دخولتسجيل الدخول

طريق الهجرتين ( لماذا خلق الله الالم (٣)) | برنامج رياض الجنة | المجلس الرابع عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله أيها الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على طريق الهجرتين للحافظ المحقق ابن القيم عليه رحمة الله. وما زال ابن القيم يقود بنا هذه الرحلة الماتعة في تفصيل قضايا القدر، وكيف يكون موقف المؤمن منها، وكيف يفهم الإنسان حكمة الله سبحانه وتعالى في خلق الشر بنوعيه؛ الشر في أفعال العباد أو الشرور المتعلقة بالبلاء والآلام.

هذا حقيقة مشهد عظيم من مشاهد العبودية؛ فعبودية الله سبحانه وتعالى ليست فقط ممارسة الشعائر من الصلاة والزكاة والصيام، فهذا مشهد متعلق بالشرع، لكن هناك مشهد آخر من العبودية مهم جداً أن يتقنه الإنسان وهو موقفه من القدر. كما أنك تتعبد الله بممارسة الشرع، عليك أن تتعبد الله بفهم القدر، ويكون لك نظرة العبد الخاضع لسيده ومولاه، الراضي عن قضائه وقدره، المتفهم لحكمه وغاياته. فهذا باب عظيم من أبواب العبودية نقصر في تعليمه للناس، ولا نظن أن هذه مجرد قضايا ثانوية وهامشية، وأن المطلوب فقط هو أن يصلي المرء ويحقق الصلوات الخمس ويقرأ القرآن والأمور طيبة بعد ذلك. هذا قصور، بل من جوانب العبودية العظمى في حياتنا التي ينبغي أن نشغل بها هي عبودية التأمل والتفكر والتدبر والفهم، كيف يقف الإنسان موقفاً صحيحاً راشداً من باب القدر والمخلوقات لله سبحانه ومن فعل الله عز وجل في هذا الوجود. فإذا فتح الإنسان لنفسه قوة على هذه المعارف، حسن ظنه بالله سبحانه وتعالى وازداد رسوخاً وهمة ولذة بقربه من ربه عز وجل وتعظيماً لله.

هذه الأبواب هي التي تفتح باب تعظيم الله عز وجل أيضاً على القلب، فتعظم الله عز وجل لما تفهم حكمه وأفعاله ومقاصده إذا طرحت بشكل صحيح سوي منسجم مع الفطرة والعقل. فلذلك لا تستطل هذه المسائل ولا تتجاهلها، بل تعبد الله سبحانه وتعالى بفهمها وإتقانها. ووصلنا إلى مناقشة أو عرض ابن القيم لموقف المعتزلة، هذا آخر ما كان في الدرس الماضي، وما زلنا نناقش موقف المعتزلة من باب الشر، وكيف فهموا الشر المتعلق بالآلام. هو أعطاك النظرية كاملة؛ كيف فهموا الشر المتعلق بأفعال العبيد، وكيف فهموا الشر المتعلق بالآلام، ولماذا خلقها الله سبحانه وتعالى، فقال ابن القيم:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين وانصر عبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: «وأطالوا الكلام في الآلام وأسبابها، وما يحسن منها وما يقبح، وعلى أي وجه يقع، وحصروا أنفسهم غاية الحصر، فاستطالت عليهم الجبرية بالأسئلة والمضايقات، وألجئوهم إلى مضايق تضايقوا عنها، وأضحك العقلاء منهم بإبداء تناقضهم، وألزموهم إلزامات لا بد من التزامها أو ترك المذهب. وسأل أبو الحسن الأشعري أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة لأب وأم، مات أحدهم صغيراً، وبلغ الآخر فاختار الإسلام، وبلغ الآخر فاختار الكفر».

توبة أبي الحسن الأشعري من الفكر الاعتزالي؛ أبو الحسن الأشعري كان معتزلياً أربعين عاماً، وكانت أمه بعد وفاة أبيه تزوجت من أبي علي الجبائي، أحد رؤوس المعتزلة الكبار، وتتلمذ على يديه في بداية أمره. لكن هناك نقطة فاصلة في حياة الأشعري، وبعض الناس زعموا أن هذا السؤال هو النقطة الفاصلة التي كركبت الأمور تماماً، أنا لا أعتقد الأمور أنها هكذا تكون، لكن هم يقولون إنه سبب توبة أبي الحسن الأشعري هذا السؤال الذي وجهه إلى أبي علي الجبائي ولم يعرف كيف يجيب عنه. قال: ثلاثة إخوة لأب وأم؛ يعني ثلاثة إخوة أشقاء، مات أحدهم صغيراً، وبلغ الآخر فاختار الإسلام، وبلغ الآخر فاختار الكفر. فاجتمعوا عند رب العالمين، فرفع درجة البالغ المسلم، فقال الصغير الذي لم يبلغ ومات صغيراً: يا رب ارفع درجتي حتى أبلغ منزلة أخي. فقال له الرب: إنك لا تستحق، إن أخاك بلغ فعمل أعمالاً استحق بها تلك الدرجة. فقال: يا رب، فهلا أحييتني حتى أبلغ؟ لماذا ما أطلت عمري حتى أبلغ فأعمل تلك الأعمال؟ قال: كانت المصلحة تقتضي احترامك قبل البلوغ، أنك تموت وأنت صغير، لأني علمت أنك لو بلغت لاخترت الكفر، فكانت المصلحة في قبضك صغيراً.

فصاح الثالث من أطباق النار، الثالث داخل في جهنم، فقال: يا رب، هلا فعلت معي هذا الأصلح؟ يعني ما دمت يا رب رحمت الأخ الصغير فاخترمته صغيراً لأنه لو بلغ لكان كفر ولدخل النار، فهلا يا رب اخترمتني وأنا صغير قبل أن أبلغ وأنت تعلم أنني إذا بلغت سأكفر وأدخل النار؟ فنادى هذا فقال: يا رب، هلا فعلت معي هذا الأصلح وقبضتني صغيراً كما قبضت أخي صغيراً؟ فما جواب هذا أيها الشيخ؟ يعني الآن أبو الحسن الأشعري يسأل زوج أمه: إيش جواب هذا أبو علي الجبائي على طريقتكم في التفكير؟ لأنكم كمعتزلة تفكرون كما يفكر البشر، وتقيسون أفعال الله على أفعال البشر. أنت لو كان عندك ثلاثة أولاد وهك الحال، شو رح تسوي كبشر؟ قال: فلم يحر إليه جواباً؛ تمام؟ يعني لم يعد إليه جواباً، ما عرف، والجبائي لم يحسن الجواب عن هذه المسألة.

قالوا: وإذا علم الله سبحانه من بعض العبيد، خلص هنا انتهت القضية؛ لأنه إذا أبو علي الجبائي بده يمشي على طريقة المعتزلة فعلاً سيواجه مشكلة، لأنه هي القضية هنا أنهم يفسرون أفعال الله كأفعال العبيد، وهو فعلاً على قواعدكم لا يحسن من الخالق أن يفعل كذا، أن يجعل هذا الثالث يبلغ، لأنه يعلم أنه إذا بلغ سيفوت النار، كما أنني لو فعلت هذا مع أحد أولادي وأعلم أنني كان لدي قدرة أني أمنعه وجعلته يكبر حتى يفعل الغلط ويدخل النار، لا يحسن بي. لكن أنت كرجل على طريقة أهل السنة والجماعة أصبح عندك إجابات كثيرة؛ لماذا خلق الله الكفار البالغين ليواجهوا أهل الخير والصلاح؟ وأن هذه مقتضى الأسماء والصفات العلى، لأن أفعال الله حكمها ليست كأفعالي أنا، ما يحسن تقيس أفعال الله على أفعالك. هناك مقاصد وجودية للإله تختلف عن مقاصدنا نحن وكيف نفكر في طريقة حياتنا، الله له أسماء وصفات يريد أن يرى آثارها. هناك كما قلنا القدرة على خلق المتضادات، هناك فكرة إبراز الأولياء والصالحين والشهداء، وهذا يقتضي ويلزم منه وجود الكفار الأشرار الذين يواجهونهم، إلى غير ذلك من الأمور التي سردناها سابقاً.

فأنت لن يكون عندك مشكلة في الإجابة على هذا السؤال لأنني لا أقيس فعل الله على فعلي، لكن الجبائي والمعتزلة عموماً حصروا أنفسهم في التفكير إني لازم أبرر هذا في فعلي أولاً، إذا صلح خلاص بقيس الله عليه، والعياذ بالله، فهذا هو الضعف في معتقد هؤلاء. المهم، نعود إلى قول المعتزلة عموماً: وإذا علم الله سبحانه من بعض العبيد أنه لا يختار الإسلام وأنه لا يكون إلا كافراً مفسداً في الأرض، فأي مصلحة لهذا العبد في إيجاده؟ نعم، قالوا: وأي مصلحة لإبليس وذريته الكفار في إيجادهم؟ مصلحة هذا العبد أن يكون موجوداً إذا كان سيفجر ويكفر، شو مصلحته أن يخلق هذا العبد؟ وأي مصلحة لإبليس وذريته الكفار أصلاً في وجودهم؟ لماذا لم يراع الأصلح في قضيتهم وفي عدم إيجادهم ما دام هو الأصلح؟

فإن قلتم عرضهم للثواب، يعني فإذا قلتم أن الله خلق هؤلاء الكفار وقد كان عرض عليهم الثواب فهم اختاروا الكفر، مش هم طبعاً المعتزلة فكرتهم أن العبد هو الذي يختار ويخلق فعله ويشاء؛ فإذا أجاب المعتزلي فقال: الحكمة من خلق الكافر ووجوده أن الله عرضه للثواب، وقال له فيه جنة، وهو الكافر هو اللي اختار بمشيئته أن يكون كافراً، مش هيك من وجهة نظرهم؟ فإن قيل عرضهم للثواب، قيل لكم: كيف عرضهم لأمر قد علم أنهم لا يفعلونه وأنه لا يقع منهم البتة؟ أنتم يا معتزلة بتؤمنوا بالعلم؟ آه المعتزلة يؤمنون بالعلم، المعتزلة المتأخرون قالوا نحن نؤمن بعلم الله السابق، إذاً بعلم الله السابق هو يعلم أنه حتى لو عرض لهم الثواب وقدمه سيختار الكفر وسيشاؤون الكفر، فهل يحسن في منطق العقل على طريقتكم في التفكير أن أخلق شخصاً وأعرضه للثواب وأنا أعلم مسبقاً أنه لن يسلم؟ يلا جاوبونا على هذا على طريقتكم في التفكير.

ومن هنا أنكر غلاة، فراح غلاة القدرية شو عملوا؟ أنكروا حتى العلم القديم، قالوا: لا لا، هو لا يعلم أنهم سيكفرون، هو عرضهم للثواب وهو سبحانه لا يعلم أنهم سيختارون الكفر، حاشا! كفروا حتى يطردوا مع أفكارهم، وكفرهم السلف على ذلك. ومن أقر به منهم فإقراره به يبطل مذهبه وأصله؛ ليه؟ لأنه إذا قالوا نعم الله يعلم سابقاً، من أقر بالعلم من المعتزلة أبطل أصله، ليه؟ لأنه على أصلك البشر لا يحسن منهم هذا، لا يحسن مني إني أخلي ابني وأنا علمي فيه أنه سيكون مذنباً ومخطئاً ويفعل أشياء كثيرة، ليس يحسن بي أن أوجد شيئاً علمي السابق فيه أنه لن يكون جيداً وأقول يلا أوجدته بس مشان أعرضه للثواب، بس أنا عارف أنه ما راح يعمل إلا خطأ بخطأ.

نقول: لو هذا فعله مخلوق لاستنكر منه؛ أنت ليش عملت هذه الشغلة وأنت عارف أنه عاقبتها سوء؟ لو أنا سألتك: أنت لماذا قمت بهذا التصرف وأنت تعلم أن عاقبته سوء؟ بتقول لي: قلت لعله يكون فيه خير، لا لعله ولا ما لعله، أنت ليه عملته؟ أنت هل تعلم أنه كان فيه خير ولا عالم أنه فيه شر؟ والله بصراحة أنا عالم أنه فيه شر، إذن ليش عملته؟ هي الفكرة بدكم تطبقوها على الإله، هيك طريقة تفكيركم، أنه ليش يا رب خلقت الكفار؟ حتى أعرضهم للثواب. طب يا رب أنت بتعرف مسبقاً يا رب، أنت تعلم مسبقاً أنهم سيكفرون؟ إذا قال نعم، ورط المعتزلة، وإذا قال لا، كفر؛ واحد أمرين، إذا قال لا يعلم مسبقاً أنهم سيكفرون كفر، وهذا ما فعله غلاتهم، وإذا قال لا يعلم مسبقاً أنهم سيكفرون، إذن انتفت الحسن، إذن ليش خلقتهم؟ أنت تعلم أنهم سيكفرون إذا كانت طريقة التفكير في الحسن أن أقيس على أفعال المخلوقين. فهمتم وين المشكلة الضاربة في الفكر الاعتزالي؟

طيب، قال: ومن هنا أو إيه، ومن أقر منهم فإقراره بالعلم يبطل مذهبه في التحسين وأصله في وجوب مراعاة الأصلح، أبطلت أصلك في أن الله يجب عليه أن يراعي الأصلح، لأنه في هذه الطريقة على طريقتك في التفكير لم يراعي الأصلح، هكذا تقولون، وهذا معنى قول السلف: ناظروا القدرية بالعلم. هذه كثير تجدها في الكتب القديمة، تجدهم يقولون كان بعض السلف يقول: ناظروهم بالعلم، فإن جحدوا كفروا، وإن أقروا خصموا. هذه فائدة إخواني أنك تقرأ الكتب المتأخرة، أنه أنت الآن لو عدت إلى كتب المتقدمين تقول أنا ليش أقرأ من ابن تيمية وابن القيم؟ أنا خليني أتجاوز هؤلاء الأئمة وأروح أقرأ مباشرة في كتاب الخلال وفي كتاب اللالكائي وفي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، خليني أنا أقرأ وأنا راح أفهم. لا سامحني، وأنت ما تملك القدرات المعرفية اللي عند ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيرهم من العلماء اللي هم فاهمين مرامي تلك الجمل، فستبقى أنت تقرأ هذه العبارة.

لو أنا مسكتك هذه العبارة وقلت لك يلا أنت لم تقرأ كلام ابن القيم، فهمني ما معنى قول السلف ناظروا القدرية بالعلم، فإن جحدوه كفروا وإن أقروا به خصموا، هسه أنت الجزء الأول سهل، أنت إيش تقول لي؟ يا شيخ جحدوا العلم كفروا واضحة يا أخي أنا أعرف، أنا بدي الثانية هي، كيف إذا أقروا به وخصموا؟ خصموا في ايش؟ راح تضلك تحوص وتحوص وأنت مش فاهم خصموا في شو. آه الآن جاء ابن القيم فهمك كيف سيخاصم، خصموا في قضية مراعاة الأصلح، في هذا خصموا، إيش يعني خصموا؟ أي أفحموا. وإن أقروا بالعلم أفحموا، أفحموا في إيه؟ في أصلهم في وجوب مراعاة الأصلح؛ لأنهم سيأتون أن مراعاة الأصلح عندهم هي بقياس فعل الله على فعل المخلوق، وفي هذه المسألة بالتحديد ما حصل الأصلح على طريقتكم، بالتالي أصبح الله عز وجل لا يجب عليه أن يراعي الأصلح. هذه فائدة أن الإنسان يتربى على كتب الأئمة المحققين من المتأخرين ثم يعود تدريجياً بشكل منطقي إلى كتب المتقدمين، أما هذا القفز هو الذي يورث عندنا سوء الفهم وفهم كلام السلف على كيفه، وهذا فهم كلام السلف أنه بده يكفر، وهذا فهم كلام السلف أنه بده يودع، كلهم يغنون على ليلى في زعمه أنه فهم كلام السلف وفي زعمه أن كل شيء واضح وأنه كل شيء سهل، هذا حقيقة تغرير بطلاب العلم واستسهال.

القضايا المعرفية هي قضايا عقدية فكرية يدب فيها العمق، وأنت تعرف أن السلف لما كانوا يجيبون بهذه الأجوبة هم يجيبون عن أقوام عندهم شبهات. هذا الاعتزال فكر له أصوله وجذوره ومنطلقاته، وهذا طالب العلم المبتدئ المسكين ترى ما يعرف جذور المعتزلة ومنطلقاتها، فكيف توهمه أن كلام السلف بهذه السهولة؟ كلام السلف في شرح أصول الدين الإسلامي سهل لأنه دين الإسلام فطري، لكن في إجاباتهم العميقة على شبهات المتكلمين والجهمية وغيرهم، لا، هذه الإجابات عميقة ومختصرة في كلمتين. أنت تحتاج فترة حتى تفهم هذه الإجابة؛ لأني أريد أن أعرف طبيعة الجدال العقدي الذي كان سائدًا في تلك الحقبة، حتى أفهم ما معنى: وإن أقروا به خصم، محتاج أنت لكل هذا حتى تفهم ما معنى: وإن أقروا به خصم.

قالوا: وأما حديث العوض على الآلام، فالرب تبارك وتعالى قادر على إيصال تلك المنافع بدون توسط الآلام. قالوا: وهذا بخلاف المستأجر، فإن له منفعة وحاجة في توسط تعب الأجير واستيفاء منفعته، فأما من يتعالى عن الانتفاع بخلقه ولا يحتاج إلى أحد منهم البتة، فلا يعقل في حقه ذلك.

قالوا: وأما حديث العوض على الآلام، فالرب تعالى قادر على إيصال تلك المنافع بدون توسط الآلام، وهذا بخلاف المستأجر. الآن هنا الذين قالوا هذا ليس خصومهم، الآن خصوم المعتزلة بدأوا شيئًا فشيئًا يردون عليهم، ردوا عليهم في مسألة وجوب مراعاة الأصلح، ثم بدأوا يردون عليهم بأنه في قضية العوض على الآلام: قالوا لهم ترى إذا بدنا نفكر بقضيتنا هكذا بالشكل المنطقي البشري، الله ألم يكن قادرًا أن يعطيهم العوض بدون آلام؟ إذاً لماذا يؤلمهم حتى يعطيهم العوض؟ هو قادر.

وهذا بخلاف المستأجر، ليه؟ أنا كمستأجر أستأجرك وأجعلك تتعب وبعدين أعطيك، ليه؟ لأنه أنا أنتفع من تعبك، وأنا أجعلك تتعب لتبني لي بيتًا. صح أنت تعبت حتى حصلت مني، بس أنا تعبك أنتفع به كبشر؟ نعم، لكن الله عز وجل هل ينتفع بشيء من تعبنا؟ لا، كيف قست؟ وقياسكم هذا على مسألة المستأجر أنه يتعب ويعطي، بالتالي ما حصل العطاء إلا بعد التعب، بنقول له: هذا يصح في المستأجر لأن المؤجر له مصلحة في تعبه، وأما الله عز وجل سبحانه غني.

عندها قال: وأما وقوع الآلام على وجه العقوبات، فذلك إنما يحسن في الشاهد لحصول التشفي من الجناة وإطفاء نار الغيظ والغضب بالانتقام منهم، وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب وانتفاعه به، وقياس الغائب على الشاهد في ذلك ممتنع. فاحتجوا أيضًا عليهم على مسألة الآلام التي بسبب المعاصي، قالوا: أنتم قلتم يحسن أن أوقع الألم على شخص لأنه عصى، صحيح؟ أنزل به مرضًا لأنه عصى، فقالت الأشعرية للمعتزلة: إنما يحسن هذا في الشاهد أي في البشر، أنا متى آلمك إذا أنت عصيتني أو أسأت لي؟ إذا كان ألمي لك يشفي غليلي منك ويطفي نار الغيظ التي في قلبي تجاهك، وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب، والله ليس محتاجًا للعقاب، وقياس الغائب على الشاهد في ذلك ممتنع.

طبعًا هذه الإجابة برضه عليها منتقضات، وهي قضية أن الله عز وجل نعم حاشاه أن لا يريد أن يتشفى أو ينتفع بالعقاب، لكن يريد أن يظهر آثار أسمائه وصفاته أنه شديد العقاب وأنه منتقم، وليس لأنه سبحانه ينتفع هو بالمعاقبة، فهناك مقصد آخر من الألم الذي بسبب الذنب. فصحيح المعتزلة كلامهم ليس متمكنًا، لكن أيضًا طريقة نظرة الأشعرية المقابلة برضه ليست صحيحة. يعني إذا كانت وقفت على قضية أن الله لا يحتاج نعم، بس ما بعد ذلك، هل الله يعاقب فقط لأنه يعاقب؟ الموضوع أعمق من هيك. نعم الله يشاء كل شيء، لكن العقاب برضه لمصلحة وحكمة، فأنت كطرف مقابل كأشعري إجابتك أيضًا قاصرة، لم تقدم الإجابة الصحيحة لماذا يجعل الله عقوبات وآلامًا بسبب المعاصي والذنوب.

قالوا: وأما الإيلام للاعتبار بأن يعتبر الغير بالألم الواقع بغيره، فيكون ذلك أدعى له إلى الإذعان والانقياد، فلا ريب أن الصبي إذا شاهد المعلم يضرب غيره على لعبه وتفريطه كان ذلك مصلحة واعتبارًا له، ولعله أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثر من انتفاع المضروب، أو حيث لا ينتفع المضروب، بل أكثر من الطالب نفسه الذي يأكل ضربًا. يعني أحيانًا بعض الطلاب تضرب فيه وتضرب، بس مين الذي ينتفع من ضربه؟ الطلاب الآخرون يعتبرون فيه، وهو لا يفرق عنده الطالب المشاغب في المدرسة، قد ما أكل ضربًا. قال: ولكن إنما يحسن ذلك إذا كان المضروب مستحقًا للضرب، فأين استحقاق الأطفال والبهائم؟ صحيح، هي فكرة أنكم تحكون الألم الذي من أجل الاعتبار، أنتم تحكون عن ألم ينزل فيمن لا يستحق الألم مشان يعتبر الغاوي، طب يعني أنا حتى أجعل الغاوي يترك غيه أوقع ألمًا على شخص ما أخطأ؟ إذا بدك تفكر بهذه الطريقة مشكلة فعلًا، لماذا يتألم الأطفال بالسرطان من أجل أن رجلًا كبيرًا عاصيًا ينظر إلى الصبي يتألم بالسرطان فيقول خلص بدي أتوب وأترك؟ يعني إذا بهذا النمط في التفكير لا يصلح من حيث مراعاة الأصلح.

قالوا: وكذلك تمكينه تعالى عباده أن يؤلم بعضهم بعضًا ويضر بعضهم بعضًا مع قدرته على منع المؤلم والمضر، أي مصلحة لمن مكن من ذلك وأقدر عليه؟ وهل كانت مصلحته إلا تعجيزه وأن يحال بينه وبين القدرة على الأذى وضرر العباد؟ الآن أنت كرجل سني كيف هذا ستجيب؟ لماذا سلط الله علينا قوى الإجرام؟ الآن يرجع يقول لك إذا بدك تفكر بطريقة المعتزلة يقول لك لماذا الله سبحانه وتعالى يسلط البشر على بعضهم بعضًا؟ أليس كان قادرًا على أن يمنع هذا؟ أي مصلحة في المنطق أنك كأب مثلًا حتى تحصل المقايسة، أنك كأب تجعل واحدًا من أولادك يضرب الولد الآخر، هل هذا يحسن في العقل؟ لكن أنا كمسلم سني عرفت المقاصد الإلهية، أعلم أن الله يريد أن يستخلص عبوديات من المجاهدين والمرابطين، وأنه يختار أولياء، وأن هذا لازمه وجود هؤلاء الأشرار الذين يتسلطون على الأبرار، هذه طبيعة هذا الوجود، فالإجابات عندك واضحة والإجابات عند الطرف الآخر إجابات غير منطقية وغير سديدة.

قالوا: فهذه الشريعة التي وضعتموها لرب العباد تعالى وأوجبتم عليه ما أوجبتم وحرمتم عليه ما حرمتم وحجرتم عليه في تصرفه في ملكه بغير ما أصلتم وفرعتم بعقولكم وآرائكم تشبيهًا له وتمثيلًا بخلقه فيما يحسن منه وما يقبح، مع أنها شريعة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. فإنكم لم تطردوها، يعني أنتم حتى أصولكم غير مطردة، بل أنتم متناقضون غاية التناقض، خارجون فيها عما يوجبه كل عقل صحيح وفطرة سليمة. فلا التشبيه والتمثيل طردتم ولا بالتعويض قلتم، ولا على حقيقة الحكمة والحمد وقفتم، بل أثبتم له تعالى نوع حكمة لا تقوم به. يعني حتى المعتزلة لا يؤمنون أصلًا بقيام صفات لله في ذات الله، فحتى لما يتكلموا عن إثبات الحكمة والتعليل هم لا يثبتون أن صفة اسمها الحكمة تقوم في ذات الله، وإنما يثبتونها ماذا؟ مجرد شيء يقوم بالمخلوقات، فالحكمة عندهم ليست صفة تقوم في ذات الله؛ لأن المعتزلة تنفي قيام الصفات في الذات الإلهية، وإنما الحكمة في مفهومها الاعتزالي وصف قائم بالمخلوق فقط.

وقدحتم بها في تمام ملكه، كما أثبت له إخوانكم من الجبرية قدرة، وقدحتم بها طبعًا في تمام ملكه من أي جهة؟ من جهة أنكم جعلتم العبيد يخلقون أفعالهم، ففي جانب خلق أفعال العباد أنتم أصلًا أخرجتموه عن ملك الله وهو أفعال العباد، فجعلتم الحكمة سببًا لإخراج شيء عن ملك الله، انظر الإشكاليات التي تحصل، أصل فاسد أدى إلى أصل فاسد آخر ومشكلة عقدية أخرى. كما أثبت له إخوانكم من الجبرية بالمعنى المعاكس قدرة مجردة عن حكمة وحمد، الجبرية أثبتوا القدرة الإلهية بس ما فيها حكمة، ما فيها حمد، وغاية يفعل لأجلها، بل جعلوا حمده وحكمته ما هي؟ لما تأتي للمعتزلة والأشاعرة والجبرية، ومن قالوا لهم إيش هي الحكمة؟ قالوا: الحكمة هي اقتران الأفعال بما اقترنت به من المصالح عادة، التي هي في قضية الاقتران، إنه عند هذا يقترن ويحصل عادة هذا، زي ما العلة في أصول الفقه عندهم، مش يقول لك: العلة مقارنة وليست منتجة. فعندهم أن الحكمة إنه النار اقترن معها إحراق، أن الطعام اقترن معه شبع، مش إنه الطعام سبب في الشبع، هذه هي الحكمة عندهم، الاقترانية. ووقوعها مطابقة لمشيئته وعلمه فقط، إنه هذا الاقتران وقع مطابقًا للمشيئة والعلم، بس هذه هي الحكمة عندهم. فقدحوا بذلك في تمام حمد الله سبحانه وتعالى، حيث ألغوا وجود الحكم الحقيقية. إنه هي عندهم هذا الاقتران فقط لأن الله يريده، وليس لحكمة تقوم في ذات الله، يعني هذا الاقتران بين الاحتراق والنار ليس لحكمة قامت في ذات الله، وإنما هو اقتران قدري شاءه الله، ولا يجوز أن تقول أن هذا الاقتران مقصود وغاية يريد الله منها أن يحصل كذا وكذا، لا، هو مجرد اقتران قدري متعلق بالمشيئة فقط لأن الله يريده، طيب يا جماعة ما يريد بس من أجل حكمة؟ لا ما بيصير تحكي، خلص هو خلقه بس لأن الله يريده. فهذا قدح في تمام الحمد، لأنه تمام الحمد يقوم على أن يمدح الله على حكمه وآلائه وغاياته.

وقام حزب الله وحزب رسوله وأنصار الحق بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير حق القيام، وراعوا هذه الكلمة حق رعايتها علمًا ومعرفة وبصيرة، ولم يلقوا بالحرب بين الحمد والملك، بل أثبتوا له الملك التام الذي لا يخرج عنه شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها، وليس كما فعلت المعتزلة، وأثبتوا الحمد التام الذي وسع كل شيء وشمل كل مقدور، وليس كما فعل الجبرية الذين أخرجوا الأفعال من حكمة الله سبحانه وتعالى، بحيث لم يعطوها حكمة حقيقية. وقال أهل السنة: إن لله تعالى في كل ما خلقه وشرعه حكمة بالغة ونعمة سابغة لأجلها خلق وأمر، ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها، كما يثنى عليه ويحمد لأسمائه الحسنى ولصفاته العليا. فهو المحمود على ذلك كله أتم حمد وأكمله، بما اشتملت عليه صفاته من الكمال وأسمائه من الحسن، وأفعاله من الحكم والغايات المقتضية لحمده، المطابقة لحكمته، الموافقة لمحابيه. فإنه سبحانه كامل الذات، كامل الأسماء والصفات، لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم مطابق للحكمة، موجب للحمد، مرتب عليه من المحاب ما فعل لأجله، فهو فعل لأجل تحقيق محاب، نؤمن بالحكمة والغايات.

قال: وهذا أمر ذهب عن طائفتي الجبرية والقدرية، وحال بينهم وبينه أصول فاسدة أصلوها، وقواعد باطلة أسسوها، من تعطيل بعض صفات كماله، كما عطل الفريقان حقيقة محبته، وقالوا: إنه لا يحب ولا يحب، بل حقيقة محبته عند الجبرية مشيئته وإرادته، ومحبة العباد له إرادتهم لما يخلقه من النعيم في دار الثواب، فالمحبة عندهم إنما تعلقت بمخلوقاته لا بذاته. ولذلك كثير من الأشاعرة والمعتزلة لما عرفوا العبودية ما هي، قالوا هي الخضوع، أو غاية الخضوع أو التذلل، لكن ما أتوا بالجانب الآخر من العبودية وهو الحب، لذلك نحن لما نعرف العبودية نقول غاية الحب مع غاية الخضوع. قضية الحب هذه لن تجدها في تفسيرات الأشاعرة بمعنى العبودية، خلص العبودية خضوع، وهذا ناشئ عن الفكرة أنه لا يصح عندهم أن تقول أن العبد يحب ربه، وأن الرب يحب عبده، ما في عندهم هذه العلاقة، وهذه مرت معنا في كتب سابقة أنه ما بيصير تعبر أنه هناك علاقة محبة، وإنما محبة الله لعبده هي مشيئته وإرادته فقط أن يعطي ويمنع، بس. هذا معنى محبة الله لعباده، ومحبة العباد لله ليست شعورًا داخليًا يقوم في قلبهم تجاه ربهم، بل إرادتهم لما يخلقه من النعيم في دار الثواب، فالمحبة عندهم إنما تعلقت بمخلوقاته لا بذاته، فعندهم ما بيصير تقول أنك تحب ذات الله.

وأن هناك شعوراً في داخلك أنك تحب الذات. ولا إيش المحبة؟ إيش معنى أحب الله؟ معنى أنك تحب الله أنك تريد الثواب الذي ينتظرك في الآخرة. نشفوها تماماً، نشفوا البحر؛ كما يقولون: خلص انتهى.

هذه العبودية خضوع، تذلل، أوعك تفكر بقضية محبة، وإذا بدك تعبر بالمحبة في الكتاب والسنة متى وردت، بدك تفهم أن المحبة هي الإرادة. فهي من الله إرادة أن يعطيك ويمنعك ويمنحك، ومحبتك له إرادتك أن تحصل ثوابه، نقطة. شوف الإشكال.

قال: وحقيقة محبته وكراهيته عند القدرية أمره ونهيه. طبعاً هذه طريقة الأشاعرة التي حكيناها قبل شوي، أما عند المعتزلة فالمحبة ما هي عندهم؟ هي الأمر والنهي. تمام؟ يعني محبة الله للعباد أنه أمرهم بكذا ونهاهم عن كذا، بس. ومحبة العباد لله محبتهم لثوابه المنفصل. فكلاهما متفق الأشعري والقدري والجبري؛ عدم وجود علاقة شعورية تقوم في الإنسان أنه يحب ذات الله سبحانه وتعالى ويشتاق إليه ويأنس به.

قال: وأصل الفريقان أنه لا يقوم بذاته، فأقول هذا ستجد أنه في باب التزكية لا يضطرد عند الأشاعرة. يعني تعال عند واحد أشعري صوفي يفيض عليك من كلمات المحبة والشعور؛ أنت بتتوهم، شيخ معقول أنت اللي بتحكوه أن الأشاعرة لا يوجد عندهم فكرة محبة الله بمعنى أن تقوم في قلبك حب لذات الله سبحانه وتعالى؟ طب مو هي كلام الصوفية اللي معبأ بقضية الحب وكذا؟ أقول ما يقال في التزكية يختلف عن الأصول العقدية، ما يعني خليك فاهم هذه الإشكالية لحتى تبقى مضطرداً ولا تشعر أنه في إشكال في التنظير.

قال: وأصل الفريقان أنه لا يقوم بذاته حكمة ولا غاية يفعل لأجلها، ثم اختلفوا؛ فقالت الجبرية: لا يفعل لغاية أصلاً، وتكيست القدرية بعض التكيس فقالت: يفعل لغاية وحكمة لا ترجع إليه ولا تقوم به. برضه لا تقوم في ذات الله؛ يعني هذه مشكلة المعتزلة أنهم صح أثبتوا الحكمة وقالوا لا لازم في حكمة، بس الحكمة عندكم هل هي صفة تقوم في الله؟ لا، لأن الله عندهم حاشا لا تقوم فيه الصفات. طب شو الحكمة؟ قالوا: هذه وصف يقوم في المخلوق وليس في الخالق، فإنك مخلوق على هذه الصورة، أنت الحكمة، الحكمة فيك أنت، مش الحكمة في ذات الله في خلقك على هذه الصورة، لا كونك على هذه الصورة المعدلة القويمة هذه حكمة قامت في المخلوق.

شيء غريب جداً وأصل الفريقان أيضاً أنه لا يقوم به هذا الأصل، شوف هذا الأصل العقدي، لا يقوم بذاته فعل البتة. ولذلك الأشاعرة عندهم الصفات السبعة والثمانية بعضهم، وكلها أمور ذاتية مش فعلية، فحتى الإرادة وكل شيء نفسي ذاتي. فلا يوجد فعل يقوم في ذات الله لا عند الأشاعرة ولا عند المعتزلة، بل فعله هو عين مفعوله. يعني لما نقول الله عز وجل خالق، هل الخلق فعل يقوم في ذات الله؟ لا، هو نفس المخلوق، الخلق كعملية هي نفس المخلوق، والرحمة هي نفس الإرادة، والرزق هو نفس المرزوق؛ فجعلوا نفس الفعل وهو عملية الخلق، عملية الرزق، عملية المنح، عملية العطاء، جعلوها ليست أفعالاً تقوم في ذات الله بل هي المفعولات والنتائج، فعطلوا أفعالهم القائمة به، وجعلوها نفس المخلوقات المشاهدة التي لا تقوم به، فلم يقم به عندهم فعل البتة.

كما عطل غلاة الجهمية صفاته فلم يثبتوا له صفة تقوم به وإن تناقضوا، لأنه في النهاية لا بد مثلاً أن يقولوا بأن الله موجود، وهذه صفة تقوم به، وإلا مين الموجود؟ فلما يأتي الجهمية يقولون غلاة لا يوجد أي صفة تقوم في ذات الله، رح تتناقض غصباً عنك إلا إذا أنت بتعبد عدماً؛ لأنه أقل صفة ستثبتها الوجود، والوجود صفة، الله بوجوده مش موجود، إذا حكيت موجود أنت انتهى لأن الصفة تقوم في الذات.

وكما عطلت أتباع ابن سينا ذاته فلم يثبتوا له ذاتاً زائدة على وجود مجرد لا يقارن ماهية ولا حقيقة، قالوا الذات الإلهية هي طريقة الفلاسفة المشائين، مش الفلاسفة المشائين يسموها العلة؟ إجا ابن سينا بده يتكايس شوي على قولتهن، فعقلك لا أنا بحكي هي ذات بس هي الذات لا يوجد فيها شيء زائد على الوجود، لا فيها ماهية ولا حقيقة، طب ذات ليست لها ماهية ولا حقيقة، إذن هي عدم. يعني رجعت أنت للمربع الأرسطي أنه مجرد علة فاعلة شيء ذهني وليست ذاتاً حقيقية، لأنه أي ذات لها وجود في الخارج لا بد لها ماهية وحقيقة؛ نحن لا نعرف حقيقة ذات الله سبحانه، نجهلها ولكننا نثبت وجود حقيقة لذات الله. هو لا يثبت ذاتاً لا يقارنها ماهية ولا حقيقة، إذن قل لي إنك أنت ماشي على طريقة أرسطو طاليس أنها علة فاعلة وريح، يعني هذا لف ودوران نحن بنسميه، وهو أنك تتلاعب بالمصطلح من أجل أن يقترب مع نظرية الإسلام لكنه في الحقيقة لم يفعل شيئاً كبيراً.

وأصلت الجبرية أنه تعالى لا ينزه عن فعل مقدور يكون قبيحاً بالنسبة إليه، بل كل مقدور فهو جائز عليه وإن علم عدم فعله فبالسمع، وإلا فالعقل يقضي بجوازه عليه فلا ينزه عن ممكن مقدور إلا ما دل عليه السمع، فيكون تنزيهه عنه لا لقبح في نفسه بل لأن وقوعه يتضمن الخلف في خبره وخبر رسوله. فعند الجبرية من الأشاعرة لماذا الله عز وجل لا يظلم؟ هل الله قادر على الظلم؟ نعم كقدرة. طب لماذا لا يظلم؟ قالوا فقط لأن النص ورد أنه لا يظلم، نقول فقط لأن النص ورد أنه لا يظلم؟ بس لأنه هو قال الله يظلم ولا لأنه أيضاً بالعقل كمالات الإله لا يمكن معها الظلم أو لا يجوز عليها الظلم؟ صحيح؟

فهنا مشكلة الجبرية، قال وأصلت الجبرية أن أي فعل مقدور يكون قبيحاً بالنسبة للإله فإن عدم فعل الإله له إنما يؤخذ بالسمع، فنقول لهم ليس فقط بالسمع، بل أيضاً العقل يدل على أن الله لا يفعل ذلك، لأنهم خلاص هم يقولون بيرجعوا الأمر للمشيئة، وهم الجبرية شغلتهم الشغلة المشيئة؛ فقالوا لو شاء الله لظلم، ولماذا لم يظلم؟ فقط لأن الحديث ورد أنه لا يظلم، نقول ليس فقط لأن الحديث ورد لأنه بالمنطق والعقل الكمالات الإلهية ترفض الظلم، والإله لا بد أن يكون كاملاً فلا يظلم.

قال بل لأنه وقوعه يتضمن الخلف في خبره وخبر رسوله؛ يعني لو قال أنا لا أظلم ثم ظلم لكان الكلام إذاً غير صحيح، كيف تكون الآية ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] ثم هو يظلم؟ فهو لا يظلم حتى لا يقع الخلف، وتكون الآية صحيحة، مش لأنه كمالاته التي دلت عليها العقول تقتضي ألا يظلم؛ فقط لأنه سيكون خلف ولا يكون النص غير دقيق. قال لأنه يتضمن الخلف في خبره وخبر رسوله، وهذا سيؤدي أيضاً إلى وقوع الأمر على خلاف علمه ومشيئته؛ هو علم وشاء أنه لا يظلم، فإذا ظلم، إذاً وقع الأمر على خلاف علمه ومشيئته؛ فإذا ظلم وقع شيء في الوجود على خلاف علمه، برضه هذا السبب. طيب يا جماعة، نحن مؤمنين بهذه الأسباب، بس في شيء أعظم من هيك؛ أن هذا يتنافى مع الكمالات، مش القضية فقط لأنه إذا ظلم سيكون يتنافى مع علمه في نفسه أنه لا يظلم، في شيء كذلك ينبغي أن ينص عليه، أنتم لم تكملوا الإجابة، وهذا نقص وخلل كبير في الإجابات. فهذه حقيقة التنزيه عند الجبرية ومنهم الأشاعرة وغيرهم.

وأصلت القدرية أن ما يحسن من عباده هو الذي يحسن منه، وما يقبح من عباده الذي يقبح منه، مع تناقضهم زي ما حكينا في هذا أصلاً غاية التناقض أنهم لم يضطردوا في كثير من القضايا، في أشياء زي زي السؤال اللي وجهوه للأشعري لأبي علي الجبائي، مش حكينا هو ما عرف يجاوب لأنه ما جاوب إجابة، أي إجابة سيجيبها سيكون عنده مشكلة على طريقته هو طبعاً، لكن نحن أهل السنة ما عندنا مشاكل في الإجابة.

قال فاختلطت هذه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة فروعاً ولوازم كثير منها مخالف لصريح العقل ولسليم الفطر، كما هو مخالف لما أخبرت به الرسل عن الله، فجعل أرباب هذه القواعد والأصول قواعدهم وأصولهم محكمة، وما جاء به الرسول متشابهة. فأصبح هؤلاء لما يأتي يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة أي نص لا يتماشى مع قواعده بأوله؛ زي ما بيفعل الفكر الحداثي اليوم والعلماني، كله بيروح بيأصل لك أقوالاً باطلة في الحريات المطلقة وقضية احترام الأديان، يعمل لك منظومة فكرية خاصة به، فإذا أتيت له بنص من الكتاب والسنة أو من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام يخالف ما يعتقده وما أصله بهواه بيجي بيقول لك لا هذا النص أنت مش فاهمه صح، وبيطلع بيتفلسف على شاشات التلفاز وهو صارت نصوص الكتاب والسنة متشابهة ويردها إلى عقله ومنطقه ومنظوره هو. أما أنه ينطلق من الكتاب والسنة فيجعلها هي الأصول ثم يرد عقله ومنظوره إليها، لا هذا عيب هكذا، نسأل الله السلامة والعافية، نسأل التمسك بالسنة.

ثم أصلوا أصلاً في ردي هذا المتشابه إلى المحكم، تعالوا نشوف ايش عملت الجبرية والقدرية في رد المتشابه اللي هي الوحي، الوحي متشابه وعقولهم المحكمة؛ فبنشوف ايش أصلهم وقالوا: الواجب فيما خالف هذه القواطع العقلية بزعمهم من الظواهر الشرعية أحد أمرين: إما تخريجها على ما يعلم العقلاء أن المتكلم لم يرده بكلامه من المجازات البعيدة والألغاز المعقدة ووحشي اللغات والمعاني المهجورة التي لا يعرف أحد من الأعراب عبر عنها بهذه العبارة ولا تحتملها لغة القوم البتة، وإنما هي محامل أنشأوها هم ثم قالوا نحمل اللفظ عليها، فأنشأوا محامل من تلقاء أنفسهم وحكموا على الله ورسوله في إرادتها بكلامه فأنشأوا منكراً وقالوا زوراً.

الطريقة الأولى لهم قالوا ايش نعمل؟ أي نص في الكتاب والسنة مش موافق مع عقولنا وقواعدنا بدنا نعطيه مجازاً، أعطيه إبرة مجاز تعطيه حتى لو كانت إبرة المجاز بعيدة جداً مش مشكلة، اليد أعطها أي معنى عبئ بها الفراغ، القدم حط فيها أي فراغ، كل هذه آيات الصفات، آيات القضاء والقدر، المهم أن نجد توليفة لنخرج النص عن ظاهره، لأنه ظاهره يتعارض مع قواعدنا، فجعلوا قواعدهم طواغيت عبدوها من دون الله، وأعادوا إليها ماذا؟ تحريفاتهم لنصوص الكتاب والسنة؛ فكما قال لم يرد بكلامه مجازات بعيدة، ألغاز معقدة، وحشي اللغات يعني. يا أخي مستحيل يكون النص بهذه الطريقة المعقدة بتقول لبعضهم، والمعاني المهجورة والمجازات التي لا يعرف أحد من العرب عبر عنها بهذه الطريقة من العبارات ولا تحتملها لغة القوم العرب البتة، وإنما هي محامل أنشأوها هم ثم قالوا نحمل اللفظ عليها، فأنشأوا محامل من تلقاء أنفسهم وحكموا على الله ورسوله أنه هذه الأشياء هي مراد الله وكلامه، فقالوا قولاً منكراً وزوراً.

فإذا ضاق عليهم المجال وغلبتهم النصوص وبهرتهم شواهد الحقيقة من اطرادها، يعني متى كيف بهرتهم شواهد الحقيقة؟ الاطراد؛ استوى على العرش سبع مرات استوى على العرش، ولا مرة قال استولى على العرش، سبع مرات النص مضطرد بنفس الطريقة. يا أخي أنت لو مرة واحدة قال استولى على العرش لكان تناقشنا معك، لو كان قلنا والله في مرة قال استولى وستة قال استوى، يا سيدي ها هي الستة مبرودة ممكن نفكر معك، بس أخي سبع مرات، طب لماذا؟ يعني اضطرد النص بهذه الطريقة؟ فتروح تحملها على أن استوى يجوز أن تأتي في اللغة على معنى استولى، وهو نعم قد يكون أحد المعاني التي ذكرها ابن جرير الطبري أنه قد تأتي استوى بمعنى استولى، بس كم حجم هذا في اللغة؟ وهل هذا هو سياق استوى استولى إذا كان متعدي بعلى؟ يعني أنت عندك أسئلة.

المهم فاطراد النصوص باتجاه معين، وعدم فهم العقلاء الذين لم يتأثروا بشبهاتهم، العقلاء لا تفهم سوى هذه الظواهر، ومجيئها على طريقة واحدة كما قلنا، وتنوع الألفاظ الدالة على هذه الحقيقة؛ يعني علو الله سبحانه وتعالى فوق سماواته، كم نص ونص، وكم شاهد وعبارة، يا أخي كلها بتشير بنفس الاتجاه، يعني أكثر من ألف دليل يشير بهذا الاتجاه، ومع ذلك أنت المطلوب أنك الألف دليل تأولهم، حتى يبقى عقل الأشعري على أن الله عز وجل ليس فوق السماوات، يعني كل هذه الأدلة المتظاهرة فطرة وعقلاً ونصوصاً أنا مطلوب مني أولها؟ أما أني أشكك في مقدار عقلك وأنه أنت مش فاهم السالفة، لا هذا عيب، لأنه أنت شككت في مسلمات العقول، طبعاً هي خرافات العقول وأوهامها التي أخذوها من فلسفة اليونان.

قالوا من اطرادها وعدم فهم العقلاء لها ومجيئها على طريقة واحدة وتنوع الألفاظ الدالة على الحقيقة واحتفافها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك يقطع.

كل سامع بأن المراد حقيقتها وما دلت عليه، قالوا الواجب ردها وألا يشتغل بها. كل هذه الأمور، يعني ولو ألف دليل، ردوها ولا تشتغلوا بها. أشتغل بإيه؟ بعقل الرازي وبأفكار الغزالي وبكل هذه الشبهات التي أتوا بها. وإن أحسنوا العبارة والظن قالوا: الواجب تفويضها وأنك لعلمها إلى الله من غير أن يحصل لنا بها هدى أو علم أو معرفة بالله وأسمائه وصفاته.

هذه الطريقة الثانية. إذا الطريقة الأولى تسمى طريقة التأويل، والطريقة الثانية طريقة التفويض. الذين قالوا إنه الواجب تفويضها، أن نقول إن الله مثلًا له وجه أو له يد، أو مستوٍ على العرش، نفوض. حتى تفهم التفويض، التفويض هو أن يفهم ما معنى استوى، كلمة استوى كاستوى على العرش كمفهوم عام، ويعرف أنه معنى استوى على العرش، لكن ما حقيقتها في الواقع الخارجي، هذا يفوضه إلى الله سبحانه وتعالى من غير أن يحصل لنا بها هدى أو علم أو معرفة نضيفها إلى معارفنا من أسماء الله وصفاته، أو ننتفع بها في باب واحد من أبواب الإيمان بالله، وما ينزل عن، بل نجري ألفاظها على ألسنتنا، ولا نعتقد حقيقتها. ليه؟ لأنه هذه الحقيقة مخالفة للقواطع العقلية التي نحن نؤمن بها.

فسموا أصولهم الفاسدة وشبههم الباطلة، التي هي كبيت العنكبوت بل أهون والله، وكما قال فيها القائل: شبه تهافت كالزجاج تخالها حقًا وكل كاسر مكسور. أي شبه تتهافت وتتساقط كالزجاج، كيف الزجاج بس اعمل نقرة واحدة يتكسر، هذه هي شبه الأشاعرة والمعتزلة، كبيت العنكبوت؛ أنت تخالها حقًا وبنيانًا صلبًا، وكل كاسر مكسور، كلها متكسرة فوق بعضها البعض. سموا هذه الأصول الفاسدة قواطع عقلية، مع اختلافهم فيها وتناقضهم فيها، ومناقضتها لصريح المعقول الصحيح الذي يوافق الفطرة وصحيح المنقول. وسموا كلام الله ورسوله ظواهر سمعية، إزالة لحرمتها من القلوب، وأنت لما تسميها يا أخي هذه ظواهر سمعية، ماذا يحصل في ذهن القارئ والمتلقي؟ ترى أضعفت قيمة الوحي يا أخي، ترى أنت تضعفه، أنه صار الوحي أضعف من عقلك.

أنت تملك القواطع العقلية، والوحي طلع عبارة عن مجرد ظواهر سمعية، إزالة لحرمتها من القلوب، ومنعًا للتعلق به، والتمسك بحقيقته في باب الإيمان والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته. فعبروا عن كلامهم بأنه قواطع عقلية، فيظن الجاهل بحقيقة كلامهم أنه إذا خالف كلامهم فقد خالف صريح المعقول؛ يعني إذا قلت أن الله فوق السماوات يا أخي أنت أتيت ما لا تأتي به العقول، وحجمت وجسمت، وأنت بتسمع الكلمات الفخمة التي تشعر كأنك فعلت كارثة كبيرة أن أثبت علو الله على مخلوقاته، وخرجت عن حد العقل وخالف القاطع. وعبروا عن كلام الله ورسوله أنه ظواهر، فلا جناح بالتالي يعني كلام الله ورسوله سهل يا أخي، شو بدك تعمل فيه؟ بدك تأوله يا أخي أوله، بدك تفوضه فوضه، يعني هو كلام الله ورسوله هين لهذه الدرجة أنه أي واحد يتصرف فيه؟

يعني كيف أقول لك، عندك بضاعة مش عارف شو تسوي فيها يقول لك والله يا شيخ أنا أتصرف بها، هذا الواقع صرفها. بدك تأولها أولها، بدك تفوضها فوضها، المهم أنك لا تشغلني بها، خلنا محافظين على القواطع العقلية. شوف هذه الجريمة الكبرى التي حصلت عند الفرق. وبعض الناس يقول لك لماذا تناقش في أصول الاعتقاد؟ لأنه أنت ما تعرف شيء، ترى الذي يقول أن الخلافات اجتهادية ترى هو ما يعرف، هذا أكثر عذر يمكن أن أسمح له به، أنك ما تعرف، يعني خلاص أنت واضح أنك ما أنت قارئ ولا تعرف ماذا ينتج عنها من الخلل والإشكالات. طبعًا وأنك تريد رأب الصدع ولم الأمور جزاك الله خير، لا بد أن يوضع كل خلاف في سياقه الطبيعي ونعرف متى نلتقي وأين نلتقي، لكن في النهاية من تعظيم الله ورسوله أن يعرف الحق أنه الحق، ويعرف الباطل أنه باطل.

ويعرف أنه لا يمكن أنك تقول أن هذا خلاف اجتهادي؛ لأنه معنى أنه اجتهادي ما معناه أن قولي صواب يحتمل الخطأ وقوله خطأ يحتمل الصواب، والطرف الآخر قوله خطأ ولا يحتمل الصواب بوجه؛ لأن هذا انتقاص لجلال الله وتناقض في البناء العقدي وتفرز كثير من التشوهات الفكرية. وحتى في مواجهة الملاحدة والعلمانية والليبرالية، لو أن الملاحدة والليبرالية والعلمانية اليوم كانوا على طريقة الملاحدة الأقدمين لتطاولوا على كثير من أهل الإسلام اليوم، لكن الحمد لله أنهم مش عارفين كثير من القصص الموجودة في الفرق، أنهم يعني ما عندهمش اطلاع عميق على صلب الأفكار الاعتزالية والأشعرية، وبالتالي إحنا قاعدين نلم بعضنا البعض ونكون أمة واحدة، وإلا لو عرفوا عمق الإشكال في بعض المذاهب والفرق الإسلامية، كما قال ابن تيمية لتطاولوا علينا.

قال له أنت بتنكر علي الليبرالية والحداثية؟ طب الفكر الحداثي يقول للأشعري يعني هو أنت ليش شايف عندي مشكلة؟ طب وأنت بتأول وأنت بتفوض، يعني هو حلال عليكم حرام على الطير؟ زي ما أنت بتأول أحيانا على مزاجك وعلى ذوقك وإن أنت حابب تصرف النص بطريقة، لماذا حرام علي إني أنا أول وأنتج فكر وتجديد في فهم النص؟ شوف التطاول سيكون واضح من الحداثيين على الفكر الأشعري والتفويضية والمعتزلة وغيرهم من أهل الضلال والبدع. وعبروا عن كلام الله ورسوله بأنه ظواهر، فلا جناح على من صرفه عن ظاهره وكذب بحقيقته واعتقد بطلان الحقيقة، بل عندهم مش بس لا جناح بل هذا هو الواجب، أنه أبطل الدلالات التي تتعارض مع أفكارنا العقدية.

وقد أشهد الله سبحانه عباده الذين أوتوا العلم والإيمان أن الأمر بعكس ما قالوا، وأن كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم هو الشفاء والعصمة والنور الهادي والعلم المطابق لمعلومه، وأنه هو المشتمل على القواطع العقلية السمعية والبراهين اليقينية، وأن كلام هؤلاء المتهوكين الحيارى المتضمن لخلاف ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم هو الشبهات الفاسدة والخيالات الباطلة، وأنه كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب. وهؤلاء هم أهل العلم حقًا الذين شهد الله سبحانه لهم به فقال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: 6].

صدقني هذا الخلاف العقدي على ما فيه من الشر الذي يحزن هو الذي يجعلك تزداد يا أيها السني تمسكًا بعظمة الكتاب والسنة، واعتزازًا بها؛ لأنك رأيت الذين ذهبوا إلى عقل اليونان ماذا خرجت معهم من الأمور المتناقضة المضحكة، ومن تمسك بالكتاب والسنة كيف بقي مضطردًا واضحًا، عقيدته فطرية جلية لا يشعر معها بأي ارتباك وقلق. ومن سواهم من الصم والبكم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ﴾ [الرعد: 19]. لا يشاهد القواطع السمعية ولا يرى هذا النور الإلهي يتجلى ما بين هذه النصوص، إنما يتذكرون كما أنما تذكروا أولي الألباب وكان ما شهدوه من ذلك بالعقل والفطرة لا بمجرد الخبر.

يعني أهل السنة والجماعة الذين عرفوا معاني الكتاب والسنة حقًا وهم لم يؤمنوا بها فقط لأن الخبر ورد بها، بل أصبحنا نرى معاني الكتاب والسنة بالفطرة والعقل أنها مستقيمة في المنهج المعرفي، بل جاء إخبار الرب تبارك وتعالى وإخبار رسوله صلى الله عليه وسلم مطابقًا لما في فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة فتضافر على إيمانهم به الشريعة المنزلة، فاجتمع العقل والفطرة والشريعة المنزلة. إذاً فتضافر على إيمانهم به الشريعة المنزلة والفطرة المكملة والعقل الصريح، فكانوا هم العقلاء أحق، وعقولهم هي المعيار.

قضية معيارية العقل؛ عقل مين هو المعيار؟ العقل الموافق للكتاب والسنة ولظواهر النص. هذا كلام دقيق هنا؛ العقل المعياري هو الموافق لظواهر الكتاب والسنة؛ لأنه لا يمكن أن الله سبحانه ينزل كتاب هدى للناس وتكون ظواهره هي المشكلة وتأويلاته هي الصحيحة. لا بد إذا كان الكتاب والسنة هدى للناس أن تكون ظواهره هي الهدى، فالعقول التي توافق الظواهر هي العقول التي يحاكم إليها؛ لأنه هذا طبيعة أن يكون الكتاب هدى للناس. قال فمن خالفها، خالف هذه العقول الموافقة لظواهر الكتاب والسنة، فهو الذي خالف صريح المعقول والقواطع العقلية. ومن أراد معرفة صحة هذا فليقرأ كتاب شيخنا وهو بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح، الذي هو كتاب درء تعارض العقل والنقل، فإنه كتاب لم يطرق العالم له نظير في بابه.

فالاحتفاء الكبير من ابن القيم بكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية -وإن كان الكتاب في اعتقادي ما زال يحتاج إلى تحقيقات أفضل- كتاب عظيم، لكن يحتاج إلى تحقيقات أفضل، بس كتاب يعتبر هو الأعلى في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية. لا ينشغل به طالب العلم المبتدئ ولا المتوسط، وإنما هذا للمنتهي، يحاول فيه ابن تيمية أن يبين أين هي الموافقات العقلية الصحيحة الصريحة للنقول الصحيحة، وأنه كل ما خالف ذلك ليس هو عقلاً صحيحًا، كل ما خالف النقل ليس هو العقل الصريح وإن زعم صاحبه أنه العقل الصريح. طبعًا بالتفاصيل والدخول في جذور الفرق ومنطلقاتها وعلى طريقة ابن تيمية التوسعية.

قال: فإنه هدم فيه قواعد أهل الباطل من أسها فخرت عليهم سقوفه من فوقهم، وشيد فيه قواعد أهل السنة والحديث وأحكمها ورفع أعلامها وقررها بمجامع الطرق التي تقرر بها الحق من العقل والنقل والفطرة والاعتبار، فجاء كتابًا لا يستغني من نصح نفسه من أهل العلم عنه. فجزاه الله عن أهل العلم والإيمان أفضل الجزاء، وجزى العلم والإيمان عنه كذلك؛ لأن العلم والإيمان هو الذي أوصله إلى هذا الكتاب إلى هذه المعاني، فجزى الله العلم والإيمان عنه، لأن ابن تيمية ليس بذكائه الشخصي، بل بإيمانه والعلم الذي أخذه من الوحي توصل إلى هذه القواعد، فشكرًا للعلم والإيمان الذي حل في عقله وقلبه أن هدى ابن تيمية إلى هذه الموافقات العجيبة.

ثم قال: عدنا إلى تمام الكلام في كيفية دخول الشرف القضائي الإلهي نتركه إلى درس آخر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.