دخولتسجيل الدخول

طريق الهجرتين ( الحمد أساس الشرع والقدر ) | برنامج رياض الجنة | المجلس الحادي عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلِّ وسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس مدارسة كتاب "طريق الهجرتين" للإمام الحافظ ابن القيم عليه رحمة الله. ما زال ابن القيم يحدثنا عن أسباب الشر في الإنسان، وكيف أن الله سبحانه وتعالى ليس الشر إليه، وأنه لا يجوز أن ننسب الشر إلى الله سبحانه، وأن نعلم أن الله عز وجل لما خلق الإنسان خلقه بطبيعة معينة، وهو أنه عاجز جاهل فقير. وهذه الأمور الثلاثة مرت معنا في الدرس الماضي أنها أمور عدمية، فهذا الشر العدمي لا نقول إن الله عز وجل خلقه لأن هذه أمور عدمية، والأمور العدمية لا تضاف إلى فعل خالق.

خلاصة ما مر معنا فيما سبق أن الشر العدمي في الإنسان هو سبب لوجود شر وجودي، وأن هذا الشر الوجودي نعم يخلقه الله عز وجل، وهو وإن كان فيه شر بالنسبة لذلك الإنسان الذي فعله، لكنه في محصلة أمره خير؛ فإن الله سبحانه وتعالى شاء أن يكون هذا الكون يقوم على المصلحة الراجحة وليس على المصلحة الخالصة، يعني أن يكون هناك مصالح راجحة يقبل معها شيء من الشر اليسير. وهذا الشر اليسير نعم، هو صورة الأفعال الشريرة التي تصدر من بعض البشر، أذن الله بها وخلقها لتحصيل خير كثير مقابلها. وهذا الخير الكثير طبيعته لا تتأتى إلا مع وجود هذا الشر اليسير.

وكيف طبيعته لا تتأتى إلا مع وجود هذا الشر اليسير؟ التضحية ومقارعة الأعداء ومواجهة الباطل، هذه أفعال لا تقبل الوجود إلا بوجود لوازمها، وهي وجود أشرار ووجود شر، ووجود ما يُضحَّى من أجله ويبذل الإنسان مهجته في مدافعته. فلما شاء الله سبحانه أن يكون هذا الكون فيه ظهور لمقتضيات أسمائه وصفاته وظهور لأمور يحبها، وطبيعة هذه الأمور التي يحبها سبحانه تستلزم وجود شيء من الشر، أذن الله سبحانه وتعالى وخلق شيئاً من الشر على يد بعض الناس لتحصيل خير كثير يحب الله سبحانه وتعالى أن يراه وأن يوجد في هذا العالم. هذه خلاصة القضية؛ إذا أردت أن تلم أفكار الدرس الماضي: الإنسان فيه شرور عدمية وهي الجهل والعجز والفقر، تسبب شروراً وجودية خلقها الله. طب لماذا خلقها الله سبحانه؟ لأن وجود هذا الشر بالنسبة لبعض الناس هو سبيل لتحصيل خير كثير عميم يستلزم وجود هذا الخير الكثير العميم وجود هذا الشر اليسير. هكذا طبيعة هذا العالم وهكذا طبيعة هذه الأشياء، وربك سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].

ثم قال: وتأمل. ووصلنا إلى قول ابن القيم: وتأمل أول نقص دخل على أبي البشر آدم عليه السلام.

وتأمل أول نقص دخل على أبي البشر وسرى إلى أولاده، كيف كان من عدم العلم والعزم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: 115]. ونسيانه سواء كان عدم العلم أو عدم الصبر كما فسر بهما هاهنا فهو أمر عدمي، ولهذا قال آدم لما رأى ما دخل عليه من ذلك: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].

إذاً هي أمور عدمية، عدم العلم، مش قلنا هذا شر عدمي وهو الجهل؟ ما هو عدم العلم هو نفس الجهل، فالجهل الذي هو عدم العلم أمر عدمي سبب وقوع هذا الخطأ من سيدنا آدم عليه السلام. الآن هذا الشر الوجودي وهي المعصية التي فعلها آدم عليه السلام هذا شر وجودي نتج من شر عدمي، لكننا نعلم أن هذا الشر الوجودي وهي هذه المعصية التي ظهرت على آدم عليه السلام الله خلقها، فكل أفعال العباد مخلوقة لله. طب لماذا الله خلقها وأذن لوجودها؟ لوجود مصلحة عظمى يريد الله سبحانه وتعالى أن تتحقق، وهي أن يهبط آدم إلى الأرض وتبدأ رحلة عظيمة من المدافعة بين الحق والباطل، تظهر فيها مقتضيات أسماء الله وصفاته. إذا فهمت القضية انتهت؛ أن الله عز وجل أذن بوقوع هذا الشر اليسير وهو خطأ آدم مثلاً، لأنه كان يريد أن تبدأ قصة هذا العالم الذي يقوم على فكرة المدافعة بين الحق والباطل ليظهر أثره وموجبات أسماء الله الحسنى وصفاته.

قال: فإنه اعترف بنقص حظ نفسه بما حصل لها من عدم العلم والصبر بالنسيان الذي أوجب فوات حظه من الجنة. ثم قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، فإنه سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية، أي ما ينتج عن الشرور العدمية من شرور وجودية وهي المعاصي والذنوب، هذه أنت تحتاج أن يغفرها الله لك، لذلك قال: فإنه سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية فيمنع أثرها وعقابها ويقي العبد ذلك، وإلا ضرته آثارها ولا بد.

أكيد وهذا يا إخواني ما ننبه عليه دوماً، وهي أن الإنسان يجب أن يسأل الله سبحانه وتعالى ويحرص على الدعاء والالتجاء؛ إنه ليس فقط أن يتوب الله عليك، أنت لا تحتاج فقط إلى التوبة، أنت تحتاج أيضاً إلى أن يقيك الله عقوبة الذنب، لأنك قد تتوب وقد يقبل الله التوبة، لكن يبقى أثر الذنب موجوداً في حياتك. بعض الناس لا يفرق بين مفهوم التوبة ومفهوم أثر الذنب، يعني قد تذنب ذنباً فيحرمك الله من العلم ومن طلب العلم، قد تذنب ذنباً فيحرمك الله سبحانه وتعالى من قيام الليل، قد تذنب ذنباً فيحرمك الله سبحانه وتعالى من كثير من الخير الذي كنت فيه، قد تذنب ذنباً فتحرم رزقاً، هذه هي آثار الذنب: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]. فالإنسان هو لا يحتاج فقط أن يتوب الله عز وجل عليك، فتحتاج إلى التوبة وتحتاج أن تسأل الله أن يقيك عقوبة الذنب في الدنيا وفي الآخرة، وهذا سبحان الله كيف الأذكار الجامعة تعلمنا هذه المعاني أنه أنت لا تحتاج فقط إلى التوبة بل تحتاج إلى ما هو أبعد أيضاً منها وهو أن يمنع الله أثر المعصية يمنع الله أثرها وعقابها وأن يقي العبد ذلك، هذا معنى: "اللهم قنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا". لاحظ إذاً لماذا نحن نستعيذ من سيئات الأعمال؟ لأنك تطلب من الله أن يحميك وأن يقيك من آثار الذنوب في حياتك، أنه يا رب لا تسلبني طلب العلم بسبب ذنبي، يا رب لا تحرمني الرزق بسبب ذنبي، يا رب لا تحرمني من كثير من الخير الذي كنت فيه بسبب ذنبي.

حقيقة أكثر شيء يخاف الإنسان، يعني إنسان يتوب يظن أنه خلص عمل معصية، نظر إلى حرام أو فعل شيئاً ويقول خلص تبت وما راح أرجع أعملها. ماشي، ممكن أنك تبت، بس هل أنت ضامن أن عقوبة المعصية ارتفعت عنك؟ وأن الشيء الذي سلبه الله منك سيرده إليك؟ هنا المخيف، حقيقة غير أن الإنسان طبعاً يخاف ألا تكون توبته مقبولة، لكنه أيضاً يخاف من قضية أنه هل الشيء الذي سلبه الله مني بسبب ذنبي؛ كنت والله منشرح الصدر لمدارس العلم كنت مقبلاً يا أخي على الخير وكنت أشعر فيها بلذة، يا أخي الآن أشعر فيها بظلمة، أشعر أن قلبي منقبض كلما قرأت كتاباً أو تصفحت درساً، أو لا أشعر بتلك الهمة العالية والمعنويات المرتفعة اللي كنت أشعر فيها في بدايات الطلب. نعم، قد يكون الله سلبك لذة مجالس العلم، وسلبك لذة القراءة والتحصيل والانتفاع والإقبال على الخير، أو سلبك لذة الدعوة إليه بسبب ذنوبك ومعاصيك، فأنت ستتوب وتشتغل بالتوبة وهذا مطلوب وواجب، ولكن أيضاً عليك أن تحرص كما قلنا على أن تدعو الله سبحانه؛ طبعاً إذا كنت لم تقع في المعصية، عفواً إذا كان أثر المعصية لم يقع بعد تسأل الله أن يحول بينك وبين وقوعه، وإذا كان وقع وانتهى تسأل الله أن يرفعه وتصر: "يا رب قنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا" وسيئات أعمالنا، لأنه ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر: 9]، مش هكذا الملائكة تدعو؟

﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني قهم جزاء أعمالهم السيئة، السيئات هناك يوم القيامة هي عقوبات الأعمال. فهذا معنى شريف أشار إليه ابن القيم هنا: فإن الله سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية فيمنع أثرها وعقابها ويقي العبد ذلك وإلا ضرته آثارها ولا بد، كآثار الطعام المسموم إن لم يتداركه المداوي بشرب الترياق ونحوه وإلا ضره ولا بد، وإن لم يرحمه سبحانه وتعالى بإيجاد ما به تصلح النفس وتصير عالمة بالحق عاملة به وإلا خسر هذا الإنسان. فالمغفرة تمنع الشر، والرحمة توجب الخير، والرب سبحانه إن لم يغفر للإنسان وتمام المغفرة تكون أن يقي العبد السيئات، أو يرحمه فيؤتيه الحسنات وإلا هلك ولا بد، إذ كان ظالماً لنفسه ظلوماً بنفسه.

قال: فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها، وهي متحركة ظلوماً بنفسه، يعني هو هو بنفسه ظلوم، يعني بطبعه ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]، معنى ظلوماً بنفسه يعني أنت ظالم لنفسك، ظلوم بنفسك، ظلوم بنفسك يعني أنت بطبعك ظلوم، وحملها الإنسان، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ كيف إنسان فقير بطبعه هو ظلوم بطبعه؟ يعني هذا معنى ظلوم بنفسه، فانت ظلوم بطبعك وتظلم بسبب هذه الخصلة، فإنك تظلم نفسك إذ تعرضها لمساخط الله سبحانه وعقابه.

قال: فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها، نعم فالنفس هذا تحليل عميق للإنسان، النفس البشرية منها بحد ذاتها ليس هناك شيء يكون منها، وإنما كل ما يحصل من الخير الذي يصدر منها فهو من أفضال الله وإنعامه عليها برحمته، أن علمها ووجهها ووفقها، وإلا فالنفس كطبيعة النفس ظلومة جهولة فقيرة ضعيفة غير عالمة، فإذا هي بذاتها لا يصدر منها الخير، وإنما يصدر الخير بالإمداد، مر معنا سابقاً الإمداد من الله لها بمادة الخير، وأساس مادة الخير هي الوحي.

قال: وهي متحركة بالذات، فإن لم تتحرك إلى الخير تحركت إلى الشر فضر، وهي متحركة بالذات، سبحان الله هذا ممكن بحث يكتب فيه الإنسان في طبائع النفس، يعني تستخرج من كلام ابن القيم بحثاً لطيفاً في طبائع النفس البشرية، أنه الآن ابن القيم يقول لك النفس البشرية ما طبائعها؟ مش قلنا جهولة بالذات، فقيرة بالذات، ظالمة بالذات، عاجزة بالذات، ومتحركة بالذات، هي كلها من طبائع النفس اللي أنت بدك تكون فاهمها، وأن النفس من طبائعها أنها متحركة، إيش يعني متحركة؟ لا بد تطحن لا بد تفكر، ولذلك الإنسان دائماً همام، مش هيك دائماً نقول همام؟ لازم تهم وتتحرك، وبالتالي ما دامت هذه من طبائعها فاعلم أنها إذا لم تتحرك إلى الخير ويوفقها الله إلى الخير فلا بد وأن تتحرك بالاتجاه الآخر، ولا يوجد منطقة سكون، لماذا لا يوجد منطقة سكون؟ لأن النفس بلوازمها طبيعتها كده متحركة.

قال: وكونها متحركة بالذات من لوازم كونها نفساً، لأن ما ليس حساساً متحركاً بالإرادة فليس نفساً.

في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء حارث وهمام»، قال: فالحارث الكاسب العامل، والهمام الكثير الهم، والهم مبدأ الإرادة. فالنفس لا تكون إلا مريدة، تبدأ مبدأها يعني أول مرتبة من مراتب الإرادة الهم، ما معنى والهم مبدأ الإرادة؟ أول مرتبة من مراتب الإرادة هي الهم.

قال: فالنفس لا تكون إلا مريدة عاملة، فإن لم توفق للإرادة الصالحة وقعت في الإرادة الفاسدة والعمل الضار، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 19-22]. قال: فأخبر تعالى أن الإنسان خُلق على هذه الصفة، وأن من كان على غيرها فلاجل ما زكاه الله به من فضله وإحسانه، فهو إمداد. فإذاً هذا أيضاً من الطبائع الذاتية، ولذلك كما قلت لكم، المفصل عموماً كثيراً ما ينبغي أن يهتم الإنسان بقراءته، طبائع النفس البشرية فيه، المفصل سورة الإنسان، سورة القيامة، سورة المدثر، جزء كثير ما ترد فيه، سورة المعارج كثير ما ترد فيه طبائع النفس البشرية كإنسان، وكيف أن النفس البشرية بطبعها لا يصدر منها الخير، وإنما تحتاج إلى إمداد وأفضال من الله حتى يصدر منها هذا، وإلا فطبائعها التي خلقت عليها تمام يعني كما قلنا هي أمور عدمية هذه الطبائع وهي الشرور العدمية التي في الإنسان، الأصل أن يتولد منها الشر، الأصل أن يتولد ماذا؟ شرور إذا لم يتداركها الله عز وجل برحمته وتزكيته وإمداده.

قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساء. وقال الحسن: هو خلقه من ماء مهين. وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى. ضعف عزمه عن قهر الهوى، ما معنى خلق الإنسان ضعيفاً؟ أي ضعيف العزم على قهر هواه. والصواب قال: إن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أعظم من هذا وأكثر، فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في الحدور. قال: فبالاضطرار، كيف السيل في المناطق المنحدرة بكون، فالآفات إلى الإنسان أسرع من السيل في المناطق المنحدرة، فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه.

وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المسعد المعين فإلهك أقرب إليه من نفسه، وهذا أس العبودية أن تعرف لماذا أنت تحتاج إلى أن تعبد الله؛ لأنك فقير ضعيف في نفسك، نفسك لا يأتيك منها إلا الشر، هذه النفس التي خُلقت ضعيفة القوة، ضعيفة الإرادة، ضعيفة العلم، ضعيفة الصبر، ضعيفة العزم؛ ماذا تتوقع من هذه النفس إلا أن تقودك نحو الشر إذا لم يسعفك الله عز وجل بفضل ورحمة ومنة؟ فلا بد إذاً من أن تستعين بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله. لماذا نقول لا حول ولا قوة إلا بالله؟ لأن الإنسان يعرف طبائعه أنه لا حول لي على القيام بشيء، ولا التحول من حال إلى حال، ولا قدرة لي على القيام بما يصلحني إلا بالله ومعونته؛ لذلك كانت «إياك نعبد وإياك نستعين»؛ لأنني لن أستطيع أصلاً أن أقوم بحق العبودية إذا لم يعنني.

هكذا جبلت النفس، فماذا تتوقع منها إذا لم تمد بعون من الله سبحانه وتعالى؟ وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التي يحمد عليها الرب جل جلاله ويثنى عليه بها. أقول لك: خلق الإنسان على هذه الصفة الضعيفة من الأمور التي يحمد عليها الرب؛ نعم، هو من الأمور التي يحمد عليها الرب ويثنى عليه بها، وهو موجب حكمته وعزته، فكل ما يحدث من هذه الخلقة وما يلزم عنها فهو بالنسبة إلى الخالق سبحانه طبيعة هذه الخلقة للإنسان، كل ما ينتج عنها خير وعدل وحكمة، إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله. مصدر هذه الخلقة الإنسانية -التي هو ضعيف القوة وضعيف الإرادة- مصدرها عن صفات كماله سبحانه، مصدرها عن الغني العليم العزيز الحكيم والرحيم. وبالنسبة إلى العبد، إذا خلق الله الإنسان والنفس البشرية على هذه الصفة فهو خير قطعاً، وهذا الفعل -وهو أن الله خلق النفس الإنسانية بهذه الصورة المليئة بالضعف- هو من الأمور التي هي خير عند الله، ويحمد الله عليها، فهو سبحانه مقتضى حكمته أن لا يكون خلق النفس بهذه الطريقة عيباً وظلماً وسفهاً.

وهو سبحانه غني، وخلق النفس بهذه الطريقة الضعيفة ليس ناتجاً عن افتقار عنده، حاشاه، أو عجز عنده، بل لا بد لمصلحة عظيمة خلق النفس بهذه الطريقة. وأنا أقول لك أيها الكريم وأيتها الكريمة: إن خلقك على صورة الضعف هو الذي يقودك إلى مونك، وهو الذي يشعرك دوماً بالاحتياج إليه، وأنك لو لم تكن ضعيفاً -ترى الإنسان ضعيفاً وإذا استغنى قليلاً يطغى- فما بالك لو كان قوياً؟ ماذا سيفعل مع الإله؟ أنت ضعيف وتشعر بضعفك ومع ذلك عندما يأتيك شيء من لحظات القوة العارضة أو الغنى العارض، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]. راى نفسه عنده مال ووظيفة وزوجة وبيت قال لك: خلاص أنا ما أحتاج للإله، ولذلك في تاريخ البشرية لما تقرأ القرآن، من أكثر من عارض الرسل؟ وقف في وجههم المترفون، الذين كانوا في حالة من الترف وحالة من الاستغناء الشعوري، وإن كان في الواقع لا يمكن أن يستغني عن الله طرفة عين، هم أكثر من واجه الرسل واعترض على الإله، بخلاف الفقراء؛ ولذلك من أكثر أتباع الأنبياء المستضعفون.

لذلك لما هرقل سأل أبا سفيان عن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أضعفاؤهم يتبعونه أم عظماؤهم؟»، فقال: «بل ضعفاؤهم». ففقر الإنسان وضعفه، ترى بقاء الإنسان فقيراً ضعيفاً ويذكر هذا الضعف وهذا الفقر بالله، خير لك من أن تصبح غنياً ممتلئاً فتشعر بالاستغناء عن الله والاستكبار عليه، فخلق الإنسان على هذه الصفة من الضعف قطعاً لمصلحة الإنسان، حتى يبقى متذكراً للاحتياج، لكن هو لمصلحة الإنسان بشرط أن يعمل الإنسان بمقتضى أو ما يتطلبه هذا الضعف من الركون إلى الله والفزع إليه. أما إذا الإنسان بقي مع هذا الضعف ولم يقم بالمعالجة الصحيحة له بالاستغناء بالله، وإنما أصبح بسبب ضعفه الذاتي العجز والظلم والجهل يفعل الشر؛ لا، هنا صار ضعفك وبالاً.

وبالنسبة إلى العبد، خلقه على هذه الصفة بالنسبة لك أنت، وبالنسبة للإله خلقه على هذه الصفة خير، وأما بالنسبة لنا نحن فينقسم إلى خير وإلى شر على حسب موقفنا من هذا الضعف؛ هل سنعالجه بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى أو سنمشي مع مقتضى ضعفنا وننتج الشر الوجودي؟ إذاً وبالنسبة إلى العبد ينقسم إلى خير وشر وحسن وقبيح، كما يكون بالنسبة إليه هناك طاعة ومعصية، وهناك ما هو بر وفجور، بل أخص من ذلك، مثل كونه صلاة وصياماً وحجاً، وزناً وسرقة، وأكلاً وشرباً، ذلك موجب حاجاته وظلمه وجهله وفقره وضعفه، وموجب أمر الله له ونهيه. فلله سبحانه وتعالى، قال: فلله سبحانه الحكمه البالغة والنعمة السابغة والحمد المطلق على جميع ما خلقه وأمر به، وعلى ما لم يخلقه مما لو شاء لخلقه، وعلى توفيقه الموجب لطاعته، وعلى خذلانه الموقع في معصيته.

وهو سبحانه سبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة، وأحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنع، وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله سبحانه في ذلك أعظم حكمة مطلوبة، وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب التي لا تنال غاياتها إلا بها؛ فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة. ولهذا يقرن سبحانه في كتابه بين اسمه الحكيم واسمه العليم تارة، وبينه وبين اسمه العزيز تارة؛ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. قال: فإن العزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعاً، يقال عز يعز بفتح العين إذا اشتد وقوي، ومنه الأرض العزاز للصلبة الشديدة، وقال عز يعز بكسر العين إذا امتنع ممن يرومه، وعز يعز بضم العين إذا غلب وقهر، قال: فأعطوا أقوى الحركات وهي الضمة بأقوى المعاني وهو الغلبة والقهر للغير.

عز يعز إذا غلب، وأضعفها وهي الفتحة لأضعف هذه المعاني وهو كون الشيء في نفسه صلباً ولا يلزم من ذلك أن يمتنع عمن يرومه، والحركة المتوسطة هي الكسرة للمعنى المتوسط وهو القوي الممتنع عن غيره ولا يلزم منه أن يقهر غيره ويغلبه، قال: فأعطوا الأقوى للأقوى، والأضعف للأضعف، والمتوسط للمتوسط؛ يعني هذه مناسبة لغوية لطيفة. فعز يعز هو الذي يغلب غيره، وعز يعز بالكسرة يمتنع عن غيره، يعني لا يستطيع الغير أن يؤذيني لكن هذا لا يقتضي أنني غلبته، وعز يعز بالفتح معناها أنا قوي بس هذا لا يعني أنني ممتنع عن غيري ولا أنني غلبت غيري، ممكن غيري يكون أقوى مني ويدوسني. ولا ريب أن قهر المريد عما يريده من أقوى أوصاف القادر؛ فإن قهره عن إرادته وجعله غير مريد كان أقوى أنواع القهر، والعز ضد الذل والذل أصله الضعف والعجز، فالعز يقتضي كمال القدرة والعزة. ولهذا يوصف به المؤمن ولا يكون ذماً له بخلاف الكبر، قال رجل للحسن البصري: إنك متكبر، فقال: لست بمتكبر ولكني عزيز.

وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعز الإسلام بأحد هذين الرجلين، عمر بن الخطاب أو أبي جهل بن هشام»؛ يعني أن وصف المسلم بأنه عزيز جائز ومطلوب، بخلاف وصفه بأنه متكبر، لا، هذا لا يصح، لا يصح لك أن تكون متكبراً لكن ينبغي أن تكون عزيزاً. فالعزيز وصف مدح بخلاف التكبر بالنسبة للمخلوق وصف ذم وللخالق كمال وعز. وفي بعض الآثار أن الناس يطلبون العزة في أبواب الملوك ولا يجدونها إلا في طاعة الله، وفي الحديث: اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذللنا بمعصيتك. وقال بعضهم: من أراد عزاً بلا سلطان، وكثرة بلا عشيرة، وغنىً بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة. قال: فالعزة من جنس القدرة والقوة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير».

قال: فالقدرة إن لم تكن معها حكمة، بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر في العاقبة ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان فعله فساداً؛ يا صاحب شهوات الغي والظلم الذي يفعل بقوته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإن هذا وإن كان له قوة وعزة، لكن لما لم تقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده. وكذلك العلم، كماله أن يقترن به الحكمة، وإلا فالعالم الذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه، سفيه غاوٍ وعلمه عون له على الشر والفساد؛ هذا إذا كان عالماً قادراً مريداً له إرادة من غير حكمة. وإن قُدّر أنه لا إرادة له بحال، فهذا أولاً ممتنع من الحي، فإن وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادة ممتنع كوجود إرادة بدون الشعور، قال: وأما القدرة والقوة إذا قدر وجودها بدون إرادة فهي كقوة الجماد، فإن القوة الطبيعية التي هي مبدأ الفعل والحركة لا إرادة لها.

فإن القوة الموجودة في الطبيعة في الجبال وفي البحر وفي غيرها لا إرادة لها. وقال بعض الناس القول الآخر: لا، إن هذه الطبيعة لها إرادات وشعور يليق بها لا نعرفه، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]؛ نفس الشيء لها إرادات لكن لا نفقه طبيعتها. واحتج الذين يقولون إن الطبيعة لها قوة، بقولهم: نحن نقول قوة الله يعطيها إياها، مش على طريقة الطبيعيين الذين يقولون إذا أمطرت الطبيعة وقويت الطبيعة؛ للأسف إنما الله هو الذي وضع فيها هذه القوة. استدلوا بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74]، إذاً هذه الأحجار لها إرادة ولها شعور، وكيف شعرت بخشية الله؟ قضية خشية الله، وكذلك ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ [الكهف: 77]، وهذه مسألة كبيرة تحتاج إلى كلام لا يليق بهذا الموضع، الحمد لله ابن القيم خفف علينا شوي هذا الموضع.

المقصود إذاً أن العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح، وإنما يحصل ذلك بالحكمة معهما، واسمه سبحانه الحكيم يتضمن حكمته في خلقه وأمره في إرادته الدينية والكونية، وهو حكيم في كل ما خلقه، حكيم في كل ما أمر به. قال: والناس في هذا المقام أربع طوائف؛ الطائفة الأولى الجاحدة لقدرته وحكمته، فلا يثبتون له تعالى قدرة ولا حكمة كما يقوله من ينفي كونه تعالى فاعلاً مختاراً، وأن صدور العالم عنه بالإيجاب الذاتي لا بالقدرة والاختيار، وهذا رأي الفلاسفة أرسطوطاليس الذين يقولون إن الله لا يسمونه أصلاً، لا يسمونه الله يسمونه العلة الفاعلة؛ تمام؟ سموه أنه بالإيجاب الذاتي أن هذا بالتولد حصل، وليس بالقدرة والاختيار.

قال: وهؤلاء يثبتون حكمة يسمونها عناية إلهية، وهم من أشد الناس تناقضاً، إذ لا يعقل حكيم لا قدرة له ولا اختيار، وإنما يسمون ما في العالم من المصالح والمنافع عناية إلهية من غير أن يرجع منها إلى ربه تعالى إرادة ولا حكمة؛ هي عناية إلهية بس مش صادرة عن حكيم! قل هذا تناقض. قال: وهؤلاء كما أنهم مكذبون لجميع الرسل والكتب، فهم مخالفون لصريح العقل والفطرة، قد نسبوا الرب تعالى إلى أعظم النقص وجعلوا كل قادر مريد مختار أكمل منه، وإن كان من كان. قال: بل سلبهم القدرة والاختيار والفعل عن رب العالمين شر من شرك عباد الأصنام به بكثير، وشر من قول النصارى إنه تعالى ثالث ثلاثة وأن له صاحبة وولداً؛ فإن هؤلاء أثبتوا له قدرة وإرادة وفعلاً اختيارياً وحكمة ووصفوه مع ذلك بما لا يليق به، وأما أولئك فنفوا ربوبيته وقدرته بالكلية وأثبتوا له أسماء لا حقائق لها ولا معنى، فمن قال بهذا فقد كفر؛ حقيقة هذه الطائفة الأولى من الفلاسفة ومن انتسب إليهم من بعض الفلاسفة الإسلاميين.

الطائفة الثانية: قال أقرت بقدرته وعموم مشيئته للكائنات، وجحدت حكمته وما له في خلقه من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها، وهذا هو الغالب على الطريقة الأشعرية وغيرها ممن يقول إن الله يفعل لمحض المشيئة، ويرفضون تعليل أفعال الله بالغايات والحكم؛ طبعاً هم في الحقيقة في الواقع يتناقضون في طرحهم؛ يعني في كتبهم العقدية يؤصلون هذا، لكن لما تأتي إلى كتبهم التزكوية والتربوية والسلوكية تجدهم يذكرون حكماً وغايات، بس بتصير فلسفة الأمور كيف بدها تصير؟ أنه لا، هذه مش نسميها غرض، وإنما نسميها أمارات أو إشارات؛ فهم من حيث التأصيل يقعون في هذا الإشكال العقدي وإن كان من حيث التطبيق بعضهم يتجاوز هذه النقطة ويتكلم عن حكم الله سبحانه وتعالى؛ فحافظت على القدرة وجحدت الحكمة.

قال: وهؤلاء هم النفاة للتعليل والأسباب والقوى والطبائع في المخلوقات، فعندهم لا يفعل لشيء ولا لأجل شيء، وليس في القرآن عندهم لام تعليل ولا باء تسبيب، وكل لام توهم التعليل فهي عندهم لام العاقبة، وكل باء تشعر بالسببية فهي باء مصاحبة. وهؤلاء سلطوا نفاة القدر عليهم بما نفوه من الحكمة والتعليل والأسباب، فاستطالوا عليهم بذلك ووجدوا مقالاً واسعاً بالشناعة، فقالوا.. وش شنعوا؟ قال: ولعمري إنهم لمحقون في أكثر ما شنعوا عليهم به؛ يعني نفاة القدر الذين ينفون القدر ويقولون إن الإنسان هو الذي يفعل بنفسه، شنعوا على هذه الطائفة من الجبرية الذين ينفون العلل، ويقول ابن القيم: وفعلاً تشنيعهم في مكانه؛ كيف تقولون إن الله لا يفعل لحكمة ولا لغاية وكيف تنفون طبائع الأشياء؟ فهو يقول هذا الكلام لا يقبل عقلاً، وبالتالي هذا التشنيع أكثره في مكانه؛ إذ نفي الحكمة والتعليل والأسباب له لوازم في غاية الشناعة، والتزامها مكابرة ظاهرة عند عامة العقلاء.

الطائفة الثالثة: أقرت بحكمته وأثبتت الأسباب والعلل والغايات في أفعاله وأحكامه، وجحدت كمال قدرته؛ فنفت قدرته على شطر العالم وهو أشرف ما فيه من أفعال الملائكة والجن والإنس وطاعاتهم؛ بل عندهم هذه كلها لا تدخل تحت مقدوره تعالى ولا يوصف بالقدرة عليها ولا هي داخلة تحت مشيئته ولا ملكه، اللي هم مين هذول؟ المعتزلة الذين أثبتوا الأسباب والعلل والغايات، لكنهم جحدوا مش أصل القدرة، جحدوا كمال القدرة؛ حيث قالوا إن الله قادر على الأمور الطبيعية، الشمس القمر حركات النجوم، هذه نعم هي الله عز وجل يخلقها، وأما أفعال المخلوقات، أفعال الملائكة والجن والإنس من طاعة أو معصية فالله عز وجل لا قدرة له عليها، فأثبتوا قدرة الله في جانب الحركات الكونية والفلكية ونفوا قدرة الله عن أفعال المخلوقات المتحركة كالملائكة والجن والإنس.

قال: وليس في مقدوره عندهم أن يجعل المؤمن مؤمناً والمصلي مصلياً والموفق موفقاً، بل هو الذي جعل نفسه كذلك، وعندهم أن أفعال العباد من الملائكة والجن والإنس بل هو -يعني المخلوق مش هو الله- هو الذي جعل نفسه كذلك، فأنت الذي جعلت نفسك مهتدياً وأنت الذي جعلت نفسك ضالاً وأنت الذي جعلت نفسك مؤمناً وأنت جعلت نفسك كافراً، الله لا دخل له في هذه الأمور لا علماً ولا مشيئة ولا إرادة؛ البعض طبعاً يقول لك لا يعلم بس ما إلنا دخل في المشيئة والخلق، نفاة القدر (غلاة القدرية) نفوا العلم أصلاً وهؤلاء كفار، لكن متأخريهم قالوا لا، الله يعلم أنك ستهتدي أو يعلم أنك ستضل علماً، لكن ليس له مشيئة ولا خلق في ذلك، هؤلاء المعتزلة الذين جاءوا بعدنا وهؤلاء لم يكفروا تكفيراً كما كفر هؤلاء أكابرهم، وإن كان قولهم الأصل أنه كفر لكنهم لم يكفرهم السلف بأعيانهم إلا إن ظهر منه شيء من الزندقة في ذلك أو قامت عليه الحجة.

قال: وهؤلاء سلطوا عليهم نفاة الحكمة والتعليل والأسباب فمزقوهم كل ممزق، ووجدوا طريقاً مهيعاً إلى الشناعة عليهم وإبداء تناقضهم، فقالوا وشنعوا ورموهم بكل داهية؛ إذ نفي قدرة الرب تعالى على شطر المملكة له لوازم في غاية الشناعة والقبح والفساد، والتزامها مكابرة ظاهرة عند عامة العقلاء، ونفي التزامها تناقض، فصاروا مذبذبين بين التناقض وهو أحسن حاليهم وبين التزام تلك العظائم التي تخرج عن الإيمان؛ كما كان نفاة الحكمة والأسباب والغايات كذلك. قال: فهدى الله الطائفة الرابعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ فآمنوا بالكتاب كله وأقروا بالحق جميعه، ووافقوا كل طائفة من الطائفتين على ما معها من الحق، وخالفوهم فيما قالوه من الباطل، وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة.

آمنوا بخلق الله وأمره بقدر وشرع، نؤمن بالقدر ونؤمن بالشرع؛ الأمر والنهي، وأنه سبحانه وتعالى المحمود على خلقه كما أنه المحمود على أمره وشرعه، وأن له الحكمة البالغة والنعمة السابغة، وأنه على كل شيء قدير، فلا يخرج عن مقدوره شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها وصفاتها كما لا يخرج عن علمه، فكل ما تعلق به علمه من العالم تعلقت به قدرته ومشيئته. وآمنوا مع ذلك بأن له الحجة على خلقه وأنه لا حجة لأحد عليه بل الحجة البالغة، وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، بل كان تعذيبهم عدلاً منه وحكمة، لا بمحض المشيئة المجردة عن السبب والحكمة كما يقوله الجبرية.

هذه العبارة: "وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم" كيف نفهمها عند أهل السنة والجماعة؟ يقول: وآمنوا مع ذلك بأن له الحجة على خلقه وأنه لا حجة لأحد عليه بل الحجة البالغة، وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم بل كان تعذيبهم عدلاً منه وحكمة، لا بمحض المشيئة؛ لأن الأشاعرة وغيرهم ماذا يقولون؟ إن الله عز وجل له أن يعذب بمحض المشيئة، بس أراد أن يعذب فيعذب؛ لكن نحن نقول: لو أنت تظن أنك تمدح الله هكذا أن الله يعذب فقط بمحض المشيئة أنه يريد أن يعذب فيعذب، أنت تصف الله عز وجل بالظلم! صحيح لو قلت إن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه فقط لمحض المشيئة دون إثبات حكمة في هذا الموضع، أنت هنا ترى ما لا تظن أنك في محمده في قولك، لأنك تنسب الله إلى الظلم أنه يعذب فقط لأنه يريد أن يعذب دون حكمة وعدل وراء هذا.

أما أهل السنة والجماعة نعم يقولون: لو عذب أهل السماوات لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لعدل وحكمة، وهو أن أهل السماوات وأهل أرضه لا يوفون حقه، وأنه لو أنه سبحانه وتعالى تركهم مع طبائعهم سينشأ منهم الشر، ولو فعلوا ما فعلوا من الطاعات لا يوفون حقه؛ فتعذيبهم لو أراد أن لا ينزل رحمته وفضله لن يكون ظلماً من جهة أنه عدل وحكمة، أنكم أنتم لم تقوموا بحق الله سبحانه وتعالى؛ ليس فقط لمحض المشيئة يعني الفكر الأشعري يقوم هنا أنه لو عذب لمحض المشيئة فالأمور تمام وهذا حق، فهنا نحن نقول لهم: محض المشيئة لا يبرر بها التعذيب لأنه سيكون ظلماً، والله متنزه عن الظلم، بل لا بد إذا صححنا العبارة أو قلنا إن هذه العبارة لها معنى، نقول: نعم لو عذب أهل السماوات وأهل الأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ليس من جهة محض المشيئة، بل من جهة العدل؛ أنه أنتم لو فعلتم ما فعلتم لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، كل أعمالكم فيها من التقصير والضعف الذي لا يقوم بحق الله سبحانه وتعالى، فلما أعذبك سأعذبك وأنا ما ظلمت، بل هذا العدل؛ لأنه أنت لم تقم بحقي، لكنه سبحانه يتفضل عليه فيجعل أعمالنا على ضعفها سبباً لرحمته فيرحمنا ويرحم ضعفنا ويدخلنا الجنة.

لا يجعلون القدر حجة لأنفسهم ولا لغيرهم، بل يؤمنون به ولا يحتجون به، فالقدر يؤمن به لكن لا يحتج به على المعاصي والذنوب، صحيح هذا موقف أهل السنة والجماعة، أصلاً من أول موضوع القدر من أجل هذه العبارة، نحن أصلاً شو اللي فتح قضية القدر والحفلة التي نحن فيها من 50-60 صفحة؟ هي قضية الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي، فيقول لك ولا يجعلون القدر حجة لأنفسهم ولا لغيرهم؛ يؤمنون بالقدر لكن لا يحتجون به على معاصيهم، ويعلمون أن الله أنعم عليهم بالطاعات وأنها من نعمته عليهم وفضله وإحسانه، وأن المعاصي إنما هي نتيجة من نفوسهم الجاهلة، أن الشر العدمي الذي فيهم وهذا شر عدمي قلنا لم يخلقه الله؛ هو طبيعة الشرور عدمية لا تضاف إلى فاعل، أن الله خلق الإنسان بطبيعة بس ما أعطاه مواصفات؟ مش قلنا هذه شرور عدمية؟ أن هذه الطبائع هي شرور عدمية لا تضاف إلى فاعل، فالإنسان يعلم أن المعاصي هي نتيجة وثمرة نفوسهم الظالمة الجاهلة، وأنهم هم جناتها وهم الذين اجترحوها؛ لأنه أنتم خُلقم كنفس إنسانية فيكم هي الطبائع وهي طبائع عدمية جهل وكذا، الله منع أفضاله عليها، منع إمداده لها فلم تَزكُ، فأنتجت هذه الأمور العدمية ما يتصور أن تنتجه، بالتالي وهو المعاصي والذنوب؛ يعني هذه الأمور العدمية مش قلنا هي التي تنتج الشر الوجودي؟ فهذه الشرور العدمية هي أنتجت الشر الوجودي لأن الله لم يمن عليها بفضله؛ طب لماذا الله؟ بدنا نرجع للأسئلة: لماذا الله لم يمن عليها بفضله على بعض؟ لأنه سبحانه وتعالى رآها بعض النفوس ليست محلاً للفضل، طب لماذا؟ يقول هنا علم الله السابق، خلاص انتهت؛ لماذا هي ليست محلاً للفضل؟ هو يعلم السابق سبحانه وتعالى ما الذي يكون فيها وما الذي يصدر منها.

ولا يحملونها على القضاء والقدر مع علمهم بشمول قضائه وقدره لما في العالم من خير وشر وطاعة وعصيان وكفر وإيمان، وأن مشيئة الله سبحانه محيطة بذلك كإحاطة علمه به، وأنه لو شاء ألا يعصى لما عُصي، وأنه سبحانه أعز وأجل من أن يعصى قسراً، والعباد أقل من ذلك وأهون، وأنه ما شاء الله كان وكل كائن فهو بمشيئته، ومن لم يشأ لم يكن ومن لم يكن فلعلم مشيئته، فله الخلق والأمر وله الملك والحمد وله القدرة التامة والحكمة البالغة. طبعاً هذا التفصيل الدقيق حقيقة ربما.

العامي لا يستطيع أن يصل لهذا التحليل، ولذلك الأصفى للعامي أن يعطى موضوع القضاء والقدر مجملاً، فالحقيقة أن الدخول في هذه التفاصيل قد يرهق تصور العامي. هذه التفاصيل في موضوع القضاء والقدر تبقى -كما قال شيخ الإسلام في بعض السياق- سراً من أسرار الله، لا تملك إلا أن تقف عنده؛ لأنه كما قلنا في مساحة معينة مهما حاولت تفكر فيها أنت تصل إلى صندوق مغلق لا تفهم تفاصيله، إلا أنك توقن عموماً بأن لله حكمة بالغة، وأن الله لا يظلم أحداً.

سيبقى في الإنسان إذا أعاد التفكير في القضايا، سيبقى -كما قال البعض- يحوك في نفسه شيء فيها، لماذا فلان؟ طيب ليش مش فلان؟ طيب ليش بصير؟ لماذا خلق الله الطبيعة؟ فنقول في مساحة في النهاية تسليمية إيمانية لا بد من الوقوف عندها، والله طلب منك أن تؤمن بالقدر ولا تحتج به، خلص اعمل بما في، «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». لذلك الصحابة لما أرادوا أن يحتجوا بالقدر: ففيما العمل يا رسول الله ما دام أن الله خلق قوماً للجنة وقوماً للنار؟ نحن إيش بنسوي؟ يعني شو فائدة؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». سيبقى جانب من القدر، جانب لم يطلع عليه أحداً من الخلق، فلا تملك إلا موقف التسليم، وأنك أنت الآن عندك إرادة، عندك تفكير، عندك قدرات، وما بتعرف أنت ما في صندوق القدر، خلص إذاً اعمل بما هو متاح بين يديك، فهذه الطائفة أهل البصر التام.

والأولى للفلاسفة فهم أصحاب العمل مطلقاً، والثانية الجبرية، والثالثة القدرية عور. يعني بده يقول لك أهل السنة والجماعة -نحن قلنا أربع طوائف-: الفلاسفة عميان تام، الجبرية أثبتوا جزءاً وأبطلوا جزءاً فهم عور، وكذلك القدرية أثبتوا العكس ونفوا، هؤلاء عندهم عور، وأهل السنة عندهم البصر التام. كل طائفة منهما لهم عين دون عين، إلا أن نقول الطائفة الثانية والثالثة عور، كل طائفة منهما لهم عين؛ عين للطائفة الثانية وعين للطائفة الثالثة، والثانية لها عين والثالثة لها عين، يعني عين هون وعين هون، بس والثانية عوراء. ومع هذا فسر العمى من العين العمياء إلى العين الصحيحة فأعماها، بعد يقول لك حتى الثانية والثالثة صح هم عور، لكن العور تطور إلى عمى كامل؛ فإن العمى اللي في العين العمياء سرى إلى الصحيحة فأعماها أو كاد يعميها.

ولا يستنكر تكرار هذه الكلمات من يعلم شدة الحاجة إليها وضرورة النفوس إليها، فلو تكررت ما تكررت فالحاجة إليها في محل الضرورة. يعني بقول لك ابن القيم: أنا بعرف إني شوي عدت وزدت في بعض الأفكار، عاد أكثر من مرة، ويقول لك لا تستكثر تكرار هذه الكلمات، ولا يستنكر تكرار هذه الأمور والنصوص التي تتكلم عن الجمع بين الشرع والقدر، ووضع كل في مكانه؛ لأنه هذه الأمور من أشد ما يحتاج الإنسان لضبطها حتى لا تزل قدمه، فيقول لك يعني مش مشكلة، صح أنا كررته وصلي 30 أو 40 صفحة بعيد نفس الكلام بس كل مرة بطريقة، لكن سامحني أنت محتاج إلى ضبط هذا المقام أشد الضبط لكثرة ما وقع فيه من الضلال والزلل.

قال رحمه الله: فصل، ويجمع هذين الأصلين العظيمين أصل ثالث وهو عقد نظامهما وجامع شملهما، وبتحقيقه وإثباته على وجهه يتم بناء هذين الأصلين، وهو إثبات الحمد كله لله رب العالمين؛ فإنه المحمود على كل شيء. ويجمع هذين الأصلين العظيمين، إثبات القدر وإثبات الشرع، أصل ثالث هو مثل العقد، عقد المسبحة؛ كان الشرع والقدر كان الشرع خرز الشرع الأمر والنهي والقدر خرزة مسبحة، الحبل الجامع بين الخرزتين هو أصل ثالث، هو كالعقد الجامع يجمعهما، وبتحقيقه وإثباته يتم بناء الشرع والقدر، ألا وهو إثبات الحمد كله لله رب العالمين، والحمد هو الثناء، أن الله صاحب الثناء الكامل؛ فإنه محمود على كل ما خلقه وأمر به ونهى عنه. شايف؟ محمود على كل ما خلقه اللي هو القدر، وأمر به ونهى عنه اللي هو الشرع.

فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم، وإيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة والشياطين، وعلى خلق الرسل وأعدائهم، وهو المحمود على عدله في أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه؛ فكل ذرة من ذرات الكون شهيدة بحمده، ولهذا سبح بحمده السماوات السبع والأرض ومن فيهن، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]. وكان من قول النبي صلى الله عليه وسلم عند الاعتدال من الركوع: «ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد». فله سبحانه الحمد حمداً يملأ المخلوقات والفضاء الذي بين الأرض والسماوات، ويملأ ما يقدر بعد ذلك مما يشاء الله أن يملأ بحمده.

قال: وذاك يحتمل أمرين؛ أحدهما أن يملأ ما يخلقه الله بعد السماوات والأرض، والمعنى لك الحمد ملء ما خلقته وملء ما تخلقه بعد ذلك. والثاني أن يكون المعنى ملء ما شئت من شيء يملاه حمدك، أي يقدر مملوءاً بحمدك وإن لم يكن موجوداً. لكن قد يقال المعنى الأول أقوى؛ لأن قوله "ما شئت من شيء بعد" يقتضي أنه شيء يشاؤه، وما شاء كان، فالمشيئة متعلقة بعينه لا بمجرد ملء الحمد له، فتأمله. لكنه إذا شاء كونه فله الحمد، قال وملء ما شئت من شيء بعد. يعني وملء ما شئت وجوده؛ وملء ما اسم الموصول هنا تسقط على ماذا؟ على عين؛ يعني وملء عين أو وملء كل عين شئت وجودها من بعد. صح؟ فيقول هذا يقتضي أنه شيء يعني عين يشاء وجودها، وكل عين شاء وجودها قطعا ستوجد، فما شاء كان، فالمشيئة هنا متعلقة بهذه العين، وملء عين شئت وجودها بعد. وملء ما شئت يعني وملء عين شئت وجودها بعد، فالمشيئة متعلقة بهذه العين لا بمجرد ملء الحمد اللي هو مقتضى التفسير الثاني؛ لأنه قال "وملء ما شئت من شيء بعد" يحتمل تفسيرين هذا الدعاء، أحدهما أن يملأ ما يخلقه الله بعد السماوات والأرض من أشياء، والمعنى لك الحمد ملء كل عين ستخلقها، يعني ملء ما خلقته سابقاً وملء كل عين ستخلقها لاحقاً، هذا المعنى الأول وهو الذي يراه ابن القيم أقوى.

والمعنى الثاني أن يكون المعنى ملء ما شئت من شيء يملاه حمدك، أي يقدر مملوءاً بحمدك وإن لم يكن موجوداً مخلوقاً، يعني وملء ما شئت من شيء يملاه حمدك، فجعل على التفسير الثاني جعل المشيئة متعلقة بإيش؟ المشيئة متعلقة كما قال لك تحت بملء الحمد، يعني وملء ما شئت من شيء يملاه الحمد. التفسير الثاني المشيئة ليست متعلقة بوجود الشيء، المشيئة متعلقة بملء الحمد له لو كان موجوداً، يعني بغض النظر وجد أو لم يوجد المشيئة متعلقة بملء الحمد له لو كان موجوداً؛ فعلى التفسير الثاني الأشياء هذه ليست بشرط أن تكون موجودة.

طبعاً ابن القيم يرى أن هذا التفسير الثاني بعيد، قلنا التفسير الأول هو الأصول، أن المشيئة هنا ليست متعلقة بملء الحمد، المشيئة هنا متعلقة بوجود العين، فإذا وجدت يملؤها الحمد. وأيضاً فإن قوله "من شيء بعد" يقتضي أنه شيء يشاؤه سبحانه بعد هذه المخلوقات، كما يخلقه بعد ذلك من مخلوقاته من القيامة وما بعدها، ولو أريد تقدير خلقه لقيل وملء ما شئت من شيء مع ذلك؛ لأن المقدر يكون مع المحقق. ولو أريد تقدير خلقه وليس حقيقة خلقه -إيش يعني هذا؟- لو كان المراد المعنى الثاني لكان المراد لو أريد تقدير الخلق وليس حقيقة الخلق لكان المعنى وملء ما شئت من شيء، لقيل وملء ما شئت من شيء، مش بعده، لكان الحديث "وملء ما شئت من شيء مع ذلك"، إن قوله في الحديث "وملء ما شئت من شيء بعده" إشارة أنه يريد أن يخلق أشياء بعد خلق هذه الموجودات، يريد أن يخلق القيامة وما في القيامة من أمور، فكلمة "بعد" تشير إلى أنه يتكلم عن خلق أشياء جديدة.

أما لو كان المراد تنزلاً تقدير خلق، فإن الحمد سيملاه على سبيل تنزل، وهو لو سماه تقدير الخلق لكان الحديث ليس "وملء ما شئت من شيء بعد"، لكان الأولى أن يقال "وملء ما شئت من شيء مع ذلك"، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء مع ذلك، أي لو قدرته موجوداً لملئ، لأن المقدر لا يحتاج أن يكون بعد المحقق، بل يكون مع المحقق، صح؛ لأنه أي شيء مقدر تقديراً ذهنياً فهذا لا يحتاج أن يقول فيه "وملء ما شئت من شيء بعده"، لو كانت مجرد قضية تقديرية لو وجد أن هذا المقدر كتقدير ذهني هذا مع المحقق موجود، لأنه هذا شيء ذهني أصلاً، ولا يحتاج إلى فرضية بعده، الذي يحتاج أن تقول "وملء ما شئت بشيء بعده" وما هو محقق الوجود، فهذا نعم، أن الأشياء تتتابع في وجودها بعضها بعد.

قال وأيضاً فإنه لم يقل ملء ما شئت أن يملاه الحمد، بل قال "ما شئت"، والعبد قد حمد حمداً أخبر به وأنشأه ووصفه بأنه يملأ ما خلقه الرب وما يشاؤه بعد ذلك. قال وأيضاً فقوله "وملء ما شئت من شيء بعد" يقتضي إثبات مشيئة تتعلق بشيء بعد ذلك، وعلى الوجه الثاني قد تتعلق المشيئة بملء المقدر. وأيضاً فقوله "وملء ما شئت من شيء بعد" يقتضي إثبات مشيئة تتعلق بشيء بعد ذلك أي بعد خلق السماوات والأرض، وعلى الوجه الثاني قد تتعلق المشيئة بملء المقدر وقد لا تتعلق.

إذا قلنا إن المعنى وملء ما شئت لو قدر موجوداً، وملء ما شئت أن يملأ بالحمد لو قدر موجوداً، وهذا هو المعنى الثاني الغريب شوي الذي أنتم بجوز لساتكم عم بتحاولوا تفهموا شو المعنى الثاني، المعنى الثاني وملء ما شئت أن يملأ بالحمد لو قدر موجوداً. هيك المعنى الثاني، وملء ما شئت أن يملأ بالحمد لو قدر موجوداً تمام؟ فيقول لك على الوجه الثاني قد تتعلق المشيئة بملء المقدر وقد لا تتعلق؛ لأنه هذا في النهاية شيء مقدر مش موجود لسه، فالمشيئة قد تتعلق بملئه لو وجد وقد لا تتعلق. وأما على الوجه الأول، لا، أنت أثبتت مشيئة وانتهت، أنت لا تتكلم عن تعلق المشيئة هنا تعلق احتمالي، في الوجه الأول لما قلت "وملء ما شئت من شيء بعد" أنت هنا تثبت مشيئة شيء بعد، وأن مشيئة الله موجودة وتشاء خلق أشياء بعد، أما على الوجه الثاني أنت لما تقول "وملء ما شئت أن يملأ بالحمد لو كان موجوداً"، إذاً أنت هنا لا تتكلم عن مشيئة موجودة فعلياً، وإنما تتكلم عن مشيئة متصورة أيضاً ذهنياً، فقد توجد وقد لا توجد، فهذا الشيء الذي لو كان موجوداً لو وجد، الله أعلم هل تتعلق المشيئة بملئه ولا لا، أنت أتعلق المشيئة بملئه بالحمد أو لا. فهمت؟ فيقول لك فرق بين تقول "وملء ما شئت من شيء بعد" أنت هنا تقر بمشيئة موجودة متعلقة بخلق أشياء مستقبلية، فرغ وانتهى منها، بخلاف القول الثاني لأنه مبني فكله على فرضيات احتمالية.

طيب، وأيضاً فإذا قيل "ما شئت من شيء بعد ذلك" كان الحمد مالئاً لما هو موجود يشاؤه الرب دائماً، ولا ريب أن له الحمد دائماً في الأولى والآخرة. وأما إذا قدر ما يملأه الحمد وهو غير موجود، فالمقدرات لا حد لها، وما من شيء منها إلا يمكن تقدير شيء بعده، وتقدير ما لا نهاية له كتقدير الأعداد، ولو أريد هذا المعنى لم يحتج إلى تعليقه بالمشيئة، بل قيل "ملء ما لا يتناهى". فأما ما شاءه رب تعالى فلا يكون إلا موجوداً مقدراً، وإن كان لا آخر لنوع الحوادث وبقاء ما يبقى منها، شايف؟ لأنه لا آخر لنوع الحوادث.

وبقاء ما يبقى منها، الحوادث تبقى مستمرة إلى ما لا نهاية في الجنة. ما هو كل يوم في الجنة في أكل في طبخ في كذا في طيور، الحوادث تبقى مستمرة لا نهاية لها. نعم، فهذا كله داخل، يعني كل ما سيخلق في الجنة من نعيم لأهل الجنة هذا كله داخل تحته، وملء ما شئت من شيء بعد. نعم.

قال: وأيضاً فالحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له، ومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته وإما ظاهرة في مخلوقاته. فأما المعدوم المحض الذي لم يخلق ولا خلق قط فذاك ليس فيه محاسن ولا غيرها، فلا محامد فيه ألبتة. هذا أيضاً مما يضاعف القول الثاني أنك تجعل الحمد يملأ أشياء غير موجودة فقط تقدر وجودها ذهنياً. نقول هذا مش شيء عظيم، إن حمد الله إنما يكون لماذا؟ إما حمداً قائماً بذاته على أمور ذاتية في ذاته أنه غني حكيم، وإما يحمد على أمور أظهرها في مخلوقاته. أما أن تقول والله أحمد على أمور لسه ما وجدت إذا وجدت بقول، فأما العدم المحض الذي لم يخلق ولا خلق ولا خلق قط فذاك ليس فيه محاسن، حتى فلا محامد فيه ألبتة. نعم.

قال: فالحمد لله الذي يملأ المخلوقات ما وجد منها وما يوجد، هو حمد يتضمن الثناء عليه بكماله القائم بذاته والمحاسن الظاهرة في مخلوقاته. هذا طبعاً ممكن نقول من المواطن التي عرف فيها ابن القيم الحمد، قال تعريف الحمد ما هو: الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له، وهذا في مقام آخر مع محبته وتعظيمه في شيخ آخر. نعم.

قال: وأما ما لا وجود له فلا محامد فيه ولا مذام، إنه عدم، العدم المحض ليس مكاناً للحمد، العدم المحض لا يحمد ولا يذم، عدم. نعم. قال: فجعل الحمد مالئاً له جعله مالئاً لما لا حقيقة له. قال: وقد اختلف الناس في معنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهما، فقالت طائفة: هذا على جهة التمثيل، أي لو كان أجساماً لملأ السماوات والأرض وما بينهما. قالوا: فإن الحمد من قبيل المعاني والأعراض التي لا تملأ بها الأجسام، ولا تملأ الأجسام إلا بالأجسام. فهذا إذا رأى أن هذا من قبيل التمثيل والتشبيه وليس أن الحمد هنا شيء حقيقي سيملا السماوات والأرض. والصواب أنه لا يحتاج إلى هذا التكلف البارد.

قال: فإن ملء كل شيء يكون بحسب المالي والمملوء. فإذا قيل امتلأ الإناء ماء وامتلات الجفنة طعاماً فهذا الامتلاء نوع، وإذا قيل امتلأت الدار رجالاً وامتلات المدينة خيلاً ورجالاً فهذا نوع آخر، وإذا قيل امتلأ الكتاب سطوراً فهذا نوع آخر، وإذا قيل امتلأت مسامع الناس حمداً أو ذماً لفلان هذا نوع آخر. نعم، وهنا فهل نقول والله امتلأت أذني من كلامك، هل يجوز ذلك؟ نعم، أو امتلأت آذان الناس من حمد فلان، فهذا أيضاً شكل من أشكال الملء. يعني باختصار من الذي قال إن الملء لا يكون إلا للأعيان؟ هذه إحدى الإشكالات ترى الكبرى بين طريقة أهل الحديث وبين طرائق المتكلمين، إن المتكلمين يضعون قيوداً لغوية يفترضونها من عندهم أحياناً أو يأخذونها من لغات أخرى أحياناً، طبعاً قد يكون متأول أنا ليس علاقتي بس هذه القيود اللغوية التي أنت تأتي بها العرب لا تلتزم بها وهي ناتجة كما قلت عن التأثر بلغات أخرى أو أحياناً قد يكون فيها صرف النص عن ظاهره لمجرد التشهي أو الذوق الذي لا أصل له ولا دليل عليه. فهو يقول لك من الذي قال إن الملء لا يكون إلا من الأعيان؟ إنه الشيء لا يملأ إلا بأشياء عينية، أما أشياء معنوية لا يقال إنك تملأ الشيء بأشياء معنوية. يقول الأمور التي تملأ غيرها قد تكون أموراً عينية كما أقول امتلأت الدار رجالاً والرجال أعيان، وقد تكون أموراً معنوية، قد تكون أموراً حسية، الامتلاء قد يكون بأمور حسية عينية وقد يكون بأمور معنوية عرضية. فلما أقول امتلأت أذني من كلامك الكلام مش شيء عيني داخل الأذن ملاه وإنما هو امتلاء معنوي، فالامتلاء كما يكون في الأمور المحسوسة يكون أيضاً في الأمور المعنوية، وكل سياق يؤدي معناه، أما أنت تفرض علي تقييداً معيناً ثم تلزمني به فهذا من التكلف البارد.

كما في أثر معروف: أهل الجنة من امتلأت مسامعه من ثناء الناس عليه، وأهل النار من امتلأت مسامعه من ذم الناس له. وقال عمر بن الخطاب في عبد الله بن مسعود: كنيف ملئ علماً، ويقال فلان علمه قد ملأ الدنيا. يعني عمر لما وصف ابن مسعود قال كنيف يعني كأنه كالوعاء ملئ علماً، فجعل العلم مما يملأ به والعلم شيء معنوي، ومع ذلك علق الملء بالعلم. وكان يقال ملأ ابن أبي الدنيا الدنيا علماً، ويقال صيت فلان قد ملأ الدنيا فطبق الآفاق وحبه قد ملأ القلوب وبغض فلان قد ملأ القلوب وامتلا قلبه رعباً. قال: وهذا أكثر من أن تستوعب شواهده وهو حقيقة في بابه، وجعل الملء والامتلاء حقيقة للأجسام خاصة تحكم باطل ودعوة لا دليل عليها ألبتة، والأصل الحقيقة الواحدة، والاشتراك المعنوي هو الغالب على اللغة والأفهام والاستعمال، فالمصير إليه أولى من المجاز والاشتراك اللفظي.

قال: وليس هذا موضع تقرير هذه المسألة، إذ المقصود أن الرب تعالى أسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم سوء، وأوصافه كلها كمال ليس فيها صفة نقص، وأفعاله كلها حكمة ليس فيها فعل خالٍ عن الحكمة والمصلحة، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. موصوف بصفة الكمال، مذكور بنعوت الجلال، منزه عن الشبه والمثال، ومنزه عما يضاد صفات كماله، فمنزه عن الموت المضاد للحياة، وعن السنة والنوم والسهو والغفلة المضاد للقيومية، وموصوف بالعلم منزه عن أضداده كلها من النسيان والذهول وعزوب شيء عن علمه، موصوف بالقدرة التامة منزه عن ضدها من العجز واللغوب والإعياء، موصوف بالعدل منزه عن الظلم، موصوف بالحكمة منزه عن العبث والسفه، موصوف بالسمع والبصر منزه عن أضدهما من الصمم والبكم، موصوف بالعلو والفوقية منزه عن ضد ذلك، موصوف بالغنى التام منزه عما يضاده بوجه من الوجوه، ومستحق للحمد كله. فيستحيل أن يكون غير محمود كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالق ولا حي، بل الحمد كله واجب له لذاته، فلا يكون إلا محموداً كما لا يكون إلا إلهاً ورباً وقادراً. وبالتالي ما دام محموداً مثنىً عليه فهو مثنى عليه في قدره ومثنى عليه في شرعه، لذلك هو كما قال: الحمد هو السلك الذي يربط بين الشرع والقدر، ما دام هو محمود على كل أفعاله فهو محمود على خلقه كما أنه محمود على أمره.

فإن قيل: الحمد لله، فهذا له معنيان: أحدهما أنه محمود على كل شيء وبكل ما يحمد به المحمود الحمد التام، وإن كان بعض خلقه يحمد أيضاً كما تحمد رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده تبارك وتعالى، بل هو المحمود بالقصد الأول وبالذات، وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده، فهو المحمود أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وهذا كما أنه بكل شيء عليم، وقد علم غيره من علمه ما لم يكن يعلمه بدون تعليمه. وفي الدعاء المأثور: «اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله». وهو سبحانه له الملك وقد آتى من ملكه بعض خلقه، وله الحمد وقد آتى غيره من الحمد ما شاء، وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه فحمده أيضاً داخل في حمده، فما من محمود يحمد على شيء ما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية. يعني كل إنسان تحمده فإنما هو حمده ينصب في النهاية في حمد الله لأنه هو الذي منح الكمال لهذا الإنسان حتى يحمد، فهو الأول في الحمد وهو الأولى في الحمد. نعم، فهذا معنى أن الحمد كله لله، يعني أن الحمد ينصب في النهاية كل الحمد الذي يحصل في الدنيا من الناس لبعضهم البعض، وكل محمود حمد فإنما ينصب في النهاية حمده في حمد الله لأنه سبحانه هو الأول في الحمد وهو المانح لما يحمد عليه الناس بعضهم بعضاً، فهو الأول والأولى. وإذا قال الحامد اللهم لك الحمد فالمراد أنت المستحق لكل حمد، هذا معنى لك الحمد، يعني أنت المستحق لكل حمد، ليس المراد به الحمد الخارجي فقط. نعم.

قال المعنى الثاني أن يقال لك الحمد كله أي الحمد التام الكامل، فهذا مختص بالله عز وجل ليس لغيره فيه شريك. والتحقيق أن له الحمد بالمعنيين جميعاً؛ فله عموم الحمد، وهو المعنى الأول، وله كماله وهو المعنى الثاني، وهذا من خصائصه سبحانه، فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء أكمل حمد وأعظمه، كما أن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء إلا هو، وليس الملك التام الكامل إلا له. وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد، فإنهم يقولون إنه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء ألبتة، فله الملك كله، والقدرية المجوسية يخرجون من ملكه أفعال العباد، فيخرجون طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمؤمنين من ملكه، وهذا بالتالي سينقص حمد الله سيؤثر. هنا يريد أن يعطيك أثر علاقة الحمد بالقدر، أليس قلنا الحمد هو الضابط للقدر والشرع؟ فيقول كيف الحمد مؤثر على القدر؟ الآن القدرية المجوسية المعتزلة لما قالوا إن أفعال العباد هم يخلقونها بأنفسهم والله لا يتدخل فيها، بالتالي في هناك جزء من الحمد عاد لله لأنه لا يملكه ولم يشأه. كما يخرجون سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه، وأتباع الرسل يجعلون ذلك كله داخلاً ملكه وقدرته، ويثبتون له كمال الحمد أيضاً وأنه المحمود على جميع ذلك وعلى كل ما خلقه ويخلقه لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل.

وأما نفاة الحكمة والأسباب من مثبتة القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمداً كما لا يثبتون له الحكمة، فإن الحمد من لوازم الحكمة، والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئاً لشيء، فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله، فأما من لا يفعل شيئاً بشيء ألبتة فلا يتصور في حقه الحكمة. وهؤلاء يقولون ليس في أفعاله وأحكامه لام تعليل، وما اقترن بالمفعولات من قوى وطبائع ومصالح فإنما اقترنت بها اقتراناً عادياً، وكل ما اقترن بالمخلوقات من مصالح من طبائع من قوى، أن النار محرقة وكذا، فهذا إنما اقترن مجرد اقتران عادي ليس اقتران سببي تأثيري، لا أن هذا كان لأجل هذا ولا شاء السبب لأجل المسبب، بل لا سبب عندهم ولا مسبب ألبتة. إن هو إلا محض المشيئة وصرف الإرادة التي ترجح مثلاً على مثل بلا مرجح أصلاً. قال: وليس عندهم في الأجسام طبائع وقوى تكون أسباباً لحركاتها، ولا في العين قوة امتازت بها على الرجل تبصر بها، ولا في القلب قوة يعقل بها امتازت بها على الظهر، بل خص سبحانه أحد الجسمين بالرؤية والعقل والذوق تخصيصاً لمثل على مثل بلا سبب أصلاً ولا حكمة. فهؤلاء لم يثبتوا له كمال الحمد كما لم يثبت لأولئك كمال الملك، وكلا القولين منكر عند السلف وجمهور الأمة، ولهذا كان منكر الأسباب والقوى والطبع يقولون العقل نوع من العلوم الضرورية كما قاله القاضيان أبو بكر بن الطيب وأبو يعلى بن الفراء وأتباعهما، وقد نص أحمد على أنه غريزة.

للعقل تعريفات كثيرة، وعرف بأنه غريزة في الإنسان وآلة التفكير. ويعرف العقل بأنه بعض المعلومات الضرورية التي في حياتك؛ مثل: الكل أكبر من الجزء، وأن الضدين لا يجتمعان. ليست معلومات ضرورية، هي المعلومات الضرورية تسمى أيضًا عندهم عقلاً، فالأمور المعلومة بالضرورة التي تنمو مع الإنسان من صغره تسمى عندهم أيضًا عقلاً. لكن هو يريد أن يقول لك: إن بعض العلماء زي الباقلاني وحتى أبو يعلى الفراء، لماذا وصفوا أو جعلوا العقل هو فقط العلوم الضرورية؟ وما قالوا العقل هو غريزة؟ وقد نص أحمد على أنه غريزة، وكذلك الحارث المحاسبي وغيرهما. يقول -يعني شوف هذا المأخذ الدقيق من ابن القيم- يقول: أحد مآخذ من عرّف العقل على أنه علوم ضرورية ولم يجعله غريزة، أنهم لا يريدون إثبات الغرائز والطبائع والقوى في الإنسان.

أنا ما عندي مشكلة تقول العقل بعض العلوم الضرورية، بس برضه بدك تحكي لي العقل أيضًا له معنى آخر أنه غريزة. من قال العقل ليس غريزة هذا نخشى أن يكون منحى بدعيًا، وأن أولئك لا يثبتون الغرائز ولا القوى ولا الطبائع ولا الأسباب، فلذلك أبطلوا مسميات هذه الأسماء جملة، فأبطلوا أن العقل غريزة. وقالوا العقل هي معلومات ضرورية، فهذا قد يكون أحد مآخذهم، وهذه ملاحظة دقيقة هنا.

وقالوا إن ما في الشريعة من المصالح والحكم، لم يشرع الرب سبحانه وتعالى ما شرع من الأحكام لأجل المصالح والحكم، بل اتفقت -يعني لما يذكر الحكم والمصالح في كتب التزكية- يقول: يا عمي أنتم مش خالفتم أصولكم العقدية؟ قالوا: هي الحكم والمصالح اتفق وجودها اتفاقًا عاديًا مع وجود الأحكام، وليست الأحكام هي المنتجة لها، كما قالوا نظير ذلك في المخلوقات سواء بسواء؛ كما قالوا إن النار لا تنتج الإحراق وليست سببًا، كذلك قالوا إن الأحكام لا تنتج الحكم. الأحكام الشرعية الأمر والنهي تمام. وأنت هنا بالتالي أصبح الحمد -شوف كيف مؤثر على الأحكام الشرعية- أنني أنا لما أحمد الله على الشرع على الأمر والنهي، لأن الله يحمد على أمره ونهيه، لما ينتجه الأمر والنهي من حكم ومصالح، فإذا أنت حضرتك لا تؤمن بالحكم والمصالح أنها ناتجة عن الشرع، إذا أنت ستؤثر على حمد الله سبحانه وتعالى. فهمنا الآن لماذا الحمد ينظم هذين الأصلين؛ لأنه من قال مثلًا أن الله عز وجل لا يخلق أفعالنا، هذا سيؤثر على منظومة الحمد، كما أن من قال أن الشرع وهو الأمر والنهي ليس لمصالح ولا لحكم، بالتالي هذا سيؤثر على حمد الله. وأنا لماذا أحمد الله على الشرع؟ لما أؤمن أن هذا الشرع فيه حكم. فأنت لما لا تقول بالحكم والمصالح في الأحكام الشرعية، أنت ضربت جزءًا من حمد الله سبحانه وتعالى في الصميم؛ فلذلك قال لك الحمد هو ينظم هذين الأصلين وهو الشرع والقدر، فكمال حمد الله يجعلك تثبت كمال القدر، وكمال حمد الله يجعلك تثبت تمام الشرع بما فيه من الحكم والمصالح.

قال وهما فريقان: أحدهما لا يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل ألبتة، وإنما يعتمدون على تأثير العلل فقط بنص أو إجماع. وهؤلاء الذين ألغوا أصلاً العلل المستنبطة، يعني مش نحن عندنا العلل في أصول الفقه: العلل المنصوصة، مجمعة، مسلك المناسبة. في ناس قالوا لا، هذه مسلك المناسبة ما بدنا إياه، العلل يا منصوصة يا مجمع عليها. فإذا لم يجدوا عللًا منصوصة أو مجمعًا عليها، شو بروحوا بيعملوا؟ بيقولوا: يفزعون إلى الأقيسة الشبهية، ولا يقولون بعلل تستنبط بالمناسبة. بس هذا أقله حتى نكون دقيقين يعني مش الأكثر.

والفريق الثاني أصلح المذهب بعض الإصلاح، هو يعطيك الآن ماذا يحصل في أروقة المذهب الأشعري في باب أصول الفقه حتى تفهم ما كنا نقوله في أصول الفقه، مصداق كلامه هنا أن بعض الأشاعرة كالغزالي وغيرهم والأمدي أصلحوا شوية؛ يعني قالوا مش حيزبط كده، يعني لازم أجيب العلة المستنبطة، مش كل العلل منصوصة ومجمع عليها. والفريق الثاني أصلحوا المذهب بعض الإصلاح وقربوه بعض الشيء وأزالوا تلك النفرة الشديدة عنه؛ فأثبتوا الأحكام بالعلل، وأثبتوا عللًا بالمناسبات والمصالح؛ قالوا في مسلك مناسبة وأثبتوها، ولم يمكنهم الكلام في الفقه إلا بذلك. ليش قلت لكم إخواني في تناقض بين التأصيل العقدي والتأصيل الفقهي الأصولي؟ ففي الفقهيات لا يمكنهم إلا أن يقول لك مصلحة ومفسدة، وبتلاقي الكلام عسل على عسل مثلنا ومثلهم. ولكن جعلوا في النهاية بدك تعرف أنه في سوسة وراء هذا الموضوع، أنهم هذه المصالح التي يتكلمون عنها ظاهريًا في أصول الفقه وفي الفقهيات جعلوها اقترانًا عاديًا، ولكن جعلوا اقتران أحكام تلك العلل والمناسبات بها -طيب نفس الفكرة- جعلوا اقتران الأحكام بالعلل والمناسبات التي يستنبطونها اقترانًا عاديًا، ليس مقصودًا للرب سبحانه وليس من أجله شرع الرب هذا لهذا، وجعلوا العلل والمناسبات أمارات. لذلك الاقتران فسموها علل، ولكنهم في الواقع لا يجعلونها علة ويجعلونها مجرد أمارة. وهؤلاء يستدلون على إثبات علم الرب سبحانه وتعالى بما في مخلوقاته من الأحكام والإتقان والمصالح، وهذا تناقض.

نحن بنيجي نقول لهم تعالوا أيها الأشاعرة: هل تثبتون أن الله عليم؟ نعم. طيب يلا أثبت لي كيف عرفت أن الله عليم؟ يقول لك: يا أخي سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، آه! إذا أنت عم تستدل على علم الله بأيش؟ بما تراه من المصالح والمناسبات في مخلوقاته، تستدل بها على كمال علمه. طب إذا أنت متناقض! أنت بتروح لي في كتب العقائد تستدل لي على كمال علم الله بما تراه من المناسبات والمصالح، إذاً المناسبات والمصالح ليش عم تهرب منها؟ تأتيني تقول لي لا ما في مناسبات ومصالح والقضية فقط مشيئة، ثم أراك تستدل على كمال علم الله بما خلقه من مناسبات ومصالح في هذا الوجود. فيقول: وهذا تناقض منهم، فإن ذلك إنما يدل -المناسبات والمصالح- إنما تدل على علم الله إذا كان الفاعل قصدها، قصد هذه المناسبات والمصالح أن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأجل تلك المصلحة. وأما من لم يفعل لأجل الأحكام والإتقان وإنما اتفق عرضًا أن الله خلق هذا الشيء، عرضًا وجدت معها مصلحة وإنما اتفق اتفاقًا اقتران مفعولاته عادًة بتلك المصالح، فإن ذلك الفعل لا يدل على علم الله. تخيل أنا أعمل شغلة من باب تقريب الصورة وبالغلط هذه الشغلة عملت مصلحة، أنا مش قاصدها، هل بتقول لي آه والله الشيخ إبراهيم ما شاء الله عليه؟ ليه يا أخي؟ عمل شغلة أنتجت شغلة، بقول لك: والله سامحني بس للواقع أنه هذيك الشغلة حصلت بالغلط أنا ما كنت متصور وجودها ولا مقاصدها، بقول: آه إذا ساد، خلص يا سيدي منيح أنت بتظلك محترم بتظلك منه وفينا.

بقول لك هي نفس الفكرة: لو كانت هذه المفعولات التي فعلها الله أن الله لم يقصد حصول مناسباته ومصالحها، إذًا لن يحمد الله عز وجل، أو عفوا لا يستدل بهذه المناسبات والمصالح على علم الله أن الله عليم، لأنها على كلامكم لم تكن في علم الله. ففي أفعال الحيوانات من الأحكام والإتقان والحكم ما هو معروف لمن تأمله، ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة لها لم تدل على علمها. صح يا أخي، بتلاقي مثلًا ذئب أو فهد أو بعض الهوام تعمل أعمالًا فيها مناسبات ومصالح، صح؟ بتشوف مثلًا النعامة بتعمل شغلة عشان تحمي بيضها، وبتشوف البسة كيف بتحمي قطتها وبتشوف كذا. فانت ترى أنه الحيوانات لما كانت تصدر منها حكم ومصالح لأفعالها، يقول: ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح ناشئة عن تفكير وعقل غريزي في الحيوانات، لم تدل هذه على أن الحيوانات عليمة. صح الحيوان هل يوصف أنه عليم أو عالم؟ لا، مع أنه يفعل كثيرًا من الأمور ينتج عنها مصالح. طب لماذا لم نوصفه بأنه عالم أو عنده علم مع أنه يفعل كثيرًا من الأمور ينتج عنها مصالح؟ لأن هذه الأعمال يفعلها غريزة وليس قصدًا عقليًا، فلذلك لا يوصف بأنه عالم.

والمقصود أن هؤلاء إذا قالوا أن الله لا يفعل لحكمة، امتنع عندهم أن يكون الأحكام والإتقان والمناسبات والمصالح التي في الخلقة دليلًا عندهم على العلم أيضًا. فعلى قولهم يمتنع أن يحمد الله، هذه الفكرة وهذا لا يريده، أنه إذا أبطلت الحكمة أنت تبطل الحمد على ما فعله؛ لأن ما حصل للعباد من نفع، فهو سبحانه على كلامكم طبعًا لم يقصد بما خلقه أن ينفعهم ولا خلقه لنفعه ومصالحهم، بل إنما أراد مجرد المشيئة مجرد وجوده، لا لأجل كذا وكذا ولا لنفع كذا وكذا ولا لنفع أحد لا لضره، فكيف يتصور في حق من يكون هكذا فعله أن يحمد؟ فلا يحمد على فعل عدل ولا على ترك ظلم، لأن الظلم طبعًا عندهم ايش هو الظلم؟ الظلم عند الأشاعرة وغيرهم هو الممتنع الذي لا يدخل في المقدور، ليش؟ لأنه ماذا يعرفون الظلم؟ أن يتصرف الإنسان في غير ملكه، مش هيك يقولون؟ الظلم تصرفك في غير ملكك، وهذا في حق الله مستحيل؛ لأنه كل شيء ملكه. فنقول هذا التعريف للظلم غلط، لأن الإنسان قد يظلم في شيء وهو في ملكه. فيقول لأن الظلم عندهم، أي عند الفكر الأشعري ومن سار في فلكهم، هو أصلًا ممتنع عقلًا على الله لا يدخل في المقدور لأنهم جعلوا الظلم هو التصرف في غير الملك، وهذا مستحيل على الله، فأصبح الظلم أصلًا لا يقدر عليه الله أو غير داخل في مساحة القدرة، لأنه مستحيل عقلًا؛ مش نحن قلنا المستحيلات العقلية ليست محلًا للقدرة؟

فلما عرفتم الظلم أن تتصرف في غير ملكك وكل الكون ملك لله، إذًا أصبح الظلم عندكم ليس متعلقًا من متعلقات القدرة الإلهية، بخلاف أهل السنة والجماعة الذين جعلوا نفي الظلم عن الله ممدحة، ليه؟ لأنه نحن قلنا أن الله قادر لكن لا يفعله: ﴿إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَىٰ نَفْسِي﴾ [فصلت: 46] لأن الظلم عندنا هو أن تفعل شيئًا على وجه السفه سواء في ملكك ولا في غير ملكك، أو أن تضع الشيء في غير محله سواء في ملكك ولا في غير ملكك. فأنا لو عندي سيارة وأنا كسرتها هكذا وضربتها أنا ظالم، حتى لو كانت ملكي، ولو كان عندي عبد وأنا أملكه وضربته كفًا بدون ما شيء فعله، أنا ظالم حتى لو كنت أملكه.

فيقول وكل ما أمكن وجوده عندهم فهو عدل، هيك الفكر الأشعري، فالظلم أصلًا من المستحيلات العقلية عندهم؛ إذ هو عبارة عن الممتنع المستحيل لذاته الذي لا يدخل تحت المقدور، ولا يتصور فيه أصلًا ترك اختياري، فالظلم عندهم لا يمكن أن يكون الله تركه اختيارًا، فلا يتعلق أصلًا به حمد، شوف كيف، حتى لا يمكن يتعلق به حمد. وأخباره تعالى عن نفسه بقيامه بالقسط، حقيقته عندهم ما معنى أن الله عدل وأنه قام بالقسط؟ هو مجرد أنه فاعل، هذا معنى أن الله قام بالقسط: مجرد الفاعلية، لا أن هناك شيء هو قسط في نفسه يمكن وجود ضده وهو الظلم، والله شاء أن يوجد القسط ولا يوجد الظلم، مع أنه كان قادرًا على الظلم. هذا مش فكر هكذا، نحن نفكر أن الله كان قادرًا على أن يظلمك لكنه سبحانه وتعالى عدل حكيم لا يفعل الظلم وإن كان باختياره قادرًا على غيره. وكذلك قول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] ما معنى هذه الآية في الفكر الأشعري؟ قال هذا نفي عندهم لما هو مستحيل في ذاته، طب إذا ما عادت الآية مدح، يعني الله يتمدح بشيء هو مستحيل؟ وما أنا بظلام للعبيد وما ربك بظلام للعبيد على كلامكم أن الله يمدح نفسه في الآية بشيء لا يدخل تحت القدرة؟ غلط، شوف تفسيرهم الخاطئ للآيات ناشئ عن أصولهم العقدية، لأنكم جعلتم الظلم شيء مستحيل أصبحت الآية لا مجال فيها للحمد.

كجعل الجسم في مكانين في آن واحد مش هذا مستحيل؟ فهذا لا يحمد عليه، لو واحد قال أحمدوني أنني أجعل الجسم في مكانين في آن واحد، نقول هذا أصلًا مش داخل تحت قدرتك يعني حتى نحمدك عليه، وجعله موجودًا معدومًا في نفس الوقت، فهذا ونحوه عندهم هو الظلم الذي يتنزه الله عنه، وهذا لا حمد فيه. وكذلك قول: ﴿يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَىٰ نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا﴾ [مسلم: 2577] فالذي حرمه على نفسه هو المستحيل الممتنع لذاته فالجمع بين النقيضين، وليس هناك ممكن يكون ظلمًا، وليس هناك ممكن، أظن العبارة فيها قلق بس الآن بدنا نمشيها، وليس هناك شيء ممكن -يعني الظلم كله من المستحيلات العقلية- ولا يوجد هناك ظلم من حيز الإمكان وقد حرمه على نفسه. ومعلوم أنه لا يمدح الممدوح يا إخواني بترك ما لو أراده لم يقدر عليه، هذا لا يمدح عليه الإنسان. وأيضًا فإنه قال: وجعلته محرمًا بينكم، فالذي حرمه على نفسه هو نفسه الذي جعله محرمًا بين عباده، وهو الظلم المقدور الداخل تحت القدرة، ولكن لا يجوز فعله، فتركك لظلم مقدور هو الذي تحمد وتثنى عليه. والذي أوجب لهم هذه الأخطاء العقدية مناقضة القدرية المجوسية؛ لما أراد الأشاعرة أن يردوا على المعتزلة وقعوا في هذا التطرف الخاطئ وردوا أصولهم وهدموا قواعدهم، ولكنهم للأسف ردوا باطلًا بباطل وقابلوا.

بدعة ببدعة، وسلطوا عليهم خصومهم المعتزلة، تسلطوا على الأشاعرة بما التزموه من ذاك الباطل، فصارت الغلبة بينهم وبين خصومهم سجالاً؛ مرة تغلب الأشعرية ومرة تغلب المعتزلة.

لم تستقر لهم نصرة، وإنما النصرة التامة لأهل السنة المحضة الذين لم يتحيزوا إلى فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلتزموا شيئاً غير ما جاء به، ولم يؤصلوا أصلاً ببدعة يسلطون عليهم به خصومهم.

بل أصلهم ما دل عليه كتاب الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وشهدت به الفطرة والعقول. ونكتفي بهذا القدر اليوم، وصلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.