بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا، وعلى آله وصحبه ومن لاجئ اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التاريخ على كتاب طريق الهجرتين للحافظ ابن القيم عليه رحمة الله، وما زال حديثنا منصباً على معرفة أثر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى في تحقيق مقامات العبودية. وصلنا إلى قوله: فصل والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء، فهو موصوف بالرضا والغضب، والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والرحمة والانتقام. فاقتضت حكمته تعالى أن خلق داراً لطالبي رضاه العاملين بطاعته، المؤثرين لأمره، القائمين بمحابه، وهي الجنة. وجعل فيها كل شيء مرضي، وملأها من كل محبوب ومرغوب ومشتهٍ ولذيذ، وجعل الخير بحذافيره فيها، وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات والأقوال.
وخلق داراً أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه، المؤثرين لأغراضهم وحظوظهم على مرضاته، العاملين بأنواع مخالفته، القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال، الواصفين له بما لا يليق به، الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله، وهي جهنم. وأودعها كل شيء مكروه، وشحنها من كل مؤذٍ ومؤلم، وجعل الشر بحذافيره فيها، وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال. فهاتان الداران هما دار القرار.
وخلق داراً ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزود المسافرون إليهما وهي دار الدنيا. ثم أخرج إليها من آثار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما وما يستدل به عليهما حتى كأنهما رأي عين. أخرج إلى الدنيا من آثار الجنة والنار بعض ما اقتضته أعمال أربابهما؛ يعني أهل النار أعمالهم هي الأمور التي تسخط الله، فكان الله عز وجل أخرج إلى الدنيا من أعمال أهل النار ما يكون دليلاً على وجود النار، وأخرج من أعمال أهل الجنة ما يكون دليلاً على وجودها؛ حتى كأنهما رأي العين. كأنك ترى الجنة والنار في هذه الحياة رأي العين. فمن يرى أخلاق اليهود وماذا يفعلون في العالم اليوم من الشر يعرف أن هناك أناساً خلقوا للنار، ومن يرى كثيراً من الأبطال والباذلين والمقدمين لدين الله والشهداء والصالحين يعرف أن هناك أناساً خلقوا للجنة، وأنه لا يستعير في عدل الله سبحانه وتعالى أن يستوي هذا وهذا عند الله عز وجل.
ليصير للإيمان بالدارين -وإن كان غيباً- وجه شهادة تستانس به النفوس وتستدل به. فأخرجه سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور الجميلة وسائر ملاذ النفوس ومشتهاها ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الجمال والكمال. فإذا رآه المؤمنون ذكرهم بما هناك من الحبرة والسرور والعيش الرخي، كما قيل: إذا رآك المسلمون تيقنوا حور الجنان لدى النعيم الخالدين. فشمروا إليه وقالوا: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، وأحدثت لهم رؤيته عزمات وهمماً ووجداً وتشميراً؛ لأن النعيم يذكر بالنعيم، والشيء يذكر بجنسه. فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال: موعدك الجنة، وإنما هي عشية أو ضحاها؛ نقول الملتقى الجنة.
فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمة من الله؛ إذ يشوق بها عباده المؤمنين إلى تلك التي هي أكمل منها، وزاد لهم من هذه الدار إليها، فهي زاد وعبرة ودليل وأثر من أثر رحمته التي أودعها تلك الدار. فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه، ويثير ساكن عزماته إلى تلك، فنفسه ذواقة تواقة؛ إذا ذاقت شيئاً منها تاقت إلى ما هو أكمل منه، حتى تتوق إلى النعيم المقيم في جوار رب الكريم. وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضاً من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك؛ مع أن ذلك من آثار النفسين الشتائية والصيفية اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما.
فالآثار التي خرجت من الجنة إلى الدنيا والآثار التي خرجت من النار إلى الدنيا هي ليست فقط أعمال الشر وأعمال الخير، بل حتى المحن والعقوبات وما شابه ذلك؛ يعني ما يجريه الله عز وجل من الرخاء أو الشدة في هذه الحياة الدنيا أيضاً يستدل به على الجنة والنار. فهو يقول لك: أنت في الدنيا عندما ترى الأنهار الجميلة والفواكه الطيبة، هذا أيضاً من الآثار التي يستدل بها على الجنة. وكذلك الله عز وجل عندما أخرج من آثار غضبه عقوبات وآلام ومحن، كأن ترى ماءً ساخناً يحرق، ترى ناراً في هذه الحياة، وهذه أيضاً تستدل بها على وجود النار يوم القيامة. فاقتضت بذينك النفسين آثاراً ظهرت في هذه الدار كانت دليلاً وعبرة عليها، وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في نار الدنيا: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: 73]، تذكرة تذكر بنار الآخرة، ومنفعة للمقوين، وهم المسافرون؛ يقال أقوى الرجل إذا نزل بالقواء والقواء وهي الأرض الخالية. وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين تنبيهاً لعباده على أنهم كلهم مسافرون، وأنهم في هذه الدار على جناح سفر، ليسوا مقيمين ولا مستوطنين، وأنهم عابر سبيل وأبناء سفر.
والمقصود أنه سبحانه أشهدهم في هذه ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر. وهذا الكلام في سياق حديثه عن لماذا خلق الله سبحانه وتعالى الشر من الجنس الثاني، وهو الشر الذي هو الآلام، أن من حكم خلق الأمراض والأوبئة والآلام في هذه الحياة الدنيا أن يتذكر الإنسان الدار الآخرة. بالتالي خلقها لحكمة، فلو كانت هذه الآلام والأمراض والشرور فائدتها أن تبقى متذكراً للدار الآخرة، فالحمد لله الذي أعطانا ما يذكرنا بالآخرة. ولذلك الإنسان سبحان الله لما تأتيه ساعات البلاء الشديد تهون عليه الدنيا؛ فعندما يكون الإنسان في حالة من الرخاء ورغد العيش والراتب العالي ينسى، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]، فإذا امتحن بامتحان شديد أو نزلت به بلية يجد أنه يبدأ يتذكر الآخرة، ويهون على نفسه هذه الدنيا بتذكر أنها دنيا وتنتهي، ففعلاً البلايا يقودك الله عز وجل بها إلى الدار الآخرة ويعرفك بها وبدناءة الدنيا.
وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطاً يسوق بها عباده المؤمنين؛ كأنه هناك تعرف كيف الدواب لما يجيء الراعي يضرب هنا وهنا حتى يسوقها، فكأن هذه المحن والبلايا هي السياط التي تأتي يميناً وشمالاً فتجمعك حتى لا يتشتت قلبك في شعاب الحياة الدنيا، تلم شعثك إلى الدار الآخرة. فإذا رأوها حذروا كل الحذر، واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات. وكان وجودها في هذه الدار، وإشهادهم إياها، وامتحانهم باليسير منها، رحمة منه بهم كل الرحمة؛ أنه أذاقك شيئاً يسيراً يذكرك بالدار الآخرة والعقاب الشديد حتى تنتبه. أليس هذا من كمال الحكمة والتربية؟ أن الله عز وجل يقول لك في نار جهنم: يا بني آدم، يا بشر، احذروا؛ فإذا أذاقك لسعة نار خفيفة تصيب يدك تتذكر، يا أخي هذه نار الدنيا ما استحملها، فإذا مرض دنيوي ينتهي وأنا أشعر بالثقل منه، كيف بجهنم؟ تهرب، لأنه فعلاً هذه البلايا اليسيرة في الدنيا تجعلك تستهول وتستعظم ما يمكن أن يصيبك في الدار الآخرة. فكل بلاء في الدنيا مهما بلغ في حدته ينتهي، حتى لو أنك ستموت، لكن بلاء جهنم لا ينتهي.
ولما كانت هذه الدار ممزوجاً خيرها بشرها، وأذاها براحتها، ونعيمها بعذابها، اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن يخلص خيرها من شرها، وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار الشرور المحضة. فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط، وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة. فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه. بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير والشر، وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك. فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها وأسكن فيها من يناسبها.
فالعبودية التي يريدها الله من البشر ليست من جنس العبودية التي يريدها الله من الملائكة؛ عبودية الملائكة تقوم على القهر، ما عندهم اختيار أصلاً، لكن العبودية التي يريدها من البشر تقوم على الاختيار. فأراد أن يستخلص منك عبودية تختلف عن العبودية التي عند ملائكتي؛ فاقتضى حتى تحصل عبودية اختيارية لا بد أن يخلق فيك من أسباب الخير والشر. لذلك قال: ولم تكن تقوم عبوديته هذا المخلوق الذي اسمه الإنسان التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، فالعبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير والشر وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك. نوع هذه العبودية البشرية لا تحصل وهي عبودية الاختيار؛ العبودية التي تقوم على أنك تتعثر ثم تنهض، ثم تتعثر ثم تنهض، ثم تجاهد نفسك، ثم تحاول أن تجاهد أسباب الفتن والمعاصي والذنوب. هذه العبودية حتى تحصل لوازم حصولها لا بد أن يكون في الناس من أسباب الخير والشر، وإلا لا يحصل هذا النوع أبداً. فالذي يقول: لماذا خلق الله فينا الشر؟ كأنه يقول: يا رب أنا لا أريد هذا النوع من العبودية، أريد عبودية تخلقها فيّ كعبودية الملائكة، نقول: هو القرار لي ولا لك؟ هذا قرار الله وإرادة الله؛ الذي يريد أن يرى من عباده عبوديات متنوعة، فعبوديته في الملائكة عبودية قهرية، ويريد أن يرى عبودية في البشر عبودية اختيارية، فلست أنت من يحدد أنماط العبودية التي يريدها الله سبحانه وتعالى.
وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعد الكثيرين لنقمته، والمخلطين للأمرين معه. فهؤلاء أهل الرحمة، وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل الرحمة والنقمة، وقسم آخر لا يستحقون ثواباً ولا عقاباً. ورتب على كل قسم من هذه الأقسام حكمه اللائق به، وأظهر فيه حكمته الباهرة؛ ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء، ويختار من خلقه من يصح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه وعقابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك، ولا يظلم أحداً، ولا يبخسه شيئاً من حقه، ولا يعاقبه بغير جنايته.
قال: هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم، من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفوسهم من القوة إلى الفعل.
وهذه أيضاً حكمة أخرى من حكم وجود الشر، وجود الشر الذي هو الأمراض والأوبئة والشر البلائي. وهذه المسألة ذكرت في طريق الهجرتين، وأيضاً تطرق إليها في شفاء العليل؛ لكن هنا أيضاً ركز على قضايا لم يتطرق لها في الشفاء، ولذلك لا بد تقرأ هذا الموطن من كلامه في مسألة لماذا خلق الله الشر، وتلخص هذه المادة بامتياز من طريق الهجرتين؛ فهي مادة لا بد تلخصها، ستحصل منها على فائدة مهمة في الطرح العقدي والنقاش الفلسفي الدائر دائماً حول لماذا وجد الشر في هذا الوجود. فهنا يضيف فكرة أخرى، وهي فكرة أن الله عز وجل يريد أن يستخلص بعض العبوديات التي استخلاصها وجود البلاء، مثل عبودية الصبر، وعبودية الشكر، وعبودية التوكل، وعبودية الجهاد. هذه الأمور لا تحصل إلا بأن يبتلى الإنسان فيصبر ويتوكل ويجاهد. واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفوسهم من القوة إلى الفعل؛ يعني هذه النفوس فيها كمالات، والبعض سينجح في استخراجها فيخرجها من القوة إلى الفعل. فالإنسان قادر على أن يصبر، والذي لا يصبر هذا لنقص فيه، أنت كمخلوق قادر على الصبر، وإلا كيف يكلفك الله بالصبر وأنت لا تقدر عليه؟ فقدرة الإنسان على الصبر هذه قوة، وقدرته على التوكل هذه قوة، وقدرته على الجهاد هذه قوة؛ الله يريدها أن تتحول إلى فعل وواقع، ولوازم ذلك وجود الشر البلائي.
ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسر كل شيء بمقابلة ومصادمته بضده ليظهر عليه أثر القهر وسمات الضعف والعجز، ويستيقن العبد أن القهر لا يكون إلا واحداً، وأنه يستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوحدة متلازمان. فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار، ومن سواه مربوب مقهور له ضد ومناول ومشارك. فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر ثورتها وتذهب بها، وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليه الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد. وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلاً منها على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار وقهر كلاً منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر، لكل منه مضاد ومغالب. ولذلك في الفقرة السابقة لما قال: من استخراج صبرهم وشكرهم، ودفع الأسباب بعضها ببعض وكسر كل شيء بمقابله، هنا الذي يظهر لي والله أعلم أنه يقصد في السياق السابق ودفع الأسباب بعضها ببعض وكسر كل شيء بمقابله، يقصد في حياتك أنت أنك تكسر البلاء بالصبر، وتكسر مثلاً هجوم الأعداء بالجهاد؛ فهنا يقصد بالكسر ليس في الأمور الطبيعية فقط، لأنه لاحظ لما ذكر كيف يكسر الأمور الطبيعية في الصفحة القادمة لما قال: فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها، فهناك الرياح الشمالية والجنوبية والصبا وكذا، وكذلك خلق الماء وسلط الرياح تصرفه، خلق النار وسلط الماء يكسره. كذلك أنت في حياتك، خلق الله المرض وسلط الصبر أن يكون الصبر كاسراً للبلاء، وسلط الأعداء وجعل الجهاد وسيلة لكسرهم، فهذه القضايا وهي التبادلية والشيء وضده، التي هي قضية التقابلات والمتضادات، هذه أيضاً تدل على عزة الله سبحانه وتعالى وقهره الدال على وحدانيته.
فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد، وأنه من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه، وربط بعضه ببعض، وإحواج بعضه إلى بعض، وقهر بعضه ببعض، وابتلاء بعضه ببعض، وامتحان خيره بشره، وجعل شره لخيره فداءً؛ ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له: هذا فداؤك من النار. وهكذا المؤمن في الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله. وقد تكون تلك الأسباب فداءً له من شرور أكبر منها في العالم أيضاً، فليعطِ اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر، يتبين له حكمة اللطيف.
فقد تكون تلك الأسباب -وهي البلايا- ليست فداءً لك فقط من نار جهنم، بل قد تكون حتى في الدنيا فداءً لك من شر أكبر؛ قد يمرض الإنسان فيجلس في بيته فيكون هذا فداءً له من هذا السير، لو كان اليوم صحيحاً خرج للعمل كان قُتل فيه، فبالنسبة لك لو قلت لك إن هذا المرض كان سبباً في دفع شر أكبر كان سيحصل لك لو كنت اليوم صحيحاً، تقول: الحمد لله على نعمة المرض؛ لأنني لو كنت صحيحاً وخرجت إلى العمل لجاءت سيارة ما تعرف ماذا كان سيكون. ولذلك دائماً الإنسان يقول: أنت ما تعرف شيئاً أيها الإنسان، فلا تعترض على الله، لا تعترض على الله لماذا خلق البلايا ولماذا خلق الأمراض ولماذا خلق الكفر؛ هناك حكم عظيمة وآلاء جزيلة وأمور يفوق العقل البشري حصلها، فليعطِ اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر. يكشف لك الله عز وجل كثيراً من الحكم، ويبقى جانب كبير من الحكم مطوي عنا، لكن ثقتنا بما رأينا تجعلنا نحكم بما غاب عنا. ثقتنا بما رأينا من الحكم تجعلنا نوقن بما غاب عنا منها.
وقد تقرر أن الله سبحانه كامل الصفات له الأسماء الحسنى، ولا يكون عن الكامل في ذاته وصفاته إلا الفعل المحكم. وهو سبحانه خلق عباده على الفطرة، وكل مولود فإنما يولد على الفطرة التي فطر الخلائق عليها، ولكن الآباء والكافلين للمولودين يخرجونهم عن الفطرة ويعدلون بهم عنها، ولو تركوهم لما اختاروا عليها غيرها، ولكن أخرجوهم عن سنن الحنيفية وأفسدوا فطرهم وقلوبهم. وهكذا بالأضداد والأغيار يخرج بعض المخلوقات عن سنن الإتقان والحكمة، ولولا تلك الأضداد والأغيار لكانت في مرتبتها كالمولود في فطرته، ولذلك أمثلة.
المثال الأول: أن الماء خلقه الله في الأصل طاهراً مطهراً، فلو ترك على حالته التي خلق عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يكن إلا طاهراً، ولكن بمخالطته أضاده من الأنجاس والأقذار تغيرت أوصافه وخرج عن الخلقة التي خلق عليها، فكانت تلك النجاسات والقاذورات بمنزلة أبوي الطفل وكافليه الذين يهودونه وينصرونه ويمجسونه ويشركونه. وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته الأنجاس والقاذورات لم يصلح للطهارة، فكذلك القلوب إذا فسدت فطرها بالأغيار لم تصلح لحضيرة القدس. هذا هيك معنى صوفي على الهامش جابه لك ابن القيم، ذلك القلوب إذا فسدت فطرها بمساكنة الأغيار، والأغيار كل ما سوى الله، كذلك القلوب إذا سكن فيها ما سوى الله لم تصلح لحضيرة القدس، أي لم تصلح لعالم الملكوت، يعني لأن تحلق في ملكوت الله سبحانه وفي الأنس به والتقرب به.
المثال الثاني: الشراب المعتصر من العنب، فإنه طيب يصلح للدواء ولإصلاح الغذاء وللمنافع التي يصلح لها، ولو خلي على حاله لم يكن إلا طاهراً طيباً، ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكراً فخرج ذلك عن خلقته التي خلق عليها من الطهارة والطيب فصار أخبث شيء وأنجسه. فلو انقلب خلاً أو زال تغير الماء كان بمنزلة الرجوع إلى فطرته الأولى، فإن الحكم إذا ثبت لعله زال بزوالها.
المثال الثالث: الأغذية الطيبة النافعة إذا خلطت باطن الحيوان واستقرت هناك خرجت عن حالتها التي خلقت عليها، واكتسبت بهذه المخالطة والمجاورة خبثاً وفساداً لم يكن فيها لسلوكها في غير طرقها التي بها كمالها. ولما أنزل الله سبحانه الماء طاهراً نافعاً فمازج الأرض وسالت به أوديتها، أوجد جل جلاله بينهما بسبب هذه المخالطة والممازجة أنواع الثمر والفواكه والزروع والنخيل والزيتون وسائر الأغذية والأقوات، وأوجد مع ذلك المر والشوك والحنظل وغير ذلك، واللقاح واحد ولكن الأم مختلفة، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4].
ثم إنه سبحانه يصرف ما أخرجه من هذا الماء ويقلبه ويحيل بعضه إلى بعض، وينقل بعضه بالمخالطة والمجاورة عن طبيعته إلى طبيعة أخرى، وهذا كما خلق كل دابة من ماء، ثم خالف بين صورها وقواها ومنافعها وأوصافها وما تصلح له، وأمشى بعضها على بطنه، وبعضها على رجلين، وبعضها على أربع، حكمة بالغة وقدرة باهرة. وكذلك سبحانه يقلب الليل والنهار ويقلب ما يوجد فيهما، ويقلب أحوال العالم كما يشاء، ويسلك بذلك كله مسلك الحكمة البالغة التي بها يتم مراده ويظهر ملكه، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
هذا القرآن المجيد عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب جل جلاله وأسمائه وأفعاله، وأنواع حمده والثناء عليه، والأنباء عن عظمته وعلائه وحكمته وإبداع صنعه، والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله، وتصديقهم بما أقامه من الشواهد والدلالات على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله، وتبيين مراده من ذلك كله. وكان من تمام ذلك الإخبار عن الكافرين والمكذبين وذكر ما أجابوا به رسلهم، وقابلوا به رسالات ربهم، ووصف كفرهم وعنادهم، وكيف كذبوا على الله وكذبوا رسله وردوا أمره ونصائحه. وكان في اجتلاب ذلك من العلوم والمعارف والبيان ووضوح شواهد الحق وقيام أدلته وتنوعها، وكان موقع هذا من خلقه موقع تسبيح تعالى وتنزيه، من الثناء عليه؛ فإن أسماءه تعالى الحسنى وصفاته العلى هي موضع الحمد، ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عما وصفه به أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به. وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد، في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه، ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده وحمده من تمام تسبيحه، ولهذا كان التسبيح والتحميد قرينين.
فكان ما نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفات كماله من علوه على خلقه، وإنزاله كلامه الذي تكلم به على رسوله، وغير ذلك من صفات كلامه، موجباً لتنزيه رسله له وتسبيحهم عن ذلك مما نزه عنه نفسه وسبح به نفسه، وكان في ذلك ظهور حمده لخلقه وتنوع أسبابه وكثرة شواهده وسعة طرق الثناء عليه به، وتقرير عظمته ومعرفته في قلوب عباده. فلولا معرفة الأسباب التي يسبح وينزه ويتعالى عنها، وخلق من يضيفها إليه ويصفه بها، لما قامت حقيقة التسبيح ولا ظهر لقلوب أهل الإيمان عن أي شيء يسبحونه وعما ماذا ينزهونه.
صحيح يعني أنت جميل هذا الملحظ الأخير؛ يعني وجود النقائص في هذا الكون هي التي ستجعلك تفهم عن ماذا تنزه الله، مش أنت تقول سبحان الله، إيش معنى سبحان الله؟ تنزهه يا رب عن النقائص، فهذا يقتضي أني لازم أتصور إيش هي النقائص، فكيف ستتصور النقائص بدون وجود شر في هذا الوجود؟ فالله سبحانه يريد أن ينزه عن النقائص وأن يثنى على الكمال، ولن يعرف الكمال إلا إذا عرف النقص، ولن يعرف ما الذي ينزه عنه الرب مما لم ينزه عليه إذا لم يكن في الحياة شيء شر وخير، أليس كذلك؟ فمن حكم وجود الشر أن يعرف ما هو النقص الذي ينزه الله عنه، وأن يعرف ما هو الكمال الذي يثبت لله سبحانه وتعالى. والكثير من الصفات تثبت لله أحياناً بطريقة القياس الأولوية، مش هكذا يقول علماء السنة؟ بالقياس الأولوية أن هذا كمال مطلق، وهناك أمور تدفع عن الله لأنها نقص لا يليق بجلال الله، فكيف عرفت أنها نقص لولا وجود الشرع؟
فلما رأوا في خلقه من قد نسبه إلى ما لا يليق به وجحد من كماله ما هو أولى به، سبحوه حينئذ تسبيح مبجل له، معظم له، منزه له عن أمر قد نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفاته. ونظير هذا اشتمال كلمة الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا الله على النفي والإثبات، فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات وتحقيق معنى الإلهية وتجريد التوحيد الذي يقصد بنفي الإلهية عن كل من ادعيت فيه سوى الإله الحق تبارك وتعالى، فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان.
فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير الله، ونفيه وإبطاله من القلب واللسان، هو من تمام التوحيد وكماله وتقريره وظهور أعلامه ووضوح شواهده وصدق براهينه. ماذا يريد أن يقول هنا؟ قال: فكان في الإتيان بالنفي صدر هذه الكلمة "لا إله إلا الله" من تقرير الإثبات وتحقيق معنى الإلهية وتجريد التوحيد.
يعني كيف ستجرد التوحيد لله من خلال نفي الإلهية عمن ادعيت فيه الإلهية سوى الله؟ وهذا ماذا يحتاج؟ يعني الآن كيف يحقق الإنسان التوحيد بأن تنفي الإلهية عما سوى الله؟ أنت ستجرد التوحيد من خلال نفي الإلهية عما سوى الله. فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير الله ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد وكماله. يعني أنت لازم تتصور وجود هذا الشر، وهو إثبات إلهية لغير الله.
مش صحيح؟ عشان الإنسان يتصور هذا الشر، ثم بعد ذلك ينفيه. لو أن هذا الشر ليس موجوداً، كيف ستحقق تجريد التوحيد لله كاملاً؟ يعني هو يريد أن يعطيك كيف أن فكرة وجود النقائص هي التي تساعد على إثبات الكمالات. فإنه يقول: فتجريد هذا التوحيد بتصور إثبات الإلهية لغير الله؛ أنت تتصور أن في ناس ممكن تثبت الإلهية لغير الله، ثم عليك أن تنفي، لا أنا لا أقبل هذا، ثم تنفي هذه القضية وتبطلها من القلب واللسان. هذا يكون من تمام التوحيد وكماله وتقريره وظهور أعلامه ووضوح شواهده.
تفضل شيخنا، يمكن أن يكون خبر "تجريد" من تمام التوحيد وتكون يعني بتصوري ونفي وإبطالي؟ يعني تجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير الله كما قال المشركون، ونفيه وإبطاله من القلب واللسان، هو من تمام التوحيد وكماله. يعني كأنه يقول: نقطة الانطلاق في تجريد التوحيد هي أنه أولاً لا بد تتصور إثبات الإلهية لغير الله، أنه أنت لن توحد الله، قل يا رب سأفردك بالعبودية، إلا إذا تصورت أن في ناس من البشر تشرك بالله.
فتجريد التوحيد يكون ابتداء بتصور إثبات الإلهية، وأنا كيف سأجرد التوحيد وأنا أصلاً لا أتصور ذهنياً وجود شرك؟ فحتى يتجرد التوحيد وتقوم بهذا المقام حقاً ومعنى إفراد الله بالعبادة يقتضي أن أتصور وجود شرك وإثبات إلهية لغير الله كما قاله أعداؤه المشركون، ثم تنفي وتبطل من القلب واللسان هذا الشرك وتقول أنا لا أفعله.
قال: ونظير ذلك أيضاً أن تكذيب أعداء الرسل لهم وردهم ما جاءوهم به كان من الأسباب الموجبة لظهور براهين صدق الرسل، ودفع ما احتج به أعداؤهم عليهم من الشبه الداحضة، ودحض حججهم الباطلة، وتقرير طرق الرسالة وإيضاح أدلتها. فإن الباطل كلما ظهر فساده وبطلانه أسفر وجه الحق واستنارت معالمه، ووضحت سبله، وتقررت براهينه.
جميل، كلام جميل حقيقة وعظيم، وهذا له تطبيقات كثيرة في الواقع المعاصر. يقول من أهداف وجود الشر، بس هنا الشر في أفعال العباد، وجود الفجار، وجود الصهيونية، وجود الحركات العلمانية والليبرالية؛ ظهور محاسن الإسلام. لماذا يقول؟ لأن الخير إنما تزداد وضوح أدلته ومعالمها لما يقابل بحجج المشركين. لذلك كثير من الناس، مش كان عمر يقول فيما ينسب إليه: لا تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية؟ الذي لا يعرف الجاهلية لن يدرك محاسن الإسلام؛ لأنه نشأ على أمور طبيعية فيظن أن هذه أمور اعتيادية، وأن هكذا هو العالم، وما كانت فترة الجاهلية وما فيها من دناءة الأخلاق وما فيها من سفاسف الأمور، ليعرف كم الإسلام عظيم.
فالإسلام عظيم، لكن ما الذي يظهر معالم هذه العظمة إلا أن تعرف الشر؟ عرفت الشر لأتقيه. لذلك تقول معرفة الشر تزيدك اعتزازاً بما عندك من الخير؛ فهذا معنى عظيم. لماذا خلق الله الشر في أعداء الرسل؟ لأنه كان هذا من الأسباب الموجبة لظهور براهين صدق الرسل، ودفع ما احتج به أعداؤهم عليهم من الشبه الداحضة، ودحض حججهم الباطلة. هذا أدى إلى زيادة قوة في تقرير طرق الرسالة وإيضاح أدلتها، فإن الباطل كلما ظهر فساده وبطلانه أسفر وجه الحق. كان يقول: لا يصيبنك تشاؤم أو إحباط من كثرة ظهور الباطل اليوم وكثرة الشبهات على السوشال ميديا وفي عالم الذكاء الاصطناعي، لا يهولنك كثرة ظهور الباطل، بالعكس الباطل كلما ظهر سيظهر فساده، وإذا ظهر فساده وبطلانه أسفر وجه الحق.
لذلك حتى إذا رأيت ما حصل في غزة من الآلام والتضحيات والبذل، بالنسبة لنا شر لكن نراه في الظاهر، صحيح كل هذه النكبة، لكن هذا الشر أسفر عن كثير من أوجه الخير، أن الناس حتى في الغرب وفي الشرق بدأت تشمئز من بني إسرائيل، بدأت تشعر بالقهر من هؤلاء القوم الفاسدين الذين بلغ طغيانهم وشرهم علواً كبيراً. فنعم، ربما لولا هذه المواقف لما حصل في قلوب كثير من رجالات الغرب والشرق هذا الاقتناع بأن هؤلاء قوم مجرمون.
قال: فكسر الباطل ودحض حججه وإقامة الدليل على بطلانه من أدلة الحق وبراهينه. قال: فتأمل كيف اقتضى الحق وجود الباطل، وكيف تم ظهور الحق بوجود الباطل، وكيف كان كفر أعداء الرسل بهم وتكذيبهم لهم ودفعهم ما جاءوا به هو من تمام صدق الرسل وثبوت رسالات الله وقيام حججه على العباد.
قال: ولنضرب لذلك مثالاً يتبين به، وهو: ملك له عبد قد توحد في العالم بالشجاعة والبسالة، والناس بين مصدق ومكذب، فمن قائل هو كذلك، ومن قائل هو بخلاف ما يظن به؛ فإنه لم يقابل الشجعان ولم يواجه الأقران، ولو نازل الأقران وقابل الشجعان لظهر أمره وانكشف حاله. فسمع به شجعان العالم وأبطالهم فقصدوه من كل أوب وأمّوه من كل قطب، فأراد الملك أن يظهر لرعيته ما هو عليه من الشجاعة، فمكن تلك الشجعان والأبطال من منازلته ومقاومته وقال: دونكم وإياه وشأنكم به. فهل تسليط الملك لأولئك على عبده ومملوكه إلا لإعلاء شأنه وإظهار شجاعته في العالم وتخويف أعدائه به وقضاء الملك أوطاره به؟
تشبيه جميل، تخيل أن ملكاً عنده جندي، سماه عبداً له، وصفه الملك بأنه من الشجعان وأنه من الأبطال وأنه في غاية القوة. الناس ما دامت لم ترَ امتحاناً حقيقياً لهذا الجندي يثبت شجاعته ويظهر معالمها، ستبقى في شك: هل فعلاً هذا الجندي قوي ولا لا كما يزعم الملك؟ فقال لهم الملك: سأثبت لكم شجاعة هذا الجندي، ائتوني بأبطال العالم، فأتوه بأبطال العالم، ثم قال لجنديه: اذهب فقاتلهم. فبدأ الجندي يصارع هؤلاء الأبطال، هذا أدى إلى أن الناس قالت: والله فعلاً هذا الجندي قوي! ما ظهرت هذه القوة للناس ولم يقتنعوا بها حتى واجهت ضدها.
الشر نفس الشيء، يقول لك لما أراد الله أن يبين أن هذه العبودية وأن عبادته وأن أدلتها في كامل القوة، الناس تبقى تتشكك حتى يأتي ما هو ضد لها. ائتوني بكل حججكم يا أهل الباطل لنرى أيها أقوى، الإسلام أم أفكاركم الضالة؟ ائتوني بكل حجة وبكل شبهة وبكل فكرة وبكل فلسفة، ثم نظهر أيهما أقوى، مادة الوحي أو مادة الفلسفة؟ مادة الوحي أم العقول المهترئة؟ فلن يظهر بالنسبة للناس قوة مادة الوحي إلا إذا قوبلت بالأوضاع الأرضية والعقول المهترئة، فيعلم الإنسان، لا يعلم من خلق، والله إن الوحي جاء في المكان الصحيح وبالوقت وبالحجم الصحيح وبالكمية المناسبة بخلاف أوضاع البشر غير المتوازنة. فوجود هذا الشر في أفكار البشر هو الذي سيعلي اعتزازك بمادة الوحي.
ولذلك دائماً في الحياة العلمية، لما تطرح أمام الناس وتعلمهم في مسائل تتعلق بالاعتزاز والإسلام والهوية، جيد أن تظهر لهم مخازي الباطل، حتى يفهم الناس لماذا نحن نعتز بالإسلام. خلي في سياقك التدريسي والتعليمي أن تظهر مخازي الباطل حتى نظهر معالي الإسلام. لذلك الندوي عليه رحمه الله لما صنف "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"، هو أراد أن يبين ما الذي حصل في العالم الشرقي والغربي من الانحطاط والانهدام الأخلاقي والسلوكي والقيمي، وأنه هذا ليس خسارة فقط للمسلمين، هذا خسارة للعالم بأجمع، ذهاب هذه القيم من حياة البشرية. فدائماً استعراض هذه القضايا أمام الناس يعينهم على فهم لماذا نحتاج إلى الوحي، لماذا نحتاج إلى العودة إلى دين الله سبحانه وتعالى.
قال: وكما يترتب على هذا إظهار شجاعة عبده وقوته وحصول مقصوده بذلك، فكذلك يترتب عليه ظهور كذب من ادعى مقاومته، وظهور عجزهم وفضيحتهم وخزيهم، وأنهم ليسوا ممن يصلح لمهمات الملك وحوائجه. فإذا عدل بهم عن مهماته وولاياته وعدل بها عنهم، كان ذلك مقتضى حكمة الملك وحسن تصرفه في ملكه. يعني كذلك انتصار هذا الجندي سيثبت للناس لماذا الملك استعمله ولم يستعملهم؛ صحيح، سيثبت للناس لماذا هذا الملك استعمل هذا العبد ولم يستعملهم هم، خاصة أصحاب الفساد منهم. قال: فإذا عدل بهم عن مهماته وولاياته، هذا الملك إذا لم يختر هؤلاء لولايته واختار هذا الجندي ومن هو في قوة هذا الجندي، سيعرف هؤلاء الناس أنه الملك معه حق أنه ما اخترنا، لأنه الجندي قوي ونحن أضعاف الجندي، يمتلك أموراً متقدمة جداً علينا، فبالتالي سيكون مقتضى الحكمة أنه اختار الجندي وما اختاركم.
وهذه نفس الفكرة في عالم الوجود الكوني، لماذا اختار الله هذا النوع من الأنبياء وهذا النوع من الأولياء؟ لن يظهر ذلك إلا عندما يمتحن الأنبياء فتظهر معادنهم، ويمتحن الأولياء فيظهر ثباتهم. وأنت ترى نفسك كيف أنك تترنح مع أول بلاء وتضعف عند أول اختبار، فتعرف فعلاً لماذا اختار الله ذاك الشخص ليكون هو الولي أو ليكون هو النبي، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. يعلم الناس المؤهلة لهذه المواطن، فلا تقل يا رب ليش ما خليتني من قادة المجاهدين المرابطين، وأنت شوف نفسك بتلك المقامات؛ لحتى تعرف لماذا تم الاختيار هناك ولم يتم الاختيار عليك، شوف حياتك، شوف يومك، شوف نهارك، شوف ليلك، شوف عبادتك، شوف مواقفك. بس عندئذٍ الشر الذي يصدر سيعلمك الخير الذي تم اختياره، لماذا تم اختياره؟ فهذه من حكم خلق الشر.
قال: فلو أنه استعملهم في تلك المهمات لتشوش أمر المملكة وحصل الخلل والفساد، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته وهو أعلم بالشاكرين. قال: والمقصود أن خلق الأسباب المضادة للحق وإظهارها في مقابلة الحق من أبين دلالاته وشواهده، فكان في خلقها من الحكمة ما لو فاتت لفاتت بها تلك الحكمة، وهي أحب إلى الله تعالى من تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب، والله أعلم.
قال رحمه الله: فصل وللناس في دخول الشر في القضاء الإلهي طرق، فنذكرها ونذكر أصولهم التي تفرعت عليها هذه الطرق قبل ذلك. فنقول: الناس قائلان، أحدهما قول أهل الإسلام واتباع المرسلين كلهم. وللناس يقصد الفرق؛ وللناس يعني أي للفرق، في دخول الشر، لماذا يدخل الشر في القضاء الإلهي؟ يقول لك عموماً الفرق لها طرق في محاولة تفسير هذه القضية. قال: فسنذكر هذه الطرق الموجودة عند الفرق ونبين الأصول التي أوجبت عندهم هذا التصور وهذا التفكير، وأين أوجه الأخطاء في أفكارهم في تصور لماذا خلق الشر في القضاء الإلهي. فنقول: الناس قائلان، بشكل عام عندك طرفين.
قول أهل الإسلام واتباع المرسلين كلهم أن الله عز وجل فعال لما يريد، يفعل باختياره وقدرته ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعبر عنه متأخر المتكلمين بكونه فاعلاً بالاختيار.
والفريق الثاني قول من نفى ذلك وقال: صدور العالم عنه تعالى صدوراً ذاتياً، كصدور النور عن الشمس، والحرارة عن النار، والتبريد عن الماء، ويسمي المتكلمون هذا الإيجاب الذاتي، ومصدره موجباً بالذات، وهو على طريقة الفلاسفة المشائين مثل أرسطوطاليس ومن سار على خطاهم؛ للاسف من بعض من ينتسب إلى الفلسفة من الإسلام أنهم لم يجعلوا الإله فاعلاً بالاختيار، جعلوا القضية فقط سبباً ومسبباً، قالوا الله -هذا لا يسمونه حتى الله، يسمونه علة فاعلة- أنتجت معلولاً، هيك قصة الكون مع الإله علة ومعلول، ويسمون ذلك الإيجاب الذاتي.
وهذا هو قول الفلاسفة المشائين، هم لماذا يسموا مشائين جماعة أرسطوطاليس؟ قيل كانوا يتكلمون في الفلسفة وهم يمشون، كانوا رايحين جايين يمشوا كذا ويصيروا يتحدثوا ويحاوروا ويتكلموا فسموا مشائين، وهو الذي يذكره ابن الخطيب وغيره عن الفلاسفة، وابن الخطيب هو الرازي، ولا يحكي عنهم غيره وإنما هو قول المشائين، وقربه متأخرهم وفاضلهم ابن سينا إلى الإسلام، بعض فاضله هنا مش لفظ مدح، حتى ما حدا يفكر هذا من الأفاضل، أفاضلهم يعني أحسن واحد فيهم، أحسن الشر، وإن كان ابن القيم والغزالي يرون ابن سينا زنديقاً لكن يقولون هذا أهون واحد في هؤلاء، ابن سينا حاول يطور فكرة العلة والمعلول ليقربها من الإسلام بعض التقريب، يعني هيك يغطيها بلباس مع مباينته لما جاءت به الرسل ولما دل عليه صريح العقل والفطرة.
أقول من الجرائم تصوير ابن سينا في المناهج الدراسية اليوم لأطفالنا على أنه رمز من رموز الإسلام، هذا كله من صنيعة المندسين، أنت تحاول أن تصور أننا نفتخر بابن سينا والفارابي على أنهما عقول إسلامية ناضجة، ولا يعرف الأبناء أنهم زنادقة، هذا الواقع للأسف الذي لا نحبه لكن هذا الواقع، وكتبهم تشهد بذلك أن القوم ليسوا على معالم أهل الإسلام أبداً، فدائماً علموا أولادكم، نبهوهم أن يعرفوا من هم العلماء الذين نفتخر بهم ومن الذي أنا أتبرأ منهم.
قال: والفريقان متفقون على أن مصدر الكائنات بأسرها خير محض من جميع الوجوه وكمال صرف، فوجود الشر في العالم مشهود والخير، فوجود الشر في العالم مشهود، أي نحن نراه لا يمكن المنازعة في وجوده، لكن الخير لا يصدر عنه إلا الخير، كيف وجد الشر مع أنه الفاعل سواء كان مختاراً أو علة فاعلة خير، ولا يصدر عنه إلا الخير؟ من أين دخل الشر؟ هذا هو السؤال الذي يطرح من الجميع، ما دام نحن متفقين سواء كأصحاب ديانات أو كفلاسفة في اتفاق أن الخير لا يصدر عنه إلا الخير، من أين دخل الشر المشهود الذي نراه؟ فلا جرم اختلفت طرقهم في محاولة فهم كيف دخل الشر في القضاء الإلهي.
الآن كان ابن القيم بعد أن ذكر لك طريقة أهل السنة والجماعة في فهم الشر بالتفصيل، وذكر لك العلل، بده يخليك أوعى، يكبد لك دائرة المشهد أنه بدي أفهمك يا أيها القارئ لكتابي كيف الناس فكرت عموماً في قضية لماذا وجد الشر في هذا الوجود، وهذا كلام جميل وفلسفي ويهم الإخوة المهتمين بالنقاشات العقدية مع الناس في هذا الموضع، فيقول هناك أربع طرق:
الطريقة الأولى: طريق نفاة التعليل والحكمة والأسباب، فإنهم سدوا على أنفسهم هذا الباب، وأثبتوا مشيئة محضة لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة يفعل لأجلها، هؤلاء الأشاعرة ومن سار على طريقتهم، قالوا نحن ننفي أصلاً وجود حكم مقصودة لله وغايات يعلل بها، وإنما هي محض المشيئة، وكل ما يتوهم أنه علل أو نذكره على أنه حكم هي اقترانات فقط، اقترانات طبيعية وليست علل وغايات، فهو خلق الخير لأنه شاء، وخلق الشر لأنه شاء، ولا يتوقف فعل المختار بها على مصلحة ولا حكمة ولا غاية لها يفعل، بل كل مقدور يحسن منه فعله، ولا حقيقة عندهم للقبيح إلا المستحيل لذاته الذي لا يوصف بالقدرة عليه، وهؤلاء نفوا مسمى الرحمة والحكمة، وإن أقروا بلفظ لا حقيقة له، وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجذومين وهم يتقلبون في بلائهم، فيقول لهم: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟ يفعل مثل هذا؟ والعياذ بالله يقصد أنه وين الرحمة، لذلك نفى الصفات يقول هذا من أسباب مشاكله النفسية، أحد الإشكالات الفكرية أنه ما استطاع أن يجمع بين الرحمة والقدر، وما فهم وجه الرحمة حتى في الشر في خلق الشر، فماذا قال؟ إذاً هو محض المشيئة، فالجهم هو شيخ هذه الطريقة، أنه رأى أن القضية محض المشيئة وصارت إرادة، لا تقول لي حكمة ولا رحمة، هكذا طريقته.
وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثاني، وهم الذين أثبتوا له حكمة وغاية، وقالوا لا يفعل شيئاً إلا لحكمة وغاية مطلوبة، ولكن حجروا عليه سبحانه في ذلك، وشرعوا له شريعة وضعوها بعقولهم، وظنوا أن ما يحسن من خلقه تعالى يحسن منه، وما يقبح منهم يقبح منه، فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما هو للخلق. هذا طريق المعتزلة الذين قالوا: لا، نحن نريد نثبت حكمة لهذه الأفعال، أفعال الشر لا بد نثبت لها حكمة، لكن حجروا، فجعلوا الحكمة في خلق الشر هو ما تتصوره عقولهم فقط، فقالوا: ما تتصوره عقولنا من حكم وجود الشر هو الذي يليق بالإله أن يفعله، وما لا تقول به عقولنا ننفيه عن الإله، طيب يا جماعة أليس هناك حكم قد تنبؤوا عن عقولكم ولا تدركونها؟ فأمر الله أعلى من العقل البشري، للأسف هنا فشل المعتزلة في هذا الاختبار فجعلوا وحجروا جنس لماذا خلق الله الشر من الحكم والغايات بناءً على ما يتصوره الإنسان.
ولهذا كانوا مشبهة الأفعال، ولذلك يسمون مشبهة في الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله على أفعال المخلوق، كما أن هناك مشبهة في باب الصفات الذين يشبهون صفات الله بصفات المخلوق، يقولون المعتزلة مشبهة في باب الأفعال لأنهم صار الحكم والغايات سواء في باب الخير أو في باب الشر بما هو من جنس حكم وغايات المخلوقين، فكأنك شبهت أفعال الله من حيث حكمها وغاياتها بأفعال المخلوقين من حيث الحكم والغايات، ولم تثبت مجالاً لحكم أوسع من الإدراك العقلي، فاقتسموا التشبيه نصفين، هؤلاء في أفعاله وإخوانهم في صفاته.
وقالوا إنه تعالى لو خص بعض عبيده عن بعض بإعطائه توفيقاً وقدرة وإرادة ولم يعطها الآخر لكان ظلماً للذي منعه، هذا هيك عقلية المعتزلة، وقالوا لو شاء من عباده أفعال المعاصي لكان سفهاً ينزه عنه كما في الشاهد، ولو شاء منهم الكفر والفسوق بالتالي، لهذه الفكرة فكرة أن أفعال المخلوق، أفعال الله يجب أن تقاس على أفعال المخلوقين، وهذا وهون بلش ينبه على أصولهم، مش هو قال لك أنا سأذكر لك أقوال الفرق وأصولهم، الأصل الذي جعل المعتزلة، الأصل الفكري الذي جعل المعتزلة تنفي أن الله يخلق أفعال العبيد ما هو؟ قال لما قاسوا أفعال الله على أفعال العبيد شو مشبهة في الأفعال، قالوا: معقول الله عز وجل يجعل العبد يقدر ويخلق ويفعل العبد يفعل الشر؟ أنا لو أنا ملك وعندي عبيد ما بخلي عبدي يفعل شر يسوءني، شوف كيف هم فكروا، لو أنا ملك عندي عبد هل بخلي عبدي يعمل شر يسوءني وأنا ما برضى عنه؟ قالوا: إذاً الله كيف يجعل عبيده بعلمه وإرادته وخلقه يعني يجعلهم يفعلون أشياء هو لا يرضاها سبحانه؟ قالوا: ما بيزبط هيك، هيك فكروا قاسوا هذا على هذا، قال طب قال إيش الحل عندكم؟ قالوا: الحل عندنا نقول إن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه، إذاً هذا الأصل العقدي الفاسد وهو أن العبيد يخلقون أفعالهم هو نشأ ثمرة وتفرع عن أصل عندهم، وهو قياس فعل الخالق على فعل المخلوق، فما دام هذا لا يحسن من المخلوق إذا لا يحسن من الخالق، إذاً الحل: انفوا أن الله هو الذي يخلق أفعال العبيد وقولوا إن العبد يخلق فعله بنفسه.
ولو شاء منهم الكفر والفسوق والعصيان ثم عذبهم عليه لكان ظلماً كما في الشاهد أيضاً، إذاً فالله إذاً لا يشاء منهم الكفر والفسوق والعصيان، فراحوا نفوا المشيئة الشرعية، عفواً المشيئة الكونية نفوا المشيئة الكونية، إذاً نفي المشيئة الكونية عند المعتزلة أيضاً هو فرع ناتج عن أصل وهو قياس أفعال الخالق على أفعال المخلوقين، فكما أنه ليس من الحكمة أن أشاء أنا كمالك لعبيدي أن يفعلوا الأخطاء، فليس من الحكمة هكذا قالوا أن يشاء الله من البشر أن يكفروا، فإذا كفر البشر إذاً مشيئة الله ما لها دخل في ذلك، هذه مشيئتهم هم، فألغوا المشيئة الكونية وقالوا بس الله أمرهم أن يؤمنوا، هم بمشيئتهم الخاصة دون تدخل مشيئة الله ولا خلق الله، هم بإرادتهم الخاصة هم خلقوا أفعالهم وشاؤوا أفعالهم.
فإن السيد إذا أراد من عبده شيئاً ففعل العبد ما أراد سيده فإنه إذا عذبه عده الناس ظالماً له، قال وجعلوا العدل في حقه من جنس العدل في حق عباده، وظلم الذي تنزه عنه كظلم الذي يتنزهون عنه، وجعلوا ما يحسن منه من جنس ما يحسن منهم وما يقبح منه من جنس ما يقبح منهم، وقالوا لو أراد الشر لكان شريراً كما في الشاهد، فإن مريد الشر شرير، وقالوا لو ختم على قلوب أعدائه وأسمائهم وحال بينهم وبين قلوبهم وأضلهم عن الإيمان وجعل على أبصارهم غشاوة وجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً ثم عذبهم لكان ذلك ظالماً لهم؛ لأن أحداً لو فعل ذلك بعبده ثم عذبه لكان ظالماً له، فهؤلاء، أنتم إذاً شو كيف طريقة التفكير المعتزلة؟ كله قياس على المخلوق، فهؤلاء هم المشبهة حقاً في الأفعال، فعدلهم تشبيه وتوحيدهم تعطيل، فجمعوا بين التشبيه والتعطيل.
فالمعتزلة ما لاحظوا فكرة أن الله يريد أن تظهر كمالات وأسماء أن تظهر كمالات أسمائه وصفاته، وأن الله يريد أن يخلق المتضادات حتى يستخلص الخير الغالب من الشر اليسير، يعني كل هذه الأفكار اللي حكاها ابن القيم في الصفحات السابقة هذه ما دخلت في ذهن المعتزلة، هم فقط قاسوا فعل الله على فعل المخلوق، طب يا أخي المخلوق له مقاصد وجودية، والخالق له مقاصد أخرى، يعني أنا كمخلوق طريقة تفكيري في الخير والشر تليق بي كمخلوق، ومقاصدي تتلاءم مع حياتي كمخلوق، فأنا لست إلهاً وأنا لست رباً وأنا ليس عندي الأسماء الحسنى والصفات العلى لأنفذها على غيري من المخلوقين، فمقاصدي في تصرفاتي تختلف عن مقاصد الخالق الموجد في تصرفاته، فكيف تقيس مع عدم وجود أي مقاربة بين الخالق والمخلوق؟
وهؤلاء قسموا الشر الواقع في العالم إلى قسمين: أحدهما شرور هي أفعال العباد وما تولد منها، فهذه لا تدخل عندهم في القضاء الإلهي تنزيهاً للرب عن نسبتها إليه، ولا تدخل عندهم تحت قدرته ولا مشيئته ولا تكوينه، والثاني الشرور التي لا تتعلق بأفعال العباد، اللي هي الشر كما قلنا اللي هي البلايا وأمراض الأطفال وما شابه ذلك كالسموم والأمراض وأنواع الآلام، وكإبليس وجنوده وغير ذلك من شرور المخلوقات، كألم الأطفال وذبح الحيوان، فهذا النوع هو الذي كدر على القدرية أصولهم وشوش عليهم قواعدهم. هذا النوع الثاني هو الذي نحس أفكار المعتزلة هسة، النوع الأول عرفوا يخلصوا منه، قال لك العبد يخلق فعله بنفسه ويشاء بنفسه، النوع الثاني هو الذي نحس فكرهم، طب في أشياء ما لها دخل العبد؛ أمراض، بلايا، آلام أطفال، ذبح حيوانات، وحوادث كونية؛ طوفان، زلازل، طب إيش نسوي فيها؟
قالوا: وذلك كله حسن لما فيه من اللطف والمصلحة العاجلة والآجلة. فاضطروا مرغمين أن يقولوا: هذه حسنة؛ لأن فيها لطفاً ومصالح عاجلة وآجلة. وبدأوا يتكلمون في قضية ما وجه الحسن فيها، وبدأوا يحاولون تفسير وجه الحسن في وجود هذه الآلام والقضايا.
قالوا: أما الآلام والأمراض فمفعولة لغرض صحيح، وهو ما ضمن الرب سبحانه لمن أصابه بها من العوض الوافي. قالوا: هذه الآلام أنك ستُعوض عليها جنة. وذلك يجري مجرى استئجار أجير في فعل شاق، فإنه بغرض الاستئجار أخرج الاستئجار عن كونه عبثاً، وبالأجرة أخرجه عن كونه ظلماً، فكان حسناً.
قالوا: فإن قيل إذا كان الله قادراً على التفضل بالعوض وبأضعافه بدون توسط الألم، فأي حاجة إلى توسطه؟ وأيضاً فإذا حَسُن الألم لأجل العوض، فهل يحسن منا أن نُؤلم أحدنا بغير إذنه لعوض يصل إليه؟
هذا سؤال فلسفي عرض عليهم. طب ربنا عز وجل ألم يكن قادراً أن يتفضل عليك بالعوض وهو الجنة بدون ما يُؤلمك؟ طب لماذا آلمك مع أنه قادر أن يعطيك الجنة بدون ألم؟ ثم سؤال آخر: إذا قلتم يحسن أن أُؤلم شخصاً لأجل أن أعطيه عوضاً مقابل هذا الألم مقابل صبره عليه، فهل يحسن لي أنا كبشر أن أؤذي أحداً بغير إذنه؟ وأكون ناوي أنه بعد ما أؤذيه ويصبر سأعطيه مثلاً ألف دينار؟ هل يصح أن آتي على صديق لي وأضربه بدون إذنه، ضربته ثم أشوف ردة فعله، إذا صبر أُعطيه مكافأة؟ لاحظ أنه رجعنا نقيس على المخلوقين؛ يعني فيها رجوع قياس على المخلوقين في أفعالهم.
قال فالجواب: إن الله سبحانه لا يمرض ولا يُؤلم إلا من يعلم من حاله أنه لو أطلعه على الأعواض التي تصل إليه لرضي بالألم. هذه فلسفة المعتزلة عن هذه القضية. قالوا: الله لا يُمرض ولا يُؤلم إلا من علم من حاله أنه لو أطلعته على العوض الذي سأمنحه إياه لرضي بالألم. فاعتمدوا على العلم السابق، أنه نعم ربنا عز وجل ما استأذنك لما أنزل بك الألم، لكن لماذا لم يستأذنك؟ لعلمه السابق أنني لو أطلعتك على ما ادخرته لك من الثواب مقابل هذا الألم أنا عارف أنك سترضاه، مشان هيك ربنا عز وجل يُؤلمنا دون أن يستأذننا. طبعاً هذا كلام نحن نتفهم أنه شرح للفكرة. قال: لرضي بالألم ولا رغب فيه لوفور الأعواض وعظمها. وليس كذلك في استئجار الأجير من غير اختياره.
فقياسته على قضية استئجار الأجير وتأليمه بغير اختياره لا يضبط؛ لأنه أنت ما عندك علم زي العلم الإلهي. هل أنت تعلم أنك لو أطلعته على الألف دينار قبل ما تضربه سيرضى بها؟ أنت علمك سيبقى في حيز التوقع، لكن علم الله في حيز اليقين، فهذا الفرق بين علمك وبين علم الله. أنت لو استأجرت شخصاً وقلت له: سأظل أضرب فيه بدون إذنه، ما سأحكي له شو الأجر المتخيل بس إنه لما أخلص ضرب وقتل وكذا سأعطيه جائزة، هذا لا يبرر لي أني أفعل هذا الفعل في المنطق؛ لأنه مين الذي قال لك أنه سيرضى لو خبرته؟ ما بتعرف، بجوز ما يرضى يقول لك: بدينار ليش تضربني؟ لكن في علم الله لا؛ لأن الله عز وجل علمه لا يقبل النقص.
وهؤلاء طبعاً القدرية المعتزلة المتأخرون الذين أثبتوا العلم الإلهي، أما غلاة المعتزلة الأوائل فلم يثبتوا العلم الإلهي وكفروا بذلك، لكن من جاء بعدهم أثبتوا العلم ونفوا المشيئة والخلق فقط. طبعاً نفوا الخلق حتى نكون دقيقين، بس حتى تفهم أن معتزلتهم لم ينفوا الخلق كاملاً؛ نفوا الخلق في باب القدر، الخلق المتعلق بأفعال العباد فقط، أما الخلق المتعلق مثلاً بالبلايا العامة فهذا أثبتوه، فلما نقول إن المعتزلة أنكرت الخلق يقصد به نوع معين من الخلق وهو خلق الأفعال.
قالوا: وليس كذلك المعتدي لغيره لأجل التعويض، فإن من قطع يد غيره أو رجله ليعوضه عنها لم يحسن ذلك منه؛ لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل، وليس من العقلاء من يختار ملك الدنيا مع ذلك. والله يوصل الأعواض في الآخرة إلى الأحياء وهم أكمل شيء خلقاً وأتمه أعضاء، فلذلك افترق الشاهد والغائب في هذا.
هي فكرة ثانية برضه أنه أنا لما في الدنيا أقطع يدك وأقول لك: يلا بدي أقطع يدك بس رح أعطيك عليها مليون، تقول لي: ما حدا بيرضى، ليه؟ لأنه أعطيتني المليون بس أنا خسرت يدي، وما أحد في الدنيا يقبل كل الدنيا مقابل يخسر يده. لكن في الآخرة الله عز وجل يأخذ منك في الدنيا، لكن لما يعوضك في الآخرة يعوضك بعد أن يرد ما سلبه منك. أما أنت في الدنيا لما تعوضني ما بتعوضني بعد إرجاع ما سلبته مني، فهذا فرق بين الشاهد والغائب، قال لك الشاهد اللي هو النموذج الدنيوي، والغائب اللي هو النموذج الأخروي.
قالوا: فإن فرضتموه في ضرب وجلد مع سلامة الأعضاء قَبُح لأنه عبث، فإن فُرِض فيه مصلحة ورضي المضروب بذلك وعظمت الأعواض عنه فهو حسن في العقل لا محالة. قالوا وسر الأمر أن بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلماً؛ لأنه نفع عظيم موفٍ على مضرة الألم، وباعتبار كونه لطفاً في الدين يخرج عن كونه عبثاً. هذه خلاصته.
قالوا: وقد رأينا في الشاهد حسن الألم للنفع، فإنه يحسن في الشاهد إيلام أنفسنا وأتعابها في طلب العلوم والأرواح التي لا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب والمشقة. جميل، حتى في الواقع أنتم لماذا تطلبون العلم وتذهبون وتأتون مع أنه فيه تعب؟ الإنسان يتحمل هذا التعب من أجل الوصول إلى جسر الراحة، فيحسن. من قال إن الأتعاب والآلام دائماً عبثية؟ مش صحيح.
قالوا: وهذا الوجه هو الذي حسن لأجله إيلام الأطفال والبهائم، فإنه إيلام للنفع؛ فإن أبدان الأطفال لا تستقيم إلا على الأسباب الجالبة للآلام، وكذلك نفوسهم إنما تكمل بذلك. وإيلام الحيوان لنفع الآدمي به غير قبيح. فمثلاً آلام الأطفال، يقول لك هذه الأمراض، وهذا كان في العلوم الحديثة أن الأمراض التي تصيب الأطفال هذه تقوي الأجسام الضدية عندهم في أجسامهم، ويصير الجسم يولد أشياء مضادة وكذا. بالعكس، أنا صح عم بيتألم الطفل وبيصيبه إنفلونزا ورشح وبعض الأمراض بس جسمه عم بيتقوى ليتعامل لما يكبر مع ما هو أعظم من ذلك، فهذه الأمراض تقوي أجسامهم. فإذا كان الألم يوصل للنفع إذاً شو المشكلة؟ كذلك إيلام الحيوان لنفع الآدمي غير قبيح.
قالوا: وأما الألم المستحق للعقوبة فإنه حسن في الشاهد، ولكنه غير متحقق في الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم لعدم تكليفها، ولكن لابد في إيلامها من مصلحة ترجع إليها، وهي ما يحصل له من العوض في الآخرة، قالوا ويجب إعادتها لاستيفاء ذلك الحق الذي لها، وهو العوض على الآلام التي حصلت لها.
الآن البعض قال: إن هؤلاء الأطفال سيحصل لهم عوض في الآخرة مقابل هذه الآلام. قال: ولكن لابد في إيلامها من مصلحة ترجع إليها وهي ما يحصل لهم من العوض في الآخرة. طبعاً هذا متصور في الأطفال.
لذلك قال: ويجب إعادتها؛ لأن الله ينشرها معنا يوم القيامة، ويجب إعادتها أي بعثها في الدار الآخرة لاستيفاء ذلك الحق الذي له؛ يعني هذا الطفل نزلت به الآلام. وفرضاً مات لا بد وأن يعاد بعثه يوم القيامة حتى يحصل استيفاء ذلك الحق، وهو العوض في الدار الآخرة، وهو العوض على الآلام التي حصلت لهذا الطفل في الدنيا.
يعني طفل مثلاً مرض بالسرطان وتوفاه الله، يقول لك هذا لا بد وأن يعاد بعثه يوم القيامة، هكذا يقول المعتزلة؛ طبعاً هو سيبعث إن شاء الله يوم القيامة، بس الفكرة أننا الآن في سياق كلامهم من أجل أن يحصل ثواب وعوض وجائزة مقابل البلاء الذي نزل به، فهم المعتزلة لازم يقولوا بهذه الفكرة عندهم؛ لأنه حتى تكون الفكرة متناسبة مع العقل الإنساني -هم المعتزلة لازم كل شيء يفهموه بالعقل الإنساني- فبيقولوا: إذا الله ابتلى طفلاً بالسرطان فمات، لازم هذا الطفل يبعث يوم القيامة حتى يحصل عوض؛ لأنه لا يجوز بلاء بدون عوض، فإذا ابتلاه لا بد أن يعوضه شيئاً عظيماً مقابل هذا البلاء، أو يأخذ جائزة عظيمة مقابل هذا البلاء، هذه فكرة كما قلنا في الصفحات السابقة مستحسنة ما فيها مشكلة.
بس تبقى قضية البهائم؛ هنا أطفال ماشي، فهمناها، بس البهائم هل ممكن المعتزلة يفرضوا أن لها عوضاً يوم القيامة؟ هل يقول المعتزلة إن هذه البهائم ستعوض على الذبح الذي حصل لها؟ كل عيد تذبحون لكم مئة خروف، يوم القيامة هل ستعوض هذه الأضاحي وهذه الأغنام؟ هل ستعوض عوضاً عند الله مقابل الآلام التي نزلت بها حتى لا تكون هذه الآلام مجانية؟ ظاهر الكلام هنا أنه ممكن بطريقة لا نعلمها، ممكن تعوض بطريقة ما يوم القيامة.
قال: وبقاؤها بعد الإعادة موقوف على مقدار معلوم انقطاعه، ونعيم الأطفال، في هنا كلمات محذوفة وأنا في سقط في الكتاب؛ لذلك وضع نقاطاً. وبقاؤها بعد الإعادة موقوف على مقدار معلوم؛ يعني لما يعيد الله بعث الحيوانات يوم القيامة حتى يعطيها جائزة، وبقاؤها بعد الإعادة -مش نحن حكينا أن المعتزلة قد يرون أن هذه البهائم تعاد بعثها يوم القيامة حتى يتم تعويضها- وتبقى بعد الإعادة على مقدار معلوم، ليس ضرورياً أن تظل خالدة. الظاهر من السياق أنه ممكن خلاص، يعني هذا الخروف يظل عايشاً مثلاً مئة سنة يعوض، بعدين ممكن ينقطع خلاص ويموت؛ إذا قال وبقاؤها -هذه البهائم أو الأطفال، أن الكلام مطلق- بعد الإعادة موقوف على مقدار معلوم، خلاص تبقى مقداراً معلوماً تنعم ثم يمكن أن تنقطع وتفنى ممكن.
قال: ونعيم الأطفال والمجانين دائم. طبعاً هذا ونعيم الأطفال والمجانين دائم؛ إذاً هنا ممكن هو يتكلم عن الحيوانات فقط، فيما يظهر لي أنه عمل مقابلة، قال: وبقاؤها بعد الإعادة موقوف انقطاعه، نعم. قال: ونعيم الأطفال والمجانين دائم، واختلفوا في البهائم؛ فقال بعضهم يدوم عوضهم. هي نحن مشكلتنا النص المفقود ما هو؟ هذا لا نعرفه، طيب إذا هو الآن لأنه يوجد أطفال ومجانين وعندك البهائم، بالنسبة للأطفال والمجانين الأصل هؤلاء لا يفنون، قال نعيمهم الأصل يكون دائماً. طيب البهائم اختلفوا، بعضهم قال يدوم عوضهم، وقال آخرون بانقطاعه وأنهم يصيرون تراباً؛ قد تكون الكلمة المحذوفة في السياق الله أعلم.
قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد، لم تجب إعادتها عقلاً، وتحسن إعادتها؛ وما يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله. قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد، لو فرضنا أن البهائم هذه الغنم التي ذبحتموها في عيد الأضحى ما لها عوض يجب لأجله أن تعاد، إذا ما كان لها عوض لم تجب إعادتها عقلاً. وإن كانت تحسن إعادتها، يعني بقول لك إعادتها حسنة، وما يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله؛ بس هنا رجعنا لمربع أنه توجد إشكالية، صار أنه طيب هو إذا لم يكن لها عوض مش رجعنا لفكرة، طب هي على طريقتكم -الآن بدي أفكر مع المعتزلة- مش رجعنا أنه هذا فعل؛ يعني الخروف ممكن يجي يقول لك يا عمي طب أنا تألمت وما حصلت عوضاً؟ تمام. فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد، هيك نص واحد، بالتالي لا تجب إعادتها عقلاً؛ وإن كانت تحسن إعادتها حسناً، وما يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله؛ ما دام فقط حسناً وليس واجباً، إذا لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد، لم تجب إعادتها عقلاً. وإن كانت تحسن إعادته حسناً، أن العقل يقول والله يحسن أنه الغنم يعاد حتى نعطيه، بس ما في شيء يجب عقلاً، الذي يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله.
وهل تجوز الآلام للتعويض المجرد؟ فيه قولان لهم مبنيان على أصل اختلفوا فيه، وهو: هل يحسن منه تعالى التفضل بمثل العوض ابتداء؟ فصار بعضهم إلى امتناعه، كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتداء عندهم، وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوى بين العامل وغيره. وصار من ينتمي إلى التحصيل منهم إلى أن التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع، فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض، جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد. ومن جوز التفضل بأمثال الأعواض، لم تحسن عنده -في منطقه- بالتالي الآلام لمجرد التعويض، بل قالوا: إنما تحسن الآلام لوجهين لا بد من اقترانهما؛ أحدهما التزام التعويض، والثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام، وكونها ألطافاً في زجر غاوٍ عن غوايته إذا شاهدها في غيره.
الذي يظهر لي أنه يقول: ومن جوز التفضل بأمثال الأعواض، لم تحسن عنده الآلام لمجرد التعويض؛ إذا أنت قلت -ركزوا معي في الفلسفة الذهنية هنا- إذا أنت قلت: يجوز أن الله يتفضل ويعطيك مجاناً أمثال هذه الأعواض، بالتالي ما لم يحسن في عقله الألم لمجرد العوض؛ لأنه إذا كان يحسن أن تعطيني عوضاً بدون ألم، إذاً صار ربط العوض بالألم فقط لمجرد العوض لا يحسن في الذهن، هكذا هم يفكرون بطريقة عقلية بحتة. إذا كان يجوز التفضل بأمثال هذه الأعواض أن الله يعطيك إياها مجاناً بدون ألم، في منطق عقلك ستقول: إذاً لا تحسن عنده الآلام لمجرد العوض؛ صارت فكرة الألم لمجرد الحصول على عوض لا تستحسن، ليه؟ لأنه يجوز أن يتفضل بعوض بدون ألم، فلماذا يجعل الألم لمجرد التعويض؟
بل قالوا هؤلاء الآن، ماذا احتاجوا يقولوا؟ هؤلاء يحتاجوا أن يقولوا: إنما تحسن الآلام عندئذ لوجهين لا بد من اقترانهما؛ أحدهما التزام التعويض، وأنه قطعا سيعوض، مع أنه الذي لن يؤلم بتلك الآلام سيرى ماذا قال؟ والثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام، وكونها ألطافاً في زجر هذا الغاوي عن غوايته إذا شاهد هذه الآلام في غيره. لما ترى أنت واحداً عم يضرب بالسياط لأنه زنى فرضا، أو أن الله مثلاً -خلينا نحكي مثلاً- مش عقوبة، نحكي عقوبة قدرية أن واحداً كان فاجراً، فابتلاه الله بأمراض؛ أنت قد يكون عندك نفس هذا الفجور فتقول: لا خلاص، بدي أترك هذا. فصار الألم الذي نزل بذلك الفاجر سبباً في تأديب غيره من الغاوين.
إذاً هنا لو قال لك: هل يجوز أن يتفضل الله بالعوض بدون ألم؟ إذا قلت: نعم يجوز أن يتفضل بالعوض بدون ألم، العقل الاعتزالي سيقول لك: طب بناءً على هذا أصبح الألم لمجرد العوض فكرة غير مستحسنة عقلاً. طيب كيف نطورها لفكرة مستحسنة عقلاً؟ حتى نطورها لفكرة مستحسنة عقلاً، لا بد أن نقول: الألم ليس فقط لمجرد العوض، لازم نجمع أو نزيد على العوض فكرة أخرى، ما هو؟ أن الألم للعوض، زائد أنه يتربى فيك غيرك، باختصار أن تكون سبباً أن يتربى بك غيرك. إذا صار الألم ليس لمجرد العوض، وصار له معنى يحسن في العقل قبوله؛ أنه يلتزم لك بالعوض بس بدنا إياك تكون عبرة لمن لا يعتبر وينزجر بك الغاوون. أما إذا قلت ابتداءً أن الله لا يعطي العوض إلا بألم، عندئذ ستكون فكرة الألم لمجرد العوض فكرة مقبولة، وتقاس على فكرة أنه لا ثواب إلا بعمل.
مش هم مجمعين -زي ما قال لك- أنه لا ثواب إلا بعمل؟ هم ما بقولوا أو رأوا أن إعطاء أمثال الثواب لواحد في الدنيا ما عمل لا ركعة ولا سجدة قالوا: هذا ظلم؛ لأنه كيف بده يفرق بين العامل وغيره؟ معقول واحد طول الحياة الدنيا يصلي وقيام ليل وصيام وجهاد وكذا وكذا ويحصل الجنة، وواحد مقضيها يأكل ويشرب وكذا ولا ركع ركعة ولا سجد سجدة ولا جاهد ويحصل نفس الثواب؟ قالوا: هذا يمتنع أن يعطي أمثال الثواب لمن لم يعمل؛ فكذلك يمتنع أن يعطي أمثال العوض لمن لا يتألم. هي طائفة منهم، فطائفة قالت بدنا نقيس العوض الذي هو مقابل الألم على الثواب الذي هو مقابل العمل؛ هكذا معنى النص. طائفة قالت: لا، الثواب مقابل العمل، نحن متفقون عليه أنه ما في ثواب إلا بعمل، بس العوض مقابل الألم ممكن؛ طائفة منهم فعلاً قالت: يجوز أن يعطي الله عوضاً بدون ألم، وفي طائفة منهم قالت: لا يصح.
ولما قالت: لا يصح، قلنا لهم: تعالوا يا عمي، إذاً هنا العوض صار الألم فكرة غير مستحسنة؛ لأنه ممكن الله يعطي عوضاً بدون ألم، صار الألم لأن يكون فقط لمجرد العوض فكرة غير مستحسنة. قالوا: نحن بنخلي لكم إياها مستحسنة؛ بنطور، بنقول الألم ليس فقط لمجرد العوض، بل هو للعوض زائد أن يكون للاعتبار ويتربى به غيره؛ وهيك صارت فكرة مستحسنة.
قال: وذهب عباد الصيمري منهم إلى أن الآلام تحسن لمجرد الاعتبار، من غير تعويض لمن أصابته؛ يعني هذا أحد المعتزلة اسمه عباد الصيمري، قال: أقول لكم أصلاً الآلام تحصل لمجرد الاعتبار، أن تكون عبرة لمن لا يعتبر، حتى لو ما في أي عوض. ورد عليه جماهير المعتزلة ذلك، قالوا: لا يا عمي، هيك لا يضبط، لا تصلح الآلام. قالوا: والآلام التي يفعلها سبحانه، إما أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة، وإما للتعويض، وإما للمصلحة. بس طبعاً هنا، بس بدي أعد الفكرة أنه والثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام، وكونها ألطافاً في زجر غاوٍ عن غوايته إذا شاهدها في غيره. هنا والله أعلم هو يتكلم إذا شاهدها في غيره؛ أي أنا قلت قبل قليل إذا ربنا عاقب رجلاً بسبب مرض -يعني أمرض رجلاً بسبب معصية فعلها- لا الذي يظهر لي أن هنا كان يتكلم عن ألم وقابله عوض؛ إذاً هنا يظهر لي أن شخصاً مبتلى بمرض معين فتاك، جذام أو غيره، وما عمل معصية، لا ربنا أنزل به مرضاً؛ أنت كعاصي أو كمذنب لما تشوف قدرة الله على إنزال الأمراض، تنزجر عن غوايتك. فذاك الشخص الذي نزل فيه المرض، هو ليس عقوبة على معصية إذا كان المرض عقوبة على معصية هو يحسن، لكن بده يكون السياق أنه هو ربنا أنزل فيه مرضاً.
دون معصية، حتى مثل ألم الأطفال؛ لما ترى طفلاً مصاباً بمرض السرطان -فرضا نقول هذا الطفل- هنا ماذا يقول المعتزلة؟ سيعوض على هذا، يلتزم له بالعوض، هكذا قولهم. وسيكون مرضه الذي نزل به فيه عبرة للغاوين؛ ليروا كيف أن ربنا عز وجل قادر على إنزال الأمراض، فاعتبر حتى لا يبتليك ربنا عز وجل، وسل الله أن يصرف عنك. فالكلام إذاً هنا في قضية إذا شاهدها في غيره، الأصل أن نتكلم إذا شاهد في غيره مرضاً أو بلاءً حل بشخص بدون معصية؛ لأنه إذا صارت معصية، أصلاً هذا البلاء يكون حسناً من البداية، لأنه مقابل لما ذكروه في الصفحة السابقة لما قال: «الألم المستحق للعقوبة فإنه حسن»، ألم تكن هذه الصفحة المقابلة؟ وأما الألم المستحق للعقوبة، قال: هذا ما فيه مشكلة، حسن في العقل. فهنا لا بد أن نقول: وكونه ألطافاً في زجر غاوٍ عن غوايته إذا شاهد هذه الأمراض والبلايا في غيره. الصيمري ذهب إلى أن الآلام تحصل لمجرد الاعتبار، يعني يحصل أن الله يبتلي طفلاً أو شيئاً بمرض ليعتبر به الغاوي حتى لو لم يكن هناك عوض. فهنا جاء المعتزلة وقالوا له: لا، نحن سامعنا كلامك، يعني لماذا هذا الذي ينزل به الدرس، لماذا هذا الذي يكون هو السبب أن يعتبر به الآخرون؟ قالوا: كأنك تأتي إلى واحد من تلاميذك ليس غلطان وتنزل به عقاب ألم، أو تسجنه في الصف وتقول: أنت ما عملت غلط، بس أنا بدي أعاقبك عشان أخليك عبرة لكل من تسول له نفسه. سيقول لك: طيب أنا ليش؟ أنا ليش أعاقب بدون عوض؟ يعني بدك تعاقبني أو تحطني في ألم وتسجنني، على الأقل أعطني عوضاً، وبعدين خليني عبرة، مش مشكلة. الصيمري كان فكرته لا؛ أنه ممكن أن يجعلك عبرة بدون ما يعطيك عوضاً، فقالوا له المعتزلة: أنت يا عمي هكذا كبرتها على الرجل.
قال: والآلام التي يفعلها سبحانه إما أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة، وإما للتعويض، وإما للمصلحة الراجحة. ها شايف الآن هذا حصر المعتزلة؛ قالوا عموماً الآلام التي يفعلها الله -الآلام اللي هي الأمراض وما شابه ذلك والبلايا- إما أن تكون مستحقة، اللي هي عقوبات على معاصي، هذه ما نحن متفقين أنها حسنة مع المعتزلة؛ المعتزلة شايفين أنها حسنة، الآلام التي هي مستحقة كعقوبات على معاصي، سواء آلام في الدنيا أو في الآخرة، متفقين أنه ما فيها مشكلة. الحالة الثانية: آلام الهدف منها التعويض، آلام ينزلها الله ليس مقابل معصية أنت فعلتها، خلص ربنا قادر أن يمرض أو حتى الطفل زي ما حكينا الطفل والبهائم، هذه الآلام الهدف منها التعويض أو أن يكون للمصلحة الراجحة. أن تكون الهدف من نزول الألم المصلحة الراجحة، ومنها قضية العبرة لمن لا يعتبر، أنه يؤلم إنساناً ليكون عبرة لغيره. طيب بس هذه كما قالوا التزموا فيها أنه لا بد فيها عوض، بس بشكل عام أنه برضه هدفها المصلحة الراجحة. قالوا: وما يفعله في الآخرة منها أي من الآلام فكله عن استحقاق.
يعني في الدنيا الآلام لها ثلاث أقسام: إما عقوبة، وإما للتعويض ستعوض عنها، وإما لمصلحة راجحة. في الآخرة الآلام لها فكرة واحدة: عقوبة بس. هكذا المعتزلة اختصروا نظريتهم أنه الآلام في الدنيا لها ثلاث مقاصد، وأما الآلام في الآخرة فكله للاستحقاق. وما يفعله في الدنيا للمصلحة، وقد يفعله عقوبة، وقد يكون للتعويض. وأما ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات محضة، ايش يعني؟ قالوا ما يفعله في الدنيا للعوض والمصلحة، وقد يفعله عقوبة، هذا بالنسبة للآلام القدرية زي الأمراض، فالأمراض قد يفعلها لمصلحة زي ما قلنا يعتبر به من لا يعقل، وقد تكون فعلاً الأمراض مش لأن يعتبر به الآخرون، لا لأنه أنت عملت معصية أمرضتك. وأما ما شرعه من أسباب الألم، هذا يقصد به العقوبات زي الحدود والقصاص، ما شرعه في الشريعة من أسباب الألم، لا، هذه كلها عبارة عن عقوبات محضة، فالجلد مقابل الزنا، والقطع مقابل كذا، ما شرع في الشريعة من أسباب الألم فهذا في باب الجنايات يدرس، فهذا يكون للعقوبات.
قال: واما مشايخ القوم فقالوا: إنما يحسن منه تبارك وتعالى الإيلام لأنه المنعم بالصحة والحياة، ولأنه في حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها فله قطعها إذا شاء. قال: ولأنه قادر على التعويض، عالم بقدره وليس كذلك الواحد منا، قالوا: فإذا استرجع عارية الصحة والحياة خلفها الألم، ولا بد. يعني في طريقة التفكير: أما مشايخ القوم فماذا قالوا؟ إنما يحسن منه تبارك وتعالى الإيلام من جهة أنه منعم بالصحة والعافية، فإذا استرد الصحة والعافية عاد الإنسان للأمور العدمية؛ كأنه يقول الأصل في الأمور العدمية أن الإنسان مريض ضعيف هزيل، إذا ربنا أعطاك عارية الصحة ثم سلبها منك هو جعل كأنه سلب النعم، هو تركك مع مقتضى طبيعتك أنك مريض وضعيف، فهذا لا يؤاخذ عليه الرب، بس هنا مشكلة؛ يعني لو كانت زي الفكرة السابقة ابن القيم، هل تذكر لما تكلم أن الأصل في الإنسان الظلم والعجز؟ هي أمور عدمية، فإذا الله تركك معها ولم يتفضل عليك بالعلم والمعرفة، فهو منعك فضله لكنه لم يخلق فيك الجهل؛ الجهل أمر عدمي فهو تركك مع مقتضى طبيعتك، ولم يخلق فيك الجهل أو يخلق فيك العجز. تمام، كما قلنا هي أمور عدمية، بس هنا ممكن نقول: هل المرض هو فعلاً أمر عدمي؟ هل الطريقة هي نفسها في التفكير تصلح أن الصحة والحياة هذه أمور تفضلية، فإذا سحبها منك تركك مع مقتضى طبيعتك، فهل نقول إن المرض هو فعلاً أمر عدمي؟ ممكن يقول لك شخص: الضعف أمر عدمي والعجز، كما قال، وهو الذي ينتج عنه الأمراض، فالأمراض هي صحيح شرور وجودية، لكنها نتجت بسبب ترك الإنسان مع شر عدمي وهو العجز. بس سيبقى عليهم سؤال: لماذا خلق الله هذه الشرور الوجودية؟ لأنه هذا ما أجابوا عنه، في قصور في الإجابات؛ أنت ستلاحظ أن إجابات المعتزلة قد تغطي جانباً بس لسه ما غطت الجانب الآخر.
يعني هنا أن الصحة والعافية إنعام، ولأنه في حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها فله قطعها، طب إذا قطعها سيصبح المخلوق مريضاً، طب المرض ما هو شيء ربنا خلقه أيضاً، فأنت تحتاج أن تعلل لي لماذا خلقه، هي مش فقط أنه سلب منه الفضل، فبقي مع مقتضى العدم، هنا عدم نتج عنه مرض، والمرض مخلوق من مخلوقات الله، فلا بد من أن تجيب لماذا خلق الشر الوجودي، فالإجابة قاصرة. قال: ولأن قادراً على التعويض، عالم بقدره، وليس كذلك الواحد منا، هذه قضية ثانية، هذه قضية أنه نرجع للمربع الأول، أنه هل يجوز لي أن أنزل ألماً بشخص وأنا سأعطيه عوضاً كبيراً؟ هي فكرة أصلاً مرت معنا قبل قليل، وقالوا إن العقل يستحسنها أصلاً. قالوا: فإذا استرجع عارية الصحة والعافية خلفها الألم، يعني مش هو في ألم وجودي. قال: ولا بد، وأطالوا الكلام في الآلام وأسبابها وما يحسن منها وما يقبح، وعلى أي وجه يقع، وحصروا أنفسهم غاية الحصر، هم مشكلتهم أنهم بس يفكرون بالمنظور العقلي البسيط، أنه لو كان في المخلوق كيف سيحصل. طيب يا أيها المعتزلة، أكبر إشكالية في الفكر الاعتزالي ويحاول أن يحلل قضية الشر ما هي؟
أنه لم ينظر إلى مقاصد الخالق التي ليست موجودة في المخلوقين؛ أن الله يريد أن يظهر معالم قوته وأسمائه وصفاته، طبعاً المعتزلة لا هم مؤمنون بالصفات، وأثبتوا أسماء خالية من محتواها. فلذلك فكرة أن من مقاصد الشر إظهار آثار أسماء الله الحسنى والصفات العلى في خلق المتضادات والمتقابلات، وأن الله يريد استخراج أنواع من العبوديات من لوازمها وجود الشر، وكل الكلام الذي حكى عنه ابن القيم في الصفحات السابقة على طريقة أهل السنة ليس موجوداً في القاموس الاعتزالي؛ لأن المعتزلة فقط حصروا كما قال لك، حصروا أنفسهم أن الخالق يتصرف مثلنا، فصار أي شيء نحن نفكر فيه خلص لا بد أن تكون طريقة الخالق مثلها، فبالتالي شيء طبيعي أنه سيكون تباين كبير بين نظرية أهل السنة لماذا وجد الشر، وبين نظرية المعتزلة لماذا وجد الشر؛ لأننا نحن ننظر أن هناك مقاصد للخالق ليست موجودة فينا، وأما المعتزلة ما عندهم هذا البعد، عندهم مقاصد الخالق هي نفس مقاصدنا حاشاه سبحانه وتعالى.
شفت كيف الإشكال يولد إشكالاً، ويأتيك بعد ذلك شخص يقول لك: يا أخي هي الخلافات بين الفرق الإسلامية خلافات أتعبونا بها وفرقت المسلمين وضجت بها العقول، فلازم إحنا يا أخي نطوي الخلافات هذه، يا أخي هذا يفكر بهي الطريقة وذاك يفكر بطريقة ثانية، هو مفكر من المشكلة بس أنه أثبتت هذه الصفة ولا ما أثبتها، يا أخي مسائل الأسماء والصفات خلاف تكتيكي. أخي هذا كلام الجاهل حقيقة، والله هذا كلام الجاهل الذي لم يقرأ العلم على أصوله، ولا يعرف أن الخلاف هذا عميق متجذر في كثير من القضايا الفكرية الوجودية؛ إنكار الأسماء والصفات خطير وما يتفرع عنها خطير جداً. لذلك القدرة على إجابات أسئلة الملحدين، القدرة على تقديم نظرية الإسلام في هذا العالم الضاج بالفلسفة الوضعية والوجودية والبنيوية والتي تسمعوها كثير من الفلسفات الغربية، لا بد أن تكون نظرية الإسلام نظرية متكاملة قوية مقنعة على المنطق والعقل السوي. إذا أنت مشيت مع عقائد المعتزلة والأشاعرة والماتريدية ستجد فجوات واضحة في الفكر لن تصمد أمام تلك الفلسفات الأخرى، فسيضحكون عليك، وسيقولون هذه فلسفتكم، وسيجدون من التطاول على عقائد أهل الإسلام الشيء الكثير. فلا يأتي شخص يخرج أمام الناس الله يكرمكم ويهون من الخلاف العقدي ويصوره كأنه خلاف نظري في جدليات فلسفية لا ينعكس على واقع الإنسان وتفكيره في الوجود، هذا خطير جداً الكلام. كل هذه الأمور انعكاساتها على تفسير الشر، أنت لما تبتلى بشر يا أيها الإنسان، عقيدة أهل السنة والجماعة هي التي تعطيك حماية وصيانة لمشاعرك تجاه الإله، لماذا ابتلاني؟
لكن عقيدته عقيدة اعتزالية أو أشعرية -طبعاً الحمد لله أن الناس بفطرهم ليسوا على تلك العقائد، يعني أنت تاتي الناس إلى فطرهم تجد الشخص لما يبتلى حتى لو كان أشعرياً يصبر، أخوه يقول له: يا أخي ربنا بده يكرمك، ربنا بده يتلطف فيك، هذا بخالف أصله- بس كما قال ابن القيم: أن يتناقضوا أفضل من أن يبقوا مضطردين؛ لأنه لو تأتي لواحد مبتلى تقول له: اسمع، هي مشيئة الله، عجبك عجبك، ما عجبك بلا؛ يعني هو بقدر ما بده يخضع للمشيئة، بقدر ما هو شاعر بألم، طيب ليش يا رب أنا؟ خلص اسكت، مشيئة الله، زي المدرس الذي يسكت طلابه. لا يا أخي، قل له: يا أخي ربنا بده يرحمك، ربنا فيه ألطاف، فيه حكم للإله، هكذا ستجعل هذا الرجل يصبر ويتحمل ويقدر أن يجد معاني، هكذا ستكون العبودية حسنة جميلة، بخلاف ما يشعر نفسه أنه خلص واقع تحت السياط، أنه هي طلعت العبودية لله يا شيخ سياط بدك تتحملها، مشيئة الله والله بعوض. تمام، هذا هو مقدار العبودية، هكذا نصورها للناس. طبعاً أعود فأقول: الحمد لله أن الناس على فطرهم، وإلا لو عرفوا ما الذي تقتضيه أصولهم الفكرية، يعني لبعضهم ارتد وانتكس وبعضهم أصابه إلحاد، شو هالقصة هذه؟ ولماذا ذلك؟ اليوم أحد أسئلة الإلحاد الكبرى: لماذا يطلب الله منا أن نعبده؟ يلا روح جاوب على طريقته وحاول تقنع هذا الملحد على طريقتكم، هذه الإشكاليات التي لا يجوز أن تطوى. طيب، نرتاح قليلاً، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل