بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على هذا السفر المبارك طريق الهجرتين وباب السعادتين للإمام الحافظ ابن القيم عليه رحمة الله.
وما زال الحديث مستمراً في إحدى المسائل الكبرى في باب الاعتقاد وفي باب القدر بالتحديد، وهي مسألة دخول الشر في القضاء الإلهي، ولماذا يوجد الشر؟ وكيف نفهم هذه القضية وفق أصول أهل السنة والجماعة؟ ثم ابن القيم يقارن أيضاً أصول أهل السنة والجماعة في التفكير في هذه المسائل بأصول الفرق الأخرى ومنطلقات الفكر الفرق الأخرى، وذلك لأن الإنسان إذا عرف الباطل شعر بالاعتزاز بالحق. وهذا أيضاً من الأمور التي ذكرها من علل وجود الشر حتى في الأفكار والمعتقدات، لماذا يوجد الشر في الأفكار والمعتقدات؟ ما هي الفكرة الخاطئة يمكن تصور أنها شر، والمعتقد الفاسد يمكن تصور أنه شر، فلماذا قدر الله وجود هذه الأفكار والمعتقدات الخاطئة مع أنها شر على أصحابها؟ لأن فيها ظهور لقيمة الحق والاعتزاز به عند أهل الحق. أن تقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. أنت إذا رأيت الفرق التي باينت طرق أهل السنة والجماعة، كيف فسدت عقولها وفسد كلامها، بل أتى بعضها بما يضحك منه العقول بسبب اتباعهم لأهوائهم ومخالفتهم للكتاب والسنة، تعرف قيمة التمسك بالكتاب والسنة والإقبال عليه، وأن لا يخالفه الإنسان ويعرف أن العقل الصحيح هو الذي يوافق النص الصحيح.
وأنه لا يجوز للإنسان أن يستأثر بعقله على كلام ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويجعل عقله أصلاً ثم يبدأ يؤول نصوص الكتاب والسنة بما ينسجم مع عقله. بل يجعل الوحي هو الأصل. ويعلم أن العقل ينبغي أن يكون خادماً له وتابعاً له بعد أن عرف العقل، وثبت له صحة هذا الكتاب العظيم وصحة النبي الكريم وصحة ما أتى به عن الله رب العالمين. وصلنا إلى قوله فصل؛ عدنا إلى تمام الكلام في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي، وبيان طرق الناس في ذلك، واختلافهم في مسألة إيلام الأطفال والبهائم بالتحديد باعتبارها إحدى الشواذ التي كان يطرحها دائماً الملاحدة على الفرق الإسلامية.
قال رحمه الله تعالى: وقالت البكرية، وهم أتباع بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد البصري. البكرية هي فرقة من فرق القدرية، ولها أقوال عجيبة تنسب إليها أنهم يقولون أن الإنسان روح وليس جسد. ويقولون أن الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يرى من خلال صورة يخلقها، والعياذ بالله، أن رؤية الله يوم القيامة تكون من خلال صورة يخلقها فيحدثهم الله من خلالها، إلى غير ذلك من الأقوال الفاسدة. ولذلك اندثرت هذه الفرقة. لكن من أقوالها العجيبة أيضاً الغريبة قالوا إن البهائم والأطفال لا تألم ألبتة. فخالفوا الحس. ما الذي حملكم على مخالفة الحس؟ لأننا نحن نرى بالحواس أنهم يتألمون. قال: والذي حملهم على هذا موجب التعليل والحكمة. قالوا الحكمة أن الله لا يجوز أن يؤلم الأطفال والبهائم بدون معصية صدرت منهم. فكل ما تراه في الخارج ألماً هو ليس ألماً. وحاول أنك تضحك على نفسك وتقول أنه ليس ألماً.
ولم يرتضوا مقالة الجبرية من نفي التعليل والحكمة، ولا مقالة المعتزلة من حديث الأعواض وما فرعوا عليه. ولم يمكنهم القول بمذهب التناسخية القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة تودع في الحيوانات التي تناسبها فينالها من ألم الضرب والعذاب بحسبها. ولا بمذاهب المجوس من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب بخلقه، ولا بقول من يقول إن البهائم مكلفة مأمورة منهية مثابة معاقبة. وهذا قول بعض الفرق قالت أن البهائم مثلنا مثل البشر مأمورة منهية مثابة معاقبة بدليل الأحاديث التي دلت فيها أن الله يقتص من الشاة القرناء. قال وإن في كل أمة منها رسول ونبي منها، فتخيل أن بعض الأقوال تقول أنه حتى البهائم فيها رسل وأنبياء منهم؛ فالغنم فيهم رسول من الغنم، والبقر فيهم رسول من البقر، والإبل فيهم رسول من الإبل، وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاء على مخالفتها لرسولها ونبيها. قال فلم يجدوا بداً من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها.
وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجحدوا الضرورة، وأن العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضروري. وقال من أنصف القوم لا سبيل إلى نسبة هؤلاء إلى جحد الضرورة مع كثرتهم، ولكنهم ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام بحسب ما يدركها العقلاء. فإن العاقل إذا أدرك تألم جوارحه وأحس به تألم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه وغمها واشتدت فكرته في ذلك، وفي الأسباب الجالبة له والأسباب الداعية له. وهذه الآلام زائدة على مجرد ألم الطبيعة. ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما تحصل للعاقل المميز. فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون، وإن أرادوا أنه لا شعور لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة؛ فإن الواحد منا يعلم باضطرار أنه كان يتألم في طفوليته بمس النار له وبالضرب وغير ذلك.
وقالت طائفة كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله سبحانه، ولا فعل الله فيه الألم لما ثبت من حكمته. وهذا يشبه قولهم في أفعال الحيوان أنها ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته، لكن هذا أشد فساداً من ذلك؛ فإن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته فلا بد لها من محدث، إذ وجود حادث بلا محدث محال. والله سبحانه خالقها بأسبابها المفضية إليها، فخالق السبب خالق للمسبب. فإن أراد هؤلاء نفي فعلها عن الله مباشرة من غير توسط سبب أصلاً فهذا قد يكون حقاً، وإن أرادوا أنها غير منسوبة إلى قدرته ومشيئته البتة فباطل.
ولا كانت بمشيئته. طبعاً هو الحيوان يمكن أن نحمله على المعنى الأعم، الحيوان بما يشمل الإنسان. ليس المعتزلة أو القدرية، أصل فكرتهم أن الإنسان لا يخلق فعله، وأن الله عز وجل لا مشيئة له في فعله، ورأي القدرية أن الإنسان هو الذي يشاء فعله وهو الذي يخلقه.
فكأنهم هنا هذه الطائفة قاسَت آلام الأطفال والبهائم على أفعال الحيوان عموماً، ومنه الإنسان، أنها ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته. بس هو إيش يقول لهم ابن القيم؟ لكن هذا أشد فساداً من ذلك، أن تقيس آلام الحيوانات والأطفال على أفعال الحيوان عموماً، يقول هذا فاسد جداً. يعني لو أردت أن أتصور المسألة الأولى أنه الإنسان يشاء فعله ويخلقه على بطلان هذا القول، لسه هذا أقل فساداً من أنك تقول أن الآلام أيضاً ليست من فعل الله. لماذا؟
قال: فإن هذه الآلام ليس لها علاقة بالاختيار ولا بالإرادة أصلاً. صحيح؟ يعني فعلك لك فيه إرادة، بس إحنا أهل السنة نقول أن إرادة الإنسان متعلقة بمشيئة الله، بس عموماً الفعل؛ الصلاة، الزكاة، الذهاب، العودة فيه إرادة. بس طبيعة الآلام والأمراض هذه تحدث وتحصل بغير إرادة، فكيف تقيس الآلام التي تحصل بدون إرادة على الأفعال التي تكون بإرادة؟ هذا معنى قوله: فإن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته. حصلت في الطفل بدون إرادته وفي الحيوان بدون إرادته، فلا بد إذاً لها من محدث قطعا خارجي، يصعب أنك تنسبها منطقاً وعقلاً إلى نفس الحيوان، لأنها حصلت في الحيوان بدون إرادته، فكيف يكون هو خلق شيئاً في ذاته بدون إرادته؟ كلام هكذا يدخل في بعضه البعض. قال: فلا بد لها من محدث خارجي، إذ وجود حادث بلا محدث محال.
والله سبحانه خالقها بأسبابها المفضية لها؛ الله هو الذي خلق هذه الأمراض بواسطة الأسباب المفضية لها، بأن مثلاً الطفل أكل طعاماً غلطاً فسبب هذا له مغصاً، فالله خلق هذا المغص فرضاً في بطنه بسببه الطعام الرديء الذي أكله، هذا معنى قوله بأسبابها المفضية لها، وهو أسباب الأمراض المعروفة من أكل الأطعمة الرديئة أو التنفس في الأخذ عفواً جرثومة من مكان معين، فيخلق الله المرض في البهائم وفي الأطفال بهذه الأسباب، هذا هو الصحيح. قال: فخالق السبب الذي هو الطعام الرديء هو خالق المسبب وهو المرض الذي نتج عن الطعام الرديء. فإذا أراد هؤلاء نفي فعلها عن الله مباشرةً من غير توسط سبب أصلاً فهذا قد يكون حقاً، يعني لو قال هؤلاء هذه الفرقة لو قالت أن الله عز وجل لا يخلق المرض في الأطفال دون توسط الأسباب من أكل الأطعمة الرديئة، يعني ممكن أن نقول ماشي منطقي، طبيعة هذا الكون أن الله عز وجل علمنا أنه يخلق الأمراض عند وجود أسبابها. بس طبعاً إحنا بدنا نقف بعيداً شوي، ونقول لكن هل هو سبحانه قادر على أن يخلق المرض بدون سببه؟ نعم، لذلك حتى عبارته فهذا قد يكون حقاً، لو كان هؤلاء يقصدون نفي المرض عن الله مباشرةً من غير توسط سبب، لو كانوا يقولون أن الله لا يخلق الأمراض في الأطفال والبهائم بدون أسبابها فهذا قد يكون حقاً.
قد يكون حقاً من جهة ماذا؟ أنه من جهة أن العادة أن الله يخلق الأمراض بأسبابها، بس هنا بدنا نقف بعيداً ونقول لو شاء أن يخلقها بدون أسبابها له ذلك، تمام؟ فهو يناقش تنزلاً هنا، أنه تنزلاً لو أرادوا نفي فعلها عن الله مباشرةً من دون توسط أسبابها، فلو كان قولهم الله سبحانه لا يخلق الأمراض في الأطفال والبهائم مباشرةً هكذا مرض يأتي مباشرةً دون سبب، وإنما يخلقها بواسطة الأسباب، بنقول هذا حق من جهة طبيعة هذا الكون، أنه فعلاً الله علمنا أن الأمراض لها أسباب، بكتيريا، فيروسات، مش كذا؟ مش أنه فجأة يلاقي الإنسان مصاب بمرض بدون أي بكتيريا ولا فيروس ولا كذا، مع علمنا بأنه لو شاء أن يخلق المرض بدون أي فيروس أو بكتيريا قدر، لأن الله يخلق الأشياء بطريقتين؛ إما يخلقها مباشرةً بدون أسباب أو يخلقها بواسطة الأسباب، فهو قادر على هذا وهذا سبحانه.
لكن حتى ينتظم هذا الكون وفق قوانين علمية، شاء سبحانه أن تكون الأمراض خلقها بسبب أسباب، حتى ينتظم أمر هذا الكون وليس لعجز عنه سبحانه وتعالى. قال: وأما إن أرادوا أن نفس المرض ليس له علاقة بقدرة الله ومشيئته فهذا باطل، لا نقبله أبداً. طيب.
وذهبت طائفة إلى أن في كل نوع من أنواع الحيوانات أنبياء ورسل، وأنها مستحقة للثواب والعقاب، وأن ما ينزل بها من الآلام فجزاء لها وعقوبة على معاصيها ومخالفتها، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ [الأنعام: 38]. وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]. يعني هم حاولوا أن يستدلوا بهذه الآيات على فكرة أنه حتى عالم الحيوانات عالم فيه ابتلاء واختبار وثواب وعقاب، لكن حقيقة هذه الآيات لا تدل على ما يريدونه دلالة واضحة. إلا أمم أمثالكم، نعم، الكلاب والأسود والبهائم أمم، لكن هي أمة من حيث أنها مجتمع يحتاج إلى طعام وشراب، وفيه تناسل، فالمراد أنها أمم أمثالكم من حيث أن الله تكفل برزقها وحياتها وأعمارها، لكن لا تدل على أن الله سبحانه وتعالى أرسل فيها رسلاً وأنبياء، وكلفهم وعاقبهم. ولذلك في القرآن عندما يتكلم الله عز وجل ويخاطب، من الذي خاطبه بالعبودية الاختيارية؟ هي الكل عبد لله قهراً، قهراً الكل عبد لله حتى الجمادات، لكن تكليفاً قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فلما تكلم الله عز وجل في سياق الاختبار بين أن المختبر هو الجن والإنس، ولم يتكلم عن أي اختبار اختياري لحيوانات أخرى أو لكائنات أخرى، فالأصل أن الذي يخاطب بالاختبار في باب العبودية في الحياة الدنيا هم الجن والإنس، ولا دليل واضح على ما تقوله هذه الفرق من أن حتى عالم الحيوانات مختبر. نعم.
قال: وقال طائفة من التناسخية، وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، المراد بالأمة هنا الأمم البشرية، فهو خلينا نقول من العام الذي أريد به الخصوص، وليس المراد بـ "وإن من أمة" يدخل فيها أمم الكلاب والأسود والحشرات والحيوانات، هم أرادوا أن يعمموا كلمة الأمة لتشمل حتى عالم الحيوان، فنقول هذا عام أريد به الخصوص، إنما المراد به أمم الإنس والجن. نعم.
قال: وقال طائفة من التناسخية: إن الله تعالى خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة، ثم أمرهم ونهاهم، فمن عصى منهم نُسخت روحه في جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل كالدجاج والغنم والإبل والبقر والبراغيث والقمل، فما يسلط على هذه البهائم من الآلام فهو للأرواح الآدمية التي أودعت هذه الأجسام. يعني هؤلاء رأيهم أن الله خلق الآدميين خلقة واحدة بصفة واحدة بطبيعة واحدة، ثم أمرهم ونهاهم، فكل إنسان عصى الله سبحانه وتعالى، تمام؟ يأخذ الله روحه بعد أن يموت ويضعها في جسد بهيمة، هي مسألة تناسخ الأرواح حكيناها قبل شوي، عندما يموت ويذهب بدنه يأخذ روحه ويضعها في جسد بهيمة حتى تبقى تتعذب في جسد هذه البهيمة، ومن ذلك فأنت لما تذبح الخروف اللي عم يتعذب هو تلك الروح الخبيثة التي سكنت فيه. نعم.
قال: فمن كان منهم زانياً أو زانية كوفئ بأن جعل في بدن حيوان لا يمكنه الجماع كالبغال، ومن كان منهم عفيفاً عن الزنا مع ظلمه وغشمه كوفئ بأن جعل في بدن تيس أو عصفور أو ديك، ومن كان منهم جباراً عنيداً كوفئ بأن جعل في بدن قملة أو قرادة ونحوهما، إلى أن يقتص منهم ثم يرجع. يعني في حيوان يخالف طبيعته البيولوجية المعصية التي وقع فيها. نعم.
قال: فمن عصى منهم بعد كرامته كرر أيضاً عليه ذلك التناسخ، وهكذا أبداً حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أبداً فينتقل إلى الجنة من وقته، أو يعصي معصيةً لا طاعة معها فينتقل إلى جهنم من وقته، وقد ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين للإسلام رجل يقال له أحمد بن حابط، طرداً لأصول القدرية وشريعتهم التي شرعوها لله فأوجبوا بها عليه وحرموا. يعني هو أيضاً رجل على طريقة القدرية عموماً، ومشى على طريقة التناسخية أنه لازم، لاحظ أن القدرية لابد عندهم أن تأتي بحكمة، بس هذه الحكم التي اكتشفوها بعقولهم كثير منها يضحك منها العقلاء، مثل هذه الفكرة، نعم.
قال: وذهب المجوس إلى أن هذه الآلام والشرور من الإله الشرير الظالم، فلا تضاف إلى الإله الخير العادل ولا تدخل تحت قدرته، ولهذا كان أشبه أهل البدع بهم القدرية. وإن كانت هي الظالم حتى تكون مقابلة للخير العادل. يعني المظلم والعادل المقابلة بينهم مش واضحة، بس لو كانت من الإله الشرير الظالم فلا تضاف إلى الإله الخير العادل بتكون المقابلة أوضح، وهذا الله أعلم قد يكون من النسخ. نعم.
قال: وقالت الزنادقة والدهرية كل ذلك من تصرف الطبيعة وفعلها، وليس لذلك فاعل مختار مدبر بمشيئته وقدرته، ولابد في النار من إحراق ونفع، وفي الماء من إغراق ونفع، وليس وراء ذلك شيء. طبعاً هؤلاء الدهرية الذين ينسبون كل شيء إلى الطبائع وليس إلى وجود إله فاعل، فيقولون هذه من طبائع الأشياء، نعم. فالنار طبيعتها محرقة والماء طبيعته مغرق وما شابه ذلك، فإذا غرق طفل في الماء مثلاً فهذا بسبب طبيعة الماء أنه مغرق، وإذا احترق طفل بالنار فهذا بسبب الطبيعة النارية، فينسبون ما يرونه من آلام تحصل بسبب طبائع الأشياء، وأن السكين بطبيعتها قاطع وهكذا، نعم.
قال: فهذه مذاهب أهل الأرض في هذا المقام. قال: ولما انتهى أبو عيسى الوراق إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات طاش عقله ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه، صنف كتاباً سماه النوح على البهائم، فأقام عليها المآتم وناح وباح بالزندقة الصراح. تمام، قال وكان معتزلياً ثم خلط، نعم، وانتهى إلى أن صار يرمى بمذهب الثنوية من الفرس من المجوس، وعنه أخذ ابن الراوندي، وإذا عرفت تلاميذه عرفت الشيخ. طيب.
قال: وممن كان على هذا المذهب أعمى البصر والبصيرة كأبي المعرة النعمان المكنى بأبي العلاء المعري، فإنه امتنع من أكل الحيوان زعم لظلمه بالإيلام والذبح، سبحان الله، أبو العلاء المعري وأفكاره الشاذة واعتراضاته الكثيرة على ربه سبحانه وتعالى في القضاء والقدر، نعم.
قال: وأما ابن خطيب الري فإنه سلك في ذلك طريقة مركبة من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشائين، طبعاً من هذا ابن الخطيب؟ الرازي، يعني هذا يلقب بأكثر من لقب، منها الفخر الرازي، ويسمى أيضاً بابن الخطيب، ويسمى بابن خطيب الري لأنه من منطقة الري، نعم. قال: وهذبها ونقحها واعترف في آخرها بأنه لا سبيل إلى الخلاص عن المطالبات التي أوردها على نفسه إلا بالتزام أنه تعالى موجب بالذات لا فاعل بالقصد والاختيار. قال على طريقة الفلاسفة، يعني ليس حتى على طريقة الأشاعرة، من طريقة الأشاعرة أن الله يفعل باختياره ومشيئته لكن لا يبحثون عن العلل والحكم وينفونها، لا، هو وصل الرازي إلى طريقة الفلاسفة أصلاً، وهو أن الله عز وجل يفعل بطريقة الفعل التلقائي اللاإرادي، خلينا نسميه الموجب بالذات، وليس بالاختيار والعياذ بالله، نعم. قال: لا فاعل بالقصد والاختيار، فأقر على نفسه بالعجز عن أجوبة تلك المطالبات إلا بإنكار قدرة الله ومشيئته وفعله الاختياري، وذلك بجحد ربوبيته، ونحن نذكر كلامه بألفاظه، قال في مباحثه المشرقية، هذا أحد كتبه، الفصل السادس في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي، وقبل الخوض فيه لابد من تقديم مقدمتين، المقدمة الأولى: الأمور التي يقال لها أنها شر إما أن تكون أموراً عدمية أو أموراً وجودية. مر معنا شبيه من هذا التقسيم سابقاً، نحن قلنا الشر إما شر عدمي زي عدم العلم عدم القدرة فهذا شر، أو شر وجودي، تمام، الشر الوجودي زي ذنوب الفجار والعصاة ومثل آلام الأطفال وما شابه ذلك. طيب نحن راح نمشي حبة حبة مع الرازي في هذه الفكرة؛ الشر إما شر عدمي أمور عدمية عدميتها شر، ووجودها خير، فالجهل هو شيء عدمي وهو شر، ووجود مقابله وهو العلم هو الخير عموماً، أو أمور وجودية يعني أمور وجودها شر.
فإن كانت أموراً عدمية فهي على ثلاثة أقسام. طيب الآن الشر العدمي قسمه الرازي إلى ثلاثة أنواع، ما هو؟ قال: لأنها إما أن تكون عدماً لأمور ضرورية لشيء في وجوده مثل عدم الحياة، هذا النوع الأول، شر عدمي وهو عدم لأمور ضرورية للشيء في وجوده مثل عدم الحياة، فعدم الحياة شر، صح، عدم وجود الحياة شر وهو انعدام وهو شر عدمي لأمر ضروري وهو الحياة، وهو شر عدمي لأمر ضروري للشيء بدونه لا يمكن أن يوجد، فهذا النوع الأول من الشر العدمي، وهو أن تكون أموراً عدمية لأمر ضروري أن يعدم، يعني باختصار أن يعدم أمر ضروري لوجود الشيء، مثال ذلك عدم الحياة، فانعدام الحياة شر، وهو أعلى أنواع الشر العدمي لأنه انعدام لأمر ضروري في الوجود وهو الحياة، فهمتم؟ ثانياً: وإما أن تكون عدماً لأمور نافعة قريبة من الضرورة كالعمى. النوع الثاني من الشر العدمي هو أن تعدم أمور، هذه الأمور وجودها حاج، تذكروا في المقاصد ضروريات، حاجيات.
التحسينيات. هي الفكرة. قسم الرازي الشر العدمي إلى ثلاثة أنواع: انعدام أمور ضرورية، وانعدام أمور حاجية، وانعدام أمور تحسينية. حتى أسهل لك كلام الرازي: فانعدام الأمور الضرورية مثل انعدام الحياة؛ لأن الحياة ضرورية لوجود الشيء وبدونها لا يوجد، فانعدامها انعدام لأمر ضروري، فهذا شر عدمي في أعلى المراتب.
النوع الثاني انعدام أمور حاجية، مثل البصر. الآن البصر حاجي وليس ضرورياً؛ لأن الإنسان يعيش بدونه، لكن حياته فيها مشقة، فانعدام البصر هو شر عدمي من المرتبة الثانية؛ انعدام الحاجيات.
الحالة الثالثة هو انعدام التحسينيات؛ قال: وإما أن لا تكون كذلك كعدم العلم بالفلسفة والهندسة. أن لا تكون كذلك يعني ليست ضرورية ولا حاجية، شيء تحسيني انعدم، مثل أنك لا تعرف الفلسفة المشائية؛ هل فيك شيء نقص؟ أمورك طيبة، الحياة ليست متوقفة عليها. فانعدام العلم بالفلسفة والهندسة اعتبره شرًا عدميًا، لكن هذا الشر العدمي هو انعدام لأمر تحسيني. فإذن هو قسم الشرور العدمية إلى انعدام أمر ضروري، وانعدام أمر حاجي، وانعدام أمر تحسيني.
انتهى من الشر الوجودي، قال: وأما الأمور الوجودية التي يقال إنها شرور، ذهب إلى الشر الوجودي، فهي مثل ماذا؟ قال: مثل الحرارة المفرقة للاتصال العضوي. يعني الحرارة المفرطة زي حرارة النار، فهذا شر وجودي لأنه يؤدي إلى تمزيق الأشياء وافتكاكها عن بعضها البعض.
قال: واعلم أن الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه، مثل عدم الحياة وعدم البصر. فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنهما عدم الحياة وعدم البصر، وهما من حيثهما كذلك شر. فإذن ليس لهما اعتبار آخر بحسبه يكونان شرين. الشر بالذات هو انعدام القسمين الأولين من الشر العدمي؛ انعدام الضروريات والحاجيات. فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنهما انعدام لأمر ضروري وانعدام لأمر حاجي. فهما شر من جهة انعدامهما، وليس لهما اعتبار آخر بحسبه يكون شرهما، طبيعتهما شرية عدمية.
قال: وأما الحالة وهي عدم الأمور التحسينية، زي ما قلنا، كعدم العلم بالفلسفة والهندسة، فظاهر ذلك أنه ليس شرًا بالذات، بل ليس شرًا أصلاً غالباً، فالناس ماشية أمورهم. انعدام هذا النوع من الفضائل ليس شرًا. فالشر إذًا هو بالذات انعدام الأمور الضرورية أو انعدام الأمور الحاجية.
هذا بالنسبة للشر العدمي. قال: وأما الأمور الوجودية وهو الشر الوجودي، مثل الحرارة المفرطة، فإنها ليست شرًا بالذات بل بالعرض. من حيث إنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة. ويدل عليه أننا لا نجد شيئًا من الأفعال التي يقال لها شر إلا وهو كمال بالنسبة إلى الفاعل، وأما شريته فبالقياس إلى شيء آخر. فالشرور الوجودية ليست شرًا بالذات، بل بالعرض أي بالنسبة إلى شيء آخر.
فمثلاً الظلم يصدر عن القوة الغضبية، والغلبة هي كمالها وفائدة خلقتها، فهذا الفعل بالقياس إليها خير. الظلم يصدر عن قوة كامنة في الإنسان تطلب الغلبة على الآخرين، ولذلك سمي الإنسان ظلومًا جهولًا؛ لأن أودع فيه قوة غضبية تطلب الغلبة، وإذا لم تتزكى بالدين وتضبطها النفس تظلم. فالغلبة هي كمال القوة الغضبية، فهي لا تشعر بالكمال إلا إذا تغلبت، فالفعل الذي تحصل به الغلبة هو كمال خير بالنسبة إلى القوة الغضبية. وهذا معنى قوله إن هذه الأفعال شر هي كمال بالنسبة إلى الفاعل؛ فالفاعل يرى أن ظلمه كمال لقوته الغضبية، فهو يرى أن هذا بالنسبة له خير. وإنما كان شرًا للمظلوم الذي وقع عليه الظلم لفوات ماله وغيره، فهو كمال للفاعل وشر على المظلوم.
وكذلك النفس الناطقة كمالها الاستيلاء على هذه القوة، فعند قهر القوة الغضبية ومنعها وكبتها يفوت النفس ذلك الاستيلاء، فلا جرم أنه كان شرًا لها لعدم اكتمال قوتها.
وكذلك النار إذا أحرقت، فإن الإحراق كمالها. قدرتها على الإحراق هو كمالها، حتى إنك تستهزئ بالنار إذا رأيتها لا تحرق، وتصفها بأنها ضعيفة. فإحراقها كمال لها وخير لها، وإن كان قد يكون شرًا للمحترق فيها. فالإحراق شر بالعرض بالنسبة إلى من احترق فيها، وليس شرًا ذاتيًا؛ لا تستطيع أن تقول الإحراق شر وتسكت.
بخلاف عدم الأمور الضرورية، فهذا شر بالذات، ليس بحاجة أنك تقول إنه شر بالنسبة إلى فلان وليس بالنسبة إلى فلان؛ فوات الأمور الضرورية والحاجية هو شر بالذات. أما الشر الوجودي هو شر بالعرض، فهو بالنسبة إلى شيء ما شر، وبالنسبة إلى نفس الفاعل الذي قام به كمال وخير.
قال: وكذلك القتل وهو استعمال الآلة القاطعة في قطع رقبة إنسان، فإن كون الإنسان قويًا على استعمال الآلة ليس شرًا له بل خير، وكذلك كون الآلة قاطعة هو خير لها، ولكن القتل شر من حيث إنه متضمن لزوال الحياة وهو زوال لأمر ضروري. فالشر الوجودي هو شر لأنه يؤدي إلى شر عدمي؛ أي أن الشر الوجودي يتضمن شرًا عدميًا.
فثبت بما ذكرنا أن الأمور الوجودية ليست شرورًا بذاتها بل بالعرض. هذه المقدمة الأولى في المباحث المشرقية. المقدمة الثانية: أن الأشياء إما أن تكون مادية أو لا تكون. فإن لم تكن مادية لم يكن فيها ما بالقوة، فلا يكون فيها شر أصلًا. وإن كانت مادية كانت في معرض الشر، وعروض الشر لها إما أن يكون في ابتداء تكونها أو بعد تكونها.
أما الأول وهو أن يعرض الشر في الأمور المادية في ابتداء تكوينها، فهو أن تكون المادة التي يتكون منها إنسان أو فرس يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة، فردائة مزاج ذلك الشخص وردائة خلقه.
ليس لأن الفاعل حرم، بل لأن المنفعل لم يقبل.
أما الأول فهو أن تكون المادة التي يتكون منها إنسان أو فرس يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج، رديئة الشكل والخلقة والتكوين. فردائة مزاج ذلك الشخص بالتالي لما يصير إنسانًا كاملًا ويخرج، وردائة خلقه؛ ليس لأن الفاعل الخالق هنا حرم، بل لأن المنفعل، وهو المكان أو المحل أو المادة التي خلق منها، لم يقبل.
لم يقبل يعني ماذا؟ يعني كما قال إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان عدم علم؛ لما قال ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُم مِّن نُّطْفَةٍ﴾ [المرسلات: 20]، لما أخرجكم من بطون أمهاتكم ليس عدم علم، بل عدم قدرة، ثم بعد ذلك تشكل. فهو يقول لك إن المادة التي يتكون منها إنسان أو فرس يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج، رديئة الشكل والخلقة. فردائة مزاج ذلك الشخص الآن، كأنه يصور لك هذا الإنسان وهو في أثناء تشكله، هذه المادة التي شكلت، أو هذه المادة التي شكلت الفرس، نعتبر مثلاً العلقة والمضغة فرضًا، هذه العلقة والمضغة عرض لها من الأسباب أثناء تشكلها ما جعلها رديئة المزاج، رديئة الشكل والخلقة.
قال: فبالتالي لما طلع هذا الإنسان من بطن أمه وصار إنسانًا كاملًا، فوجدت أن طباعه سيئة، في رداءة في مزاجه وفي نمطه، رداءة في خلقه. يقول هنا: هذا بالنسبة لك أنت تراه شرًا، وهذا ليس لأن الفاعل حرم. هو ليس في أشياء وجودية؛ لم يحرم الفاعل وهو الخالق هذا الإنسان في أثناء تشكله، بل لأن المنفعل، وهو المكان والمحل والمادة، لم يقبل.
في فاعل وفي منفعل؛ الفاعل هو الخالق، والمنفعل هي المادة التي يتم تشكيلها، لم تقبل الكمالات. واعتبر أن الفاعل لم يحرم، كأنه يقول إن الله عز وجل لم يمنعك شيئًا أنت تستحق ابتداءً، ليس لأن الفاعل حرمك من شيء هو حق لك، بل لأن المحل لا يقبل.
وهي فكرة أن الله سبحانه وتعالى لم يتفضل، نحن مثلًا نقول إن الله لم يتفضل، لكن في النهاية تركك مع عدميتك. ولماذا تركك مع عدميتك ولم يتفضل؟ لأن المحل لا يقبل. مرت معنا قريبًا فكرة ابن القيم عن لماذا يتفضل الله سبحانه وتعالى على بعض الناس ولم يتفضل على آخرين؟ فكان يقول ابن القيم إن الله سبحانه وتعالى أعلم بالمكان المهيأ لشرعه وأمره، وبين الأمكنة التي ليست هي محلًا للفضل والكرم والعطاء.
هنا في نوع من التشابه، وإن كانت العبارات مختلفة قليلًا، في قضية أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم هذه المادة شيئًا هو من حقها، لكنه لم يتفضل عليها. فلما خلق فلانًا مؤمنًا وفلانًا كافرًا، فرضًا من باب تقريب الصورة، هو تفضله على ذلك بالإيمان، ليس لأنه حرم الكافر من شيء هو من حقه، ولكن لأن محل ومادة هذا الكافر لا تقبل هذا الكمال؛ هذا معنى كلام الرازي.
ولكن لماذا -كما قلت لك ستصل إلى مرحلة ستقف فيها وتقول- هناك مشيئة لله أن يخلق نفوسًا قابلة ونفوسًا غير قابلة؟ لتتم قضية الأسماء والصفات ويظهر أثرها في الوجود، وأن من الحكمة أن يوجد في هذه الطبيعة الإنسانية وهذا الكون الذي يقوم على الاختبار، أن يوجد شر جزئي ليحصل الخير الغالب. هذه الإجابات ليست عند الرازي، هو يقف عند هذه الحدود.
ففهمنا ما معنى لأن الفاعل ليس لأن الفاعل حرم؛ هذا الكافر لما خلق كافرًا ليس لأن الفاعل الخالق حرمه شيئًا من حقه، هو فقط تركه مع عدميته التي ينتج منها الشر والكفر؛ تركه مع عدميته ولم يتفضل لأن المنفعل وهي المادة لم يقبل.
وأما الثاني وهو أن يعرض الشر للشيء بطروء طارئ عليه بعد تكونه، فذلك الطارئ إما شيء يمنع المكمل من الإكمال، مثل تراكم السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذا صار مانعًا من تأثير الشمس في النبات، وإما شيء مفسد مضاد مثل البرد الذي يصل إلى النبات فيفسد بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو.
الحالة الثانية: مادة اكتملت، قضية ابتداء التشكل فهمناها، الآن بدأ في الحالة الثانية وهي أن يعرض الشر للمادة بعد تشكلها. قال: وهو أن يعرض الشر للشيء بطروء طارئ عليه بعد تكونه وتشكل؛ أن يطرأ طارئ، يعني صار في شر بالنسبة لهذا الشيء بعد أن اكتمل.
فذلك الطارئ إما شيء يمنع المكمل من الإكمال، مثل تراكم السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذا صار مانعًا من تأثير الشمس في النبات. هنا يتكلم في هذا المثال عن النبات، فالنبات طلع وتشكل، لكنه ما زال في مراحل نموه، لم يصل إلى مرحلة النضوج التام.
وكذلك أنت كإنسان، بمجرد أن تخرج من بطن والدتك أنت كمخلوق اكتملت أساسًا، لكنك ستنمو رويدًا رويدًا ويكبر حجمك، فخروجك من بطن والدتك هو كمال يحتاج إلى إكمال. وكذلك النبتة بمجرد أن تخرج من الأرض اكتملت أساسًا، لكن هل تحتاج إلى إكمال؟ تحتاج. فيقول لك ما هو الشيء الطارئ هنا؟ الشيء الطارئ هنا هو السحب التي منعت نور الشمس من أن يصل إلى تلك النبتة، فامتنع اكتمالها التام.
وأما الشيء الطارئ الثاني فهو شيء مفسد مضاد.
وأما شيء مفسد مضاد مثل البرد، الآن ما الفرق بين السحب وبين البرد؟ السحب هي منعت وصول الخير، وهي أشعة الشمس. أما البرد فهو نفسه شر وجودي، هو الذي فعل الشر بالنسبة للنبات، وأما شيء هو الذي أفسد النبات بذاته، وأما شيء مفسد مضاد لاكتمال نمو النبات مثل البرد الذي يصل إلى النبات ويفسده، أو يفسد بسبب ذلك استعداد النبات لاستمراره في عملية النشوء والنمو.
فعرفتم أدركتم الفرق بين مثال السحاب والبرد؛ البرد هو بذاته مفسد، أما السحب فهي بذاتها ليست مفسدة، لكنها حرمت النبات من شيء هو خير له، وكلاهما في النهاية شر. يعني في النهاية السحاب بالنسبة للنبات في هذه الحالة كان شراً في هذه الصورة، وكذلك البرد كان بالنسبة للنبات شراً وإن اختلفت طبيعة الشرية.
قال: «وإذا عرفت ذلك فنقول: قد بينا أن الشر بالحقيقة إما عدم ضروريات شيء وإما عدم منافعه، اللي هو الحاجيات». فنقول: الموجود إما أن يكون خيراً من كل الوجوه، أو شراً من كل الوجوه، أو خيراً من وجه وشراً من وجه، وهذا على ثلاثة أقسام.
الموجود إما أن يكون خيراً محضاً، أو شراً محضاً، أو خيراً من وجه وشراً من وجه. وهذا الذي هو الأخير (ما هو خير من وجه وشر من وجه) ما هو على ثلاثة أقسام، فإنه إما أن يكون خيره غالباً على شره، أو يكون شره غالباً على خيره، أو يتساويان خيره وشره، فهذه أقسام خمسة. فأصبحت الأقسام إذاً خمسة: خير محض، شر محض، خير غالب على الشر، شر غالب على الخير، وتساوي الخير والشر. هذه الأحكام التكليفية التي عندنا مثل الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح، هي نفسها تقريباً ولكن في فلسفة أخرى.
قال: «أما الذي يكون خيراً من كل الوجوه فهو موجود، وأما الذي يكون كذلك لذاته فهو الله تبارك وتعالى، وأما الذي يكون لغيره». فالذي هو خير من كل الوجوه هو موجود، وأما الذي يكون كذلك لذاته فهو الله، وأما الذي يكون لغيره.
هل الذي هو خير من كل الوجوه موجود؟ نعم موجود. وهذا الذي هو خير محض، هل هو موجود؟ نقول هو موجود، إما أن يكون الخير المحض لذاته، وهو الله، فالله هو الخير المحض لذاته، وأما أن يكون خيراً محضاً لكن لغيره وليس لذاته، وهذا هو هنا دخل في قضية الفلسفة، وهي العقول والأفلاك عن طريقة الفلاسفة؛ لأن هذه الأمور لم يفتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من كمالاتها، بل حتى ولا تحسينياتها، فهي خير من كل وجه لكن لغيره وليس لذاته.
قال: «وأما الذي كله شر أو الغالب فيه أو المساوي فهو غير موجود». لأن كلامنا في الشر بمعنى عدم الضروريات والمنافع، لا بمعنى عدم الكمال الزائد. هل هناك في هذا الكون ما هو شر محض؟ أو ما هو الشر فيه غالب على الخير؟ أو ما هو الشر فيه مساوٍ للخير؟ قالوا هذا غير موجود.
طبعاً بدنا نفرق إخواني هنا تنبيه بين الأحكام التكليفية من أمر ونهي وبين الأحكام القدرية. في الأحكام التكليفية، لما نتكلم في باب مقاصد الشريعة عن المصالح والمفاسد، في شيء خيره غالب على شره، وفي شيء شره غالب على خيره، وفي شيء تساوى فيه الخير والشر، فهذا في باب الأعمال الاختيارية. أما هنا فهو يتكلم عن الأمور القدرية في الخلق، فعليك أن تفرق بين باب القدر وباب الشرع، فهمتم؟ الكلام هنا عن باب الخلق، أو خلينا نسميه الوجود، نتكلم عن أمور وجودية مش أحكام تكليفية اختيارية.
في باب الوجود نقول نعم، لا يوجد شر محض، حتى إبليس؛ لو شخص قال لك خلق إبليس هل هو شر محض، ولا شر غالب على الخير، ولا شر مساوٍ للخير؟ خلق إبليس خيره غالب على شره؛ لأنه بخلق إبليس وجد الامتحان، ووجد الابتلاء، وقام سوق الدنيا وحصل الاختيار، فالمحصلة النهائية من خلق إبليس ليست شراً محضاً ولا شراً غالباً ولا شراً مساوياً للخير، بل الخير في خلقه ووجوده في هذا الكون غالب على الشر الذي يحصل منه من وسوسته للنفوس والأفعال التي يفعلها العصاة.
فإذا كنا هنا نتكلم في باب الوجود، لا يوجد شر محض، ولا يوجد شر غالب على الخير، ولا يوجد شر حتى مساوٍ للخير. قال ليش؟ يقول لك الرازي قال: لأن كلامنا في الشر بمعنى انعدام الضروريات والحاجيات، لا بمعنى الشر الذي هو انعدام التحسينيات. يعني امشي مع الرازي في طريقته في التفكير؛ قلنا إن الشر هو انعدام الضروريات أو الحاجيات، وهو قال لك ابتداءً إن انعدام التحسينيات لا يعتبر شراً.
قال: «وإذا عنينا بالشر ذلك وهو انعدام الضروريات أو الحاجيات، فلا شك أن ذلك مغلوب، والخير غالب في هذا العالم». قال: «لأن الأمراض وإن كثرت...». تأمل في الأمور القدرية، أكثر الناس مرضى ولا أصحاء؟ نعتبر المرض هو انعدام الصحة، فهو انعدام لحاجة، فهو شر بالذات، لكن لو سألتك: أكثر الناس مرضى ولا أصحاء؟ تأمل في العالم ستجد أكثر الناس أصحاء، مرضى موجودين لكن أكثر الناس أصحاء بدنياً، فإذاً أيهما غالب؟ الغالب هو الخير، الخير غالب على الشر من هذه الجهة.
وكذلك الحرق والغرق والخسف، وإن كانت قد تكثر إلا أنه أيهما أكثر؟ أن الناس تغرق وتحرق، أم أن الناس سالمة من هذه القضايا؟ الناس سالمة، بدليل أنه أنت بالنسبة لك إذا حصل حريق يصير خبراً، لكن إذا لم يحصل حريق لا تأتي الأخبار وتقول: لم يحصل حريق اليوم، بل الخبر يأتي أنه حصل حريق في منطقة كذا أو غرق في منطقة كذا، وهذا يدل على أن هذه هي الأحداث غير الطبيعية التي نسميها الأحداث الطارئة.
وإلا الأحداث الطبيعية في حياة الناس وهي الأكثر، إنه ما فيش غرق، فيش خسف، فيش زلازل، فيش كذا. فهذا أراد أن يثبت به أنه في هذا الوجود الخير في الوجود غالب على الشر.
قال: فأما الذي يكون خيره غالبًا على شره، فهذا فالأولى فيه أن يكون موجودًا. إذاً الخير المحض موجود؟ نعم، هو الله. وهنا خير محض لغيره، وهو العقول والأفلاك على طريقة الفلاسفة. والشر المحض موجود؟ لا. والشر الغالب موجود؟ لا. والشر المساوي للخير في وجوده مش موجود.
شو بقي عندنا نتكلم؟ بقي نتكلم عن الصورة الخامسة، وهو الخير الغالب على الشر. قال: نعم، فهذا هو الموجود، فهذا موجود. قال: فالأولى فيه أن يكون موجودًا لوجهين. الوجه الأول أنه إن لم يوجد فلا بد وأن يفوت الخير الغالب، وفوت الخير الغالب شر غالب، فإذا في عدمه يكون الشر أغلب من الخير، وفي وجوده يكون الخير أغلب من الشر، ويكون وجود هذا القسم أولى.
مثاله: النار في وجودها منافع كثيرة، وأيضًا مفاسد كثيرة مثل إحراق الحيوانات، ولكن إذا قابلنا منافعها بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها، ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح، فكانت مفاسد عدمها أكثر من مصالحها، فلا جرم وجب إيجادها وخلقها.
ترى هنا هو يسلك طريقة التعليل التي ينفيها في أصوله؛ فأنت هنا تفكر على طريقة الفلاسفة والمعتزلة تبحث عن حكم، ومع أن الرازي أشعري وهو رأس من رؤوسهم، بس هو يخالف طرائق القوم في باب الاعتقادات أحيانًا لما يؤصل وهو مش منتبه، أو وهو منتبه، وهذا ما وصفه به كثير ممن جاء بعده، وأن الرجل يضطرب في بعض تقريراته.
المهم هنا ماذا يقول الرازي؟ يقول لك: النار لو جينا نشوف وجودها، النار لوجودها منافع كثيرة، اليوم كل سوق الطاقة والبترول والنفط وهذا العالم كله يحتاج إلى ماذا؟ إلى نار، فالنار أحد مصادر الطاقة الأساسية، لذلك الله امتن علينا بخلقها: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: 71-73].
الله يذكرك بهذه النعمة بعد أن ذكر نعمة الخلق في سورة الواقعة ونعمة الزرع ونعمة الماء، ذكر نعمة النار. إذن النار لها مصالح كثيرة تنتفع بها البشرية، وإن كان في مفاسد تحصل بسببها من احتراق بعض الناس بها. فلو أن شخصًا قال: يا أخي لو أن النار لم تُخلق لأنه في كثير ناس احترقت فيها، ونقول لو أن النار لم تُخلق لاحتراق بسبب على طريقتك لفاتت كثير من المصالح، وفوات هذه المصالح ترى شرًا.
أنت نظرت إلى شر جزئي يحصل بالنار فطلبت ألا تُخلق النار، مش هيك أنت فكرت؟ نقول ماشي، بس لو بدي أمشي مع فرضية عدم خلق النار في المقابل ستذهب كثير من المصالح الأخرى، فسيحصل شر غالب من الجهة المقابلة، يعني كأنك أردت أن يذهب شر جزئي، لكن أقول لك ذهاب هذا الشر الجزئي سيرتب فوات كثير من الخير الغالب على النار، بالتالي سيحصل شر غالب، فعدم خلق النار شره غالب على خيره، فكان وجود النار واجبًا في العقل والمنطق، طبعًا هنا من باب أنها فيها مصالح كثيرة تربو على المفاسد الجزئية التي تتحصل منها.
فهذا معنى قوله: ولو لم توجد النار لفاتت تلك المصالح، فكان فوات تلك المصالح مفاسد، فكانت مفاسد عدم النار أكثر من مصالح عدم النار، ممتاز، لو أردت أن تحسبها بالورقة والقلم، فلا جرم وجب إيجادها وخلقها.
قال: الثاني وهو الذي يكون خيره ممزوجًا بالشر، ليس إلا الأمور التي تحت كرة القمر، ولا شك أنها معلولات العلل العالية، فلو لم يوجد هذا القسم لكان يلزم من عدمها عدم عللها الموجبة لها، وهي خيرات محضة، فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة، وذلك شر محض، فإذا لا بد من وجود هذا القسم.
الآن العلة الثانية، لماذا يلزم أن يكون الخير الغالب موجودًا؟ كما حكينا، الوجه الأول أنه إن لم يوجد فلا بد وأن يفوت الخير الغالب، مثل مثال النار لو لم توجد النار لفات الخير الغالب بسببها. الوجه الثاني الذي يدعم وجود الخير الغالب ما هو؟
قال: الثاني وهو الذي يكون خيره ممزوجًا بشره، ولكن خيره غالب، ليس إلا الأمور التي تحت كرة القمر، لأنهم الآن على طريقة الفلاسفة شو بيقولوا لك؟ الله خير محض لذاته، والعقول والأفلاك التي فوق كرة القمر خير محض لكن لغيره، واللي تحت كرة القمر هو العالم الأرضي، وهذا العالم الأرضي لا يقوم على الخير المحض، يقوم على الخير الغالب على الشر.
فيقول الذي يكون خيره ممزوجًا بالشر ولكن غالبًا بهذا القيد، قال: ليس إلا الأمور التي تحت كرة القمر، وهو العالم السفلي الأرضي. ولا شك على طريقة الفلاسفة -لأن هذا الذي سينتقده ابن القيم عليه- أن هذا العالم الأرضي إنما هو معلولات، استعمال هذه الكلمات خطيرة مثل الرازي على طريقة الفلاسفة المشائين، ما هي؟ العالم الأرضي هو معلول للعلل العالية، مش عندهم الأفلاك يقسمونها إلى تسعة أو عشرة ثم يصلون إلى الله عز وجل، تعالى الله عما يقولون.
فيقول: ولا شك أن هذا العالم الأرضي هو معلول للعلل العالية للأفلاك والعقول التي يقسمونها، فهو معلول لها. فلو لم يوجد هذا القسم وهو الخير الغالب على الشر، والخير الغالب على الشر هو الأرض وهو معلول للعلل العالية للعقول والأفلاك، فلو لم توجد الأرض التي هي محل للخير الغالب على الشر لكان يلزم من انعدام الأرض عدم عللها الموجبة لها، لأدى إلى عدم العقول والأفلاك.
فكأنه يقول: انعدام الخير الغالب على الشر يلزم منه انعدام العقول والأفلاك، والعقول والأفلاك خيرات محضة، فيلزم من عدم العقول والأفلاك عدم الخيرات المحضة، وذلك انعدام الخير المحض شر محض. إذًا، فلا بد من وجود هذا القسم وهو الخير الغالب على الشر من جهة أنه لازم ومعلول لعلة هي خير محض، فإذا لم يوجد المعلول.
هكذا وجهة نظره؛ قال: لم توجد المعلول لم توجد العلة. وإذا لم توجد العلة وهي خير محض، سيوجد شر محض، إذًا لا بد من وجود الخير الغالب على الشر.
فإن قيل: فلما لم يخلق الخالق هذه الأشياء عارية عن كل الشرور؟ فنقول: لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول، وذلك مما قد فرغ منه. وهذا السؤال: لماذا لم يخلق الخالق العالم السفلي -الذي تحت كرة القمر على طريقتهم- برضه خير محض، مثل العقول والأفلاك؟
قال: لو كان كذلك لكان هذا هو القسم الأول، أي إذا كان هذا من الخير المحض، لو كان ما فيش فيه شرور. وقال: «وذلك مما قد فرغ منه»، أي فرغ من أن الخير المحض لا يجوز إلا أن يكون الخالق. فالخير المحض لذاته لا يكون إلا الخالق، وما كان خيراً لغيره -وهي العقول والأفلاك- هكذا شاء الله، وهذا شيء فرغ منه؛ أنه هذا يجب أن يكون فوق كرة القمر بالعقول والأفلاك فقط. كان هذا شيئاً قد فرغ منه، أن هذا الخير المحض ليس إلا هو الخالق، أو ما هو علة للخالق مباشرة وهي العقول والأفلاك.
ممتاز، أنهم يرون أن هذه كلها معلولات أيضاً من هذه الجهة. وبقي في العقل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالباً على شره، وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجوداً.
فإن قيل: فلما لم يخلق الخالق هذه الأشياء عارية عن كل الشرور؟ فنقول: لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول والخير المحض، وذلك مما قد فرغ منه. وبقي في العقل قسم آخر، وكأنه يقول: لماذا لم تكن هذه الأشياء عارية عن كل الشرور؟ قال: لأنه لو كانت عارية عن كل الشرور لكانت هي الخير المحض، وهذا فرغ منه؛ أن الخير المحض هو الخالق سبحانه وتعالى والأفلاك والعقول المتعلقة به فقط. فإذا كان لا مجال لأن تكون خيراً محضاً، فلم يبق إلا القسم الآخر، وهو أن يكون هذا العالم السفلي خيره غالب على شره.
يعني إذا كان هذا العالم السفلي لا مجال لأن يكون خيراً محضاً، فأفضل خيار له أن يكون خيراً غالباً على الشر، لذلك قال: «وبقي في العقل»، كأن هذه متعلقة بالفقرة السابقة؛ لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول، لكانت خيراً محضاً، وهذا فرغ منه، لا يمكن أن تكون خيراً محضاً، فما هو أحسن خيار فيها في الطبيعة العقلية؟ إذن أحسن خيار أنها تكون خيراً غالباً على الشر.
وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجوداً. يعني ممكن واحد يقول لك: طيب لماذا لم يوجد وخلصنا؟ الآن نلاحظ لماذا قال: «وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجوداً»، هو ناقد يطرح تساؤلين: التساؤل الأول: لماذا لم يخلق العالم السفلي خيراً محضاً؟ قال لك: لأنه لو كان خيراً محضاً خالياً من الشرور لكان هو القسم الأول، وهذا فرغ منه أن هذا القسم الأول لا يكون في العالم السفلي.
ثم سيطرح سؤالاً آخر: لماذا لم يخلق أصلاً وخلاص؟ فهمتموه الآن؟ ما دام لا تريدون أن يكون خالياً من الشرور لأن هذا سيجعله خيراً محضاً، وهذا شيء قد فرغ منه أنه لا يكون، فسيُنتقد: لماذا خلقه ما خلقه وانتهينا؟
فسيقول لك: لا، نحن بينا في الفقرة السابقة أن وجوده لوجهين؛ الأول أنه إذا لم يوجد فلا بد وأن يفوت كثير من مصالح الناس، وهو من قضية النار، والثاني أن وجوده هو معلول للعلل العلوية، وإذا لم توجد العلل العلوية -وهي العقول والأفلاك- فذلك شر محض، فلا بد إذن من وجوده، ولا بد وأن يكون فيه شيء من الشر، ولكن الخير غالب فيه. هكذا رتب الرازي الأمر.
قال: «وهذا الجواب لا يعجبني»، لأن لقائل أن يقول: إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله تعالى وإرادته. مثلًا، الاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجباً عن النار، بل الله تعالى اختار خلقه عقيب مماسة النار، على طريقة الأشاعرة. كلام صح، لكن في الفكرة الأشعرية، الأشاعرة لا يقولون إن النار هي السبب في وجود الاحتراق، لكن يقولون إن الله هو الذي باختياره خلق الاحتراق عقيب مس النار للبدن، أو خلق الاحتراق عقيب مس النار للثوب.
وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته، فكان يمكنه أن يختار خلق الاحتراق عندما يكون خيراً، ولا يختار خلقه عندما يكون شراً. قال: «وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار للبدن أو للثوب هو باختيار الإله وبإرادة الإله، أليس ما كان في إمكان الإله أن يختار ويريد خلق الاحتراق عندما يكون خلق الاحتراق خيراً، كأن يحرق النار جسد الكفار فرضاً، ولا يخلق عندما يكون في الاحتراق شر، زي ما حصل مع سيدنا إبراهيم أن الله لم يخلق الاحتراق وقال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾؟ لماذا لا يكون هذا سنة مطردة وليس مجرد معجزة؟».
قال: «ولا خلاص ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه سبحانه وتعالى فاعلاً بالذات لا بالقصد والاختيار». هذه الفكرة التي أراد ابن القيم أن يقول لك أين وصل به الرازي بعقله؛ إنه وصل به عقله أن يصير على رأي الفلاسفة، فقال: «ولا خلاص من هذه المطالبة إلا أن نقول إن الله لما يخلق الاحتراق عقيب النار لا يخلق بمشيئة ولا بإرادته واختياره، وإنما بالذات».
إنه كأنه عمل ميكانيكي، كأنك تضغط على زر فيحدث شيء، كأنه عمل ميكانيكي أن النار إذا لامست جسداً يصير احتراقاً، وأن خلق الله خالق عنده، لكن بطريقة ميكانيكية ميكانيكية، مش بطريقة اختيارية إرادية مقصودة. تعالى الله عما يقولون فيه علواً كبيراً.
يقول: «إلا ببيان كونه فاعلاً بالذات»، فماذا يعني فاعلاً بالذات؟ هي تُفهم اليوم بالطريقة المعاصرة أنه عمل آلي، عمل آلي كأنه ماكينة تنتج وتكبس، وليس أن هناك قصداً واختياراً. ورجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث. ثم عاد ابن القيم ليتكلم.
لما لم يكن عند الرازي إلا مذهب الفلاسفة المشائين القائلين بالموجب بالذات، أو مذهب القدرية المعتزلة القائلين بوجوب رعاية الصلاح أو الأصلح، أو مذهب الجبرية نفاة الأسباب والعلل والحكم، وكان الحق عندهم متردداً بين هذه المذاهب الثلاثة؛ فتارة يرجح مذهب المتكلمين، وتارة مذهب المشائين، وتارة يلقي الحرب بين الطائفتين ويقف في النظارة.
يقول الرازي إنه لم يعرف من هم أهل السنة والجماعة حقيقة ولم يحكم. كان أمامه في أثناء نظره للأمور ثلاث مذاهب: إما أن يختار مذهب الفلاسفة المشائين وهو القول بالديمومة، أو يختار مذهب المعتزلة الذين يرون فكرة التعليل والحكمة وأن الله يجب أن يراعي الأصلح -بس مراعاة الأصلح طبعاً عند المعتزلة بقياس فعل الخالق على فعل المخلوق للأسف- أو أنه يمشي على طريقة الأشاعرة، وهي طريقة الجبر، وأنه كل شيء بالمشيئة.
وأمامه كانت ثلاث اختيارات وهو يؤصل لهذه الأفكار، ما كان ضابطاً محكماً لمذهب أهل السنة والجماعة، أو كان قد لا يرى أصلاً مذهباً بغض النظر عن السبب. فكانت اضطراباته أنه يرجح أحياناً مذهب المتكلمين، وتارة يرجح مذهب الفلاسفة المشائين جماعة أرسطو، وتارة يلقي الحرب بين المتكلمين والفلاسفة، ويقف هكذا بعيداً ينظر، كأنه لم يصل إلى قرار وقناعة، فلذلك بقي ينظر من بعيد. وتارة يتردد بين الطائفتين؛ أحياناً يقرر على طريقة المتكلمين وشوي يقرر على طريقة الفلاسفة، وانتهى إلى هذا المأزق، ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بالتزام طريق الجبرية.
طريق الجبرية قالوا وهي غير مرضية عنده، وإن كانت في كتبه الكلامية يعتمد عليها ويرجع في مباحثه إليها. لذلك أنت إذا نظرت في تفسير الرازي "مفاتيح الغيب" تجد فيه فوائد حقيقية، لكن الذي يجعل الطالب ربما يستصعب الكتاب حتى ينفر منه أحياناً، هو أنه دائماً ما من مكان أو مناسبة يريد أن يؤصل فيها طريقة الجبرية والأشعرية ويرد على المعتزلة إلا ويتكلم. فربما لا أبالغ إذا قلت نصف الكتاب أو 40% من الكتاب هو فقط يريد أن يرد فيها على المعتزلة، فتشعر أن الكتاب ذهبت منه كثير من الإيمانيات والروحانيات. والمشكلة في رد المعتزلة بالطريقة الصحيحة السديدة، المشكلة في رده لإثبات مذهب الجبرية. فهذا معنى كلامه، وإن كان في كتبه الكلامية حتى في التفسير يعتمد على طريقة الجبرية ويرجع في مباحثه إليها.
إذاً، انتهى إلى هذا المضيق ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بالتزامه طريقة الجبرية، وهي غير مرضية عنده وإن كانت في كتبه الكلامية يعتمد عليها ويرجع إليها. أو يلتزم طريقة المعتزلة القائلين برعاية الصلاح، وهي طبعاً متناقضة غير مضطردة، زي ما مر معنا في الدروس السابقة أنه بتناقضوا أحياناً في بعض الجزئيات ولا يكون عندهم إجابات مقنعة.
لم يجد بداً من تحيزه لما انتهى إلى هذا المضيق في مسألة "لماذا الشر موجود؟"؛ التأصيل السابق. لما انتهى أنه يا بتختار مذهب الجبرية أو مذهب المعتزلة، لا طريقة الجبرية أقنعته وشفت غليله، ولا طريقة المعتزلة في رعاية الأصلح شفت غليلك. فلم يجد بداً إلا أن يتحيز إلى أعداء الملة والعياذ بالله، القائلين بأن الله لا قدرة له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم بذاته، وأن الله فاعل بالذات فقط، وهم الفلاسفة المشائين.
في هذا المضيق وفي مسألة الشر، اختار قضية مسلك الفلاسفة المشائين. ومعلوم أن هذه المذاهب بأسرها، سواء الجبرية ولا القدرية ولا الفلاسفة المشائين، باطلة متناقضة، وإن كان بعضها أبطل من بعض. بالتالي، أسوأ المذاهب هو مذهب الفلاسفة المشائين، وأخف منه بطلاناً مذهب المعتزلة، وأخفها من حيث التناقض هو مذهب الجبرية، لكن كلها في النهاية مذاهب سيئة وباطلة.
وإنما ألجأه إلى التزام القول بإنكار الفاعل المختار في هذا المقام، في مسألة الشر، لماذا اختار الفلاسفة؟ تسليمه لهم الأصول الفاسدة؛ أصل قضية الأفلاك والعقول، هذه شو خصتها أصلاً؟ أنت إيش علاقتك بها يا رازي؟ وتسليمك لها من أين أتى؟ وقضية أن الشر والخير هو معلول لتلك العلل العلوية، هذا الكلام من أين أتى في قاموسنا نحن الشرعي؟ المهم واضح أنه تأثر صارخ بالفلسفة.
قال: «وإنما ألجأه إلى التزام القول بإنكار الفاعل المختار»، تسليمه لهم أي للفلاسفة المشائين الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي قادت إلى الالتزام، جعلته يضطر أن يلتزم بعض أنواع الباطل، وهذا إنصاف أنه لم يلتزم مذهب الفلاسفة المشائين تماماً، بل التزم بعض أنواع الباطل الناتج عن مذهب الفلاسفة المشائين، وهم أرسطو وابن سينا وهؤلاء الجماعة.
ولو أعطى هذا الرجل الرازي الدليل حقه، وضم ما مع كل طائفة من الحق إلى حق طائفة أخرى، وتحيز إلى ما جاءت به الرسل؛ لأننا نحن نقول إنه الأشاعرة عندهم جزء من المشهد، لكنهم لا يملكون المشهد كاملاً. الجزء من المشهد الذي نتفق عليه هو أن الله له مشيئة، وأنه فاعل بالمشيئة، وأن الله عز وجل لا يجبره شيء، فهم نظروا إلى مشهد القدر. ولم ينظروا إلى مذهب المعتزلة الذي عندهم الجانب الآخر وهو أن الإنسان له إرادة وأن له اختياراً، وأن الله لا بد أن تعلل أفعاله، بس أخطأوا في فهم كل هذه الأمور.
فعندهم جزء من الحقيقة، حتى الفلاسفة لو بدك تأتي تنظر في مجمل قولهم، في جزء من الحق في كلامهم، وفي جزء كبير من الباطل، أكبر من الباطل الذي عند الأشاعرة والمعتزلة. فيقول لو أنت يا رازي أخذت الحق من هنا ومن هنا عند هذه الجماعات، وأخذته وحده دون ما في كلامه من التخليط، وتحيزت إلى الوحي، وتمسكت بالوحي وإلى ما جاءت به الرسل على علم وبصيرة وتقرير لما جاءوا به؛ أي الرسل بجميع طرق الحق الموجود عند هذه الفرق، الرسل ترى قررت الحق الذي موجود عند هذه الفرق، لكن قررته نقياً عن الباطل.
خلص الرازي من تلك المطالبات مع إقراره بأن رب العالمين فعال لما يريد. ولما وقع في كل تلك المطالبات، هو في الأخير قال: «وهذا الجواب لا يعجبني؛ لأنه يلزم عليه قضية أن الله لماذا...»، وهي المشكلة؛ لماذا لا يخلق الاحتراق دائماً؟ لماذا لا يخلق الاحتراق عندما يكون خيراً؟ وهي ليست مطالبة.
يقول لك: لكن أنت استطعت أن تجيب عن كل هذه المطالبات مع إقرارك بأن الله رب العالمين فعال لما يريد، ولم تجعله موجباً بالذات زي الماكينة. مشكلتك هي أنك اخترت القرار أو العقيدة التي تجعل الله سبحانه وتعالى عما يقولون تصرفاً ميكانيكياً ديناميكياً، وليس فعالاً لما يريد. فيقول: أنت لو اخترت ما جاءت به الرسل وفهمته، لخلصت من تلك المطالبات وأحسنت الإجابة عنها، دون أن تسلب من الله أو تصف الله بأنه موجب بالذات.
ولا بقيت على طريقة العقلاء بأن الله فعال لما يريد، يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته، وأن له المشيئة النافذة والحكمة البالغة. وإن تقدير تجريد النار عما خلقت عليه من الإحراق هي القضية التي عملت لك ضربة قاضية، وتجريد الماء عما خلق عليه من الإغراق، والرياح والنفوس البشرية عما هيئت له وخلقت عليه.
أصلاً أن تكون النار ما فيها إحراق، وأن يكون الماء ما فيه إغراق، وأن الرياح ليس فيها برد؛ أنت لو أردت المجيء بهذه الطريقة، لو خلقت هذه الأمور بغير صفاتها، لكان هذا منافياً للحكمة المطلوبة المحبوبة للرب، ولأن هذا تقدير، فأنت تتكلم إذاً عن عالم آخر غير هذا العالم.
ارجع لابن القيم للطريقة الأولى في التأصيل، وتعطيل الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها؛ وأن تلك الأسباب بها تظهر الحكمة ويظهر الحمد، وموضع تصرفه بخلقه وأمره، وبه يظهر قدرته على خلق المتناقضات من الشيء الواحد. سبحانه، بهذا يظهر صفة الاختيار أصلاً والقدرة أصلاً وكل صفات الله، وقد تظهر جماليتها وعظمتها بهذا الخلق، بهذه الأمور بما فيها من الصفات، وموضع تصرفه بخلقه وأمره. فتقدير تعطيلها، لو أننا قدرنا أن النار لا تحرق، وأن الرياح ما فيها برد، لو قدرنا تعطيلها لتعطل الخلق والأمر، وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالاً لها.
إذا أنت تعتبر أن خلق النار محرق هذا منافٍ للحكمة، ترى خلق النار غير محرق والرياح غير بارد هذا أشد منافاة للحكمة لو أردت التفكير. وقت إضاءة هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، فإن تعطيلها عنها قدح في الحكمة، وتفويت لمصالح هذا العالم التي عليها نظامه وبها قوام؛ هكذا هو هذا العالم، هكذا هي الدنيا.
ولكن الرب سبحانه وتعالى قد يخرق العادة، كما صار في قصة إبراهيم عليه السلام، ويعطلها عن مقتضياتها أحياناً إذا كان في هذا التعطيل مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات؛ كما عطلت النار التي ألقي فيها إبراهيم وجعلها برداً وسلاماً عن الإحراق لما فيها من المصالح العظيمة، وكذلك تعطيل الماء عن الإغراق في قصة موسى عليه السلام، وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه ببعضها؛ هذا كله خرق للعادة أو للسنن الكونية لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود، وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب.
وهكذا سائر أفعاله سبحانه وتعالى، مع أنه شهد عباده بذلك، أنه هو مسبب الأسباب وأن الأسباب خلقه وملكه، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وأثرها، وأن جعلها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك، وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها. وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها.
لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن أثرها وموجباتها، ويقولون: «لا تعطيل في الطبيعة»، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة. ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحلها.
قال: ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور. كل هذه التناقضات؛ إما قوم جعلوا الطبيعة هي الفاعلة وأنها ليست مقهورة للرب، وإما رأي الجبرية المناقض تماماً. قال: «ولا كما يقول من نقص علمه بمعرفة الطبيعة»، فلوغى أن هذه الطبيعة فيها غرائز وأسباب وأن الله أودعها طبائع، وأصبح يقول إن الأمر كله بالمشيئة، ونفى ارتباط الأسباب بمسبباتها، وهذا يقصد به مذهب الجبرية.
قال: فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الظل لحامله وللحرارة. ثم المحذور، أنت هنا وصلت إلى المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال. والآن هو ما زال يرد على الرازي؛ مش قلنا الرازي خلص تبنى فكرة الفلاسفة في هذا المكان وهي قضية الفعل التلقائي.
قال: «ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور». ترى يعني أنت تظن أن اختيارك لفكرة الفلاسفة المشائين قد حل القضية وهربت من كل المطالبات، ترى أنت وقعت في أكبر إشكالية الآن؛ كلامك فوق كل محذور؛ فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور الموجودة في هذا العالم بأسرها لازمة له لزوم الظل لحامله ولزوم الحرارة للنار، لا يمكنه دفعها ولا تخليص الخيرات منها.
أنت جعلتها لازمة للإله لا يمكنه أن يدفعها. فهم فروا من إضافة الشر إلى خلقه ومشيئته واختياره، ثم ألزموه إياها من الجهة الأخرى، كأنك تقول إن الله عاجز عن أن يصرف هذه الشرور؛ ليه؟ لأنه فعل ديناميكي، مش قلنا كبسة بتولد شحنة؟ هكذا تصورتهم، الإله فاعل بالذات فأصبح هذا الشر الإله لا يستطيع أن يدفعه. ففررتم من إضافة الشر إلى خلقه ومشيئته، ثم ألزمتموه إياه وأضفتموه إليه إضافة لا يمكن إزالتها، مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه وعلمه بتفاصيل أحوال عباده. وفي هذا تعطيل ربوبيته للعالمين.
ففروا من محذور، فوقعوا أو التزموا عدة محاذير. واستجاروا من الرمضاء بالنار؛ هذا مثل عربي يقال لمن ذهب من شيء وفر منه فإذا به واقع فيما هو أسوأ منه، فالرمضاء هي الصحراء شديدة الحرارة؛ تخيل رجلاً يهرب من صحراء شديدة الحرارة فإذا به واقع في النار وهي أشد منها. وهذا كما نزهه الجهمية، وفعلك يا أيها الرازي كما فعلت الجهمية عندما أرادت أن تنزه الله عن استوائه على عرشه وعلوه على مخلوقاته، والله فراراً من فكرة التحيز.
والجهة؛ فذهبوا إلى ما هو أسوأ، فجعلوه سبحانه في كل مكان مخالطًا. قالوا: الله في كل مكان، هكذا رأي الجهمية، فجعلوه مخالطًا للقاذورات والأماكن المكروهات وإلى كل مكان يأنف العاقل من مجاورته، ففروا من تخصيصه بالعلو فعمموا به كل مكان.
ولما علمت الفرعونية بطلان هذا المذهب فروا إلى شر منه، فأخلوا داخل العالم وخارجه. هنا بالذات الآن يقصد مذهب الأشاعرة الذين لما رأوا أن فكرة أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان تؤدي إلى مثل هذه اللوازم الفاسدة، فروا إلى شر منه. طبعًا سماهم هنا بالفرعونية، لأن فرعون ماذا قال لموسى؟ ﴿لَأُبَلِّغَنَّكَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ * فَأَطْلَعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [فصلت: 9-10]. فأراد أن يقول إن طريقتكم كما كذبتم علو الله فشابهتم بذلك فرعون في أنه كذب علو الله سبحانه وتعالى.
فهؤلاء الذين نفوا العلو لكنهم رفضوا فكرة أنه في كل مكان، ماذا فعلوا؟ قالوا: إذاً نقول إن الله عز وجل لا داخل العالم ولا خارج العالم. وقالوا: ليس فوق العرش رب يعبد، ولا إله يصلى له ويسجد، ولا ترفع له الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح، ولا عرج بمحمد ﷺ إليه، بل عرج به إلى عدم، صرف ولا فرق بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل سافلين. ومن المعلوم أنه ليس موجودًا في أسفل سافلين، فإن لم يكن موجودًا فوق العرش فهذا إعدام له البتة وتعطيل لوجوده سبحانه وتعالى.
فلما رأت الحلولية وإخوانهم من الاتحادية -أشباه النصارى أصحاب فكرة الحلول أو الاتحاد كجماعة ابن عربي- ما في ذلك من الإحالة، وقالوا كلام الأشاعرة ليس صحيحًا، لا داخل ولا خارج، قالوا: هذا مستحيل. فذهبوا إلى القول الأفسد، قالوا: بل هو هذا الوجود الساري في الوجودات، الظاهر فيها على اختلاف صورها وأنواعها بحسبها. فاعتبر الحلولية عادوا إلى قريب من كلام الجهمية فجعلوا الله في كل مكان، بل جعلوا الله هو كل شيء، هو الوجود المطلق. فقالوا: هذا الكون هو الله، هذا الوجود المطلق هو الله، وأن الله حل فيه، فهو في الماء ماء، وهو سبحانه تعالى الله عما يقولون، في الخمر خمر، في النار نار، وهو حقيقة كل شيء وماهيته.
ربما الجهمية أقرب إلى الحلولية، لكن مشكلتنا في الاتحادية؛ الحل أن الله حل، لكن الاتحادية أسوأ باعتبار أنهم جعلوا اتحاد ذات الله بذات هذا الكون، فالله هو الماء، هو النار، هو كل شيء، وجعلوا وجود كل موجود، خسيس أو شريف، صغير أو كبير، هو نفسه وجود الله، فتعالى الله عما يقول أعداؤه.
وكذلك القائلون بقدم العالم نزهوه، وهم الفلاسفة سواء ابن سينا وغيره أو الفلاسفة المشائين الذين أخذ منهم ابن سينا، نزهوه سبحانه فيما يزعمون عن قيام الإرادات والأفعال المتجددة به، قالوا إن الله لا تقوم به إرادات ولا أفعال، ثم جعلوا جميع الحوادث لازمة له لا ينفك عنها، لأنهم جعلوا أن الله موجب بالذات، فكل ما يحصل في هذا الكون هو فقط شيء ديناميكي ناتج عن وجود العلة الفاعلة وهي الله، ولا يفعل باختياره ولا بمشيئته عندهم.
ونزهوه سبحانه فيما يزعمون عن إرادته لخلق العالم، وأن يكون صدور هذا العالم عن الإله كان عن مشيئة وإرادة، وجعلوه لازمًا لذاته كالمضطر إلى صدوره عنه، كيف الشيء يصدر عنه شيء بالاضطرار؟ فهكذا صدور العالم عن ذات الله كان صدورًا اضطراريًا ديناميكيًا على طريقة الفلاسفة.
وكذلك المعتزلة الجهمية، نزهوه عن صفات كماله حتى لا يقعوا في التشبيه، ثم شبهوه بخلقه في أفعاله؛ لما ذهبوا إلى باب القدر صاروا يبحثون عن الحكم من خلال تشبيه أفعال الله بأفعال الخلق، وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم، فقالوا: الذي يحسن من الله هو الذي يحسن منا، وقبح ما يقبح منهم، فالذي يقبح عند الله هو ما يقبح منا، هكذا فسروها مع تشبيهه بها في سلب صفات كماله.
أنتم لما سلبتهم الله صفات الكمال، ترى أنت شبهته بالجمادات والناقصات. هم لما يقولون إن الله لا يتكلم بذاته، ولا يجوز أن نصفه بالرحمة والغضب لأن هذا تشبيه له بالمخلوق، نقول له: ترى أنت شبهته بمخلوق آخر، لما تنفي عنه هذه الصفات ترى أنت شبهته بمخلوق آخر وهو المخلوق الخالي من هذه الصفات، وهذا تشبيه له بالناقصات.
فإن من فر من إثبات السمع والبصر والكلام والحياة لئلا يشبهه سبحانه بالبشر، فقد شبهه في الواقع بالأحجار التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم. ومن عطله عن صفة الكلام لما يلزم من تشبيهه بزعمه، فقد شبهه بالخرس. أنت إذا قلت إن الله لا يجوز أن يتكلم لأنه هكذا بتشبهه بالبشر، نقول إذاً أنت شبهته بالخرس الذين لا يتكلمون والآفات الممتنع عنها الكلام.
طبعًا ستبقى قضية العرف وقضية العدم والملكة؛ إذ ممكن يقولوا: لا، ما هو نحن لا نصفه أنه أخرس، في نفس الوقت لأن الشيء الذي يوصف بالخرس هو الشيء الذي قادر على الكلام ثم لم يتكلم، أما الله فهو ليس أصلًا محل الوصف بالكلام، فلا يلزم من نفي الكلام أن يشبه بالخرس، طبعًا هذا مخرجهم. طبعًا هذه كلياتها، والتقسيم هو تقسيمهم أنشأوه باختيارهم، قضية التفريق بين العدم والملكة، هذا تقسيمهم أنشأوه حتى يفروا من هذا المأزق، وإلا اللغة العربية لا يوجد شيء يلزم ذلك، من مقتضيات اللغة لا يلزم منها ذلك.
ومن نزهه عن نزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، ودنوه عشية عرفة من أهل الموقف، ومجيء يوم القيامة لقضاء بين عباده فرارًا من تشبيهه بالأجسام، فقد شبهه بالجماد الذي لا يتصرف ولا يفعل ولا يجيء ولا يأتي ولا ينزل. ومن نزهه عن أن يفعل لغرض أو حكمة أو داعٍ إلى الفعل حذرًا من تشبيهه بالفاعلين، لذلك فقد شبهه بأهل السفه والعبث الذين لا يقصدون بأفعالهم غاية محمودة ولا غرضًا مطلوبًا محبوبًا.
ومن نزهه عن خلق أفعال عباده وتصرفه فيهم بالهداية والإضلال وتخصيص من شاء منهم بفضله أو منعه لمن شاء حذرًا من الظلم بزعمهم، فقد وصفه بأقبح الظلم والجبر، حيث يخلد في أطباق النيران من استنفذ عمره كله في طاعته إذ فعل قبل الموت كبيرة واحدة. مشكلة رأي المعتزلة أن الإنسان لو طول عمرك بتطيع وقبل ما تموت زنيت عند المعتزلة...
أنت في الدنيا تعتبر فاسقًا منزلة بين منزلتين، وفي الآخرة خالد في نار جهنم. فإنها بالنسبة لكم يا أيها المعتزلة الكبيرة الواحدة تحبط جميع تلك الطاعات وتجعلها هباءً منثورًا.
أنتم غريب كلامكم؛ أنتم أردتم أن تنزهوا الله عن الظلم فقلتم العبد يخلق فعله بنفسه، حتى تنزهوا الله عن الظلم قلتم أن العبد يخلق فعله بنفسه. لكن من الغريب عندكم أن العبد هذا إذا فعل الطاعات طول عمره وغلط غلطة واحدة -ما نقض التوحيد بس زنى، زنى قبل موته- فإنه خالد مخلد في نار جهنم.
فررتم من الظلم فوقعتم فيه بصورة أسوأ في مكان آخر. وهذا يعطيك تناقضًا؛ كيف تتناقض؟ إنه أنتم معتزلة، مش كانت فكرتكم إنه لماذا العبد يخلق فعله بنفسه هو الفرار من الظلم؟ أليس من الظلم الكبير أنه العبد يطيع الله سبعين سنة ثم يقع في كبيرة من الكبائر عند موته فتقول إنه مخلد في نار جهنم؟ أليس هذا ظلمًا؟
لم ينقض التوحيد، بس وقع في كبيرة، ماشي مشكلة، يا أخي خليه يعذب شوي في النار ويطلع، لكن أنك حكمت عليه بالخلود الأبدي، مش هذا ظلم؟ أنت فررت من الظلم هناك ووقعت في الظلم هنا. هذا يعطيك كيف تتناقض الأقوال التي لم تخرج من مشكاة الكتاب والسنة، ويخلد في جهنم مع الكفار.
طبعًا هذا عندهم الكبيرة التي لم يتب منها صاحبها، هذا قال ما لم يتب منها، إلى غير ذلك من أصولهم الفاسدة. فهذا وأمثاله فروا منه: ﴿وَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 256].
نكتفي اليوم بهذا القدر. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل