﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، ومعنا في هذه الحلقة إن شاء الله الصحابي الجليل سعد بن معاذ الأشهلي، وهو من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وله مشاهد كثيرة، منها مشهد بدر رضي الله تعالى عنه.
هذا الصحابي هو أحد أربعة رجال يفتخر بهم الأوس؛ فالأنصار الأوس والخزرج يتفاخرون بالأعمال الدينية، فالأوس يتفاخرون بشيء من الدين، والخزرج يتفاخرون بشيء من الدين، وذلك على خلاف ما يتفاخر به أهل الدنيا في هذا الزمان. فالأوس يقولون عن سعد بن معاذ -صاحب الترجمة الذي سنتحدث عنه في هذه الحلقة-: منا من اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب، ومنا من حمته الدبر وهو عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين وهو خزيمة بن ثابت. والخزرج يفتخرون بأربعة ويقولون: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد رضي الله تعالى عن الجميع.
كان سبب إسلام هذا الصحابي هو مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، وهو الصحابي الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم سفيراً إلى المدينة بعد بيعة العقبة الأولى ليدعو إلى الإسلام. فكان في بني الخزرج عند أسعد بن زرارة، ثم ذهبوا من بني الخزرج إلى بني الأوس وإلى ديار بني عبد الأشهل الذين على رأسهم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه. فلما جلسوا في ذلك المكان يدعون الناس إلى الإسلام، علم بهم سعد بن معاذ، فأرسل أُسيد بن حضير وقال له: اذهب، فإنك تعلم مكان أسعد بن زرارة مني؛ فهو ابن أختي أو قريبي. فذهب أُسيد بن حضير ثم أسلم، وقصته معروفة، ثم رجع إلى سعد وأخبره أن بني فلان يريدون أن يخفروا ذمتك في أسعد بن زرارة ابن خالتك. فذهب سعد بن معاذ بحربته غضباً، فلما جاء ووجدهم مطمئنين علم أن أُسيد بن حضير أراد منه أن يأتي إليهم ويسمع كلامهم.
فقال سعد بن معاذ لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، إنك تعلم مكانك مني، وقد جئت إلينا أنت وهذا الرجل تسفهون أحلامنا؟ فقال له أسعد بن زرارة -وقد قال قبل ذلك لمصعب بن عمير: إن هذا سيد بني الأشهل، وإن أسلم لا يتخلف عنه أحد من قومه، فاصدق الله فيه- فقال مصعب بن عمير: يا هذا، أتسمع؟ فإن رغبت في هذا الذي تسمع قبلته، وإلا صرفنا عنك ما تكره. قال: أنصفت. وركز الحربة وجلس، فقرأ عليه القرآن. يقول أسعد بن زرارة: فوالله لقد رأينا ومصعب يقرأ القرآن في وجهه إشراقة الإسلام، فعلمنا أنه سيدخل في الإسلام. فبعد أن قرأ مصعب بن عمير عليه القرآن، قال: ما تصنعون إذا أراد أحد منكم أن يدخل في هذا الدين؟ قال: تتطهر وتطهر ثوبيك، وتشهد أن لا إله إلا الله. فأسلم رضي الله تعالى عنه.
فلما رجع إلى أهله وعشيرته في بداية الأمر ومباشرة قال لهم: إن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فلم يبقَ رجل ولا امرأة من بني عبد الأشهل إلا ودخل في الإسلام على يد هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه. وله رضي الله تعالى عنه مواقف عظيمة في الإسلام، ومن هذه المواقف أنه من أهل بدر، وممن حرس النبي صلى الله عليه وسلم في العريش. وقبل ذلك وهم ذاهبون إلى بدر استشار النبي الصحابة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج يريد عير أبي سفيان، ولكن العير فلتت منه، فجاء جبريل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن قريشاً قد خرجت على الصعب والذلول يريدون حماية عيرهم، وأن الله قد وعد النبي صلى الله عليه وسلم بلقاء العدو، إما بالعير وإما بالنفير، أحد الأمرين سيحدث للنبي صلى الله عليه وسلم.
فلما علم النبي أن العير انفلتت وأنه سيلقى العدو، استشار أصحابه، فأشار عليه أبو بكر وعمر فأحسنا الرأي، وكانت مشورتهما أن سر على بركة الله. ثم استشار النبي الصحابة وكان يريد الأنصار، فقام المقداد رضي الله تعالى عنه -وهو أحد فرسان النبي صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، نقاتل عن يمينك وعن شمالك يا رسول الله. يقول ابن مسعود كما في صحيح البخاري: إن المقداد قد قال قولاً في ذلك اليوم لو أن ذلك القول لي لأنفقت فيه الدنيا كلها.
ثم قال النبي: أشيروا عليَّ أيها الناس. وكان النبي يريد معشر الأنصار لأنهم كانوا أكثر الناس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تعاهد معهم في بيعة العقبة على أن ينصروه إذا ذهب إلى المدينة، وأن يحموه مما يحمون منه أولادهم وأنفسهم، فخشي النبي أن يكون الأنصار قد رأوا أنه لا نصرة له عليهم إذا خرج من المدينة، فكان يقول: أشيروا عليَّ. فقال سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، كأنك تريدنا؟ قال: نعم. قال: يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا، فسر على بركة الله، فوالله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه ما تخلف منا رجل واحد، وعسى الله أن يريك منا ما تقر به عينك، إننا صبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، فسر على بركة الله يا رسول الله. فاستنار وجه النبي صلى الله عليه وسلم وأشرق، وقال: سيروا على بركة الله. وأخذ النبي يريهم مصارع قريش: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان.
كان هذا أحد المواقف التي وقفها سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، ومواقفه كثيرة جداً، منها حكمه في بني قريظة -وكانوا حلفاءه- بالقتل لإرضاء الله سبحانه وتعالى، وقول النبي له بعد ذلك: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماواته». ثم مات رضي الله عنه، استشهد في غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق بسهم أصابه وضرب أكحله فمات منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد». إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري