دخولتسجيل الدخول

الحلقة 29

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبا بكم المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، ومعنا الصحابي الجليل أبو سفيان بن الحارث، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو أخو النبي من الرضاعة، كان في الجاهلية خِدنا للنبي، أي صديقاً له، وكان تِرباً له، وعاش حياته في الجاهلية مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي نفس الأسرة، فكان من أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه الأواصر التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم كان من المفترض أن تكون داعمة له ومؤيدة له، ولكن لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم، أيقظ الشيطان الضغينة في صدره، فانقلبت الصداقة عداوة، وانقلب القرب بُعداً، نسأل الله العافية والسلامة. فصار من أعدى الناس للنبي صلى الله عليه وسلم، وصار من أعدى الناس للمسلمين، فأخذ يجتهد في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبقَ موقعاً مع المشركين إلا وحضره، فحضر بدراً وأحداً وغير ذلك من المشاهد وهو في صفوف المشركين. بل وليس ذلك فقط، بل كما يقال أيقظ شيطان شعره في ضد النبي صلى الله عليه وسلم، فصار من أهجى الناس للنبي، ومن أهجى الناس للصحابة وللمسلمين. وهو الذي يقول فيه حسان بن ثابت: ألا أبلغ أبا سفيان عني مُغلغلةً، فقد بَرِح الخفاء؛ هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه، فشرُّكما لخيركما فداء، فإن أبي ووالده وعِرضي لعِرض محمدٍ منكم وقاء.

هذا الصحابي الجليل عادى النبي مدة عشرين سنة تقريباً، ثم منَّ الله عليه قبل الفتح بقليل فأسلم. كان سبب إسلامه أنه عَلِم النبي قادماً إلى فتح مكة، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، فجاء لزوجته ولأولاده وأرادوا أن يتجهزوا ليفر من مكة، فقالت له زوجته وأولاده: أتفر من ابن أخيك؟ أتفر من أخيك وهو أقرب الناس لك وأبرهم صلة؟ وصاروا يرغبونه في الإسلام حتى أسلم، وذهب مع ولده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في الأبواء وهو قادم إلى مكة. اختفى حتى لا يراه الناس، لعلَّه يخشى أن يقتله المسلمون قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لشدة عداوته السابقة للمسلمين.

فلما طلع موكب النبي صلى الله عليه وسلم وقف رضي الله تعالى عنه وحسر عن وجهه الثوب، فلما رآه النبي وملا عينيه منه أعرض عنه، فجاء من الناحية الأخرى فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فجاء من الناحية الأخرى فأعرض عنه، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مراراً. ثم أخذ يتعرض لأبي بكر ولعمر وللصحابة وكل هؤلاء يعرضون عنه لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، كان يظن أن المسلمين سيفرحون فرحاً شديداً بإسلامه لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه واجه العكس.

فدخل على أم سلمة فاستشفع بها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لي فيه». وجاء إلى علي، قالوا: إن علياً قال له: قل له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91]، فإنه لا يحب أن يكون أحداً أحسن منه، فقال له تلك الكلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]. وقيل إنه أنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أبياتاً يقول فيها: لعمرك إني يوم أحمل رايتي، لتغلب خيلُ اللاتِ خيلُ محمد، لكالمدلج الحيرانِ أظلم ليله، فهذا أواني حين أهدى فاهتدي، هداني هادٍ غير نفسي ودلني، على الله من طردتُّه كلَّ مطرد. يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال هذا البيت قال: «أنت طردتني كل مطرد».

وبقي في نفس النبي عليه شيء، وأصبح هو يتعرض للنبي يمنة ويسرة ولا يرى من النبي رضىً كاملاً حتى كانت غزوة حنين. ولما كانت غزوة حنين حضر أبو سفيان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت غزوة حنين في البداية قد فرَّ المسلمون فيها، كما قال تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]. وكان عددهم اثني عشر ألف مقاتل ففروا، فأخذ النبي يضرب بغلته ويتقدم ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وثبت معه أناس من الصحابة منهم أبو سفيان، وأعجب النبي صُنع أبي سفيان في ذلك الموقف، حتى إنه قال: «من هذا؟» فقال له العباس: هذا ابن أخيك يا رسول الله، وهذا أخوك يا رسول الله، أبو سفيان بن الحارث، فارضَ عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد فعلت، وغفر الله له كل عداوة عاداها». فجاء يقبل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً برضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقال إنه لم يكن يرفع عينه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حياءً منه.

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال قصيدة يرثيه فيها، يقول رحمه الله ورضي الله تعالى عنه: أرقتُ فبات ليلي لا يزول، وليل أخي المصيبة فيه طول، وأسعدني البكاء وذاك فيما، أصيب المسلمون به قليل، فقد عظمت مصيبتنا وجلت، عشية قيل قد قُبض الرسول، فلم نَرَ مثله في الناس حياً، وليس له من الموتى عديل، أفاطم إن جزعتِ فذاك عذر، وإن لم تجزعي فهو السبيل، وقولي في أبيكِ ولا تملِّي، وهل يُجزى بفضل أبيكِ قيل؟ فقبرُ أبيكِ أفضلُ كلِّ قبر، وفيه أفضلُ الناسِ الرسول. صلى الله عليه وسلم، إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].