نعم، إلا هذا وحده؛ يعني هذه الخصلة التاسعة عشرة من أعظم الخصال التي بسببها يخلي الله بينك وبين الذنب.
قال: العشرون أنه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدو ومكايده، ويعرفه من أين يدخل عليه وبماذا يحذر منه، كالطبيب الذي ذاق المرض والدواء. سبحان الله، التيقظ والحذر، ما هو أنت لما تعصي من باب معين بتصير تنتبه أنه هذا الباب، أيوه هذا باب يجيب لي مصائب، أنه أنا وقعت فيه مرة، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، هيك الإنسان العاقل، فيعرف من أين الشيطان يمكن أن يدخل عليه فيغلق هذا الباب ولا يسمح له بالدخول مرة أخرى عليه، مثلاً إنسان إذا كان دخول الشيطان عليه من باب السوشيال ميديا أو تطبيق معين من تطبيقاتها، أصبح يعرف أنه هذا الباب خطير، وبالتالي إذا كان في شدة حزمه وعقلانيته يغلق هذا، ما بدي إياه، ما بدي إياه، لأنه هذا باب يدخل منه الشيطان على قلبي، فيعرف من أين يدخل عليه وبماذا يحذر منه، كالطبيب الذي ذاق المرض والدواء، أنت كالطبيب الحاذق اللي هو نفسه ابتلي بالمرض وبالتالي عرف ما هو الدواء منه، فيصبح يعرف كيف ما يقع في المرض مرة أخرى.
قال: الحادي والعشرون أن مثل هذا ينتفع به المرضى لمعرفته بأمراضهم ودوائها، إنه هذا الشاب أو الشيخ أو الداعي لما يقع في معصية، يعني عفواً نحن كدعاة أو كشباب ندعو إلى الله ونظن أنفسنا دعاة، الله أعلم تقبلنا، لما أنت نفسك تقع في معصية ويخلي الله بينك وبينها وثم تعرف من أين أتيت، يصبح أنت عندك خبرة فتستطيع أن تنصح الشباب الآخرين. فيقول إن مثل هذا ينتفع به المرضى، أن هذا -طيب أنت الآن كشاب تهيئ نفسك لتصبح داعية- لما تقع في معصية وتفهم أنه أنا والله غلطت نعم، وقعت في معصية والمعصية دخلت علي من هذا الموضوع وكذا، صار عندك خبرة، صحيح؟ ايش بتعمل؟ تنقل هذه الخبرة لمن بعدك فتؤثر، لذلك اليوم حتى اليوم في عالم السوشيال ميديا بتشوف بعض المشايخ أو الدعاة لهم تاريخ، يعني يكون له مثلاً تاريخ قبل الالتزام بعدين التزم، فتجد أنه هو نقطة تأثيره ناتج أنه هو عارف من وين كان يجي الشيطان، فهو قادر على أن يتعامل مع الشباب ويصور لهم كيف كان، وكيف يفكر الإنسان العاصي ومن أين يدخل عليه الشيطان، ربما أكثر من الشيخ اللي ربما الله عز وجل صانه من كثير من أبواب المعاصي والذنوب، فهو لا يعرف الخبرة أو لا يملك من الخبرة ما يملكه ذاك الشيخ التائب. طبعًا هي مش معناها أنه يصير الإنسان: يلا أنا حابب يكون لي ماضي مشان أعرف، لا مش هيك، الحمد لله، فذاك الشيخ التائب ربنا ابن نجابته فضله، وكم من شخص كان مثله ولم يتب فنجاته من حبال إبليس هذا فضل ومحض منة من الله عليه، وربنا سترها معاه، أما أنت تقول والله أنا بدي يكون لي ماضي مشان أصير أعرف الشباب من أين يدخل عليهم إبليس، ومن قال لك أنك إذا ذهبت لتعصي ستعود؟ قد تذهب ولا تعود وتغرق في أوحال المعاصي، فاسأل الله العافية، من عافاه الله، لا تتمنوا لقاء العدو، فاسألوا الله العافية، إذا لقيتموه فاثبتوا.
قال: الثاني والعشرون أنه يرفع عنه حجاب الدعوى ويفتح له طريق الفاقة، فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق أقرب من العبودية، فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب، إنك تكون مخلط وعندك ذنوب وعندك طاعات ولكنك تحافظ على استحضار فقرك وفاقتك، أفضل وخير من أن تصفو من المعاصي لكنك تدلي بالعجب.
الثالث والعشرون أن يكون في القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها فيطلب دواءها، فيمنّ عليه اللطيف الخبير ويقضي عليه بذنب ظاهر، فيجد ألم مرضه فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها، ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فلغلظ حجابه، كما قيل: لعل عتبك محمود عواقبه، وربما صحت الأجسام بالعلل. شوف هذا الكلام، هي النقطة الثالثة والعشرون نقطة خطيرة حقيقة، وتدل على أن ابن القيم خريت في التأملات، لاحظ يقول لك من فوائد الذنوب -إذا صح أن نقول- أو من الأمور التي تجعل الله يخلي بينك وبين الذنب أحيانًا، ما هي؟ أن يكون عندك مرض مزمن، أمراض قلوب مزمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءها، فيمنّ الله عليه اللطيف الخبير ويقضي عليه بذنب ظاهر، فيجد المرض، ويشرب بالتالي الدواء النافع لما وجد المرض حقيقة، فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها. أحيانًا قد يكون الإنسان إخواني في طريق الدعوة أو مع كثرة انشغاله بالأمور العلمية والدعوية، هناك كثير من الغفلات في قلبه عن الله، هناك غفلات عشعشت في قلبه عن الله أبعدته، لكن هو لا يشعر بهذه الغفلات لماذا؟
لأنه منشغل مثلاً بالدراسة العلمية، بالممارسات الدعوية، بالعمل، بالمراكز الإصلاحية، بكثير من أبواب الخير، طبعًا هذا العمل ترى خلاه يقصر في جوانب كثيره، هو غافل عن تحقيق عبوديات الله في بر الوالدين، غافل عن تحقيق عبودية الله في صلة الأرحام، غافل عن كثير من، حتى غافل عن قيام الليل، وغافل عن صيام النهار، وغافل عن الأذكار وإتقانها، فعشعشت في قلبه كثير من الغفلات وأصبحت حقيقة أمراض مزمنة، لكن هو لا يشعر بالألم لماذا؟ لأنه في هناك شيء ظاهري هو منهمك فيه، تمامًا كما قلت لك، عمل دعوي أو قراءة أو تعلم أو ما شابه ذلك، في لحظة معينة يقدر الله عليك ذنبًا، مثلاً يجعلك تسقط في علاقة محرمة مع فتاة، تمام، فتدخل قلبك ومشاعرك وأحاسيسك، فانتشغريب حصل حصل، طب أنا طالب علم أو أنا إنسان صالح أو شيء كيف سقطت هذا السقوط الحر؟ أو تجد مثلاً يأتي عليه يومين عينه لا تقف عن النظر للحرام، مع أنه ما سبق له هذا في الجوال أو ما شابه.
فإذا بدأ يشعر بألم، ظاهر هذا الألم الظاهر كأنه فتح عيني على أمراض قلوب مزمنة، هي كانت موجودة بس أنا ما عالجتها. فهمتم ما الذي حصل؟ إنه جاء هذا الذنب ليوقظك، ترى هذا الذنب وهذا الألم الذي تشعر فيه نتيجة أنك الآن سقطت في علاقة محرمة مع فتاة، أو سقطت مثلاً في مشاهدات محرمة، أو سقطت في خطيئة ما؛ هي كأنها لحظة اليقظة كما تسمى، لحظة اليقظة: «أنا وين رايح في نفسي؟ لماذا حصل معي هذا الموقف؟ طيب أنا ذلك الطالب، وأنا ذلك الداعية، وأنا ذلك العامل، وأنا ذلك الباذل، لماذا أسقط في لحظة معينة؟ مش الأصل أنني عامل وباذل؟».
هنا تبدأ تستيقظ، لا، إذاً لا بد أضع نقطة نظام في حياتي. في هناك غفلات فعلاً؛ أنا غفلت عن قيام الليل، وغفلت عن حسن الصلاة والخشوع فيها، غافل عن كثير من الأمراض التي هي معششة كما يقولون في نفسي وفي قلبي، لكن ما كنت منتبهاً لها. لعل هذا الذنب الذي وقع الآن هو نقطة اليقظة التي ستنبهني: انتبه، ترى في أمراض أنت كنت غافل عنها لأنك منهمك في الدعوة والإصلاح بس بطريقة غير متوازنة.
هذا معنى كلام ابن القيم: أن يكون في القلب أمراض مزمنة ولا يشعر بها من الغفلات، فيطلب دواءها، فيمنّ الله عليه اللطيف الخبير بماذا؟ ويقضي عليه بذنب ظاهر، زي ما قلت: علاقة محرمة، نظرة حرام؛ فيجد ألم مرضه. هو يشعر بألم تلك الغفلات، يجد الألم هو مكان الشعور بالألم لأن هي كلمة لا يشعر بها، فيطلب دواءها. عفواً حتى نكون دقيقين؛ يعني مش فيطلب دواء، مش فيطلب فيطلب، اكتبوا، اضبطوها حتى لا يُظن أنه هو يطلب، لا، هو مش عم يطلب لأنه هو مش شاعر فيها. فالنص هكذا: «أن يكون في القلب أمراض مزمنة هو لا يشعر بها فيطلب دواءها»، نعم. الفاصلة مربكة شوي، يعني لازم نحذف الفاصلة ونقول التقدير: هو لا يشعر بها حتى يطلب دواءها. هذا التقدير، فيمنّ الله اللطيف الخبير عليه بماذا؟ بذنب في لحظة سقوط حر، فيجد المرض، فيحتمي، يدرك أنه في خطأ في حياته. هذه المعصية إنما كانت ثمرة أمراض هي في داخل القلب، لكني كنت متشاغل عنها بما أنا مقبل عليه من العمل والدعوة والخطابات وما شابه ذلك، فيحتمي عندئذ.
استيقظ، وتكون هذه النقطة التي سترجعه إلى الله عز وجل، فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها، ومن لم يشعر، يعني هذه حقيقة رائعة من روائع ابن القيم في فهم فلسفة الذنب كيف يأتي في لحظة معينة لينبهك على كل الأمراض التي في نفسك. هذا مثل الإنسان يذهب إلى المستشفى سبحان الله بسبب مثلاً مرض أو مغص كان به، فلما يفحصه الطبيب يقول له: يا رجل أنت معك سرطان، منيح اللي لحقناك، وما كان أنه سرطان ابتدأ، ما كان يشعر به الإنسان. فقدر الله له ذاك المرض الظاهر في بطنه أو في أذنه ليكون سبباً ليكتشف أمراضاً في العمق، لو لم يتداركه الله بهذا المرض الظاهر اليسير لهلك بسبب المرض الباطن الذي كاد أن يستشري. نفس المثال هو الذي يقوله هنا ابن القيم عليه رحمه الله، جميل جميل الحقيقة، نعم.
قال: «وأن يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب ليكمل له نعمته وفرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه وجمعه عليه وأقامه في طاعته، فيكون التذاذه بذلك بعد أن صدر منه ما صدر بمنزلة التذاذ الظمآن بالماء العذب الزلال، وشديد الخوف بالأمن، والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه، وإن لطف الرب تعالى وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من ذلك، فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته».
نعم، أحياناً إذا اعتدت العلاقة مع الله والتعبد والأشياء، ربما تنسى هذه النعمة العظيمة أن الله جعلك من العابدين. غير الآن انسى قضية أن يأتيك قضية العجب والإدلال، لا، هو قضية أنه من اعتاد الشيء ما عاد يشعر بجماليته. صحيح، تخيل أنك تعيش في قصر سنة سنتين ثلاث، مع الوقت ايش تصبح؟ ما عاد يلفتك جمالية هذا القصر لأنك أنت اعتدت العيش فيه، مع أنه بالنسبة لمن هو في الخارج قصر رهيب فيه من كل أنواع اللذائذ والمسابح والدافئة والباردة والشجر والأطايب، لكن أنت اعتدت العيش فيه وفي هذا الجمال ومنسجم معه، أنت لست منسجماً معه وترى جميلاً لكن الشوق إلى هذا الجمال سيخفت مع الوقت بسبب الاعتياد.
فيقول ابن القيم هكذا كثير من العباد في علاقته مع الله؛ عندما يعتاد هذه العلاقة لفترة طويلة قد يصيبه نوع من ماذا؟ مع أنه هو شاعر فيها بالأنس واللذاذة، لكن الشوق والحماس الذي كان عنده في البدايات خف شوي، الاعتياد، فيقول: يقع في ذنب، يقدر الله عليك الذنب، مش مشكلة، هذا الذنب هو الذي سيجعلك تدرك أنني حجبت، ابتعدت عن عتبات الله، فتصبح تشتاق إلى الدخول إلى تلك الجنة مرة أخرى، كأنك آدم عليه السلام، آدم الذي كان في الجنة ويذوق من أطايبها ومن جمالها ومن قصورها، وجنة آدم كان في الجنة ولما وقع في الخطيئة وخرج من الجنة، الآن هو كيف شوقه أن يعود إليها مرة أخرى؟ سيكون عالياً جداً، صحيح. يعني هو صح كان في الجنة، لكن خلينا نقول إنه اعتاد الجمال الذي فيها. فمن أهداف، من مقاصد، أقول من مقاصد تقدير الله الخطيئة عليه أنه خروجه من الجنة، الآن هو وجد في الجنة بدون جهد، صدر منه عليه السلام، خلق فيها أصلاً، فلما خرج منها بسبب الخطيئة كيف سيكون الشوق إليها الآن بعد أن رأى نكد الحجب والبعد عن الله وأثر الخطيئة في إنزاله للأرض وما واجهه من كبد؟
سيكون الآن في قمة الاشتياق إلى أن يعود إلى تلك الدار بكل ما فيها من الراحة. نفس الشيء أنت؛ العلاقة مع الله فيها أنس وفيها راحة وفيها لذة وفيها جمالية، اعتيادك لهذه العلاقة وأنه ما عندك ذنوب في حياتك ممكن مع الوقت يخليك تفقد البريق الذي كان عندك في البدايات، وتصبح أنت أنس في هذه العلاقة، لكن حماس الشوق بسبب الاعتياد كما قلنا نزل مستواه قليلاً، فيأتيك ذنب يطردك ويجعلك تشعر بالحجب، أنه خذلت وأنني بعدت، فيكون عندك تجديد للأشواق مرة أخرى أن تعود إلى حضيرة القدس كما يسميها ابن القيم رحمه الله عليه، وأن تعود إلى تلك النزاهة والأخلاق الرفيعة التي كنت عليها بعيداً عن أوحال ودنس المعاصي. فيقول: هذا معنى عظيم أيضاً من معاني تقدير الله المعاصي والذنوب على العبد، فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته. أيضاً هذا جميل جداً، هذا المعنى الأخير هذا الخامس أيضاً من المعاني الجميلة غير الاعتيادية بسميها الآن، في معاني عادة يذكرها الناس لماذا قدر الله عليهم الذنوب والمعاصي، لكن في معاني لا يدركها إلا الخواص مثل ابن القيم، الوقوف على هذا الكلام عالٍ جداً.
الخامس والعشرون: امتحان العبد واختباره، هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا؟ فإنه إذا وقع الذنب سلب حلاوة الطاعة والقرب ووقع في الوحشة، فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة، فحنت وأنت وتضرعت واستغاثت بربها ليردها إلى ما عودها من بره ولطفه، وإن ركبت غيها واستمر إعراضها ولم تحن إلى معهدها الأول ومألفها، ولم تحس بضرورتها وفاقتها الشديدة إلى مراجعة قربها من ربها، علم أنها لا تصلح لله، وقد جاء هذا بعينه في أثر إلهي لا أحفظه.
جميل، يعني قراره أنه لا يحفظه، يعني كأنه يقول: روح دور عليه، هذا من المعاني الجميلة أيضاً. كأنه يقول إن تقدير الله الذنب للعبد أو على إنسان يكشف لك الله عز وجل طبعاً سبحانه هو يعلم كل شيء مسبقاً، لكنه يكشف لك من العبد الحق ومن العبد المزيف إذا صحت التسمية. هناك أناس تعبد الله في الظاهر، وتشارك معك في العمل الإصلاحي والدعوي، وتجدها تذهب وتأتي ويدور الإسلام والأمة جميل، فإذا ابتلي بمعصية من المعاصي ووقع في علاقة محرمة أو فتح له باب التلذذ بالشهوات يسقط سقوطاً مدوياً. مثلاً يطلب منه أن يعمل مثلاً مع السلاطين في جانب ما، مع أنه كان إنساناً من الكبار وكذا، وأنه يطلب منه أن يشتغل بمحاربة الدعوة والوقوف ضدها مقابل لعاعة من الدنيا، يسقط سقوطاً مدوياً، فلان كنت وكنت ووصلت وجلت وتكلمت وأشدت، ومجرد أن فتح لك باب من أبواب المناصب أو شهوة من شهوات الدنيا تركت كل هذه الأبواب، عرفت إذاً تلك العبودية كانت عبودية ليست صادقة، مزيفة، فيها نقص وفيها فضائح، لكن صاحبها لم ينتبه لذلك حتى سقط السقوط المدوي.
وفي المقابل تجد إنساناً فعلاً له مقامات من العبودية عالية، وإذا أذنب عاد وبكى واشتكى وعاد إلى الله أفضل مما كان، فتعرف أن هذا العبد الصادق، وهذا حقيقة هو الفرق بين آدم وإبليس. صحيح أن إبليس أخطأ وآدم أخطأ، لكن ما الفرق بينهما في المقامين؟ أن إبليس لما طلب منه السجود أبى واستكبر، طيب أنت أخطأت يا إبليس، بدنا نفترض أنك في لحظة ضعف، عفوت، يعني قلت ما بدي يا رب وكذا، طيب مش الأصل بعد ما استيقظت وهيك ركزت أنك عدت: يا رب أنا أخطأت لما أبيت السجود لآدم؟ صحيح، مش هيك كان لازم موقف إبليس يكون؟ أنت أخطأت وعصيت واستكبرت في لحظة معينة، لماذا لم تعد؟ هذا يدل أن كل عبوديتك التي كانت تقوم لله، مش كان يقول إن إبليس طاووس الملائكة وأن إبليس كان في مقامات عالية من العبودية؟ لكن الله قال للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]، مما يعلمه سبحانه ولا تعلمه الملائكة. ذاك إبليس، إبليس الذي جالس يعبدني طول الوقت أمامكم، أمام أعينكم، ترى هو كذاب، الداخل عنده مشاكل، وسيكشف، وسيكشف لكم هذا الموقف: اسجد، اسجدوا يا ملائكتي لآدم، إبليس أبى، إبليس أنت الذي كنت وكنت وكان يضرب بك المثل في العبودية ويشار إليك، أبيت أن تسجد؟
لعلها لحظة ضعف يا إبليس، حاول ترجع، حاول تتذكر، حاول تعيد صفحة جديدة، واستكبر، والله هدده: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الحجر: 34]، ﴿اهْبِطْ مِنْهَا﴾، ومع ذلك إبليس قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]. شوف الإصرار على الابتعاد، الإصرار على الإعراض ومحاربة الرب سبحانه وتعالى، مسكين إبليس، اختار الطريق الخاطئ، بينما آدم أيضاً أخطأ، لكن آدم ماذا قال؟ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]. هذا هو الفرق بين آدم وإبليس، كلاهما قدرت عليه المعصية، لكن آدم أحسن التعامل معها، فعاد وأكمل عودته إلى الجنة مرة أخرى بجد وتعب وإنابة إلى الله، وأما إبليس قدرت عليه المعصية فأبى واستكبر وكان من الكافرين. فالذنب، ها لاحظ بدون ذنوب بالله عليكم هل سيكشف الفرق بين إبليس وآدم؟ بدون ذنب، وهذه هي لوازم الأشياء، بتكلم عن هكذا اللوازم الخلقة والوجود، أنه بدون ذنب كيف سيكشف الفرق بين معدن هذا ومعدن هذا؟ فلذلك كانت المعاصي مهمة لتعرف الملائكة الفرق بين آدم وبين إبليس، هذا معنى قوله، نعم.
قال السادس: أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الإنسان، وفي ذلك حكم عظيمة لصانعه تبارك وتعالى، ولا ريب أنهما داعيان إلى أثرهما وموجبيهما، فلا بد من ترتب أثر داعي الشهوة والغضب في الإنسان أو بعضها، ولو لم تُخلق فيه هذه الدواعي لم يكن إنساناً بل ملكاً؛ فالذنب من موجبات البشرية كما أن النسيان من موجباتها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا بذلك.
إذاً من حكمة الإله أن هذا المخلوق الإنساني ركب من قوة فيه قوة شهوانية وقوة غضبية، صحيح، وهذا اتفق عليه من تكلم في طبائع البشر، أن الله ركب في مادة خلقتهم شهوة وغضباً، وفي ذلك حكم عظيمة. لو سألنا ما هي الحكمة من وجود الشهوة والغضب؟ حكم عظيمة جداً، يستفيد منها الإنسان في هذا؛ فالجهاد والغيرة والأنفة والتناسل الحق، وهذا كله من فوائد الشهوة والغضب. لكن في نفس الوقت لا ريب أن هذه القوة الشهوانية والغضبية كلاهما داعيان إلى أثرهما وموجبيهما، لأنه الشهوة إذا لم تنضبط ستؤدي إلى أثرها وهي مثلاً الوقوع في الفواحش، والغضب إذا لم ينضبط بالشارع سيوجب أثره وهو الاقتتال والقتل والأذى وما شابه ذلك، فيقول: فلا بد من ترتب أثر داعي الشهوة والغضب في الإنسان أو بعضها، يعني لا بد أن تظهر شيء من تلك الآثار، يعني ما دامت هي موجودة فلا بد وأن يظهر أثر تلك الشهوة، ما دام الإنسان عنده إرادة ويملك اختيار وفيه قوة شهوانية وغضبية، فليس كل الناس سيوظف الشهوة والغضب بالاتجاه الصحيح تماماً بدون ولا غلطة في الحياة، سيكون هناك أثر من القوة الشهوانية والقوة الغضبية. طيب ولو لم تُخلق فيه هذه الدواعي؟ طيب لو شخص قال: طيب لماذا يا أخي خلق الله القوة الشهوانية والغضبية في الإنسان؟ بنقول رجعنا للسؤال الأول، إذاً لو لم يكن فيه قوة الشهوة وقوة الغضب لما كان إنساناً، كأنك تقول لماذا جعله الله إنساناً؟ رجعنا للسؤال، لكان ملكاً، لأن الملائكة لا توجد فيها قوة شهوانية وقوة غضبية. أما البشر هذا الكائن الذي اسمه إنسان هو هكذا، هو هكذا، فلما تطرح سؤال لماذا خلقه الله وفيه هذا؟ إذاً نقول كأنك تقول لماذا خلق الله الإنسان؟ هو هذا، هو كيفك، هذا هو هذا المنتج اسمه الإنسان، إذاً فلما تقول لي لماذا هو هكذا؟ أقول لك إذاً أنت كأنك تقول...
السابع والعشرون: أن ينسيه رؤية طاعته ويشغله برؤية ذنبه، فلا يزال نصب عينيه؛ فإن الله إذا أراد بعبد خيراً سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، والإخبار بها من لسانه، وشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه حتى يدخله الجنة. فإن ما يقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيتها، ومن اللسان ذكرها.
هذا الإنسان يقول: من فوائد المعاصي للإنسان أن يكون شاباً عنده خير وطاعة وأعمال صالحة كثيرة، فمع الوقت كما قلنا يصبح يشاهدها، بغض النظر وصل إلى درجة العجب أو لا، لكنه يقف مع مشاهدة أعماله الصالحة وذكرها بلسانه: «أنا الحمد لله بعمل هيك وبحفظ وبسوي وبدرس وأقوم الليل وأصوم النهار». فتأتي معصية، فإذا وقع فيها شعر بالوهن، وسلب رؤية أعماله الحسنة، فما يعود يرى أعماله الحسنة شيئاً من قلبه، ولا يعود يخبر بها بلسانه؛ لأنه رأى خزيه في المعصية. وهذه من نعم الله عليك أن يجعلك لا تقف مع مشاهدة أعمالك الصالحة، بل يجعلك طول الوقت تتذكر خطيئتك. فكلما جاءك شخص وقال: «والله أنت فلان ما شاء الله عنك يا أخي، ما من طلاب العلم الأكفاء ومن أصحاب العقل والفكر والقلم وداعية، ولك جمهور»، تقول له: «أنا أعلم بنفسي منك، أنا أعرف بمخازي نفسي منك»، فسل الله العافية. فيصبح يرى ذنبه نصب عينيه، ولا يرى أعماله الحسنة شيئاً في مقابل تلك المعصية، فلا يزال نصب عينيه ذنبك حتى يدخله الجنة، حتى يكون ذنبك هو الذي سيسوقك إلى الجنة.
فإن ما يقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته، ومن اللسان ذكره. ليه؟ وكيف ذنبك سيقودك إلى الجنة؟ هذا هو؛ لأنه الأعمال الصالحة التي ربنا تقبلها أنت في الدنيا ما كنت شايفها، فإن الأعمال الصالحة التي كنت تعملها وقبلت منك أنت رفع عن قلبك مشاهدتها وعن لسانك ذكرها، وكنت في الدنيا فقط تشاهد معصيتك. فوقوفك مع مشاهدة معصيتك، طبعاً المشاهدة الإيجابية هي المشاهدة التي لا تجعل الإنسان يفتر ويكتئب، بل المشاهدة التي تجعله «بدي أعمل أعمال صالحة حتى أكفر، بدي أعمل خير كبير، بدي أعمل حسنة عظيمة؛ لأنه تلك المعصية أنا مش ناسيها، لازم أعمل خير كبير يكفرها»، هي هذه المشاهدة الإيجابية. فعندئذ تلك الأعمال الصالحة التي قبلت وأدخلته الجنة، هي أدخلته الجنة لما رفع من قلبه مشاهدتها ورفع من لسانه ذكرها، والذي أعان على ألا يشاهد بقلبه ولا يذكر بلسانه تلك المعصية التي وقع فيها.
وقال بعض السلف: «إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار». قالوا: كيف؟ قال: «يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه؛ إذا ذكرها ندم، واستقال، وتضرع إلى الله، وبادر إلى محوها، وانكسر، وذل لربه، وزال عنه عجبه وكبره. ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينه يراها، ويمن بها، ويعتد بها، ويتكبر بها، حتى تدخله النار». سبحان الله.
الثامن والعشرون: أن شهود ذنبه وخطيئته يوجب له ألا يرى له على أحد فضلاً ولا له على أحد حقاً؛ فإنه يشهد عيب نفسه وخطأها وذنوبها، فلا يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر. وإذا شاهد أقل إنسان في المسجد أو أقل إنسان يمشي في الطريق، يبقى يقول: «هذا الرجل أحسن مني»؛ لأنه يرى أنه كأنه هو المسيء الوحيد، وأن هؤلاء الناس الذين يمشون في الطرقات ويأتون إلى المساجد كل هؤلاء خير مني. فلا يرى لنفسه أحقية أو أفضلية على أحد من البشر، وهذه النظرة الجيدة كانت بسبب الذنب الذي وقع فيه، فهذا أيضاً من فوائد الذنوب. وإذا شهد ذلك من نفسه لم يرَ لها على الناس حقوقاً من الإكرام يتقاضاهم إياها. فبصير إذا الشخص ما احترمه الاحترام الكامل، بصير ما يرى أنه له حق يتقاضاه منه، يقول: «أكيد هذا ربنا سلطه علي لأنني أنا مذنب».
بعض الناس يكون طبعاً مثلاً شيخ أو داعية أو له آثار أو دكتور أو عنده لقب معين، فيجي واحد يناديه باسمه: «يا فلان»، فيصاب بشيء في نفسه: «يا أخي أنا دكتور، يا أخي ليش ما تناديني باسمي أو أنا شيخ أو أنا داعية؟». فماذا يقول لك؟ «لا أخي، ترى هذا الذنب الذي أنت فيه يجعلك لا تطالب الناس بهذه الحقوق». فيصبح كما قال: «وإذا شهد ذلك من نفسه لم يرى لها على الناس حقوقاً من الإكرام فلا يطالبهم». لماذا يا أخي لا تقدرون منزلتي ومكانتي ولا تشيدون بي؟ كيف يا أخي أنت تناديني باسمي؟ كيف يا أخي لا؟ يا أخي أنت ترى رفقاً بنفسك.
أتعجب من هؤلاء الذين إذا نودي باسمه أو بكنيته غضب وشعر بالانتقاص، «كيف مثلك يناديني باسمي؟ لماذا لا تناديني بلقبي وشهرتي؟». يا أخي أنت لو نظرت بينك وبين الله ستجد معاصي وذنوب خلوات، الله يعلم بها، سأل الله الستر. هكذا الإنسان العاقل لا يستقضي من الناس هذه الأمور، لا يطلبها أو لا يتقاضاها منهم، ولا يذم الناس على ترك القيام بها؛ فإنها عنده أخس قدراً وأقل قيمة من أن يكون لها على عباد الله حقوق مراعاتها، أو لها عليهم فضل يستحق أن يكرموه لأجله. فيرى أن من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط قد أحسن إليه. يعني أنا بس اللي بيسلم علي وبيقول لي: «السلام عليكم» جزاه الله خيراً، حتى لو ناداني باسمي وبدون لقبي، مجرد أنه شخص يسلم علي، ترى أنا أقل من أن يسلم علي، أنا إنسان مذنب. أو حتى إذا جاءه شخص فقط ابتسم في وجهه يراها قدر الدنيا: «أخي الحمد لله أنه ابتسم في وجهي»، وبذل له ما لا يستحق، فاستراح في نفسه واستراح الناس من عتبه وشكايته.
ما هو برضه هيك أنت بتستريح؛ لأنه خلص بتبطل تطالب الناس أنه: «يا أخي احترموني، يا أخي قدروني، يا أخي حطوا لي لايكات»، بطل تعاتب الناس، وفي نفس الوقت أنت ارتحت نفسياً، وبرضه يرتاح الناس من عتبك وشكايتك. أنه بعض الناس خلص ظل يطالب الآخرين: «أخي احترموني قدروني»، فهو يرتاح من نظرته للناس: «يا أخي لماذا الناس لا تقدرني ولا تضع لي ولا تشهرني ولا تنقلني؟». خاصة هذول صناع المحتوى المؤثرين، بدخل في أزمات نفسية، آخر شيء هو مسكين عم بيعمل محتوى وبيضبط وكذا، بعدين بيجد أنه مثلاً الناس مش حابة المحتوى. حضرت مقطع قبل فترة عن شخص روائي أو كاتب كانه جاء إلى حفلة توقيع كتاب جديد، فلما جاء ما وجد أحداً، ما وجد أحداً، فصار يبكي، صار يبكي ووجد رجل يصوره، يصور أنه هذا كاتب فلان الفلاني جاء لحفل توقيع كتابه يا أخي ما حدا حضر، ما حدا حضر أبداً للقاعة التي يريد فيها، صار يبكي يبكي لأنه عرفت فهو صار يصوره صديقه أنه شوفه وعيب عليكم يا أمة ويا كذا.
وسبحان الله كيف الإنسان مسكين! والله يعني لو الإنسان رأى ربما ذنوبه وخطاياه لارتاح: «الحمد لله خلص الناس ما انشغلت به الناس وأنا ارتاحت»، لأنه ربما ذنوبي ومعاصي هي التي جعلت الناس تهجرني أو لا تنتبه لكلامي أو لا تشعر بقيمة ما كتبت. وفي نفس الوقت لا تعاتب الناس ولا تشكوهم، فإنت تستريح نفسياً، بسميها أنا هي إنك تتصالح مع ما يحصل معك. ما قلت بعض الناس يتدمر نفسياً، خاصة في عالم صناعة المحتوى اليوم، اللي بيقرأ الأرقام وكذا والفلكيات وبيصير الواحد يقارن نفسه بـ 15000 واحد موجود داخل في أزمات نفسية. فهنا أنت بتتصالح مع حالي، أنه ذنوبي وخطاياي وفي نفس الوقت لا تشكو الناس ولا يظهر ذلك، فيأتي لماذا ولماذا! فهذه حقيقة حالة مريحة، فما أطيب عيشه وما أنعم باله وما أقر عينه.
يقول لك ابن القيم: فما أطيب عيشه وما أنعم باله وما أقر عينه! هو ارتاح وتصالح نفسياً وارتاح الناس منه، وهكذا بيكون سعيد ومسرور مش مغموم. فسبحان الذي جعل المعصية بطريقة من الطرق سبباً لرفع الغم والهم. عجيب هذا الكلام، كيف أن معصيتك ستجعل كثيراً من الهم والغم يرتفع عنك إذا أحسنت التعامل معها! وأين هذا ممن لا يزال عاتباً على الخلق، شاكياً ترك قيامهم بحقه، ساخطاً عليهم وهم عليه أسخط؟ يعني هو ساخط على الناس والناس من وراه بتحكي عليه: «يا أخي الشيخ الفلاني شايف حاله»، وإذا حد نادى باسمه يعتبرها كبيرة الكبائر، فهو ساخط على الناس والناس ساخطه عليه. فسبحان الحكمة الباهرة التي بهرت عقول العالمين.
التاسع والعشرون: قال أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها، فإنه في شغل بعيبه ونفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس، فالأول علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة. من فوائد الذنوب أنها تجعلك تعود على نفسك فتنشغل بها وبإصلاحها بعد أن كنت منشغلاً بالناس وتتبع عثراتهم. يأتيك ذنب في لحظة ما تقول: «أنا على ماذا أنشغل بالناس وعلى ماذا ألوم الناس وأنا صاحب الذنب؟»، فهذه نعمة عليك أن تذنب حتى تتذكر من أنت.
الثلاثون: أنه يوجب له الإحسان إلى الناس والاستغفار لإخوانه المؤمنين الخطائين، فيصير هجيراه: «رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات»، فإنه يشهد أن إخوته الخطائين مصابون بمثل ما أصيب به، محتاجون إلى مثل ما هو محتاج إليه، فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم، يحب أن يستغفر هو لأخيه المسلم. وقد قال بعض السلف: إن الله لما عتب على الملائكة في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]، وامتحن منهم هاروت وماروت، جعلت الملائكة بعد تستغفر لبني آدم ويدعون الله عز وجل لهم.
الحادي والثلاثون: أنه يوجب له سعة بطانه وحلمه ومغفرته لمن أساء إليه، فإنه إذا شهد نفسه مع ربه سبحانه مسيئاً خاطئاً مذنباً مع فرط إحسانه إليه وبره به وشدة حاجته إلى ربه. وطبعاً سعة البطان يكنى بها عن سعة صدره. قال: فكيف يطمع أن يستقيم له الخلق ويعامله بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة؟ وكيف يطمع أن يطيعه مملوكه وولده وزوجته في كل ما يريد وهو مع ربه ليس كذلك؟ وهذا يوجب له أن يغفر لهم ويسامحهم ويعفو عنهم ويغضي عن الاستقصاء في طلب حقه قبلهم.
نعم، قد تقول هذه فيها ضعف من التكرار، بس هي فيها نظر لجانب معين غير إنك تتجاوز عن الناس؛ أي يتسع صدرك لتقصيرهم في حقك، وتقصير أولادك أو زوجتك أو كذا في حقك لما ترى تقصيرك في حق مولاك، وهو المنعم بأعلى أجناس النعم، وأنت بالنسبة لأولادك وزوجتك قد لا تكون متفضلاً إلا بالشيء اليسير. فلماذا تستقصي حقك منهم ولا تطالب نفسك بأن تؤدي جميع الحقوق لله سبحانه وتعالى؟
ففهمك لباب الذنوب حقيقة بهذه الطريقة الجميلة المبهرة الرائقة التي طرح بها ابن القيم فوائد الذنوب، سيجعلك الآن تنظر إليها نظرة ليست سلبية، هي نعم سلبية باعتبار أن الذنب تقصير، لكن المراد أنك لن تتسخط ولن تعترض على الله لماذا قدر الذنوب على البشر؛ لأن الذنوب تحقق هذه الفوائد، وما هو أكثر منها مما لم يذكره ابن القيم. فهل الذنوب إذاً هي شر محض؟ هل الذنوب شر يغلب على الخير أم الذنوب هي شر جزئي لكن يستخلص به عبوديات ومواقف ومشاهد لا تتحقق من الخير، لا تتحقق إلا بوجود الذنوب؟ فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل