حياكم الله جميعا يا أهل الليل، يا أهل الخيام، في هذه الساعات التي لا يقوى عليها إلا الرجال، ويظهر أن جل أهل الخيام في سباتهم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى.
حياكم الله في هذه الساعات الغالية، في ساعات الليل التي هي من أهم الساعات لمن يريد السير إلى الله سبحانه وتعالى. السير إلى الله بدون ساعات الليل سير ضعيف. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 1-7].
وقال سبحانه عن السائرين إليه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16]. وقال سبحانه عن السائرين إليه: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64]. ويقول سبحانه أيضا: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17].
أيها الكرام، بعيدا عن أي شيء آخر، ساعات الليل الغالية هي من أكثر مثبتات ومن أعلى المثبتات في السير إلى الله سبحانه. ومن أَلِفَ الليل، ومن أَلِفَ الدعاء في ساعات الليل، ومن أَلِفَ السجود وإطالة السجود في ساعات الليل عندما يهدأ الناس ويهدأ أهل البيت؛ حقيقة سيعرف معاني كثيرة من معاني الإيمان. هذه لا تأتي في الصباح، لا تأتي في زحمة الحياة وفي ضجيجها، وإنما محلها عندما يهدأ الناس وينام الأطفال، وينصرف أهل النوم إلى نومهم وإلى مضاجعهم، وينطفئ كل شيء وأنت توقد جذوة الإيمان في قلبك، وتنادي ربك سبحانه وتعالى حيث لا يراك الناس ولا يعرف بك إلا رب الناس.
ما أجمل هذه الساعات وما أصدق هذه الساعات! وإذا اردت أن تتكلم عن قصة الحياة، اعلم أن من أهم ما يعينك على قطع فصولها هو هذه الدقائق الغالية، دقائق تتجذر فيها معاني العبودية وتتجذر فيها أحاسيس الإيمان في نفس الإنسان. دقائق تصلي فيها، أو تخلو فيها مع الله، أو تذكر فيها الله حتى لو لم تقوى على الصلاة؛ لو استيقظت وجلست وتذكرت ربك سبحانه وتعالى وأسبلت الدموع بين يديه، لو مجرد أنك تستيقظ فحسبت نفسك في خلوة كما عصيت الله في خلوة، ستجد أن ساعات الليل فيها من المشاعر وفيها من الايمانيات وفيها من المقربات إلى الله سبحانه وتعالى ما لا يمكن تفويته ولا ينبغي ذلك.
لكننا نقصر كثيرا وتلهي الدنيا كثيرا وننام متأخرا. من نام على الساعة الثانية أو الواحدة وذهب عنه ورده من الليل، هذا كيف سيستيقظ أصلا في ساعات الليل؟ لذلك لو انك اعتدت بعد العشاء أن تغلق على نفسك باب المنزل، وتغلق وسائل التواصل الاجتماعي تماما، تجلس مع زوجتك وأبنائك ساعة من الزمان وتتناول طعام العشاء إن أهببت ثم تخلد إلى النوم مبكرا، ثم تستيقظ الساعة الثالثة أو الرابعة فتبدأ مشوارا بعيدا عن الناس، مشوار مع الله سبحانه.
الحقيقه هكذا هي الحياه، وهكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الحياه، فانه كان يكره السمر بعد العشاء إلا لحاجة. لماذا كان يكره السمر بعد العشاء؟ لأنه كان يحب من أصحابه ومن أمته صلى الله عليه وسلم، يحب منهم أن يكون لهم ورد من الليل. فإن هذه القلوب إنما تقوى في هذه الساعات، ووقود النهار كاملا ساعة ليل. وإذا أردت أن تذهب عنك الهم والغم والأحزان والفتور والملل، إذا أردت شيئا يقويك على طاعة الله سبحانه وتعالى فعليك بساعات الليل.
مهما تحدثنا عن ساعات الليل الغالية، عن طوارق الليل عندما تطرق أبواب السماء، وعندما يتنهد الإنسان من داخله بكل مشاعره مظهرا الافتقار والذل للواحد الديان، عندما نتكلم عن ساعات الليل نتكلم عن عالم آخر ربما الذي يدخل فيه هم قلة، لكن هؤلاء هم أجدر الناس أن يتحدثوا عن الذوق وعن العطايا وعن المنائح التي توزع في هذه الساعات، خصوصا في ثلث الليل الآخر. في هذا الوقت الذي نحن فيه يتنزل ربنا سبحانه وتعالى بجلاله وكماله وبما يليق به، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الله سبحانه وتعالى وهو صاحب الجلال والكمال والغنى يتنزل ويدنو من عبيده الفقراء، من عبيده المحتاجين إليه، يتنزل ويدنو منهم لينظر في حوائجهم وليعطيهم. تنزل ليس لأنه كان بعيدا لا يعرف ولا يسمع جل وعلا، وإنما ليتلطف بهم، ليدنو منهم مع أنه غني عنهم، يشعرهم بالانس، يشعرهم بالقرب، يشعرهم أن إلههم سيكون قريبا منهم لكن فقط استيقظوا فقط انتبهوا.
هو سبحانه لعل سائلا يسأل لماذا لا ينزل في النهار وفي زحمه الناس؟ لان هذا القرب من الله سبحانه لا يستحقه إلا إنسان ترك لذيذ الفراش واستيقظ وأسبغ الوضوء على المكاره مع أن الاجواء باردة والنوم لذيذ، لكنه ترك كل ذلك لعلمه بأن مولاه دنا، فهو سبحانه يريد أن توزع العطايا على من يستحقها في هذه الأوقات.
عموما أيها الكرام، سنسعى خلال هذا المخيم أن نلتقي يوميا في طوارق الليل لنطرق معا باب السماء فنستعين بالله بالدعاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نتوجه إلى جلالك وكمالك في هذه الدقائق الغالية وفي هذه الساعات المرجوة، اللهم إنا نتوجه إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، يا رحمن يا الله، يا رحيم يا الله، يا ملك الملوك يا الله، يا قدوس يا الله، يا سلام يا الله، يا مؤمن يا الله، يا مهيمن يا الله، يا عزيز يا الله، يا جبار يا الله، يا متكبر يا الله، يا خالقنا، يا بارئنا، يا مصورنا، اللهم إنا نتوجه إلى مقامك ونقرع باب السماء.
اللهم إنا نتوجه إليك ونحن العبيد المذنبون ونحن العبيد التائبون، وقد نصبنا خيم اللجأ على بابك، وقد أنخنا مطايانا بين يديك، وقد أطرحنا إليك وأنت ربنا وسيدنا وخالقنا ومالك أمرنا، أطرحنا بين يديك يا مفزع الملهوفين، يا رجاء الخائفين، يا قاضي الحوائج، أتينا وحوائجنا كثيرة، لا رب سواك فندعوه، ولا إله غيرك فنرجوه.
اللهم إنا نشهدك أننا ما قمنا في هذه الساعة إلا رجاء عطائك، إلا رجاء كرمك، إلا رجاء مغفرتك، إلا رجاء الأنس بك. اللهم يا أنيس المستوحشين، ويا أمان الخائفين، ويا رجاء السائلين، اللهم إنا أتينا واجتمعنا في هذه الدقائق الغالية وإن سؤلنا واحد، وإن حاجتنا واحدة. رفعنا الأكف إليك، نسألك اللهم أن تعيننا على الوصول إليك، نسألك أن تعيننا على فصول الحياة، نسألك أن تعيننا على قطع مشوارها في حرها ولهيبها وقد ازدادت الفتن وادلهمت الخطوب وكثرت البلايا.
اللهم إنا نسألك ثباتا ثباتا، اللهم سلم سلم، اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك. اللهم أنت الصاحب في السفر، اللهم يا ربنا أعنا على قصة الحياة، أعنا عليها وثبتنا فيها ورسخنا ومكنا. اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم اجعل للمتقين إماما، اللهم يا ربنا اجعلنا مشاعل في هذا الطريق يهتدى بنا ويستضيء بنارنا. اللهم ثبت الإيمان في قلوبنا واجعلنا سببا لمن اهتدى، اللهم إنا نعوذ بنور وجهك أن تنطفئ جذوة الإيمان في قلوبنا.
اللهم إنا نعوذ بنور وجهك أن تظلم الدنيا ونحن نسير إليك فتعثر الخطى، نضيع السكة. اللهم إنا نعوذ بك أن تظلم الدنيا ونحن نسير إليك، اللهم إنا نسألك أن يكون دربنا منيرا، وأن تكون صراطا مستقيما حتى نصل إليك وقد رضيت عنا. اللهم يا ربنا أعنا ولا تعن علينا، اللهم يا ربنا خذ بأيدينا وقد أقبلنا. اللهم يا ربنا أنت عوننا وانت ملجانا، فذكرنا إذا نسينا، ولا تحرمنا إذا ابتعدنا.
اللهم عاملنا بفضلك وجودك، عاملنا بإحسانك فنحن عبيدك الضعفاء، لا غنى لنا عنك. اللهم أنت الركن الشديد وأنت الرب المجيد، إذا رأيتنا أدبرنا فخذ بأيدينا، إذا انقطعت حبالنا فأوصلنا، إذا أظلمت الدنيا فأنر طريقنا، اللهم إذا رأيتنا ابتعدنا فقربنا، إذا ضعنا في شعاب الحياة فاهدنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين فنهلك.
اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد واليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق. اللهم اجعلنا من أهل القيام، ومن أهل الصيام، ومن أهل الذكر، ومن أهل الإنابة. اللهم اجعلنا عبيد حق، اللهم اجعلنا عبيدا عرفوا مولاهم فخضعوا بين يديه واخضعوا رقابهم إليه وسالوا حوائجهم منه. اللهم اجعلنا في مقامات العبودية سائرين، اللهم اجعلنا فيها راسخين.
اللهم يا ربنا اجعلنا من أهل معرفتك، من أهلك وخاصتك. اللهم اجعلنا ممن رضيت عنهم، إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي. اللهم اصلح ما فسد من قلوبنا، اللهم اصلح ما فسد من أعمالنا، اللهم اصلح ما فسد من نياتنا. اللهم يا ربنا خذ بأيدينا، اللهم إنا نطرق أبواب السماء ونحن موقنون أنك الآن الآن ترى مكاننا وتسمع صوتنا ولا يخفى عليك حالنا.
اللهم يا ربنا فاستجب دعاءنا ولم شعثنا، وأعنا اللهم على الصيام والقيام وقراءة القرآن. اللهم اجعلنا ممن يدرك رمضان، اجعلنا ممن يصومه ويقومه، اجعلنا اللهم ممن عرف شرفه وادرك قيمته وثمنه. اللهم إنا نسألك أن يكون هذا رمضان نقطة فارقة في حياتنا يصلح بها أمرنا. اللهم إنا نعوذ بك من الفتور والملل.
اللهم يا ربنا أذقنا لذيذ المناجاة، اللهم ارزقنا القرب منك، اللهم لا تجعلنا ممن يستوحش بذكرك. اللهم ارزقنا قلوبا محبة لك، مخبتة لك، تشتاق إليك، تشتاق لمناجاتك. اللهم إنا نعوذ بك من قسوة القلوب، اللهم ارزقنا قلبا خاشعا، ولسانا ذاكرا، وعينا دامعة، ونسالك اللهم يقظة في هذه الحياة.
اللهم كن لإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها، كن لهم ناصرا ومعينا ومؤيدا ونصيرا. اللهم كن لغزة وأهلها، أرضها وسماءها، شيبها وشبابها، نسائها وأطفالها. اللهم أمن خوفهم، اللهم اكبت عدوهم، اللهم عليك بيهود فإنهم لا يعجزونك، اللهم مزق جمعهم وشتت شملهم، لا ترفع لهم راية ولا تحقق لهم غاية واجعلهم عبرة وآية.
اللهم مكن المجاهدين من رقاب الكافرين، اللهم انصرهم نصرا مؤزرا، اللهم إنهم ضعفاء فقوهم، حفاة فاحملهم، اللهم أنت ربهم ومولاهم وناصرهم. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافيه. اللهم كن لأهلنا في السودان وكن لأهلنا في الشام وكل المؤمنين المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها. اللهم كن لأنين اليتامى، اللهم كن لضعف الثكالى، اللهم كن للشيوخ الركع. اللهم كن لعبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها مفرجا لكروبهم، رافعا لهمومهم.
اللهم اجعلنا أهلا لنصره دينك وحمل لوائك ورفع شريعتك، ونعوذ بك اللهم أن تستبدلنا. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اللهم من كان منهم حيا فأطل عمره في طاعتك وأعنا على بره، ومن كان منهم قضى نحبه فاغفر له وارحمه وأنر ظلمة قبره، اللهم أنس وحشته. اللهم وفقنا لعمل صالح نهديه إليهم وقد اصبحوا تحت التراب وحدهم، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء على تربيتهم.
اللهم اغفر لنا ولمشايخنا ولأصحاب الحقوق علينا. اللهم لا تحرمنا من ساعات الليل وقد أذقتنا إياها، لا تحرمنا من ساعات الليل وقد عرفتنا بها، لا تحرمنا من ساعات الليل يا ربنا وقد هديتنا إليها. اللهم فأعنا على المداومة، وأعنا على المثابرة، وكن لنا فإننا نحتاج إليك في كل همسة من همساتنا وفي كل خطوة من خطواتنا.
اللهم إننا نحتاج إليك، نعترف بذلك، نصرح بذلك، اللهم اخترنا العبودية طريقا ورضينا بك ربا فارض بنا عبيدا، ارض بنا عبيدا. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
يا رب نلتقي أيها الكرام في ساعة أخرى من طوارق الليل، ونترككم الآن في خلوة مع أنفسكم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل