السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
اللهم اشغلنا بطلب العلم النافع. اللهم اشغلنا بالعمل بالعلم النافع. اللهم لا تحرمنا من سلوك هذا الطريق بذنوبنا وخطايانا، اقطع عنا الشواغل والعلائق والعوائق، واجعلنا أهلاً لحمل هذا العلم وتعلمه وتعليمه والعمل به إنك ولي ذلك والقادر عليه. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية يا أرحم الراخدين. حياكم الله الإخوة والأخوات في غراس وفي من يتابعنا عبر الأثير في هذا المجلس الجديد. بعد أن أهنينا كتاب روضة العقلاء، نحلق بكم في رياض الجنة إلى مجلس وإلى كتاب عظيم من كتب الإسلام، من كتب إمام جعله الله سبحانه وتعالى عالماً بدقائق القلوب وطبائعها، وآتاه من الفقه فيها ما لا يوجد إلا عند قلة ممن سار على درب أهل السنة والجماعة، ابن القيم رحمه الله تعالى عليه، إمام عظيم فتح الله سبحانه وتعالى عليه في باب القلوب وأمراضها وأدائها ودوائها في فهم الكتاب والسنة، قل ما يفتح على غيره من الأئمة في مثل هذه النفائس الأمور النافعة والمسالك الجميلة البهية.
ولذلك صنف في هذا باب كثيراً من الكتب والمصنفات، ومن أعظم مصنفاته حقيقة كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين. هذا الكتاب الذي وفق فيه ابن القيم لبيان قواعد السلوك إلى الله سبحانه وتعالى على جادة أهل السنة والجماعة، وهو كتاب قرأناه منذ القدم في بداية الطلب، ووقفنا فيه على علم عظيم ومعرفة جمة وعبارة رائقة. ولذلك هذا الكتاب كل من قرأه انتفع به، كل من قرأه انتفع به إذا فهم طبعا مقاصد الكتاب واستعذب عبارته، ووجد العبارات الرشيقه والمعاني الرائقة، ووجد فعلا علماً سلوكياً صحيحاً ينبع من مائدة الكتاب والسنة صِيغ بلغة أدبية رائقة، فتأنس به والله تفرح به وأنت تقرا وتشعر أنه يأخذك من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ومن عالم الظاهر إلى عالم الباطن، ويأخذك من سفاسف الحياة وبهارجها إلى حقيقة السير إلى الله سبحانه وتعالى على طريقة الصحابة والتابعين وعلى طريقة النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك.
ولذلك حري بطالب العلم أن يجد الجد في قراءة هذا الكتاب واستنباط القواعد، وكما يقول أن تقيد الأفكار الشارذة والأفكار التي يقولها ابن القيم عليه رحمه الله تعالى في طرة هذا الكتاب، لعل الله سبحانه وتعالى أن يشرح قلبي وقلبك لسلوك هذا الطريق. لاحظوا أن ابن القيم سمى كتابه طريق الهجرتين. طريق الهجرتين إذاً هو يتكلم عن هجرة، وسيبين في مقدمة كتابه أنه يقصد بذلك الهجرة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم. كيف يهاجر القلب إلى الله عز وجل محبة وقصداً وتعظيماً وإجلالاً وهيبة؟ وكيف يهاجر إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم تعارفاً وتعلماً واقتداء بهديه الشريف؟ هذا مفهوم باختصار، ما معنى طريق الهجرتين؟ الهجرة إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإداع المساحة لابن القيم هو الذي يبين لنا مقصده من هذا الكتاب.
لكن عموماً كثير من الإخوة يسأل: كيف نتعامل مع مثل هذه الكتب؟ وكيف نستفيد منها؟ كما قلت لكم هناك قواعد في السير إلى الله عز وجل على جادة أهل السنة والجماعة، سيبثها ابن القيم في ثنايا هذا الكتاب، وسنقراها معاً ونعلق عليها. هذه القواعد وهذه الفوائد دائماً تعلم أن تعلقها على مقدمة كتابك حتى تستفيد وتعود إليها. طبعا تعلق القاعدة مع رقم الصفحة ثم تعود إليها إن شاء الله عندما تحتاجها. لكن كما قلت هذا الكتاب أعطه مساحة من تِفكر والقراءة والاستمتاع وأنت تقرأ به، إنه ليس فقط مجرد معلومة، هي معلومة صِيغت بقالب أدبي فتشعر أنها تحلق بك، وهذا قل أن تجده في من يكتب في علم السلوك.
يعني أحياناً الإنسان قد يكتب في علم السلوك لكن تجده يكتب كلاماً أدبياً لكن المضمون متواضع خلينا نقول، وهناك من يكتب كتابة في علم السلوك قواعد لكن اللغة قاسية نوعاً ما مرتفعة. أن تجمع في هذا العلم بين أن تكتب النافع المفيد وبلغة أدبية عالية، هذا فتح من الله سبحانه وتعالى. وابن القيم عموماً من يقرأ كلامه يعرف أن كلامه مستعذب، وأن طريقته رائقة، وهو يلخص في كتبه كثيراً مما تعلمه من شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمه الله.
لذلك من مطلع الكتاب ستجدون ابن القيم يتكلم بكلام أنا أعلم أن مضمونه موجود في مجموع الفتاوى لابن تيمية وفي أفكاره وفي ثناياه، لكن ابن القيم ربما أقول إن عبارته أسهل من عبارة ابن تيمية. ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه يعطيك العبارة لكن قالبها جامد نوعاً ما، يستطرد كثيراً عليه رحمه الله، فيحتاج إلى نوعية معينة من الطلبة ترتب الأفكار لديه. خاصة كما قلنا دائماً وتكراراً أن تراث ابن تيمية عموماً هو ردود، رسالة معينة تاتيه فيرد عليها سريعا بسبب انشغالاته وطبيعة حياته التي كانت فيها كثير من الأمور، سواء في المعارك الجهادية ضد التتار ونحوه، وحتى في المعارك الكلامية وفي المعارك مع الطوائف، فلذلك لعل الكلام كان سريعا عابراً.
أما ابن القيم لا ربما ما كانت حياته في هذا اللهيب من الصراع كما في حياة ابن تيمية، فكان ربما عنده من مساحة الوقت للتصنيف وللتهذيب ولترتيب أفكاره، وهذه هي الحياة، ولا يكمل إنسان أيها الكرام، كل إنسان تجد عنده كمالات في جهة وغيره يكمله في جانب آخر. فتستطيع أن تقول إن ابن القيم كَمَّل الجانب الذي كان يحتاجه ابن تيمية عليه رحمه الله، وهو أن يهذب أفكار شيخه ويعيد ترتيبها بهذه اللغة التي تصل إلى القلوب والأرواح قبل أن تصل إلى الأسماع والأبصار.
فنسال الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا الكتاب. هذا الكتاب تقريباً بني على اثنتي عشرة قاعدة من قواعد السلوك إلى الله عز وجل، وتتفاوت في حجمها ما بين قاعدة تأخذ ستين سبعين ورقة إلى قاعدة تأخذ خمسة أسطر إلى قاعدة تأخذ خمس صفحات، وهكذا. يعني لن تجد هناك ترتيباً إلا ما سمح فيه خاطره وخط بنانه عليه رحمه الله تعالى. وما أحوج طلاب العلم الذين يتصدرون للناس، ما أحوجهم إلى أن يقرأوا مثل هذه المصنفات. العلم ليس فقط متون، العلم ليس فقط قواعد جامده، بل العلم أيضاً هو علم الأبدان وعلم القلوب، وعلم القلوب هو الأساس الذي ينطلق به السائر إلى الله سبحانه وتعالى، وينطلق به طالب العلم في خطابه الدعوي والتعليمي والإصلاحي.
فاذا لم تصلح القلوب لن تصلح الأبدان، ولن تصلح السياسة، ولن تصلح المجتمعات. وإذا ما عرف الإنسان مقصد الوجود وغايته ولبه، ستجده تائهاً حائراً حيراناً، له أصحاب يدعونه إلى الهدى، قل إن هدى الله هو الهدى، سيجد أصواتاً كثيرة تناديه، ودعوات كثيرة هنا وهناك تاخذه ويضل عن طريق الاستقامة. وأما طالب العلم الذي ينشغل باصلاح قلبه كما ينشغل بالفقه والعقيده والتفسير، ينشغل بعلم السلوك الذي يؤول إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يزهد في هذا العلم ولا يظنه مجرد هكذا إيمانيات على الطريق بل هو أساس الطريق.
كثير من طلاب العلم نظرتهم إلى علم السلوك أنه مجرد إيمانيات روحانيات كأشياء، هذا العلم هو أصعب العلوم تطبيقاً تماماً. أنت تذهب إلى العلوم الأخرى أنك تستروح لها، تجدها قواعد في النحو في الصرف وكذا، لا تحتاج إلى مخالفة الهوى ومخالفة اللذائذ ومحاب النفوس، فتشعر أن لك همة فيها. لكن لما تاتي هنا تشعر بتأنيب الضمير، أي والله أنا مقصر في الإخلاص، أنا مقصر في قيام الليل، أنا مقصر في القوة العملية، أنا مقصر في مخالفة الهوى، عندي ضعف هنا إيماني، فتجد أن هذا العلم يجلدك. فتجد الطالب يهرب منه، يقول لك: أنا لا أريد شخص يؤنبني ويجلدني، أريد من يعطيني قواعد عامة وأنا أدبر نفسي، وهذا خطأ وخلل.
لا، بالعكس، الناجح في السير إلى الله سبحانه وتعالى كما يريد أن يصلح الناس بالفقه والتفسير وعلوم القرآن وغيره من علوم الشريعة، أيضاً عليه أن يصلحهم في ماذا؟ في مادة قلوبهم. حتى ولو كنا مقصرين في أحوال القلوب في السير إلى الله عز وجل، نقرا هذه الكتب ونسال الله البلوغ. الإنسان قد يقرأ هذا الكتاب ويعلق عليه ويرى في نفسه من التقصير عن هذه المقامات التي يعلق عليها، لكن على الأقل من أحب قوماً فنسال الله سبحانه وتعالى أن يحشره معهم، فنحن نحب هؤلاء القوم الذين بلغوا هذه المنازل والمرء مع من أحب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا لم نبلغها حقاً كما بلغوها، فلا أقل من أن نتعلم علمها، ونحاول ونجاهد، ونتعثر في الطريق ثم ننهض، ثم نحاول ونجاهد. والقراءة في علم السلوك هو جزء من المحاولة، ما فائدة أن أقرأ هذا الكتاب؟ هو جزء من جدي واجتهادي في محاولة معرفة السير إلى الله، أفضل من الإنسان الغافل. هناك انسان يقول لك: يا شيخ أنا ضعيف السير إلى الله فلا هو يقرا في هذا الباب ولا هو يعمل فيه. فإذا نحن ضعفنا عن العمل، على الأقل ألا نضعف عن القراءة والتفقه. ولعل كلمة تقع في قلب واحد منا تشعل فيه إيماناً وسلوكاً وسيراً، وتستنهض همته إلى الله سبحانه وتعالى من جديد.
فنسال الله سبحانه وتعالى أن يجزي ابن القيم عنا خير الجزاء على ما اقتطع من وقته وحياته من أجل أن يفيد هذه الأمة، ونسال الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بعلومه في الدارين، وأن يجعل هذا الكتاب نافعاً لنا ولجميع من يسمعه ويحضره مباشرة وتسجيلاً ووجاهياً وعن بعد، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه. حتى لا أطيل في المقدمات، نشرع مستعينين بالله في قراءة هذا الكتاب.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين وانصر عبادك المستضعفين. قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججاً.
يقول: الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججاً. فكل هذه الكائنات هي أدلة على الله سبحانه وتعالى. يعني أنا ساعلق على العبارات التي فيها شوية كذا تركيبها ليس مألوفاً لكثير من الناس ولا هي سهلة، ويريد أن يقول: نحمد الله الذي جعل كل الكائنات هي حجج. ما معنى حجج؟ أي علامات ودلائل تدل على ربوبيته ووحدانيته، ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد نعم.
قال: وحجب العقول والابصار أن تجد إلى تكييفه منهجا. فالله سبحانه وتعالى لا يكيف صحيح، نثبت له الأسماء الحسنى والصفات العلى من دون تكييف صح، فأنت تثبت لله سبحانه وتعالى سمعاً وبصراً وعلوّاً وكلاماً إلى غير ذلك من الصفات والأسماء، لكننا لا ندخل في الكيف، وهذه عقيدة أهل السنة. لذلك قال: وحجب العقول والأبصار أن تجد إلى تكييفه، فهو لا يكيف سبحانه سبحانه وتعالى نعم، منهجا أي طريقاً ومسلكاً، فلا مسلك إلى تكييفه، فلا تبلغه العقول والأوهام نعم.
قال: وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ بها عوجاً، وجعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقة مخرجا، وأعقب من ضيق الشدائد وضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجا. الأوابد جمع آيدة. وهذه الكلمه يختلف معناها على حسب المضاف إليه، فإذا قيل: أوابد الدنيا فالمراد به مصائبها، أوابد الدنيا ما هي مصائبها ودواهيها. فيقول: وأعقب سبحانه وتعالى بعد ضيق الشدائد وبعد ضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجاً ومخرجاً، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].
قال: وأعقب من ضيق الشدائد وضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجاً. وجعل قلوب أولياءه متنقلة في منازل عبوديته من الصبر والتوكل والإنابة والتفويض والمحبة والخوف والخوف والرجاء وغيرها من أعمال القلوب. فقلوب السائرين إلى الله متنقلات بين هذه الأعمال، نحن نسميها طبعا يعني في علم السلوك أعمال القلوب، وكذلك يعني في علم التصوف تسمى ماذا؟ المقامات والأحوال. هذه تسمى الأحوال والمقامات، ولكن تسميتها المشهوره عندنا أعمال القلوب نعم.
قال: فسبحان من أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة، وضمّن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه. فقد كتب سبحانه وتعالى كتاباً عنده كتب فيه أن رحمته سبقت غضبه نعم.
قال: أسبغ على عباده نعمة الأفراد والتؤام. قال وسخر. فلاسبغ عليك النعم، فنعمة الله تأتيك أحياناً فرادى نعمة بعد نعمة، وأحياناً تأتيك مزدوجة كثيرة نعم، والتؤام بمعنى كأنه تنتج توأم، والمراد بها الكثرة هنا وليس حق الاثنين نعم.
قال: وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والليل والنهار والعيون والأنهار والضياء والظلام، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إلى جواره في دار السلام. قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125].
قال: فسبحان من أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، ورفع لمن ائتم به، ورفع لمن ائتم به فأحل حلاله وحرم حرامه وعمل بمحكمه وآمن بمتشابهه في مراقي السعادة درجة. من ائتم به أي ائتم بالقرآن وتمسك به، فأحل حلاله وحرم حرامه، وعمل بمحكم القرآن وآمن
بمتشابهه الذي لم يثمه ورده إلى عالمه. فمن تمسك بالقرآن بهذه الطريقة رفع له في مراقي السعادة درجا، نعم، درجا ودرجات يعني، نعم. قال: ووضع من أعرض عنه ولم يرفع به رأسا ونبذه وراء ظهره وابتغى الهدى من غيره وجعله في دركات الجحيم متولجا.
أما من أعرض عن القرآن ولم يرفع به رأسا، ما معنى لم يرفع به رأسا؟ يعني لم يعبأ به، انشغل بدنياه وملذاته، أو انشغل بالمعارف الفلسفية وآراء الناس وأهوائهم وأعرض عن كتاب ربه ونبذه وراء ظهره، فاستحق أن يكون له في درجات الجحيم متولجا أي مدخلا نعم. قال: فإنه الذكر الحكيم والصراط المستقيم والنبأ العظيم وحبل الله المتين المديد بينه وبين خلقه، وعهده الذي من استمسك به فاز ونجا.
ولذلك القرآن هو أساس علم السير إلى الله، وإنما العلماء جميعا ابن القيم وغيره يدندنون حول معاني القرآن، فالقرآن هو كتاب السلوك إلى الله عز وجل، وهو الذي ينبغي أن ينشغل به. لكن لما ضاقت معارفنا عن فهم مقاصد القرآن احتجنا لهؤلاء العلماء الكبار حتى يقربونا من فهم كتاب الله سبحانه وتعالى، ويمتعونا بما فتح الله عليهم من الإشارات التي نالوها والاقتباسات التي وصلوها، نعم.
قال: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا سمي له، ولا كفؤ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا شبيه له، ولا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه خلقه، شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته مبتهجا، ولم يزغ عنه إلى شبه الجاحدين المعطلين معرجا.
قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسائرين، وحجة على العباد أجمعين، اللهم صل وسلم وبارك. أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه.
نعم، فلم يفتح لأحد طريق إلى الجنة أو لم يفتح الله لأحد طريق الجنة إلا من طريق محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أراد الوصول إلى الله ومن أراد السلوك وأعمال القلوب فعليه أن يأخذها من منبع محمد عليه الصلاة والسلام، نعم.
قال: فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة، وبصر به من العمى، وأرشد به. العيلة اللي هو الفقر، نعم.
قال: وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح برسالته أعنا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. فبلغ رسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين. فلم يدع خيرا إلا دل أُمَّتَهُ عليه، ولا شرا إلا حذر منه ونهى عن سلوك الطريق الموصلة إليه. ففتح القلوب بالإيمان والقران، ولا شرا إلا حذر منه ونهى عن سلوك الطريق الموصلة إليه أي إلى هذا الشر، نعم.
قال: ففتح القلوب بالإيمان والقران، وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان، فدعا إلى الله على بصيرة، وسار في الأمة بالعدل والإحسان، وخلقه العظيم أحسن سيرة خلق، فسار بالعدل والإحسان وخلقه العظيم أحسن سيرة، نعم.
قال: إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، واستجابت القلوب لدعوة الحق طوعا وإذعانا، وامتلت بعد خوفها وكفرها أمنا وإيمانا. فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء، وسلم تسليما كثيرا.
أما الآن، هذه يعني الشهادة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، الآن سيبدا في بيان ما يريد أن يصنفه. قال: فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم من بريته واختصهم بنعمته وفضلهم على سائر خليقته، فهي كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وكذلك شجرة الإيمان أصلها ثابت في القلب وفروعها من الكلام الطيب والعمل الصالح في السماء، فلا تزال هذه الشجرة تخرج ثمرها كل وقت بإذن ربها من طيب القول وصالح العمل مما تقر به عين صاحب الأصل وعين.
نعم، فإذا قل: أما بعد. أراد أن يبين في بداية كتابه أن التوحيد، أن توحيد الله سبحانه وتعالى ومعرفته ومحبته، شجرة أصلها في قلب من اصطفاهم الله. ليس كل إنسان في قلبه هذه الشجره، هناك قلوب اصطفاها الله سبحانه وتعالى لتوحيده ولمعرفته ولمحبته، فهيأ الله سبحانه وتعالى أن تبذر فيها تلك البذور وتخرج فيها تلك الأشجار. ثم هذه الأشجار تؤتي أكلها كل حين، وما هو هذا الأكل؟ كما قال القول الصالح والعمل الصالح، هذه هي الثمار التي يجنيها صاحب تلك الشجرة الطيبة.
لذلك قال: فلا تزال هذه الشجرة، شجرة التوحيد والمعرفة والمحبه، تخرج ثمرها كل وقت في قلب ذلك العبد وفي حياته من طيب القول وصالح العمل، هذه هي الثمار التي يجنيها. وهذه الثمار تقر بها عين صاحب الأصل، وهو أنت أيها المؤمن. صاحب الأصل، الأصل هنا مراد به أصل الشجرة والجذور، من صاحب هذه الشجرة؟ هو ذاك المؤمن الذي اصطفى الله قلبه على قلوب الناس جميعا ليكون محلا لنباتها، فتقر بهذه النتائج وبهذه الثمار، تقر عينك أنت يا صاحب الأصل أيضا.
شوف العبارة الجميلة الرائقة هنا التي تستحق التدوين، قال: مما تقر به عين صاحب الأصل وعيون حفظته وعيون أهله وأصحابه ومن قرب منه، يعني الذي تقرب. المؤمن تقر عينه بتلك الشجرة وبثمارها، وتقر أيضا به كل من حوله من أقاربه وأصدقائه وإخوانه، حتى الحفظة من الملائكة. الحفظة من الملائكة من هم هنا؟ حتى الحفظة من الملائكة تكون مسرورة بك يا أيها المؤمن، فلست أنت فقط يا صاحب الأصل من تنتفع بتلك الشجرة التي زرعت فيك وأخرجت ثمارها، بل كل من حولك ينتفع من هذه الشجرة التي غرست فيك.
قال: مما تقر به عين صاحب الأصل وعيون حفظته من الملائكة وعيون أهله وأصحابه ومن قرب منه، كل شخص يقترب منك حتى لو كان فاسدا، حتى لو كان فاسدا سيستفيد من هذه الشجرة ومن هذه الثمار التي أخرجتها شجرة إيمانك. لذلك هنا لاحظوا هذه الجملة الجميلة العظيمة، يقول ابن القيم بعبارة رشيقة يعني الإنسان كلما كررها سر بها. الله، أنظروا ماذا يقول؟
قال: فإن من قرت عينه بالله قرت به كل عين. هذه من الكلمات الجميلة الخاطفة للقلوب، الإنسان المؤمن الذي قرت عينه بالله ياسر كل من حوله بسمته وهديه وخلقه وكلامه. الآن سيشرح أكثر وأكثر، ما معنى أن المؤمن الذي قرت عينه بالله، صاحب الشجرة، تقر به كل عين؟ يقول:
قال: وأنس به كل مستوحش. يأنف بك كل مستوحش، كل إنسان بعيد عن الله إذا رأى أهل الإيمان يأنف بهم أيضا، وطاب به كل خبيث. كل خبيث، كما قلت، أهل الفساد إذا جلسوا مع أهل الخير والصلاح يحصل لهم من الطيب بقدر جلوسهم مع أهل الخير والصلاح، نعم.
وفرح به كل حزين، وأمن به كل خائف، وشهد به كل غائب، وذُكِّرَتْ رؤيته بالله، فإذا رُؤِيَ ذكر الله. هذا حال المؤمن الصالح، إذا رئي ذكر الله سبحانه وتعالى، هناك أناس صالحون يئنس الإنسان بجوارهم وقربهم حتى لو لم يسمع كلامهم، بمجرد أن تراهم تذكر الله سبحانه وتعالى. فهكذا حال المؤمن، وهكذا ينبغي أن تكون عبد الله وأمة الله، أن تكون ممن إذا راك إخوانك ازدادوا إيمانا.
فإن المؤمن كما تقر عينه بإيمانه، ينتفع بإيمانه كل من حوله. فهذه احفظها واكتبها وسجلها: فإن من قرت عينه بالله قرت به كل عين. وهذا جزاء وفاقا. وهذه هدايا وعطايا من الله عز وجل للمؤمن، فإذا كنت تبحث عن محبة الناس، فإن محبة الناس تكون بأن تقر عينك بالله، فكلما اقتربت من الله أكثر وتعلقت به أكثر، جعل حببك الله إلى الناس وكتب في قلوبهم محبتك، نعم.
قال: قد اطمأن قلبه بالله، وسكنت نفسه إلى الله، وخلصت محبته لله، وقصر خوفه من الله، وجعل رجاءه كله لله. فإن سمع سمع بالله، وإن أبصر أبصر بالله، وإن بطش بطش بالله، وإن مشى مشى بالله.
طبعا في نسخة وقصر خوفه على الله، في بعض النسخ يعني أنه خوف فقط من الله دون من سواه، وفي نسخة وقصر خوفه من الله، يعني أن خوفه أيضا من الله وليس من أحد سواه، يا تصلح حتى على هذه النسخه، نعم.
قال: فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي. فاذا أحب أحب الله، وإذا أبغض أبغض لله. فإذا أحب أحب لله، هكذا ينبغي أن تكون، وإذا أبغض أبغض لله، نعم. وإذا أعطى فلله، نسخة فيها إشكال يعني في اعتقادي. فإذا أحب أحب لله، وهكذا نص الحديث. وإذا أبغض أبغض لله. وإذا أعطى أعطى لله. يعني هذا الإنسان المؤمن، صاحب الشجرة، تصبح كل تصرفاته وكل أعماله إنما يلاحظ بها الله عز وجل. علاقاته الاجتماعية، عطاؤه، منعه، تخصصه في الحياة، مقلبه، مكان سكنه، يصبح كل خطوة من خطوات الحياة هدفها ابتداء هو الله سبحانه وتعالى، نعم.
قال: قد اتخذ الله وحده معبوده ومرجوه ومخوفه وغاية قصده ومنتهى طلبه به، واتخذ رسوله وحده دليله وإمامه وقائده وسائقه. فوحد الله بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه، وأفرد رسوله بمتابعته والاقتداء به والتخلق باخلاقه والتأدب بآدابه. قال: فله في كل وقت هجرتان.
الان سيعطيك سبب تسمية هذا الكتاب، الان سيعطيك سبب تسمية هذا الكتاب بطريق الهجرتين. إذن فالمؤمن، صاحب الشجرة، له في كل وقت هجرتان. الهجرة الأولى:
قال: هجرة إلى الله بالطلب والمحبه والعبودية والتوكل والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجأ والافتقار في كل نفرة. الأولى أن تهاجر إلى الله بكل أعمال القلوب التي تستطيع أن تبذلها له، من الخوف والرجاء والمحبة واللجوء والافتقار وجميع أعمال القلوب، تهاجر بها إلى ربك. والهجرة الثانية:
قال: وهجره إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تكون موافقة لشرعه الذي هو تفصيل محاب الله ومرضاته. قال: ولا يقبل الله من أحد دينا سواه.
نعم، والهجرة الثانية إذا هي الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن تهاجر إلى سنته وسيرته فتتعلمها وتتدارسها وتقتدي بها. فإن سنة الشريعة التي أتى بها محمد عليه الصلاة والسلام هي تفصيل لمحاب الله، صحيح، هي التي تفصل لك ما هي الأمور التي يحبها الله سبحانه وتعالى. ولا يقبل من أحد دين سواه، فليس لك أن تقوم بالهجرة الأولى دون الهجرة الثانية. فإن كثيرا من الناس يقول لك: أنا أكون من أهل المحبة والإخبات لله والإقبال، لكن هذا الطريق الذي سأحلكه إلى تلك المحبة بما أشتهي! فيدخل في البدع، فيدخل في البدع السلوكيه.
لا، الطريق إلى الله والوصول إلى الله والهجرة إلى الله لا تكون إلا من خلال النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بسنته وهديه، وما سوى ذلك فكما قال ابن القيم فإنما هو عيش النفس. لاحظ العبارة الجميلة هنا، قال: وكل عمل سواه فعِيشُ النفس وحظها ولا زاد المعاد. إيش يعني عيش النفس؟ يعني بيقول لك: إذا اردت أن تصل إلى الله من طريقك أنت وليس من طريق النبي عليه الصلاة والسلام، فانت تعيش لنفسك الهوى يعني عيش النفس والهوى، يعني أنت تعيش لنفسك وحظها، وليس هذا هو زاد المعاد الذي يقودك إلى الله.
فمهما حاولت أن تصل إلى الله من غير هذه البوابه، وهي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنما أنت تعيش لنفسك، فلا تضحك عليها. وهذا كلام عظيم متين، لأنه ابن القيم هنا يؤسس لمنهج السلوك عند أهل السنة والجماعة، الذي يباين به مناهج الصوفية والفلاسفة الذين دخلوا في هذه الأبواب من أهوائهم وأذواقهم فضلوا وأضلوا، نعم.
قال: وقد قال شيخ الطريقة وأمام الطائفة الجنيد بن محمد قدس الله روحه. طبعا الجنيد بن محمد، عليه رحمة الله، هو إمام من أئمة السلوك إلى الله، تمام، وهو من أوائل الصوفية الذين كانوا على منهج أهل السنة والجماعة، ولذلك ابن القيم متعلق به جدا. ابن القيم متعلق به جدا ويسميه دوما شيخ الطريقة. إيش يعني الطريقة إلى الله سبحانه وتعالى؟ مش على طريقة الطرقية المتأخرين، حتى ما أحد يفهم الكلام على غير مساقه. ويقول: إمام الزاهدين، أحد كبار العابدين، الذي كان متبعا للكتاب والسنة فيما وصلنا من أحواله وأخباره، عليه رحمة الله وقدس الله روحه، ماذا يقول؟
الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبي صلى الله عليه وسلم. اللهم صل وسلم.
إن الله عز وجل. إذن فالطرق إلى الله كلها مسدودة، لن تصل إلى الله إلا من طريق محمد صلى الله عليه وسلم، نعم.
قال: فإن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك.
حتى يدخلوا خلفك يا محمد صلى الله عليه وسلم من بوابتك، نعم.
وقال بعض العارفين: كل عمل بلا متابعة فهو عيش النفس.
وهذا من كلام التستري، ومن هنا عرفنا من أين أتى، اقتبس ابن القيم عبارة عيش النفس من كلام سهل التستري لما يقول: كل عمل بلا متابعة لمنهج محمد صلى الله عليه وسلم، فإنما تعيش لنفسك وحظها، لا تضحك على نفسك.
وتقول والله أنا من أهل الزهد ومن أهل الطريقة ومن أهل التقشف؛ فإن البدعة والأهواء لا يمكن أن تكون طريقاً إلى الله سبحانه، ثم قال: ولما كانت السعادة دائرة نفياً وإثباتاً مع ما جاء به كان جديراً بمن نصح نفسه -مع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، نعم- كان جديراً بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفاً على معرفته، على معرفة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة ما جاء به من الهدي، نعم، وإرادته مقصورة على محابه.
وهذه أعلى، وهذه أعلى وإرادته مقصورة على محابه؛ به هنا نحتاج إلى شيء من التأويل في اعتقادي حتى يكون الكلام منسجماً؛ لأنه قال: ولما كانت السعادة دائرة مع ما جاء به، المراد به النبي عليه الصلاة والسلام، مع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام كان جديراً بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفاً على معرفته، معرفة ذلك الهدي الذي جاء به، وإرادته مقصورة على محابه؛ يعني: المحاب التي يحبها الله وجاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: حتى نقوم بشيء من التأويل على محابه؛ أي: على المحاب التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم وتوصل إلى الله، نعم.
قال: وهذه أعلى همة شمر إليها السابقون وتنافس فيها المتنافسون. فلا جرم ضمنا هذا الكتاب قواعد من سلوك طريق الهجرة المحمدية وسميناه طريق الهجرتين وباب السعادة.
إذاً، فأعلى همة شمر إليها السابقون: أن يجعلوا لحظات العمر وقفاً على معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوا همتهم وإرادتهم مقصورة على هذه المحاب؛ يعني أعلى همة شمر إليها السابقون ما هي؟ المعرفة والإرادة، معرفة ذلك الهدي وإرادته وطلبه؛ لأنه في ناس بتعرف الهدي بس ما بتعمل فيه ولا تريده عملاً وسلوكاً، كحال كثير منا ممن نقراً دوماً في علم السلوك والتزكية، معرفة لكن ما في إرادة، فلذلك يقول: أعلى همة شمر إليها السابقون هي أن يوقفوا لحظات الحياة على التعرف على هذا الهدي المحمدي، وأن يريده عملاً وسلوكاً، نعم.
ومن هنا جعلنا هذا الكتاب، أو ضمنا هذا الكتاب قواعد، نعم، قال وابتدأناه بباب الفقر. جرم ضمنا هذا الكتاب قواعد من سلوك طريق الهجرة المحمدية، سماها الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وسميناه طريق الهجرتين وبباب السعادتين، نعم.
قال: وابتدأناه بباب الفقر والعبودية؛ إذ هو باب السعادة الأعظم وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلا منه. سيبدأ أول فصل سياتي معنا إن شاء الله هو فصل في الافتقار؛ لأن بوابة السير إلى الله سبحانه وتعالى تبدأ بماذا؟ بأن تعلن اعترافك، بأن تعلن افتقارك إلى الله سبحانه وأن تعترف بذلك، لذلك قلنا في درس سابق: أول العبودية ما هو؟ اعتراف؛ أول العبودية هو أن تعترف بفقرك، إذا أعترفت بفقرك فتحت لك الابواب، نعم.
قال: وختمناه بذكر طبقات المكلفين من الجن والانس في الآخرة ومراتبهم في دار السعادة والشقاء، فجاء الكتاب غريباً في معناه، عجيباً في مغزاه، لكل قوم منه نصيب ولكل وارد منه شرب.
كل من سياتي إلى هذا الكتاب سيستفيد، ولكل وارد منه شرب، الوارد هو الذي يرد الماء ليشرب منه، فيقول: كل من يرد هذا الماء العذب الذي أتى به ابن القيم سيجد شرباً ويستفيد منه بإذن الله، وما كان فيه، نعم.
قال: وما كان فيه من حق وصواب فمن الله هو المان به، فإنما التوفيق بيده، وما كان فيه من خطأ وزلل فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، فيا أيها القارئ له والناظر فيه، هذه بضاعة صاحبه المزجاة مسوقة إليك، وهذا فهمه وعقله معروض عليك.
وهذا من تواضع العلماء، يقول: بضاعتي مزجاة، ولكن لعل أحداً ينتفع بها، نعم.
قال لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه، يعني أنت استفد من الإيجابيات وعلى المؤلف الأخطاء، إذا كان في خطأ أنت مش مسؤول عنه أنا المسؤول عن الخطأ، نعم.
قال: ولك ثمرته وعليه عائدته. لك أنت الثمرة وعلي أنا عائدته، المراد بعائدته من الأخطاء، نعم.
قال: فإن عدم منك حمداً وشكراً فلا يعدم منك مغفرة وعذراً. فكل من قرأ في هذا الكتاب يطلب منه ابن القيم: إذا أنت لم تستطع أن تحمد وتشكر ابن القيم على ما صنف، فعلى الأقل يا اخي أعذره، إذا كنت مخالفا لابن القيم وتراه قال شططاً، فعلى الأقل أن تعذره، نعم.
قال: وإن أبيت إلا الملام فبابه مفتوح. وإذا أصررت أن تلومني فالباب مفتوح في النهاية، وقد قال القائل: استأثر الله بالثناء وبالحمد وولى الملامة الرجلا؛ يعني فنحن البشر أهل لأن نلام لكثرة تقصيرنا وعثراتنا، وهذا من هضمه لنفسه، نعم.
والله المسؤول أن يجعله لوجهه خالصاً، وأن ينفع به مؤلفه وقارئه وكاتبه في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
نبدا بالقاعدة الأولى: قال فصل في أن الله هو الغني هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
نعم هذه الآية هي بوابة السلوك كما قلنا، الآية التي يبين الله سبحانه وتعالى لنا فيها أننا فقراء كما سيبين فقراً ذاتياً لا محيد عنه ولا منقلب عنه، وأنه سبحانه هو الغني الغنى المطلق الذي لا ينقلب في حال من الأحوال، فقراء فإذا فهمت افتقارك وحاجتك إليه بدأت بالسير إليه، لذلك الإنسان متى يضعف في السير إلى الله؟ إذا شعر بشيء من الاستغناء ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. إذا شعر بشيء من الاستغناء والراحة في الحياة والدعة، وشاف أمور الحياة ماشية والراتب والزوجة والبيت وكذا، يبدا يشعر بماذا؟ بالضعف في سيره إلى الله، لأن الشيطان يبدا يشعرك أنك لست محتاجاً إليه، فتنسى أن افتقارك دائم في كل نفس من الأنفاس بل في كل خاطرة من الخواطر.
أترك المساحة لابن القيم ليبين هذا الباب، قال: بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنياً حميداً أمر ذاتي له.
فالان بدنا نركز إخواننا على كلمة الذاتي، الشيء الذاتي هو الشيء التأصل الذي لا يمكن أن ينتقل، لما أقول لك هذه صفة ذاتية فيك ما معنى ذاتية؟ أنها تأصلة لا يمكن أن تنفك وتتحول، فلما يقول الفقر ذاتي في الإنسان يعني هو جزء من كيانه، لا يمكن أن ينفك في حال من الأحوال، وأما غنى الله فهو ذاتي فيه، يعني لا يمكن أن يتحول أيضاً في يوم من الأيام إلى احتياج منه لنا حاشاه سبحانه وتعالى، هذه فكره أساسية يركز عليها ابن تيمية ترى قبل ذلك، وابن القيم أخذها من كلامه، لأنه هو قال في رسائله في مجموع الفتاوى في عدة رسائل هذه الفكرة: أن افتقار العبد ذاتي وأن غنى الله ذاتي، وهذا عند ابن تيمية هي من الأفكار المتجذرة التي خالف بها طريقة الفلاسفة والمتكلمين.
يعني الفلاسفة والمتكلمون الذين تكلموا في أكبر صفة ذاتية وخصيصة في الإنسان، تكلموا الفلاسفة أن أكبر خصيصة في الإنسان مصطلح الإمكان أنه ممكن وليس واجب الوجود، أنك ممكن الوجود وليس واجب الوجود، وسياتي ويقال المتكلمون إنه أعظم صفة في الإنسان وأكثر خاصية في أنه حادث تمام، أن الله قديم والكائنات حادثة، فابن تيمية وابن القيم يرفضون جعل هذه هي أعظم خصiصة في الإنسان، بل يقولون: أعظم خصيصة في الإنسان هي الافتقار، إذن أنتم قلتم الإمكان وأنتم قلتم الحدوث فنحن أهل السنة نقول: أعظم خصiصة في الإنسان هي الافتقار، والامكان أنه ممكن الوجود وليس واجب الوجود، أو أنه حادث وليس قديم هذا دليل على الفقر ها، قال: هي أدلة الافتقار وليست هي الخاصية الأساسية، نعم.
قال: فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه.
نعم فغناه وحمده أن الله غني تمام هو يعلق على ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فكون ربنا غنياً محموداً قال هذا أمر لذاته لا لعله أوجبته، ايش يعني لا لعله أوجبت؟ الآن دائماً في باب الاستدلال ونظرية المعرفة يقولون: الشيء الأصلي الجا، الذات لا يعلل، يعني لا يطلب له عله، صحيح مش قلنا في اصول الفقه؟ بينما العلل تطلب للشيء الذي خرج عن الأصل الاستثنائي.
أقرب لك الصورة، الإنسان -طبعاً هذه صورة تقريبية مش مثال مئة بالمئة منطبق بس حتى أقرب لك الصورة- لما نقول الإنسان الأصل فيه أنه يولد مبصراً، فإذا أنت ولد مولود ووجدته يبصر تقول يا اخي ليش هذا يبصر؟ ما بتسال لماذا هو يبصر ليه؟ لأنه هو وضعه الطبيعي في الإنسان أنه يبصر، بينما إذا رايت أعمى، اه العمى على خلاف الأصل في الإنسان، فتقول العمى خلاف الأصل فتسأل عن علته، تقول هو ولد أعمى ولا صار معه شيء في المستشفى، تبدأ تبحث عن العلة، فدائما العلل إنما تطلب لماذا؟ لما تأتي على شيء على خلاف الأصل، أو على خلاف المعتاد لأمر، أو خلينا نقول مش ضروري على خلاف المعتاد لأمر طرأ بعد أن لم يكن.
أما الصفات الذاتية المتجذرة الأصيلة قالوا هذا ما دام شيء ذاتي اصلي فلا يطلب له علة، يطلب له عله فهو ليس هناك عله أوجبته حصل هذا، لا هو هكذا ابتداء وانتهاء لا يكون إلا هكذا، فلذلك يقول الله سبحانه وتعالى غني وهو هكذا لذاته هذا الأمر متجذر، لا نقول لماذا أصبح الله غنيا؟ في أحد يقول لماذا أصبح الله غنيا هل لأمر أوجبه، هل لكسب اكتسبه أم هو لا يصلح ل يصلح في صفات الله إلا الغناء، فهمتم؟ لذلك يقول: لا لأمر أوجبه ولا لعله طرأت جعلته يصبح غنياً، نعم.
قال: وفقر من سواه إليه أمر ثابت لذاته لا لأمر أوجبه.
وكذلك نحن البشر فلو سالتك لماذا الإنسان فقير؟ نقول هذا هو هكذا الإنسان لا يكون إلا فقير، كيف تقول الإنسان لماذا هو انسان؟ بقول لك هو لأنه انسان يعني حيوان ناطق، لماذا فيه حياة؟ نقول هكذا هو هذا كائن هو هكذا لم يطرا له شيء بعد أن لم يكن فيه حتى تبحث عن علة لماذا فيه الفقر، لماذا فيه الحياة؟ نقول هو هكذا، نعم.
قال: فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان بل هو ذاتي للفقير.
شاي قال فلا يعلل هنا قيم بس هي صفحة ونص يعني مش أكثر من هيك رح تغلبكم هنا، بس الفكرة يقول: إذا كون الإنسان حادث بعد أن كان معدوماً أو أنه ممكن الوجود وليس واجب الوجود، هذه ليست علل لكونه مفتقراً، هو يرد -طبعا أنا أعرف- يرد على طائفة معينة تقول إن الإنسان فقير علة ذلك لأنه حادث أو لأنه ممكن الوجود، فيقول: لا، لا، الإنسان فقير لأنه هكذا، يعني هذا أمر أصلي لا يطلب له علة، لا يطلب له علة فهي صفة متجذرة وليست صفة طارئة حتى يبحث عن علتها، وإنما أكمل.
قال: بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته، لذاته لا هو هكذا لا يمكن إلا أن يكون محتاجاً لربه، نعم.
قال: لا لعله أوجبت تلك الحاجة كما أن غنى ربي عز وجل لذاته لا لأمر أوجب غناه كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية.
آه شاف كيف هو الآن يستفيد من شيخه، ماذا قال ابن تيمية في قصيدته: والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي.
فبالنسبة للبشر الفقر لنا وصف ذات لازم أبداً، وليس وصفاً طارئاً يبحث له عن علة، كما أن الغنى وصف له سبحانه.
قال: فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا لا بعلة، نعم.
وكل ما يذكر ويقدر من أسباب الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة لا علل لا علل لذلك، نعم.
الان بس هيك ركزوا معي، هل هناك فرق بين دليل الشيء وعله الشيء؟ هل هناك فرق بين دليل الشيء وعله الشيء؟ باختصار، هل كل دليل على الشيء هو عله له؟ لا، هي أحس، أح، أح، أحفظها في نظرية المعرفة، يقولون: ليس كل دليل للشيء فهو علة له، قد يكون عله له وقد لا يكون علة، فلذلك يقول ابن تيمية عفواً ابن القيم: فكل ما يذكر ويقدر أنه هذا سبب للفقر والحاجة، كل ما يذكر من أنها أسباب لفقر الإنسان فهي في الحقيقة ماذا؟ هي أدلة على فقره وليست علة لفقره، فهمتم ما معنى هذا السطر؟
فكل ما يذكر من أسباب الفقر، يعني لماذا الإنسان فقير؟ كل ما تجده في كتب السلوك وكتب النظار و و لماذا الإنسان فقير؟ فاعلم أن كل ما يقولونه ليس علل وإنما أدلة، تمام؟ فهي أدلة على أنك فقير وليس علة على أنك فقير، وفرق إذا قلنا علة يعني هي منشأ الفقر هذه العلة هي التي أنشأت فقرك، ونقول الفقر ليس له منشأ أو علة أوجبته بل هو ذاتي في الإنسان هكذا خلق ولا يكون إلا كذلك، ولا يكون إلا كذلك بخلاف أن تبحث عن أدلة على فقر الإنسان فهذا لا مشكلة فيه، كما أنك تبحث أدلة على وجود الله صحيح أنت تبحث على على أدلة على وجود الله، لكن هل هذه الأدلة على وجود الله هي عله وجود الله؟ حاشه.
لما نقول هذا الكون كله دليل على الله صح أنت تقول الكون دليل على الله، لكن هل هو علة وجود الله؟ لا، إذن ليس كل دليل علة، ولذلك هم دائما في الفلسفة يفرقون بين البرهان اللمي والبرهان الإني، ويقول أن الله عز وجل لا يستدل عليه بماذا؟ باللمي؛ لأن الاستدلال باللمي هو الاستدلال بالعله على المعلول، بخلاف البرهان الإني استدلال بالمعلول على العلة، فنحن نستدل على الله بماذا؟ بالمعلول اللي هو الكون عليه.
فالفكرة من أسباب الفقر والحادثة؛ كل ما يذكر من أسباب افتقار الإنسان هو دليل على الفقر وليس علة له. تماماً كما أن الكون دليل على الله وليس علة لوجود الله تماماً، فلا هو واجب الوجود، لا يعلل ولما هو لا يكون الكون إلا بالله. تفضل الله يكرمكم، شيخ يعني هو بالنهاية هل هذا فرق منهجي بين التعبيرين ولا نوعاً ما؟
لا، فرق أساسي جداً؛ لأن العلة هي المنشأ. يعني علة الشيء هي منشأ هذا الشيء، أما دليل الشيء فليس بالضرورة أن يكون منشأ له، هذا فرق الحال. لا، في هذه الحالة أيضاً فرق منهجي، لأنك لما تقول العلة كأنك تقول الإنسان فقير، علة افتقاره الذي أنشأ افتقاره أنه حادث. فيقول ابن تيمية وابن القيم: لا، هو مش الذي أنشأ افتقاره أنه حدث بعد العدم، حدوثه علامة من علامات افتقاره، وإنما افتقاره لأنه لا يكون إلا مفتقراً، هذا فرق نعم منهجي في هذه النقطة نعم.
قال إذ ما بالذات لا يعلل، فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته، فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهي أدلة على الفقر لا أسسمى. هي الخلاصة، فكل ما يذكر من قضية أن الإنسان ممكن الوجود، حادث بعد العدم، محتاج؛ هذه كلها أدلة على الفقر وليست علة منشئة للفقر، فهمتم؟ نعم.
قال ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب تعالى، غير القولين اللذين يذكرهما الفلاسفة والمتكلمون. الآن سيرشح أكثر وأكثر، فان الفلاسفة ماذا يقولون؟ قالوا علة الحاجة الإمكان. الفلاسفة الإسلاميون كابن سينا وغيرهم -هنا لما نقول الفلاسفة الإسلاميون يقصدون ابن سينا الفارابي وهذه الشلة- يقولون علة افتقارنا هي أننا ممكن الوجود وليس واجب الوجود، واجب الوجود هو الله، والعالم كله ونحن ضمن العالم، نحن ممكن الوجود، فيقولون منشا الافتقار أننا ممكن الوجود.
طيب، المتكلمون من المعتزلة ومن سار على طريقته ماذا يقولون؟ علة الحاجة الحدوث. عندهم يقولون المنشأ لافتقار البشر وافتقار الكون إلى الله هو أنه حادث بعد أن لم يكن. والصواب أن قال: والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان، هذه أولاً، أن الإمكان والحدوث متلازمان، ليه؟ لأنه ما كان ممكن الوجود لا يكون إلا حادثاً، صح؟ فهما أصلاً في الفكر متلازمان، يعني كأنه بيقول لهم ما في داعي للفلسفة الكثيرة، يعني كان ابن القيم يقول ابن تيمية: يعني قلتم الإمكان ولا الحدوث، فكل ما كان ممكن الوجود فهو حادث بعد أن لم يكن تمام، فهذه القائلة الأولى.
ثانياً قال: وكلاهما دليل الحاجة والافتقار، والإمكان والحدوث هو دليل الافتقار وليس علة الافتقار. رجع يكرر نفس الفكرة ابن القيم، هو دليل على أننا نفتقر، فأكيد الشيء الحادث هذا، لما تكون شيء حادث هذا بيعطيك مؤشر أنه هو دليل على أنه مفتقر. لما يكون ممكن الوجود هو يحتاج إلى واجب الوجود لذلك هو مفتقر، والحادث محتاج إلى القديم لذلك هو مفتقر. فيقول لك الإمكان والحدوث هو أدلة وعلامة على وجود الافتقار في هذا الكائن، نعم.
قال وفقر العالم إلى الله عز وجل أمر ذاتي لا يعلل، فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته، ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك. فخلص، هو فقير ذاتي، بعدين استدل على هذا الفقر بأي شيء شئت من الإمكان والحدوث وغير ذلك من الأدلة التي تدل على الفقر. انتهى الآن من هذه الفقرات، زعج يجيوش منها أنا عارف، بعض الناس يعني يتعثر باله لما يجيك بعض الكلام، لكن خلص ابن القيم رح يعفيكم من ذلك، قال: والمقصود أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه عز وجل، كما أخبر عن ذاته المقدسة وحقيقته أنه غني حميد، فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيثه.
من حيثه يعني هو هو الإنسان فقير نعم. والغنى المطلق من كل وجه ثابت لذاته تعالى وحقيقته من حيث. من حيثه يعني ذاته كما قلنا هو غني لا يكون إلا كذلك. فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرا، ويستحيل أن يكون الرب إلا غنيا، كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدا، ولا يكون الرب إلا ربا، فهي صفات ذاتية. إذا عرف هذا الآن دعونا ننتقل إلى واحة إيمانية، قال: الفقر فقران.
الفقر فقران، هذه أيضاً قاعدة اكتبها وأدونها في مطلع كتابك، الفقر فقران. الأول قال: فقر اضطرار، وهو فقر عام لا خروج لبر ولا فاجر عنه، وهذا الفقر لا يقتضي مدحاً ولا ذماً ولا ثواباً ولا عقاباً، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقاً ومصنوعاً.
طيب، النوع الأول هو فقر الاضطرار، وسماه اضطراراً لأنه كل إنسان يحتاج إليه ومضطر إليه، مسلم أو كافر، لا يمكن لأحد أن يخرج عنه. لا يمكن لأحد أن يخرج عنه مسلما كان أو كافرا، لأنه اضطراري، وهو قال فقر عام لا خروج لبر ولا فاجر عنه. وهذا الفقر ما هو؟ هو افتقارك إلى الله سبحانه وتعالى في أن يوجدك وأن يرزقك وأن يعطيك الأنفاس والأفكار والسمع والبصر، فهل هناك مسلم أو كافر يخرج عن افتقاره عن الله لهذه الأمور؟ لا يمكن. وهذا ما يسمى فقر الربوبية.
هذا اسمه فقر الربوبية، يعني لذلك قال: هذا الفقر لا يقتضي مدحاً ولا ذماً، لا يقتضي مدحاً ولا ذماً ولا ثواباً ولا عقاباً، لأنه هو أصلاً أنت مضطر عليه اضطراراً. هل هناك مخلوق مسلم ولا كافر يفتك عن الله عز وجل في أمر رزقه وفي أمر نفسه وفي أمر صحته وعافيته وفي أمر خلقه؟ لا يمكن، لذلك أنت لا تحمد عليه ولا تذم عليه ولا تشكر عليه ولا تكفر عليه؛ لأن جميع مضطر إليه، لا يمكن الانفكاك عنه ولا يتصور.
قال: والفقر الثاني فقر اختياري، هو نتيجة علمين شريفين. نعم، الفقر الثاني هو الفقر الاختياري، أن تفتقر إلى الله افتقاراً أنت تريده وتقصده، عشان هيك سمي ايش اختياري، يعني هذا بقرارك أنت. هذا الثاني أنت من تقرر أن تسلكه، وعليه بالتالي الثواب والعقاب. قال: هو نتيجة علمين شريفين، أحدهما معرفة الععبد بربه، والثاني معرفته بنفسه. فمتى حصلت له هاتان المعرفتان، انتجتا له فقراً هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته.
طيب، إذا الفقر الثاني نسميه هو افتقار الألوهية، هو أن تقرر يا أيها الإنسان أن تتخذ الله سبحانه إلهاً ومعبوداً ومقصوداً، هذا باختيارك. فإذا اخترت هذا الاختيار وقصدت هذا القصد وتوجهت إلى الله فعبدته وحده لا شريك له، وقصدته وحده لا شريك له، وأحببته وحده لا شريك له، وخفته ورجوته وحده لا شريك له؛ فهذا الافتقار الاختياري هو ذاته غنىً لك، لأن من افتقر إلى الغني اغتنى، ومن وصل مع الله وصل. فلذلك يقول: ففقره، قال: فمتى حصلت له هاتان المعرفتان، من عرف ربه وعرف نفسه وعرف حاجة هذه النفس إلى هذا الرب، فمن حصلت له هاتان المعرفتان انتجتا له فقراً هو نفسه هذا الفقر هو عين الغنى. ففقرك هذا الاختياري هو الذي سيغنيك، وهو عنوان فلاحك وسعادتك.
إذا الفقر الأول اضطراري أنت أصلاً لا يمكن أن تخرج عنه، تماماً، أما الفقر الثاني فهو باختيارك، أنت من تختار أن تعبد الله وأنت من تختار ألا تعبد الله، وبالتالي كل إنسان يسير على ما يسر له. قال: وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، معرفة الرب ومعرفة النفس نعم.
فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل. فالله تعالى أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئاً ولا يقدر على شيء ولا يملك شيئاً ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة، فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كماله أمرا مشهودا محسوسا لكل أحد ومعلوم أن هذا له من لوازم ذاته وما بالذات دائم بدوامها.
إذا هو لاحظ كيف شرح لك فقرك يا أيها الإنسان، كيف خرجت من بطن أمك لا تعلم شيئاً، لا تقدر على شيء، ولا تملك شيئاً، ولا على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء البته. فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كماله، أن تكون مفتقراً في تلك الحال إلى ما به تكمل من الرزق والفهم والكلام، أمراً مشهوداً محسوساً لكل أحد. شوف الطفل الصغير لما يخرج في بطن من بطن أمه، تعرف ما معنى الافتقار أنه وصف ذاتي؟ أنظر إلى ابنك أو ابن اختك أو شيء من الناس الذين ترون أطفال صغار، كيف يكون جاهل تماماً، ما عنده أي معرفة، وكيف يبدأ يتعلم المهارات، ويكتسب الصفات، وتبدأ يتعلم من أمور الحياة ويكتسب منك اللفظ. مسكين الإنسان هذا، مسكين!
يقول: فكان افتقاره أمراً مشهوداً، الكل يرى هذا الطفل وهو يكبر، الكل يحس به وينظر في أحواله، ومعلوم أن هذا من لوازم ذاته، وما بالذات يعني الصفات الذاتية يدوم بدوامها. أي صفة ذاتية في الإنسان تدوم ما دام هذا الإنسان موجوداً، صح؟ يعني مش الحياة صفة ذاتية، فما دمت أنت على الوجود الحياة موجودة فيك، فالصفات الذاتية تدوم بدوام الشيء. وهو لم ينتقل من هذه الرتبة، يعني عمر الإنسان لن ينتقل من رتبة المفتقر إلى رتبة الرب، هل ممكن يصير الإنسان في يوم من الأيام رب يستغني عن الإله؟ فيقول: وهو لم ينتقل من هذه الرتبة، أي من رتبة الافتقار إلى رتبة الربوبية والغنى، لا يمكن للانسان أن ينتقل، بل لم يزل عبدا فقيرا بذاته إلى بارئه وفاطره نعم.
قال: فلما أسبغ عليه نعمته، وأفاض عليه رحمته، وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهراً وباطناً، وخلع عليه ملابس إنعامه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وعلمه واقتره وحركه وصرفه، ومكنه من استخدام بني جنسه -عرفك كيف تستخدم الإنسان، يعني الإنسان يستخدم الإنسان وينتفع من الآخرين نعم- قال: وسخر له الخيل والإبل، وسلطه على دواب الماء -صار يصيد، يعني عص يصيد سمك وكذا نعم- واستنزال الطير من الهواء، وقهر الوحوش العادية، وحفر الأنهار، وغرس الأشجار، وشق الأرض، وتعلية البناء، والتحيل على جميع مصالحه، والتحرز والتحفظ مما يؤذيه.
لما اعطاك ربنا كل هذه النعم، ايش صار ظن الإنسان المسكين؟ قال: ظن المسكين أن له نصيباً من الملك، أصبح يعاند ربه والعياذ بالله نعم. قال: ودعى لنفسه ملكة مع الله، وراى نفسه بغير تلك العين الأولى ونسي ما كان. نعم، العين الأولى كان يرى نفسه فقيراً، الآن ربنا أعطاه شوي صار يشوف ايش يا أرض اشتدي ها قدي نعم. قال: ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة، حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج المضطر، بل كان ذلك شخصاً آخر غيره.
كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بزق يوماً في كفه، فوضع عليها أصبعه ثم قال: الله عز وجل يقول: ابن آدم، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ من مثل هذه، نطفة من مني يمنى تشبه البسقة، صحيح نعم. حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين -هيك مشيت تتبختر في الأرض، وللأرض منك وئيد، وئيد يعني قطيط يعني حاط رجلك على الأرض تضرب ضرب يعني- فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي، أي بلغت روحك التراقي عند سكرات الموت، قلت: يا رب، أتصدق بهذا لفلان؟ أتصدق بهذا لفلان؟ وأنا أوان الصدقة، الآن جئت تتصدق يعني بعد ما بلغت روح التراقي نعم.
ومنها هنا خذل من خذل، ووفق من وفق، فحجب المخذول عن حقيقته، وأنسي نفسه فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وبغى وعتا، فحقت عليه الشقوى. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّاهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. ولاحظ موقع هذه الآية من سورة العلق، الله عز وجل يقول في بداية سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 1-2]. ذكرك أنك خلقت من دم، عبارة عن قطعة دم في رحم أمك، ثم بدأ يعلمك: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّهَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3-5]. انت جاهل فتعلمت، علم الإنسان ما لم يعلم صحيح، علمك اشياء كنت جاهلا بها، والله أخرجكم من بطون أماتكم لا تعلمون شيئاً. ثم مباشرة ماذا قال بعدها؟ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّاهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. شوف، بعد ما علم الإنسان ما لم يعلم لما أصبح متعلماً، طغى على ربه وشعر أنه مستغنٍ عنه. فلذلك ذم الله هذا النوع من البشر الذي ينسى ويجحد النعم، ويجحد المعروف العظيم الذي أسداه الله إليه نعم.
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ﴾ [الليل: 5-8] -واستغنى، استغنى عن ربه، استغنى عن الله، شعر أنه شعر، طبعا هو لا يمكن كما قلنا بالفقر الاضطراري أن يستغنى، لكن هو استغنى في ظنه ووهمه المسكين- ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 9-10] نعم.
قال: فأكمل الخلق أكملهم عبودية، وأعظمهم شهوداً لفقره وحاجته وضرورته إلى ربه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين. ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك». هذا من أعظم الأدعية التي يحرص عليها المؤمن، اللهم أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك، وكان يدعو صلى الله عليه وسلم
هذا من أدعية الافتقار. وكان يدعو أيضاً: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». يعلم صلى الله عليه وسلم أن قلبه بيد الرحمن عز وجل، لا يملك هو منه شيئاً، وأن الله عز وجل يصرفه كما يشاء، كيف وهو يتلو قوله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِتّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.
أيضاً قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]. القلوب بيد الله سبحانه، لحظة بتكون ملتزم، لحظة تنتكس، لحظة منتكس إذا به ينقلب ملتزماً. من عرف أن قلبه بين يدي الله سبحانه وتعالى يكون دائماً الافتقار إلى ربه، ألا يكله إلى نفسه فيتقلب هذا القلب.
نعم قال: فضرورته صلى الله عليه وسلم إلى ربه وفقته إليه بحسب معرفته به وبحسب قربه منه ومنزلته عنده، وهذا أمر إنما لمن لمن بعده منه ما يرشح من ظاهر الوعاء. هو يريد أن يخبرك عن البون الشاسع بين مدى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بالله ومدى معرفتنا نحن بالله، أمن أكثر الناس معرفة لله؟ والذي نفسي بيده إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ألم يقل كذلك صلى الله عليه وسلم؟ فهو يقول هنا: فضرورته صلى الله عليه وسلم إلى ربه وفاقته إلى ربه كانت بحسب معرفته بربه.
وهذا أمر إنما لمن بعده، أي من بعد النبي عليه الصلاة والسلام، لهم من هذه المعرفة فقط ما يرشح من ظاهر الوعاء، ما يرشح يعني الشيء الذي يخرج من ظاهر الوعاء. كان معرفة الله وعاء النبي صلى الله عليه وسلم دخل في عمقها، ونحن نعرف شيئاً يسيراً مما يرشح من أعلى الوعاء، تجد مثلاً الوعاء ممتلئ وهناك هيك نقاط تسيل، نحن لنا هي النقاط التسيل ودوبنا قائمين بحقها، أما النبي عليه الصلاة والسلام دخل في وعاء المعرفة الإلهية ولذلك كان هو أتقى منا لله وأعظم عبودية منا لله لأنه متعمق في هذه المعرفة الإلهية. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام أقرب الخلق إلى الله وسيلة، وأعظمهم عنده جاهاً، وارفعهم عنده منزلة، لماذا؟ لتكميله صلى الله عليه وسلم مقام العبودية والفقر إلى ربه. نعم.
وكان يقول لهم: أيها الناس، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي إنما أنا عبد. وكان يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم»، ألا تطروني يعني لا ترفعوا منزلتي وتثنوا علي ثناءً شركياً، ثناءً غير صحيح كما أثنت النصارى، إنما أنا عبد. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يفتخر بمقام العبودية لأنه بلغ فيه أسناد المقامات. نعم.
قال: إنما أنا عبد، فقل عبد الله ورسوله. وذكره الله عز وجل باسم العبودية في أشرف مقاماته: مقام الاسراء، ومقام الدعوة، ومقام التحدي. هذه ثلاث مقامات: مقام الإسراء والمعراج، ومقام الدعوة إلى الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقام تحديه لأعدائه. فقال في الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]. وقال في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: 19]. وقال في مقام التحدي: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23]. نعم.
وفي حديث الشفاعة أن المسيح يقول لهم: اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، عبد غفر له. فنال ذلك المقام بكمال عبوديته لله. مقام الشفاعة إنما ناله عليه الصلاة والسلام لقيامه بوظيفه العبودية على أكمل وجه. وتأمل قوله في الآية: ﴿أنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15]، فعلق الفقر إليه باسمه الله دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر.
جميل هذه الفائدة، أنتم الفقراء إلى الله، نحن قلنا الفقر كم نوع مشايخنا؟ ايش النوع الأول شيخ محمد؟ الثاني اختياري. فيقول الآن: الذي يدل على الفقر الاضطراري، اسم الرب ولا اسم الإله؟ الرب. الرب صح، أن الربوبية والتي يدل على الفقر الاختياري اسم ايش؟ الإله. فيقول في الآية: ما قال أنتم الفقراء إلى الرب، حتى لا يربطك فقط بالفقر الاضطراري، يقول: قال أنتم الفقراء إلى الله حتى يربطك بكلا النوعين. ليه؟ لأنه إقرارك بالفقر الاختياري هو يستلزم إقرارك بالفقر الاضطراري صح. لكن إقرارك بالفقر الاضطراري ككفار قريش، هم عندهم فقر اضطراري غصباً عنهم، ما قادهم ذلك للأسف إلى الفقر الاختياري. فلذلك يقول: فعلق الفقر إليه سبحانه باسم الإله وليس باسم الرب ليه؟ قال: ليؤذن أي ليعلم بنوعي الفقر. طب كيف أكتب هذه الفائدة؟ أنه إذا أقررت بالفقر الاختياري فهذا يستلزم ضرورة أنك مقر بالفقر الاضطراري ومتجه إليه؛ لأنك أنت لن تختار الله معبوداً ومقصوداً باختيارك إلا إذا كان ضمنياً في العقل عندك أنه الرب الذي يخلق ويرزق ويعطي، أليس كذلك؟ فلذلك هو بقوله: الفقراء إلى الله وإضافته إلى لفظ الجلالة، جعلتك بهذا مقراً محتاجاً إلى كلا النوعين. نعم.
قال: فانه كما تقدم نوعان: فقر إلى ربوبيته، وهو فقر المخلوقات بأسرها، اللي هو فقر الاضطراري. نعم. وفقر إلى إلهيته، وهو فقر أنبيائه ورسوله وعباده، فقر الاختياري. نعم. وهذا الفقر الاختياري، قال: وهو من يختاره الأنبياء وأتباع الأنبياء. أما الفقر الاضطراري فكما قلنا هو فقر المخلوقات بأسرها إليه فليس مختصاً بأحد دون أحد. نعم.
قال: وهذا هو الفقر النافع، نعم اللي هو الاختياري. أما الاضطراري ما في فيك شيء مميز، لأنه كلنا نفتقر إلى الله من النوع الأول. نعم. قال: والذي يشير إليه القوم ويتكلمون عليه. يشير القوم، يقصد بالقوم هنا إذا ورد في الكتاب أئمة الصوفية أو أئمة الزهد، خلينا نقول أئمة السلوك إلى الله. نعم. قال: ويشمرون إليه، الحمد لله. قال: هو الفقر الخاص للعام.
إذاً ولذلك يسمى أيضاً الفقر الخاص، هذه كلها أسماء للفقر الاختياري. يسمى الفقر للألوهية، أو الفقر الاختياري، أو الفقر الخاص. لماذا خاص؟ لأنه ليس كل الناس تقر به، بل عدد معين من الناس وهم الأنبياء وأتباع الأنبياء. نعم.
قال: وقد اختلفت عباراتهم عنه ووصفهم له، وكل أخبر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير. فالآن سيتكلم عن الفقر الاختياري، لأنه هو الذي نحتاج إليه من أن نتعلمه. نعم. الفقر الاضطراري نحتاج أن نتذكره أكيد، لكن الفقر الاختياري هو الذي يقول: هو الذي يتكلم عنه علماء السلوك فلذلك نحتاج أن نعرفه. لو قيل لك: عرف ما هو الفقر الاختياري، أو الفقر الخاص، أو الفقر لمقام الألوهية؟ فيقول ابن القيم: تعددت عبارات علماء السلوك في التعبير عن هذا الفقر. ولذلك سيبدأ بأول تعريف وسيجلس معنا هذا التعريف مدة، وهو تعريف أبي إسماعيل الهروي الأنصاري تمام، صاحب منازل السائرين، اللي ابن القيم شرح كتابه في كتاب مدارج السالكين. فسيبدأ بتعريف أبي إسماعيل الأنصاري الهروي عليه رحمه الله لمفهوم الفقر الاختياري فقال:
قال شيخ الإسلام الأنصاري. طبعا شيخ الإسلام الأنصاري وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، ومن أصحابنا الحنابله رضوان الله تعالى عليه، مش في هرا وكان له دعوة، وكان شديداً على أهل البدع، قائماً بمقام السنة على شدة فيه كما يقولون، يعني كان شديداً أحب زيادة، كما يقول ابن رجب في ذيل الطبقات.
طبعاً قيل عنه إنه كان يقول بشيء من الوحدة أو الاتحاد. وحقيقة أيضاً دافع عنه ابن رجب في ذيل الطبقات وقال: وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري عليه رحمه الله قال كلاماً فهمه أناس أنه قصد به الحلول والاتحاد، وهو لم يقصد به ذلك عرفت. فدافع عنه ابن رجب دفاعاً جيداً جميلا في ترجمة له جميلة ذكرها في كتاب ذيل طبقات الحنابله.
المهم، فشيخ الإسلام الأنصاري لماذا ذكرت ترجمته سريعة؟ لأن ابن القيم يعتمد عليه كثيراً، يعتمد عليه كثيراً وشرح له كتابه الكامل منازل السائرين في شرح كتابه العظيم مدارج السالكين. فماذا قال شيخ الإسلام الأنصاري في تعريف الفقر؟ قال: الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة. وهو على ثلاث درجات.
الآن طبعا راح نقراه كامل بعدين ابن القيم راح يجلس معنا نشرحه كلمة تعريف الأنصاري راح نشرحه كلمة كلمة. فالآن سنقراه كامل لا تنزعج من وجود عبارات الآن غير مفهومة ستجدها سهلة جداً جداً. بس هم يعني بيستخدموا عبارات هيك غريب وفخمة وكذا وعالية، لكن لما تذكر في مضمونها هي عبارات سهلة ميسرة. نعم.
قال: الدرجة الأولى فقر الزهاد، وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطاً أو طلباً، وإسكات اللسان عنها ذماً أو مدحاً، والسلامة منها طلباً أو تركاً، وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه.
تمام، إذاً شيخ الإسلام الأنصاري أولاً أعطى تعريفاً عاماً للفقر قال: اسم للبراءة من رؤية الملكة وسنشرح الآن مع ابن القيم. ثم قسمه إلى ثلاث درجات: الدرجة الأولى من هذا الفقر هو فقر الزهاد، وعرفه -بس بدي إياك تتذكر الألفاظ لأنه راح نشرحها- وهو: نفض اليدين من الدنيا ضبطاً أو طلباً، وإسكات اللسان عنها أي عن الدنيا ذماً أو مدحاً، والسلامة منها أي من الدنيا طلباً أو تركاً. قال: وهذا هو الفقر الذي تكلم علماء السلوك في شرفه.
طيب الدرجة الثانية: قال الرجوع إلى السبق بمطالعه الفضل، وهو يرث الخلاص من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال، ويمحص من أدناس مطالعات المقامات. الدرجة الثانية هو الافتقار بمعنى أن تطالع مقامك، ألا تشاهد حالك ومقامك، وإنما تشاهد فضل الله عليك أن وفقك إلى هذا المقام. وهذا سياتي معنا شرحه ونعلق عليه إن شاء الله.
الدرجة الثالثة: قال صحة الاضطرار والوقوع في يد التقطع الوحداني، والاحتباس في قيد التجريد، وهو فقر الصوفية. فقر الصوفية يعني هؤلاء يعني الناس الأعلى شيء يعني توب التوب كما يقولون، اللي هو مقام التجريد، يسمى مقام التجريد. وأن لك ألا تشاهد إلا الله، وهذا له معنى صحيح يمكن أن يحمل عليه. وذكره أيضاً ابن تيمية، ذكرناه في أعظم في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، أنه في هناك تجرد صحيح وفي هناك تجرد الملاحده وجماعة ابن عربي وغيرهم، وهو تجرد باطل.
سيعلق ابن القيم الآن على هذا التعريف. لماذا هو ذكر هذا التعريف؟ أن هو أساس هذا الكتاب أن نعرف ما هو الفقر؟ أنه كما قلنا أساس السير إلى الله الاعتراف بالفقر. فلا بد أن نجلس ونتدارس مع بعضنا البعض ما معنى افتقار الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى؟
فقال: فقوله الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة. طب نبدأ إلى ما تعريفي الفقر عموماً؟ قال: الفقر ما هو؟ أن تتبرا يا أيها الإنسان من رؤية الملكة باختصار، أن تتبرا من رؤية نفسك مالكاً شيئاً في هذا الكون. أن تتبرا من رؤية نفسك مالكاً، الملكة يعني أنك تملك شيئاً في هذا الوجود، وإنما المالك الحقيقي من هو؟ الله سبحانه وتعالى. هذا معنى هذا التعريف باختصار.
سيشرح ابن القيم قول: يعني أن الفقير هو الذي يجرد رؤية الملك لمالكه الحق، فيرى نفسه مملوكاً لله، لا يرى نفسه مالكاً بوجه من الوجوه، لا يرى نفسه مالكاً بوجه من الوجوه. نعم. ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه مملوكاً عبداً مستعملاً فيما أمره به سيده.
إذاً ويرى كل الأعمال التي يفعلها مستحقة عليه: لازم أنا أصلي، لازم أزكي، لأني أنا عبد مملوك وهو سيدي ومالكي، فأعمالي مستحقة علي. نعم. قال: فنفسه مملوكة وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس مالكاً لنفسه ولا لشيء من ذراته ولا لشيء من أعماله، بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه. كرجل اشترى عبداً بخالص ماله ثم علمه بعض الصنائع فلما تعلمها قال له: اعمل وأد إليه، فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء. نعم.
فالله عز وجل كأنه خلقك وأعطاك أدوات وقال: اعمل من أجلي. هل لك أن تقول لا؟ أنا أعمل لغيرك. أنا الذي أعطيتك، أنا الذي منحتك لغيري. نعم.
فلو حصل بيد هذا العبد من الأموال والأسباب ما حصل، لم يرَ له فيها شيئاً بل يراها كالوديعة في يده، أنها أموال أستاذه وخزائنه ونعمه بيد عبده مستودعها، قال متصرفاً فيها لسيده لا لنفسه. فالعبد مستودع والله أودعه. نعم. قال: متصرف فيها لسيده لا لنفسه، كما قال عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وسلم: «إني والله إني لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت». نعم. فأنا أقسم الأموال وإلا فصاحب المال المالك الحقيقي له هو الله عز وجل. نعم.
قال: فهو متصرف في تلك الخزائن بالأمر المحض، تصرف العبد المحض الذي وظيفته تنفيذ أوامر سيده. فالله هو المالك الحق، وكل ما بيد خلقه هو من أمواله وأملاكه وخزائنه، أفاضها عليهم ليمتحنهم في البذل والامساك. وهل يكون ذلك منهم على شاهد العبودية لله عز وجل فيبذل أحدهم شيئاً رغبة في ثواب الله ورهبة من عقابه وتقرباً إليه وطلباً لمرضاته؟ أم يكون البذل والامساك منهم صادراً عن مراد النفس وغلبه الهوى وموجب الطبع، فيعطي لهواه ويمنع لهواها، فيكون متصرفاً تصرف المالك إلى المملوك فيكون مصدر تصرفه الهوى ومراد النفس؟
ففرق هائل بين من يتصرف تصرف المالك وبين من يتصرف في هذا الكون تصرف المملوك. فمن يتصرف تصرف المالك، يعني متى أقول إن هذا الإنسان يتصرف تصرف المالك؟ إذا كان يعطي ويمنع لهواه ولرغباته ونزواته وطبائعه، فهذا واضح أنه يرى نفسه متنفذاً في هذا الوجود. وأما تصرف المملوك هو الذي إذا أعطى فإنما يعطي بناءً على أوامر الله، وإذا منع فالذي يمنع هو شيء أمره الله أن يمنع به، وإذا مدح فإنما يمدح ما أمره الله أن يمدح، وهكذا. نعم.
قال: فيكون مصدر تصرفه الهوى مراد النفس، وغايته الرغبة فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح أو حظ من الحظوظ أو الرهبة من فوت شيء من هذه الأشياء. وإذا كان مصدر تصرفه وغايته هو هذه الرغبة والرهبة، رأى نفسه لا محالة مالكاً، فادعى الملك وخرج عن حد العبودية.
فادعى إذا الملكة، ومن ادعى الملكة ليس فقيرًا. هذه فكرة؛ لأن تعريف الفقر هو أن تتبَرأ من رؤية الملكة.
قال: وخرج عن حد العبودية ونسي فقره، ولو عرف نفسه حق المعرفة لعلم أنما هو مملوك ممتحن في صورة مالك متصرف. يعني أنت يا أيها الإنسان في صورة المالك، لكنك في الحقيقة لست مالكًا وإنما أنت ممتحن من المالك الحقيقي. كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14]. من أجل هذا يستخلفنا الله في الأرض لننظر كيف نعمل.
قال: وحقيق بهذا الممتحن أن يوكل إلى ما ادعَتْهُ نفسه من الحالات والملكات مع المالك الحق سبحانه؛ فإن من ادعى لنفسه حالة مع الله وُكِل إليها. أحسنت، فجدير، حقيق يعني جدير بهذا الممتحن أن يوكل إلى ما ادعاه لنفسه من الملك إذا أراد أن يزاحم الله فيه، يكلك الله إلى ما تدعيه؛ شايف نفسك أنك أنت مالك تصرف بما يقتضيه هواك؟ ودعنا نرى إلى أين سيقودك هذا الهوى.
قال: ومن وُكِل إلى شيء غير الله فقد أُتيح له باب الهلاك والعطب. أسأل الله العافية. قال: وأُغلِق عنه باب الفوز والسعادة؛ فإن كل شيء ما سوى الله باطل، ومن وُكِل إلى الباطل بطل عمله وضَلَّ سعيه ولم يحصل إلا على الحرمان.
فكل من تعلق بشيء غير الله انقطع به أحوج ما كان إليه. سبحان الله، كما قال: كل من تعلق، هذه قاعدة يا إخوان اكتبها: كل من تعلق بشيء غير الله انقطع به يعني خذَلك أحوج ما تكون إليه. من تعلق بمال، من تعلق بفتاة، من تعلق بدنيا، من تعلق بوظيفة، من تعلق ببشر؛ سبحان الله هذه عادة الله وسنة الله الجارية، أن الشيء الذي تعلقت به سوى الله يخذلك ويقطعك أحوج ما تكون إليه. يعني لما في الوضع الطبيعي ربنا بيخليه معك، لكن لما تكون مفتقر إلى هذا الشخص أو الشيء وتعلقت به سوى الله، يخبئ لك الله سبحانه وتعالى خذلانه لك في اللحظة التي تكون أحوج ما تكون إليه. سبحانه كما قال تعالى: ﴿إِذ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166]. ما أحوج أي ساعة يكون فيها الأجنان محتاجين لأسيادهم، أحوج ساعة يوم القيامة. صحيح ماشي، أنت أيها التابع في الدنيا تحتاج إلى متبوعك أنه يعطيك راتب آخر الشهر، يمشي لك أمورك في كذا وكذا، تمشي أمورك ماشي ممكن تمشي، لكن أحوج ما تكون إلى متبوعك أن يفزع لك سيخذلك. ﴿إِذ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166]. كل العلائق انتهت، أحوج ما كانوا إليها سبحان الله.
قال: فالأسباب التي تقطعت بهم هي العلائق التي كانت بغير الله ولغير الله، قطعت بهم أحوج ما كانوا إليها، وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلت وبطلت اضمحلت أسبابها وبطلت، فإن الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها، وكل شيء هالك إلا وجهه. فتلك الأسباب كانت غاياتها ما هي الغايات؟ أي منصب، راتب شهري آخر الشهر، فلما بطلت تلك الغايات بطلت تلك الأسباب، انتهت. يعني أنت أيها التابع ماذا تريد من متبوعك؟ جاه، سلطان، يمشي لك ورقة ماشي، شو بدك منه تمام؟ أشياء دنيوية. يوم القيامة بطلت تلك الغايات فبطلت بالتالي تلك العلائق والأسباب وانتهت، فلما بطلت الغايات بطلت الأسباب، هذا ما يريد أن يقوله.
فكل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه، وكل سعي لغيره فباطل ومضمحل. وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعي والعمل والكد والخدمة التي يفعلها العبد لمتولٍ أو أمير أو صاحب منصب أو مال، فاذا زال ذلك الذي عُمِل له وعدم ضَلَّ ذلك العمل. أكيد كل اللي بيكونوا مثلاً تابعين لأمراء وزعامات، لما ذلك الأمير يعزل تمام أو يذهب، كل من كان تحته بتفنشوا صحيح، وترون تلك الأمور كلياتها فيقول: كذلك القضية. إذا هذا يقول: مشاهد في الدنيا يعني قبل الآخرة كيف أن تلك العلاقات تزول بزوال الأمير فتزول ويزول معه حاشيته وأجناده، ويستخلف الله قوامًا آخرين.
قال: وبطل ذلك السعي ولم يبق في يده سوى الحرمان، ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة: أليس عدلاً مني أن أُوَلِّي كل رجل منكم ما كان يتولى في الدنيا؟ فيتولى عابدو الأصنام والاوثان أصنامهم وأوثانهم فتتساقط بهم في النار، ويتولى عابدو الشمس والقمر والنجوم آلهتهم، فإذا كورت الشمس وانتثرت النجوم اضمحلت تلك العبادة بزوال معبوداتهم التي عبدوها وبطلت وصارت حسرة عليهم، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار.
قال: ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقة وأغبنهم يوم معاده؛ فانه يحال على مفلس كل الإفلاس بل على عدم. الله يحيلك على مفلس الصحيح. بتعرفوا الحوالة في الفقه الإسلامي؟ أحيلك على شخص يقول لك: خلص روح خذ مال منه. فالله عز وجل ماذا يقول لهم؟ أليس عدلاً مني أن أُوَلِّي كل رجل منكم ما كان يتولى في الدنيا؟ هي الحوالة، خلص أنت مش كنت تعبد الشمس والقمر؟ روح خذ منك. مش أنت كنت تعبد فلان وفلان من الفاسدين؟ روح خذ نصيبك منه، لا تيجي لله تقول: يا رب بدي ثواب. أحالك الله على مفلس، فما حال من يحال على مفلس؟
قال: والموحد أحالته على المليء، على المليء سبحانه وتعالى. لا، بعد ما بين الحوالتين؛ فرق هائل بين أن تحال على شخص مفلس يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، وبين أن تحال على الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.
وقوله: البراءة من رؤية الملك ولم يقل من الملكة. شوف هذا التدقيق من ابن القيم يقول: أبو إسماعيل الهروي ماذا قال في تعريف الفقر؟ أن تتبرا من رؤية الملكة، وليس أن تتبرا من نفس الملكة. لماذا؟ فرق بين أن أقول لك: أن تتبرا من رؤيتها، وأن تتبرا منها؛ لأن معنى إذا قلت لك الفقر أن تتبرا من الملكة يعني لا بد أن لا يكون معك مال، يعني لا تملك ولا دينار، وهذا ليس صحيحاً؛ فإن كثيراً من الزهاد من الصحابة والتابعين كان معهم من المال الكثير، بل حتى الأنبياء، مش الأنبياء هم سادة الزهد؟ وسليمان وداود كانا ملوكاً، فلو قلت لك الفقر هو أن تتبرا من الملك من كل شيء معناه كل واحد عنده ملك هذا ليس فقيرًا، فأصبح خرج بعض الأنبياء من حد الفقر وخرج عدد من الصحابة والتابعين كعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من مليارديرات الصحابه من حد الفقر، فيقول لك الصحيح أن الإنسان قد يكون يملك مالاً كثيراً ولكنه مفتقر إلى الله؛ لأنه متجرد من رؤية الملكة.
يعني هو لا يرى نفسه حتى لو عنده مليون دينار هو لا يرى نفسه مالكاً حقيقياً، وهذا الذي نريده، لا نريد أنك تكون فقير بمعناها المعدم، لا خليه معك مليونين وثلاث ملايين، لكن المهم أن يكون قلبك متجرد عن رؤية أنه المالك الحقيقي، هذا ما نريده.
قال: لأن الإنسان قد يكون فقيراً لا ملكة له في الظاهر، وهو عري عن التحقق بنعت الفقر الممدوح، أهلُه الذين لا يرون ملكة إلا لمالكها الحق ذي الملك والملكوت. اللي هو العكس، يقول: قد يكون الإنسان معدماً تماماً، ما معه في منزله ولا في جيبه ولا دينار ولا يكون فقيراً في نفسه، ليه؟ لأنه يرى نفسه مالكاً! بس أعطيه دينار واحد هذا الفقير بصير يشوف حاله أنه أنا أملك هذا الدينار. يعني يقول لك بعض الناس فقير حقيقة من حيث المال، ولكنه لا يقوم بمقام الفقر لأنه يرى نفسه مالكاً، فحتى لو كنت ترى نفسك مالكاً لدينار فانت لست محقاً لمقام الفقر، ولو كنت تملك مليون دينار ولا ترى نفسك مالكاً فانت محقق لمقام الفقر، فالعبرة ليست في مقام الفقر كم تملك، العبرة بماذا ترى؟ العبرة ليس هو كم تملك، العبرة هو كيف ترى نفسك مع هذا الشيء الذي تملكه.
قال: وقد يكون العبد قد فُوِّض إليه من ذلك شيء وجُعِل كالخازن فيه. قد فُوِّض إليه من ذلك شيء، يعني ربنا أعطاه أموال وجعله كأنه خازن عليه، هذا المليونير. قال: كما كان سليمان وداود صلى الله عليه وسلم أُوتيا ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. وكذلك الخليل وشعيب والأنبياء، والأنبياء، ذلك الخليل يعني إبراهيم عليه السلام.
قال: والأغنياء من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكذلك أغنياء الصحابة، فهؤلاء لم يكونوا بريئين من الملكة في الظاهر وهم بريئون من رؤية الملكة في نفوسهم. نعم هؤلاء ما كانوا بريئين من الملكة معهم أملاك، لكنهم بريئون من رؤية هذه الملكة، أنهم ما كانوا يرون أنفسهم هم مالكين حقيقيين، وإنما إذا أمرهم الله بالصدقة دفعوا، وإذا أمروا بالعطاء أعطوا، فلم يروا أنفسهم من أهل الملكة وإن كانوا يملكون في الظاهر.
فلا يرون لهم ملكاً حقيقياً، بل يرون ما في أيديهم لله عارية ووديعة في أيديهم، ابتلاهم به لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبيد أو تصرف الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم. فوجود المال في يد الفقير لا يقدح في فقره، إنما يقدح في فقره رؤيته لمملكته. هذه القاعدة: فوجود المال في يد الفقير لا يقدح في فقره لو كان معك مليون دينار هذا لا يقدح في فقرك إلى الله فقر اختياري، وإنما يقدح في فقرك هو أن ترى نفسك مالكاً.
قال: فمن عُوفي من رؤية الملكة لم يتلوث باطنه بأوساخ المال وتعبه وتدبيره واختياره، وكان كالخازن لسيده الذي ينفذ أوامره في ماله، فهذا لو كان بيده من المال مثل جبال الدنيا لم يضره ذلك. ومن لم يُعافَ من ذلك ادعت نفسه الملكة، فتعلقت به النفس تعلقها بالشيء المحبوب المعشوق، فهو أكبر همه ومبلغ علمه؛ إن أعطي رضي وإن منع سخط، فهو عبد الدينار والدرهم، يصبح مهموماً به ويمسي كذلك، فيبيت مضاجعاً له.
نعم، بعض الناس كما قلنا يصبح الصباح همه بالدينار والدرهم، الوظيفة يطلع الساعة 7 الصبح طبعاً كلها في النهاية الوظيفة 250 ليرة تفكر يعني كبير، بس بيطلعوا الصبح وكذا بيضيع صلاة الفجر وكذا ومش مشكلة صلاة الجماعة، أهم شيء أني ألحق الباص، وبعدين يعني بوصل على الشغل بتروح صلاة الظهر ما في سنن رواتب أذكار ما بذكرها، بس همه يلهث مشان هالس 250 يعني مش إنه راح يشبع غني بالمعنى المحسوس، لكن هو عبد الدينار والدرهم، يبيت مضاجعاً له كما يقول ابن القيم يعني همه بس آخر الشهر متى تجينا 250 دينار. قال: هذا مسكين! هذا مسكين، هذا ما حقق الفقر الاختياري ولا حقق الغنى الدنيوي كذلك يعني.
قال: تفرح نفسه إذا ازداد وتتحزن وتأسف إذا فات منه شيء. إذا فات من المال شيء، بل يكاد يتلف إذا توهمت نفسه الفقر؛ يعني بعض الناس بس أحكي له إنه عندك تجارة رح تخسر فيها بده ينتحر. بعض الناس خسر في البورصة أموالاً طائلة فقد عقله فقد صوابه. بعض الناس ممكن يخسر أموالاً طائلة وقدر الله وما شاء فعل. قال: وقد يؤثر الموت على الفقر من شدة تعلقه بالمال.
وقال: الأول مستغن بمولاه المالك الحي، يرى أن المكسب مال نفسه فمال العبد مال الجزع والهلع، وإنما لماذا أجزع ولماذا أهلع والمال؟ وإنما تصرف مالك المال في ملكه الذي هو وديعة في يد مملوكه، فله الحكم في ماله إن شاء أبقاه وإن شاء. مالك المال هو الله، يحسبها هنا تصرف مالك المال وهو الله في ملكه الذي هو وديعة في يد مملوكه وهو أنا وأنت، فله الحكم سبحانه في ماله إن شاء أبقاه في يدي وإن شاء ذهب به وأفناه.
وهذا يشبه حديث أم سليم الذي علقنا عليه لما قالت لأبي طلحة: أرأيت رجلاً، أرأيت قوماً أعاروا جيرانهم عارية ثم أخذوها منها، هل لهم أن يعترضوا عليه؟ قال: فاحتسب ابنك عند الله. هي هكذا الأموال والأبناء والدنيا، فلا يتهم هذا العبد مولاه في تصرفه في ملكه ويرى تدبيره فهو سبحانه موجب الحكمة. لا تتهم ربك سبحانه، فإذا اخذ منك مالاً فهو ماله، وإذا أعطاك مالاً فهو ماله، هكذا تستريح.
قال: فليس لقلبه بالمال تعلق ولا له به اكتراث لصعوده عنه وارتفاع همته إلى المالك الحق، فهو غني به وبحبه ومعرفته وقربه منه عن كل ما سواه.
شوف الإنسان لما يعيش بهذه المعاني صدقوني يستريح. خلص يعني الحياة ماشي، يعني جاء مال خسرنا هذا اليوم ربحنا اليوم الثاني هو مستريح تماماً؛ لأنه لا يتصرف إلا تصرف المودع عنده، ولا يظن نفسه أنه مالك حقيقي للشيء فيستريح تماماً قلبك وتنشغل بهم أعلى.
قال: وهو فقير إليه دون ما سواه، فهذا هو البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]. ولم يقل إن استغنى، بل جعل الطغيان ناشئاً عن رؤيته غنى نفسه. جميل، جميل أنه تعريف أبي إسماعيل الهروي مأخوذ من الآية؛ هو ماذا قال في الفقر؟ أن تجرد عن رؤية الملكة؛ لأن الله قال: ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ ولم يقل: كلا إن الإنسان ليطغى إن استغنى. لو قال: إن الإنسان ليطغى بمجرد أن يكون غنياً معناه هذا ذم لكل مواطن غني، والله لا يذم كل مواطن غني، وإنما يذم كل من رأى الغنى؛ هو لا يذم الغنى، هو يذم من رأى الغنى، اللي هو رؤية الملكة، فهنا ابن القيم استطاع أن يجمع بين الآية وبين تعريف أبي إسماعيل الهروي، وكأن أبا إسماعيل اقتفى أثر هذه الآية العظيمة.
فلذلك لم يقل ربنا إن استغنى، بل جعل الطغيان من رؤية الغنى وليس من ذات الغنى.
شيخنا بس قال فهو غني عن كل ما سواه، وفَقِير دون ما سواه، دون ما سواه يعني إلى كل ما سوى الله عز نعم، وهو فقير دون ما سواه يعني هو فقير إلى، وهو فقير إلى، فقصد يعني ما معنى دون ما سواه؟ يعني أنت مفتقر إلى الله وليس مفتقرا إلى سوى الله، وهو فقير إليه سبحانه، وليست هل في واحد فينا مفتقر لأحد ما سوى الله؟ لا، فهو فقير إلى الله وليس مفتقرا إلى أحد سوى الله، نعم. ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل، في سورة الليل ماذا قال؟ بل قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 8-9]. آه في فرق، صح؟ في سورة العلق ماذا قال؟ ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 7]. طيب في سورة الليل ماذا قال؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: 8]. ليش ما قال وأما من بخل ورأى نفسه مستغنياً هيك؟ مش هيك، رجع ذم لنفس الغنى. قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: 8]. ما قال وأما من بخل ورأى نفسه مستغنياً. طيب لماذا في سورة الليل لم يذكر الرؤية وإنما ذكر نفس الغنى؟ فهمتم الآن؟ بده يحاول يحلل ابن القيم، إذا ما الفرق بين سورة العلق وسورة الليل في هذا المقام؟ لأنه في سورة العلق قال: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 7]. في سورة الليل لم يقل أن راه، قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: 8] مباشرة. فيقول: وهذا والله أعلم، هذه فائدة من ابن القيم، ما فر قال، قال: لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤيته غنى نفسه، أنه في سورة العلق أراد أن يذكر موجب الطغيان، يعني علة الطغيان، ما هو موجب يعني العلة. في سورة العلق كان التركيز على ما هي عله الطغيان؟ أنه رأى نفسه غنياً، الرؤية واما نعم، وهو استغناؤه و واما في سورة الليل نعم، قال وذكر في سورة الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، فانه لو افتقر اليه.
اه، اذا في سورة الليل أراد أن يذكر ماذا؟ إذاً في سورة العلق أراد أن يذكر ما علة الطغيان؟ رؤية الغنى. وفي سورة الليل أراد أن يذكر ما سبب الهلاك؟ فقال هو الاستغناء، والمراد بالاستغنى أن استغنى عن ربه، هذا معنى الآية في سورة الليل: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: 8] عن ربه، ايش كمان قال؟ بترك طاعته وعبوديته، فهذا سنيسره للعسرى، فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره به من طاعته، فعل المملوك الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين، ولا يجد بدّاً من امتثال أمره، ولذلك لما ذكر الاستغناء في سورة الليل ذكر معه البخل، والبخل هو ترك البذل لدين الله، سواء البذل قال بأنواعه وهي ترك إعطاء ما يجب أن يعطيه من القول أو العمل أو المال، لكن البخل هنا ليس فقط بخل المال، البخل هنا بأن تمنع أي شيء لله سبحانه وتعالى.
فإذا المقصد في سورة الليل أن يذكر أسباب الهلاك، فاسباب الهلاك هو البخل والاستغناء عن الله، البخل والاستغناء عن الله سبب للعسر، فلذلك ما احتاج أن يذكر هو يقول لك: البخل والاستغناء عن الله هو سبب للعسرة، أما في سورة العلق لا، هو كان يريد أن يعطيك علة شعورك بالطغيان، أنك رايت ملكك، هناك السياق مختلف، هناك يريد أن يقول لك: لماذا أنت طغيت؟ يقول لك: أنك رأيت ملكك، في سورة الليل هو ما بده يقول لك: لماذا أنت طغيت؟ لا، هو في سورة الليل بده يقول لك فلان متى بتروح على النار؟ إذا بخل عن الفعل واستغنى عن ربه، مش إذا رأى استغنى، لا، هناك السياق إذا استغنى عن ربه وراى ومنع وبخل عن العطاء، عندئذ ييسر إلى النار، نعم. قال: وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى وهي التي وعد بها أهل الإحسان بقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. قال ومن فسرها بشهادة أن لا إله إلا الله فلأنها أصل الإحسان.
لا ما معنى الحسنى؟ اختلف المفسرون في معنى وكذب بالحسنى وصدق بالحسنى، فقال بعضهم الحسنى هي لا إله إلا الله، يقول: وهذا تفسير صحيح إذا قلنا أن لا إله إلا الله هي أصل الإحسان، وبها تنال الحسنى وهي الجنة؛ لأن بعضهم فسر بالحسنى الجنة، نعم. قال: ومن فسرها بالخلف في الإنفاق فقد هضم المعنى حقه.
بعض المفسرين قال: الحسنى هي ايش؟ الخلف في الإنفاق، شو يعني الخلف في الإنفاق؟ يعني أن يعوضك الله خيراً بعد أن تنفق، الخلف والتعويض. فبعضهم يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 8-9] يعني وكذب بأن الله يعوضه بعد أن ينفق. يقول ابن القيم يعني هذا التفسير ضيق جداً، يعني هضمت الكلمة الحسنى حقها، إذا فسرت الحسنى بأنها ايش؟ الهضم عفوا، ايه ال العوض، عدم الإيمان بالعوض، كذب بالحسنى أي كذب بالعوض عن الإنفاق. قال: فقد هضم المعنى حقه والمعنى الحسنى أكبر من ذلك بكثير. طبعا واضح أن الذي فسرها بالعوض إنما أراد أن يربط بينها وبين البخل، صح؟ لأنه قال: أما من أعطى وصدق، بخل وكذب بالحسنى، فلذلك أنه أراد أن يربط بين العطاء والبخل وبين الإيمان بالعوض وعدم الإيمان بالعوض، لكن ابن القيم يرى أن هذا معنى محدود، والأصل أن تفسر الحسنى بمعنى أعم وأوسع من ذلك، يعني هو مش خطأ لكنه ضيق، هو ليس خطأ لكنه ضيق، ويمكن أن نقول أن من فسرها بهذا إنما أراد صورة من صور الحسنى، وهذا من باب التفسير بالنوع أو بالمثال خلينا نقول نعم. قال: وإن كان الخلف خش، وإن كان الخلف هو جزء من أجزاء الحسنى ونوع من أنواعه، نعم. قال: والمقصود أن الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد وتيسيره لكل عسرة، ورؤيته غنى نفسه سبب طغيانه، وكلاهما مناف للفقر والعبودية.
إذا خلاصة سورة الليل والعلق أن سورة الليل تريد أن تقول الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد وتيسيره لكل عسرة، وسورة العلق تريد أن تقول ورؤيته غنى نفسه، إذا سورة العلق تتكلم عن رؤيتك لغناء نفسك وسورة الليل تتكلم عن استغنائك أنت عن الله، فالموضوعين مختلفين تماماً، إيه ممكن، آه، استخدمنا هو هذا الاعتقاد واستغنى تشمل الاعتقاد والسلوك اللي هو أيضاً الطغيان، فاستغنى أعم، الرؤية وهناك استغنى، رؤية قلبية هون سلوك واعتقاد. هو شو الفكرة؟ إنه هو في سورة العلق يقول ابن القيم: استغنى في سورة العلق تتكلم عن غناه هو، بينما استغنى في سورة الليل تتكلم عن إعراضه عن الله، فمتعلق الاستغناء مختلف بين هذه السورة وهذه السورة، ففي سورة العلق ما متعلق الاستغناء؟ غناك أنت، يعني أن رأى نفسه غنياً. في سورة الليل ما متعلق الاستغناء؟ يريدك استغنائك عن الله وعن رسوله وعن كذا، فهناك يتكلم في سورة العلق عن غنا نفس عن غنائك أنت أنك رأيته ولاحظته فجعلك تطغى، وفي سورة الليل يتكلم عن استغنائك عن الله قادك إلى الهلاك، فهنا يتكلم عن غناك أنت وهناك يتكلم عن استغنائك عن الله، فاختلف الغنى غنى هنا وهنا على حسب متعلقه، هذا هو المراد نعم.
قال قوله. طيب الآن سنبدا بأول درجة، مش أبو اسماعيل الهروي قسّم الفقر بعد أن عرفه إلى ثلاث درجات، نبدا بالدرجة الأولى. قال قوله: الدرجة الأولى فقر الزهاد، وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطاً أو طلباً، وإسكات اللسان عنها ذماً أو مدحاً، وسلامة منها طلباً أو تركاً، وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه. تكلموا العلماء السلوك في شرفه فقال: فحاصل هذه الدرجة. ما معنى فقر الزهد هذا الذي يتكلم عنه؟ نعم. قال: فحاصل هذه الدرجة فراغ اليد والقلب من الدنيا، والذهول عن الفقر منها، والزهد فيها، وعلامة فراغ اليد نفض اليدين من الدنيا ضبطاً أو طلباً. قال: علامه فراغ اليد، إذاً يقول يعني سنقرأ كلام الهروي ونعلق عليه، يقول: فقر الزهاد هو نفض اليدين من الدنيا، تعرف كيف تنفض إيدك من الشيء؟ يقول لك: أنا غسلت إيدي من هذا الشيء. ما علامة أنك غسلت إيدك من الدنيا؟ لها علامات، هذه دعوة تحتاج إلى علامة. فيقول: وعلامة فراغ اليد ونفض اليدين من الدنيا ضبطاً أو طلباً فهو لا يضبط يده مع وجودها شحاً وظناً بها، الضبط هو أن تمسك المال ولا تنفقه، ما معنى الضبط؟
أن تضبط المال في يدك فلا تنفقه في وجوه الخير، قال: فهو لا يضبط يده مع وجود الدنيا عنده شحاً وظناً بها، وفي نفس الوقت إذا كان فقيراً معدماً لا يطلبه مع فقدها، طلب السؤال والالحاف والحرص، وإنما إذا أراد أن يطلبها طلب الكفاف، اللي فقط يريد أن يسد حاجته وحاجة عائلته وأولاده. قال: فهذا الإعراض والنفض دال على سقوط منزلتها، أي منزلة الدنيا من قلبك، إذ لو كان لها في القلب منزلة لكان الأمر بضد ذلك، لكان أنت ضابط إيدك في حال وجود الدنيا، وطالب لها بلهث في حال فقدها، وقد يكون حاله، وعفواً وكان يكون حاله هذا المحب للدنيا الضبط مع وجود الغنى، ولكان يطلبها طلب الملحف مع فقدها لفقره إليها، فهذه أول علامة من علامات ماذا؟ الزهاد. فقر الزهاد هو أن تنفض يديك من الدنيا ضبطاً عند وجودها معك، أو طلباً عند فقدها، طلب الالحاف والحرص، واضح يا إخوان ايش معنى هذا الكلام؟
طيب، قال وأيضاً من أقسام من أقسام الفراغ من أقسام فراغ القلب من حب الدنيا، نعم. قال: إسكات اللسان عنها ذماً أو مدحاً؛ لأن من اهتم بأمر وكان له في قلبه موقع، اشتغل اللسان بما فاض على القلب من أمره مدحاً أو ذماً. شوف هذه القاعدة العظيمة بدك تفهمها ولها نماذج كثيرة في واقع الناس اليوم، يقول لك: من انشغل بشيء وقلبه متعلق به، انشغل بهذا الشيء مادحاً له أو حتى ذاماً له، يعني لما تجد شخص يشتم الدنيا وأبو الدنيا والدنيا اللي، طبعا أنت بتسمع أنه ايه هذا شكله زاهد في الدنيا، شوف لولا موقع الدنيا في قلبه ما انشغل بشتمها تماماً. بتجد بعض الشباب بتلاقيه في الجامعة مثلاً، البنات وأبو البنات والقصص هذه وأشخص دو علي، قول لك لولا أن قلبك منشغل بهن لما انشغلت بالسب، صحيح ولا لا؟ هذا أعطيك مؤشر على ما في داخله، بقول لك: الإنسان اللي فعلا زاهد في الشيء هو الذي لا ينشغل به لا مادحاً له ولا ذاماً له، انشغالك بذم الدنيا وطول الليل والنهار على الدينار والدرهم تشتمه وعلى هذا وتشتمه وعلى هذا دليل أنه أصلاً أنت منشغل بها وحريص عليها، بس أنت ايش مش محصلها؟
لو حصلتها رح تصير أنت صاحب الدنيا ومادحاً لها، فإياك أن تظن أن الذام والشاتم للدنيا وأموالها هو الذي يعني يكون زاهداً حقيقة. فعند علماء السلوك لا، ترى ليس هذا علامة زهدك، بل علامة زهدك أو علامة فقرك هو أنك ساكت تماماً، سكوتك عنها هو دلالة انشغالك بغيرها، هنا بقول لي: والله أنا عندي افتقار حقيقي لله سبحانه إذاً، نعم. قال: فانه لذا قال تحفظها القاعدة، هذه قاعدة في ثنايا كلام ابن القيم، لأن من اهتم بأمر وكان له في قلبه موقع، يعني له مكانة من قلبك، اشتغل اللسان بما فاض على القلب من هذا الأمر مادحاً أو ذاماً، ترى ما راح تفرق، لها موقع، لذلك حتى الذم أنت تذم لأن لها موقع، نعم. قال: فانه إن حصلت له مدحها، وإن فوتته ومنعها ذمها. هذا، فإن رضي، فإن أعطي رضي، وإن لم يعط سخت، مش قال النبي عليه الصلاه والسلام نعم.
قال: وذمها علامة موضعها من القلب. ركز، ذم الدنيا هو علامة أنك متعلق بها وليس أنك منصرف عنها، طبعا هذا في الجملة، نعم. قال: لأن الشيء إنما يذم على قدر الاهتمام به، والاعتناء بشفاء الغيظ منه بالذم. أحسنت، لأن الشيء أنت بتذمه بقدر ما أنه أنت بدك تعتني بماذا؟ بشفاء الغيظ منه بالذم، نعم. قال وكذلك، وذلك حتى مثلاً لما تجد شخص نازل في هاليووتيوب في شخص معين تمام، نازل فيه كل يوم مقطع فيه مقطع فيه، بيجي بقول لك: ترى أنا مش سائل فيه، بس أنا يا عم الله يرضى عنك، كل هذه المقاطع وأنت مش سائل فيه؟ يعني لما تجد شخص ينزل في شخص طول الوقت، خلص احكي لي أنا والله مهتم بالموضوع بدي أخلصه، لكن لا تيجي تنظر علي وتقول لي إيه بعد ذلك ترى أنا والله أنا مش مهتم بهذا الموضوع كله، بس يعني ساقني الكلام إلي. فيقول قول لك ابن القيم: لأن الشيء إنما يذم على قدر الاهتمام به، ست سبع ثمان مقاطع في شيء وتقول لي أنا مش مهتم فيه، لا تضحك على نفسك؛ لأن ما يذم على قدر الاهتمام به، قال: والاعتناء بشفاء الغيظ من بدي أشف غيظ منه بالذم، نعم. قال: وكذلك تعظيم الزهد فيها إنما هو على قدر خطرها في القلب، إذ لو لا خطرها وقدرها لما صار للزهد فيها خطر، وكذلك مدحها دليل على خطرها وموضعها من. يقول حتى لاحظ هذا الكلام الدقيق إخواني، قال: وكذلك تعظيم الزهد فيها، بقول لك أنت أصلاً لازم ما تشوف أنه الزهد في الدنيا كبير، تمام. هسا في واحد بيزهد بس شايف حاله عامل شيء كبير أنه زاهد في الدنيا، بقول ابن القيم: أن ترى أنه زهدك في الدنيا شيء عظيم أنت فاعله، هذا دلالة ترى أنك شايف الدنيا عظيمة؛ لأنك لو أنت مش شايفها عظيمة، لن ترى أن زهدك فيها زهد بشيء عظيم، تمام؟ فتعظيمك لزهدك فيها وأنك تشوف حالك فعلت شيء كبير.
هو دليل على أن لها قيمة عندك فهمتم. وكذلك تعظيم الزهد في الدنيا إنما هو على قدر خطرها في قلبك، وعلى قدر أهميتها، إذ لولا خطرها وقدرها لما صار للزهد فيها خطر. شو يعني خطر؟ خطر يعني أهمية، نعم. وكذلك مدحها هو دليل على خطر وموقعها من قلبك، فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، نعم.
قال فصاحب هذه الدرجة لا يضبطها مع وجودها، ولا يطلبها مع عدمها. وهي العلامة الأولى، نعم. ولا يفيض من قلبه على لسانه مدح لها يدل على محبتها، ولا يفيض من القلب على لسان ذم يدل على موقعها وخطرها، وهذه العلامة الثانية التي ذكرناها إلى الآن، نعم. فإن صغر أعرض القلب عنه ذماً أو مدحاً، نعم.
وكذلك صاحب هذه الدرجة، قول المتنبي: وتعظم في عين الصغير صغارها، وتصغر في عين العظيم العظائم. الإنسان العظيم بشوف العظائم صغيرة، صحيح. الإنسان العظيم بشوف العظائم صغيرة، بقول لك لا أنا شغلتي أكبر من هيك. وأما الإنسان صغير النفس بشوف الأشياء الصغيرة عظيمة، وتعظم في عين الصغير صغير الهمة تعظم في عينه الصغائر، وأما عظيم الهمة تصغر في عينه العظائم. هذا من أفضل ما قاله المتنبي، نعم.
قال: وكذلك صاحب هذه الدرجة فان عن النظر إلى تركها، وهو الذي تقدم من ذكر خطر. طيب، الآن سيتكلم عن الجملة الثالثة؛ لأنه قال الهروي: نفض اليدين من الدنيا ضبطاً أو طلباً اثنين، وإسكات اللسان عنها ذماً أو مدحاً هذول شرحناها. الثالثة: والسلامة من الدنيا إيه طلباً أو تركاً، الآن سيشرح هي الجملة الثالثة فيقول: وكذلك صاحب هذه الدرجة فان عن النظر إلى تركها شأن، فان يعني باللغة العامية غير مهتم. أن ينظر إلى تركه لها، ولاحظ هنا هذا الشيء عالي، عالي؛ أنك لابد أن تهتم ماذا؟ بالنظر إلى نفسك وأنت تارك للدنيا معرض عنها؛ لأنه لو أنت نظرت إلى نفسك وأنت تترك الدنيا معناته أنت شايف لها قدر. رجعنا لنفس المربع، بقول لك حتى أن تنظر إلى نفسك وأنت تارك للدنيا غلط عند علماء السلوك. لا تعطيها، خلص؛ لا وكأنها غير موجودة. هكذا يقول؛ اللي هو: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. الحياة ماشية، نعم.
قال: وهو الذي تقدم من ذكر خطر الزهد فيها، لأن نظر العبد إلى كونه تاركاً لها زاهداً فيها تتشوف نفسه بالترك وتتلذذ به. قال: دليل على شغله بها. شوف الكلام الجميل الفخم، يقول: لأن نظر العبد إلى نفسه أنه أنا يا جماعة أنا تارك للدنيا نعم، والحمد لله أنني تركتها، ويصبح يرى نفسه في أثناء الترك. يقول لك هو دليل على أن لها خطر في نفسك فلذلك ترى نفسك شيئاً عظيماً وأنت تتركها، وإلا لو لا لو كانت فعلاً فعلاً دنيئة في نفسك لقلت ايش الشيء العظيم اللي تركته؟ دنيا! ايش الشيء العظيم الذي تركته؟ نعم.
قال: دليل على شغله بها ولو على وجه الترك، ولو على أنك منشغل بها ولو على صورة الترك وليس على صورة الطلب، جميل. وذلك من خطرها وقدرها، ولو صغرت في القلب كما قلنا لصغر تركها في عينك، ولصغر الزهد فيها في عينك. ولو اهتم القلب بمهم، نعم. ولو اهتم القلب بمهم من المهمات المطلوبة التي هي فاقات أهل القلوب والأرواح؛ لذهل عن النظر إلى نفسه بالترك والزهد. يعني لو اشتغل القلب بمقام من مقامات العلاقة مع الله، ولو اهتم القلب بمهم من المهمات المطلوبة. ماذا يخسر بمهم من المهمات المطلوبة؟ يعني بعلاقة مع الله. المهم هنا هي العلاقة مع الله، لو انشغل بقضية متعلقة بعلاقته مع الله يريد أن يصوبها ويصلحها، والتي هي فاقات أهل القلوب، اللي هي فعلا الذي يفتقر إليه أهل السلوك إلى الله: علاقتك مع الله كيف؟ محبتك لله يا أخي، هل تفقدت هذا؟ هل انشغلت باصلاح محبتك لله؟ هل انشغلت باصلاح خوفك من الله؟ هل انشغلت باصلاح الرجاء؟ باصلاح بترك الذنوب والمعاصي؟ اللي مشتغل بهذه الأمور المهمة يذهل عن النظر إلى نفسه أنه تارك للدنيا زاهد فيها. ما عاد هذا الموضوع هو شاغلني؛ أنه أنا الحمد لله أني زاهد، لا، في عنده شيء بيشغله أعلى من ذلك، وهو ما يحتاجه السائل إلى الله، وهو أن ينظر ويتفقد يوميا وكل ساعه علاقته بربه عز وجل. هذا الأصل، يذهلك، إذا كنت مفتقراً حقيقياً، الأصل أن هذا يذهلك وينسيك ويشغلك عن قضية أنه حضرتك زاهد ولا مش زاهد، أو تارك للدنيا أو طالب للدنيا، نعم.
قال: فصاحب هذه الدرجه معافى من هذه الأمراض كلها؛ من مرض الضبط والطلب والذم والمدح والترك. فهي بأسرها -وإن كان بعضها ممدوحاً في العلم مقصوداً، يستحق المتحقق به الثواب والمدح- لكنها آثار وأشكال مشعرة بأن صاحبها لم يذق حال الخلو وتجريد الباطن.
آه، شوف هون الكلام اللي فيه توازن، شو بقول؟ الآن صار عنا مصطلح الضبط والطلب والذم والترك، عفواً الذم والمدح إيه، الترك، صحيح هذه اللي وردت في الدرجة الأولى. يقول لك هذه الأمور الخمسه فهي بأسرها -وإن كان بعضها ممدوحاً في العلم- ايش يعني ممدوحاً بعضها ممدوحاً في العلم هي الأمراض؟ كيف يكون بعضها ممدوحاً في العلم مقصوداً يستحق المتحقق به الثواب؟ اللي هو إخواني أن الترك بشكل عام من الناحية الفقهية مش من ناحية علماء السلوك، ترك الدنيا أليس شيئاً ممدوحاً؟ صح. أليس شيئاً يثاب الإنسان عليه؟ فبقول لك نحن في علم السلوك بنصنفها أمراض، بس في علم الفقه هي ربما تصنف أنها شيء صحيح يثاب الإنسان عليه. كذلك مثلاً ذم الدنيا في علم في العلم الفقهي أو العلم العام الذي يذم الدنيا منقول والله هذا ججزاه الله خير، يعني إنسان فعل شيء صحيح؛ الدنيا ملعونه ملعون ما فيها إلا ذكر تمام. فيقول لك هذه الأمور وإن كان بعضها مثل الذم والترك، خليه ركز على هذول الشغلتين: الترك للدنيا أو الذم لها وإن كان بعضها ممدوحاً في العلم مقصوداً، أحياناً قد نوجه إليه الناس يستحق الثواب فاعله أحياناً، لكنها في علم علماء السلوك والزهد تعتبر ايش؟ آثار للدنيا، يعني كانها من ا- هي ما زالت من آثار الدنيا، حتى الترك هي من آثارها، وأشكال مشعرة بأن صاحبها لم يذق حلاوة التجرد الباطني. فإذا بدك تفرق بين مقام الفقه ومقام السلوك: في مقام الفقه نحن بنمدح الذام التارك نوعاً ما، بس في مقام السلوك بقول له: لسه أنت ما وصلت؛ حتى الذم والترك بدك تترك لي إياهم الاثنين، تمام.
قال: فضلاً إذن فان صاحب لم يذق بعده حال الخلو والتجريد الباطن، فضلاً عن أن يتحقق بشيء من الحقائق المتوقعة المتنافس فيها. الحقائق المتوقعة اللي هي ايش؟ المقامات بسموها والأحوال؛ أنه أنت لسه إيه لم يحصل لك التجريد الباطني، فضلاً عن أن تكون بلغت حالاً من الأحوال ومقاماً من المقامات الخطيرة التي ينافس فيها ويشمر إليها المشمرون، كمقام المحبة لله والتجريد لله وما شابه ذلك، تمام. فصاحب هذه الدرجة -اللي هو اللي بحقق أول درجه من درجات الفقر التي سماها الأنصاري: فقر الزهاد- إذا أنت خلصت من هذا المستوى حتى الآن بدك تبدا تنتقل للمستوى الثاني. وقسم الفقر إلى ثلاث مقامات؛ أول شيء فقر الزهاد، فإذا أنت خلصت من هذا المستوى ماذا حصل بك؟ يقول: فصاحب هذه الدرجة متوسط بين درجتي الداخل بكليته في الدنيا قد ركن إليها واطمأن إليها واتخذها وطناً وجعل له سكناً، وبين من نفضها بالكلية من قلبه ولسانه، وتخلص من قيودها ورعوناتها وآثارها، وارتقى إلى ما يسبي القلب ويحييه ويفرحه ويبهجه من جذابات العزة، من جذابات العزة إلى مقام سبحانه، نعم.
قال: فهو في البرزخ كالحامل المطري، نعم. فهم بيعتبروا اللي بيخلص من هاي الدرجة الأولى كأنه في البرزخ لسه ينتظر الولادة. اللي خلص المرتبة الأولى وهي فقر الزهاد، وأعطيناك علامة النجاح، أنت هنا دخلت الحياة البرزخية، كالحامل المقرب. شو يعني الحامل المقرب؟ يعني اللي في الشهر التاسع اللي قربت تولد ها، لسه ما ولدت بس ها شوي وبتولد، نعم. قال: كالحامل المقرب ينتظر ولاده الروح والقلب صباحاً ومساءً.
لا أنا إن شاء الله يعني بقولوا هانت هانت، إذا أنت أنهيت فقر الزهاد هانت إن شاء الله أن تولد ولادة جديدة بقلب جديد وروح جميلة، نعم. قال: فان من لم تولد روحه وقلبه ويخرج من مشيمه نفسه ويتخلص من ظلمات طبعه وهواه وإراداته، فهو كالجنين في بطن أمه الذي لم ير الدنيا وما فيها.
هذه عبارة فخمة، عبارة رائعة رائقة من ابن القيم رحمه الله تعالى عليه. يقول ابن القيم: الإنسان الذي لم يولد له قلب وروح ولم يخرج بعد من مشيمه النفس، كأنه نفسك الأمارة بالسوء مشيمة أنت مرتبط بها لازم تنفصل عنها كما ينفصل الطفل عن مشيمة أمه. قال: فان من لم تولد روحه وقلبه ويخرج من مشيمه النفس ويتخلص من ظلمات الطبع والهوى والإرادة، كما أن الطفل في ظلمات ثلاث في بطن لأمه كذلك أنت في ظلمات ثلاث سيقول ابن القيم: ظلمات الطبع والهوى وإرادة الدنيا. فولادتك تعني أنك خرجت من كل هذا البرزخ وبدات حياة جديدة، حياة على منهج الله ورسوله، نعم.
فلذلك يقول: فهو كالجنين في بطن أمه الذي لم ير الدنيا بعد. إحنا من كان لسه في الظلمات ترى أنت لسه ما عرفت الحياة الحقيقية، ما عرفت معنى: ﴿فَلَنُحۡيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]، ما عرفت معنى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتاً فَأَحۡيَيۡنَٰهُ﴾ [الأنعام: 122]. أنت لسه ما ذقت، وما أكثر الذين لم يعيشوا بعد! وما أكثر الذين يدخلون الدنيا ويخرجون منها ولم يولدوا ولادة حقيقية، ما أكثرهم! نسأل الله أن يحيي قلوبنا وأن يعطينا هذه الولادة الحقيقية، نعم.
قال: فهكذا هذا الذي هو بعد في مشيمه النفس والظلمات الثلاث، التي هي ظلمه النفس وظلمه الطبع وظلمه الهوى. إذا هي ثلاث ظلمات: ظلمه النفس، ظلمه الطبع، وظلمه الهوى، نعم.
قال: فلا بد من الولادة مرتين، كما قال المسيح للحواريين: إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين. شوف هذا الاقتباس الجميل من كلام عيسى عليه السلام إن صح عنه، لكنه يعني يؤدي ما نريده؛ يقول عيسى للحواريين عليه السلام: إنكم لن تلجوا ملكوت السماء، يعني لن إيه تشاهدوا بقلوبكم ملكوت السماوات وتصلوا إلى الله، حتى تولدوا مرتين. الولادة الأولى الولادة الحسية، والولادة الثانية الولادة القلبية. هذا معنى حتى تولدوا مرتين، نعم.
شيخ، مش ممكن تحمل الولادة الثانية على البعث؟ يعني أنا أظن أنه يتكلم عن في الدنيا وليس في الأمر الآخرة، يعني ما أظنه يكذك والله أعلم، نعم.
قال: ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أباً للمؤمنين كما في قراءة أبي. شوف الآن بعدين كيف الفكره قادت لفكرة، طبعا إذاً لماذا النبي عليه الصلاه والسلام أب لنا؟ كما في قراءة أبي: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب. بغض النظر عن القراءة، يعني بس هي جاءت وردت في مصحفة، وهو أب من حيث الولادة الثانية، الولادة الإيمانية، الولادة القلبية الروحانية، وإن كان لك في الولادة الحسية. لذا قال: وهو أب لهدا.
تفرع عن هذه الأبوة أن جعلت زوجاته أمهات لنا، فإن أرواحهم وقلوبهم نحن أهل الإيمان ولدت به صلى الله عليه وسلم ولادة أخرى غير ولادة الأمهات، فانه أخرج أرواحهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغي إلى نور العلم والإيمان وفضائل المعرفة والتوحيد، فشاهدت هذه القلوب حقائق أخر وأموراً لم يكن لها بها شعور قبل أن تتعرف على النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، نعم.
قال تعالى: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]. وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].
إذاً لاحظ هذه وظيفة النبوة والكتاب: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ظلمات الهوى والطبع اللي سماها قبل شوي، إلى النور هذه ولادة الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم يعطيكم ولادة جديدة، رسولاً منهم يتلو عليه ما ي- يزكيهم ويعلم الكتاب وهي الحكمه، وإن كانوا من قبل في ضلال، وهذا الضلال هو الظلمات، نعم.
قال: والمقصود أن القلوب في هذه الولادة ثلاثة: قلب لم يولد ولم يأن له، بل هو جنين في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال. يعني القلوب يقصد قلوب البشرية بالنسبة للولادة الثانية وهي الولادة الإيمانية: الناس على ثلاثة أقسام؛ قسم لم يولد بعد ولم يقترب أصلاً له ولادة، قال: ولم يأن له، يعني لم تقترب له ولادة أصلاً، وهو من وهو الغارق في بحار الشهوات. هذا عن أي ولادة إيمانية يتكلم؟ وعن أي اقتراب لهذه الولادة ينتظر؟
الثاني قال: وقلب قد ولد وخرج إلى فضاء التوحيد والمعرفة، وتخلص من مشيمه الطباع وظلمات النفس والهوى، فقرت عينه بالله وقرت عيون به، وقلوب وآنست بقربه الأرواح، وذكرت رؤيته بالله، فاطمان بالله وسكن إليه، وعكف بهمته عليه، وسافرت هممه وعزائمه إلى الرفيق الأعلى، لا يقر بشيء غير الله ولا يسكن إلى شيء سواه ولا يطمئن بغيره، يجد من كل شيء سوى الله عوضاً ولا يجد من الله عوضاً أبداً. قال: فذكره حياة قلبه، ورضاه نهاية مطلبه، ومحبته ورضا ورضا ربه هو نهاية مطلبه، ومحبته سبحانه هي قوة هذا الشخص، ومعرفته بالله هي أنسه. عدو هو من جذب قلبه عن الله، وإن كان القريب المصافياً؛ حتى لو كانت زوجتك حتى لو.
كان ابنك كل من يجذبك عن الله، حتى لو كان أقرب الناس إليك فهو عدو، ووليه من رده إلى الله وجمع قلبه عليه، ولو كان هذا الشخص الذي ردك إلى الله البعيد النائي، لو كان شخصا بعيد عنك أشد البعد فهذا صاحب القلب الثاني. هذا اخواني اللي وصل للمرتبه الثالثة من مراتب الفقر التي يتكلم عنها ابن القيم بعد قليل؛ لأنه قال لك: القلوب ثلاثة، قلب لم يولد ولم يآن له، الثاني هو العالي يعني اللي خلص ولد ووصل إلى الله وقرت عينه بالله، الثالث هو اللي بين الاثنين، بين القلب الأول والثاني، وهو منزلة بين منزلتين، وهو صاحبنا هذا الذي انتهى من المرتبة الأولى ولم يدخل بعد في المرتبة الثانية.
قال: فهذان قلبان متباينان غاية التباين، الذي لم يولد والذي ولد في غاية التباين، لكن بقي عندنا القلب الذي في حالة البرزخ كما قلنا، وهو قال: وقلب ثالث في البرزخ ينتظر الولادة صباحا ومساء، قد أشرف على فضاء التجريد. والتجريد أن يتجرد لله، هذا معنى التجريد، أن تتجرد لله نعم. وأنس من خلال الديار أشعة التوحيد، كأنه هذا جالس في البيت يرى أشعة التوحيد من خارج المنزل لكنه لم يخرج بعد ليراها بعينه، كأنه جالس في زجاجة، ويرى من خلال الزجاجة الأشعة من الخارج لكنه لم تمسه بعد نعم.
قال: تأبى غلبات الحب والشوق إلا تقربا إلى من السعادة كلها بقربه سبحانه، والحظ كل الحظ في طاعته وحبه، وتأبى غلبات الطباع إلا جذبه وإيقافه وتعويقه، فهو بين الداعيين تارة وتارة. فهذا الذي في البرزخ هو في صراع، ما زal الطبع يريد أن يقوده إلى الدنيا وإلى الأسر، وحبه لله يريد أن يخرجه من الزجاجة ومن المنزل ومن الرحم، فما زال في تجاذب.
الحياة البرزخية قد قطع عقبات وآفات، وبقي عليه مفاوز وفلوات، يعني هو قطع شوط من الطريق، شوف التعبير الجميل، هو قطع شوط لكن لسه أمامه مفاوز، مفاوز يعني لسه في صحاري يحتاج أن يقطعها، قطع عقبات وآفات في الطريق ولكن ما زال أمامه مفاوز وفلوات ينتظر أن يقطعها حتى يولد ولادة إيمانية روحانية. والمقصود أن صاحب هذا المقام إذا تحقق به ظاهرا وباطنا وسلم عن نظر إلى مقامه، هذا حكيناه، أهم شيء أنك لا تنظر إلى مقامك، وتزهد في هذا النظر عن نظر إلى مقامه واشتغاله به ووقوفه عنده، فهو فقير حقيقي.
يعني أنت الآن إذا حققت المنزلة الأولى أنت فقير حقيقي، لكنك لست في أعلى أنواع الفقير، فهمت؟ يعني أنت فقير حقيقي لكنك في المستوى الأول، كيف تحكي واحد هو من طلاب هذه الجامعه بس لسه سنة أولى، هل بتقول إنه مش من الجامعة؟ لا، هو في الجامعة بس هو مش سنة خامسة هو سنة أولى، نفس الشيء اللي خلص المستوى الأول، فقر الزاهدين هو فقير خلص دخل مدرسة الفقر، فقير حقيقي بس في أي صف؟ في الصف الأول، كجوال لسدك شيخهم طيب، وليس فيه قادح من القوادح التي تحطه عن درجة الفقر نعم.
قال: واعلم أنه يحسن أعمال اللسان في ذم الدنيا في موضعين. الآن كأنه نوع استدراك أخير بعد قال يقول لك: يعني هل ذم الدنيا خلص معناتها ما نقرب منه؟ ابن القيم يقول لك: يحسن ذم الدنيا في موضع، وإن كان الأصل أنه ليس من علامات أهل هذا المقام، لكن يحسن في موضعه، ما هو الأول؟ أحدهما موضع التزهيد فيها للراغب، والثاني عندما يرجع به.
الموضع الأول: أن أذمها لما أكون جالس مع أناس راغبين فيها، يعني لما تكون جالس مع التجار، أنت شيخ وداعي تكون جالس مع التجار وكلهم بحكوا يا شباب دينار ودرهم وبورصة وكذا، بتيجي تقول لهم يا جماعة الخير هاي الدنيا والله أنها لا تجد عند الله جناح بعوضة، وتبدأ تذمها، هنا ذمك لها لا يخرجك عن مقام الفقر؛ ليه؟ لأنني أنا ذممتها ليس من أجلي، ذممتها لأنني جالس مع الراغبين فيها، فكان مقتضى المقام يقتضي أن أذمها هذه بلغة مقتضى المقام يقتضي أن أذمها أمامهم لأنني أمام راغبين فيها نعم.
قال: والثاني عندما يرجع به داعي الطبع والنفس إلى طلبها ولا يأمن إجابة الداعي، فيستحضر في نفسه قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها. جميل هذا كلام تدقيق عالي في أعمال القلوب؛ لأنه هو ابن القيم دائما يخشى من المثاليات، أنه خلاص لا أنا ما أدم الدنيا أبدا. ما هو سيدي الشيخ مجمل بتزبط معك أحيانا، أنت بتكون ماشي تجاوزت يعني خلصت المرحلة الأولى، بس نحن حكينا في المرحلة الأولى أنت لساتك في المشيمة لسه ما طلعت، ففي جذبات الهواء والطبع تأشر لك من بعيد، بتقول لك: ترى نحن موجودين إذا حاب ترجع ارجع، أنت قطعت بس في مجال ترجع، فيقول هذا الشخص الذي ما زال في البرزخ هو أنهى الدرجة الأولى، لكن في هناك الطبع والهوى يشير له من بعيد، فإذا ضعفت نفسه في يوم من الأيام وفي وقت من الأوقات مباشرة ايش لازم يسعف نفسه؟ بذم الدنيا.
قول لك هون استحضر ذم الدنيا وتذكر الأشياء التي تزهد فيها و، لأنه أنت الآن المهم مش الاسم المهم المضمون، تقول لا لا أنا ما بدي أذم الدنيا حتى حتى ما أضلنيش حتى أبقى ممن أنهى هذه المرحلة الأولى بسلام. هسه بقول لك هي في النهاية أمور تقريبيه، لكن أنا بيهمني في الواقع أنت الآن كيف قلبك؟ خبرني عن معنوياتك، تقول لي والله شيخ أنا قطعت مفاوز بس الدنيا لوحت لي فبدأت أتراجع، فقول لك في لحظة تراجعك يقول لك ابن القيم من الجيد أن تستحضر ذم الدنيا، لا تستحي؛ لأن هذا واقعك، اللي عنده مرض صحيح أو شعور بضعف ما بيستحي من العلاج، بقول لك هنا أنت محتاجه كعلاج.
بعض الناس بصير بقول لك: لا أنا خلص قطعت عهد إني ما أذم الدنيا، وإذا أنت ما اخذت هذا العلاج أنا خايف ما تذم الدنيا ولا أنت منتكس فيها، فيقول في هذه الحالة التدقيقية وهي عندما يرجع داعي الطبع والنفس اللي في داخلك أن تطلب الدنيا ولا تأمن إجابة الداعي إلى الله، إذا في داعي الطبع وأنا حاسس خايف أن إيمانياتي ما تساعدني أكمل، لا آمن هل أجيب الداعي إلى الله؟ عندئذ استحضر في نفسك قلة وفاء الدنيا وكثرة جفائها كيف بتقلب في الناس وخسة شركائها، فانه إن تم عقله وحضر رشده زهد فيها ولا بد. إذا هذا نقول استثناء في متى يحسن ذم الدنيا في هذين الموطنين جميل.
قال: فإنه إن تم عقله وحضر، خلص أستاذ دوز فيها ولا بد.
الفصل الدرجة الثانية: ناتي إلى الدرجة الثانية، قال: وقوله الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل، وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال، ويحض من أدناس مطالعات المقامات. قال: فهذه الدرجة أرفع من الأولى وأعلى. خلاصة هذه الدرجة: أن ترى نفسك سببا في هذا المقام الذي وصلت إليه، وأن ترى أن كل ما وصلت إليه بفضل الله ومنته، هذه خلاصة ما يريد أن يقوله. مطالعة السبق يعني أن ترى السبق، اللي هو القدر بيسموه، أن قدر الله السابق هو الذي أوصلك إلى هذا المقام، وليس أنك سبب في ذلك.
هسه نحن نؤمن بالاسباب، أهل السنة والجماعة يؤمنون بالأسباب ولكنهم يعرفون أن هذه الأسباب من الذي خلقها؟ الله، ولو شاء أن يبطل سببيتها لأبطلها في أي وقت، كما أبطل أن تكون النار حارقة لإبراهيم عليه السلام. فيقول: إذا هذا المقام الثاني وهو مقام أن تتجرد عن مطالعته نفسك سببا، وأن تعرف أن كل ما أنت فيه من الخير والنعيم في القلب بفضل الله وسابق قدره، وهذا المقام يهتم به أهل السلوك جدا وهو مقام التجرد للقضاء والقدر طيب.
قال: فهذه الدرجة أرفع من الأولى وأعلى، والأولى كالوسيلة إليها، يعني فقر الزهاد التي هي الدرجة الأولى التي خلصناها هي كأنها وسيلة حتى توصلك إلى الدرجة الثانية وهي هذا الفقر الذي عرفه بما عرفه نعم. قال: لأن في الدرجة الأولى يتخلى بفقره عن أن يتأله غير مولاه الحق، وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يفرق همومه في غير محابه. هذه وظيفه الفقر الأول نعم.
قال: وأن يؤثر عليه غيره في حال من الأحوال، فيوجب له هذا الخلو وهذه المعاملة صفاء العبودية، نعم. إذا الفقر الأول فقر الزهاد وظيفته أن يوصي لك إلى هذا المقام، مقام إيش؟ الصفاء، لأني خلص أنا تركت الدنيا صدقا وطلبا، تركت الدنيا ذما ومدحا، تركت الدنيا تركا لها، بالتالي ما هي النتيجة التي وصلنا إليها؟ صفى القلب صفى القلب نعم.
قال: صفاء العبودية وعماره السر بينه وبين الله، وخلوص الوداد والمحبه، فيصبح ويمسي ولا هم له غير ربه، وقد قطع همه بربه عنه جميع الهموم، وعطلت إرادته له جميع الإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه، كما قيل.
نعم، طب دقيقة واحدة فقط. يا رب اشتغل البث، طبعا سامحونا قطعناكم عن أجمل الأبيات الواردة في هذا الكتاب، وهي أبيات لسعنون بن حمزة، وكثيرة التكرار هي: «لقد كان يسبي القلب في كل ليلة ثمانون بل تسعون نفسا وأرجح» يقول: في كل ليلة كان قلبي يفكر في أناس كثيرين، كل ليلة بنام بفكر في فلان وفلان وفلان وهذا شو سوى معي وهذه شو بدها مني وهذا كذا، مفكر في 80 و90 شخص بل أرجح حتى أكثر. «لقد كان يسبي القلب في كل ليلة ثمانون بل تسعون نفسا وأرجح يهيم بهذا ثم يألف غيره ويسلوهم من فوره حين يصبح» ومجرد أن يأتي الصباح بنسى اثنين وبەود إلى سوق العمل. «وقد كان قلبي ضائعا قبل حبكم فكان بحب الخلق يلهو ويمرح فلما دعا قلبي هواك أجابه فلست أراه عن جنابك يزحح» وفي نسخة عن خبائك يبرح. «حرمت مناي منك إن كنت كاذبا وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح» يقول: أحرم مناي وكل آمالي إذا كنت كاذب في هذه الدعوة في قولي: فلما دعا قلبي هواك أجابه، حرمت منايا كل ما أتمنى يا رب احرمني منه إن كنت كاذبا في هذه الدعوة، وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح. «وإن كان شيء في الوجود سواكم يقر به القلب الجريح ويفرح وإن لعبت أيدي الهوى بمحبكم فليس له عن بابكم متزحزح» يا رب إذا شفت الهوى لعب في فاعلم أنني لا أتزحزح عن باب عبوديتك. «وإن لعبت أيدي الهوى بمحبكم فليس له عن بابكم متزحزح فإن أدركته غربة عن دياركم» يعني إذا ابتعدت يا رب عن ديار عن عن باب عن مقامات الإيمان. «فحبكم بين الحشا ليس يبرح وكم مشتر على كثير من المشترين» فلان الفلانية تريده وهو يريدها، هذا المال سامع، وشراء في أمور كثيرة من الدنيا في محبة النساء وفي محبة المال وفي محبة الأوطان وفي محبتي. «قال كثير هم الذين ساموا قلبي بيعا وشراء فلم يره إلا لحك يصلح» يرى أن هذا القلب لا يصلح أن يباح إلا لله. «هوى غيركم نار تلظى» كل محبات الدنيا تنقطع. «هوى غيركم نار تلظى ومحبس وحبكم الفردوس أو هو أفسح» محبتك يا رب هي الجنة. «فيَا ضيم قلب قد تعلق غيركم» الضيم هو الظلم. «فيَا ضيم قلب قد تعلق غيركم ويا رحمة مما يجود ويكدح» مسكين يا رحمة، يعني أنا أرحم هذا القلب الذي يتعلق بغير الله، أرحمه لكثرة ما يجول في الخواطر والأفكار والنساء ويكدح، تعبان مسكين هذا القلب الذي تعلق بسوى ربه؛ ليه؟ لأنه يجول، تجده يجول في هذه الفتاة ويكدح فيها، ويجول في ذاك المال ويكدح فيه، ويجول في تلك الوظيفة وفلان سوى في وفلان، مسكين مسكين مسكين ذاك القلب الذي لم يذق طعم محبة الله سبحانه والانشغال فيها. فهذه حقيقة أبيات تحفظ وليس فقط تقرا هنا وتنسى، هذه أبيات تحفظ، وكلما قلتها ورددتها في نفسك هوبت عليك ما ترى من أمر الدنيا نعم.
قال: والله عز وجل لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه. هذاك تفهمه هذه من معاني ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، من معاني هذه الآية أنه قلبك إما أن يكون للدنيا وإما أن يكون لله، مستحيل يجتمع في قلب واحد الدنيا ورب العالمين مستحيل نعم.
قال: فبقدر ما يدخل القلب من هم وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله. هذه هي، إذا دخل في قلبك حب سيخرج حب، إذا دخل حب الدنيا وهم الدنيا سيخرج حب الله ومحبة الله، وإذا دخلت محبة الله وهم إرادة الله سيخرج حب الدنيا نعم. سبحان الذي يسبح الرجل بحمده والملائكة من خيفته طيب.
قال: فهو إناء واحد والأشربة متعددة. فالقلب هو إناء واحد ولكن الأشربة التي ستعبأ في هذا الإناء متعددة، وأنت من ستختار إما أن يعبأ بشراب الدنيا وإما أن يعبأ بمحبه الله ومعرفته نعم.
قال: فأي شراب ملاه لم يبق فيه موضع لغيره، وإنما يمتلئ الإناء بأعلى الأشربة إذا صدفه خاليا. وإنما يمتلئ الإناء بأعلى الأشربة، أعلى شراب وأفضل شراب اللي هو هنا محبة الله، متى يمتلئ الإناء بأعلى الأشربة؟ إذا جاء هذا الشراب فوجد الإناء خاليا، عندئذ سيمتلئ من هذه الشراب، فأما إذا جاء هذا الشراب فصادف الإناء ممتلئا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه، لن يأتي الشراب.
العالي إذا وجد الشراب الدني ثم يسكن موضعه، كما قال الشاعر قديماً: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى، فصادف قلباً خالياً فتمكن. هو يعني ابن القيم يأتي بكلام قاله رجل في حب امرأة، يقول لك: أنا عرفتها وعرفت الهوى فيها قبل أن أعرف أي هوى آخر. يعني هو لو كان يحب فتاة سابقة لما أحب هذه الفتاة الجديدة، لكن لما رآها ولم يكن قلبه منشغلاً بفتاة قبلها (أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكن).
هذه الأبيات يستشهد في مقامها في باب الزهديات، أنه لن يملأ قلبك محبة الله ولن يسكن في قلبك معرفة الله إذا كان في قلبك شراب آخر. ففخر صاحب هذه الدرجة إذاً ما هو؟ أقرأ الكلام الجميل، قال: تفريغ إنائه من كل شراب مسكر. هذه الدرجة تحتاج فيها أن تفرغ قلبك من كل شراب مسكر، وما أقص هنا بالشراب المسكر؟ الدنيا؛ الدنيا مسكرة، بدك تفرغ قلبك من حب الدنيا وكل شراب غير شراب المحبة لله والمعرفة لله فهو مسكر ولا بد. أي شراب؛ مال، شهوات، نساء، عبر بما شئت، كل شراب غير شراب المحبة لله والمعرفة لله فهو مسكر ولا بد. وما أسكر كثيره فقليله حرام.
شوف هي الاقتباسات وفخامة هذا الكلام، يقول لك: وما أسكر كثيره فحرام. هنا الحرام السلوكي، حرام أن يمس قليله قلبك. بتقول لي: يا شيخ أنا بس شوية هيك أعطيني من النساء أو من المال أو من كذا، بقول لك: سامحني عند علماء السلوك، أنا عارف أنه بجوز هذا القدر القليل لن يسكرك، هذا القدر من المعازف لن يسكرك، ونحن نتساهل صح في هذا، يعني أنشودة مع شوية معازف يا شيخ، يعني شو راح يصير في يعني، راح أترك طلب العلم يعني لو سمعت أنشودة فيها معازف؟ أنا لو ما أسكر كثيره فقليله حرام على قلوب العارفين.
وأين سكر الهوى والدنيا إلى سكر الخمر؟ أيهما أسوأ سكر الدنيا؟ قال: يعني بدك تقارن الخمر إذا أسكرت خمس دقائق، نص ساعة، يعني أنا مش خبير كثير بس يعني قديش يعني بتسكر الخمر يعني تمام؟ كم واحد يجلس نشوان؟ فبقول لك: وأما الدنيا إذا أسكرتك فليس إلا عند القبر، يقول لك: أين سكر الهوى والدنيا إذا قارنته بسكر الخمر؟ يطلع سكر الخمر ولا شيء. وكيف يوضع شراب التسنيم، الذي هو أعلى أشربة المحبين، في إناء ملان بخمر الدنيا والهوى؟ لا يفيق من سكر ولا يستفيق، هذا اللي قلبه ملان من خمر الدنيا والهوى فيها هذا لا يستفيق إلا أن يشاء الله سبحان الذي سبح بحمده مغيبته.
ولو فارق هذا السكر القلب لطار بأجنحة الشوق إلى الله. هذه كلمات وظفها في حياتك، كلمات هذه عالية لا تجدها عند غير ابن القيم إلا قليلاً. ولو فارق هذا السكر القلب -هذا سكر الدنيا إذا فارق قلبك- لطار بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة، ولكن رضي المسكين بالدون، وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن، صفقة خاسر مغبون، فسيعلم أي حظ أضاع إذا فاز المحبون يوم القيامة.
عندما ترى المحبين وصلوا إلى المنازل العلية وحلوا من الله بمقامات سنية، ورايت نفسك لا تعرف وسط الزحام أين أنت، هل أنت من الناجين فتفرح أم أنت من الخاسرين فتهلك وتبكي على نفسك؟ سيعلم أي حظ أضاع إذا فاز المحبون وخسر المبطلون. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم إلى تحقيق هذه المقامات وإلى التحلي بها، وأن لا يكون هذا الكلام مجرد عواطف نحرك به قلوبنا بل يتحول إلى سلوك وعمل، ونكتفي اليوم بهذا القدر.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. الدكتور طارق موجود بالله عندك على البث، دكتور طارق الكهلان؟ دائماً موجود هو، أول واحد. موجود دكتور طارق ولا لا؟ بس خبرني. إذا موجود يرفع يده في البث. خلينا ننتظر شوي، لا تقفل البث المباشر، هو عادة بيجي في الأوائل إلا إذا كان اليوم غائب. ها؟ بعثوا لي في الدعوة.
في شي جايز شيخ حما؟ موجود الدكتور طارق ولا مش موجود؟ هو لازم يحكي نعم إذا موجود. شيخ طلع حالك مش موجود، ها خلص لاني كنت بدي إياه في شغله، خلص خير إن شاء الله. اقطع البث، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عندكم تواضع.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل