دخولتسجيل الدخول

الحلقة 27

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، ومعنا في هذه الحلقة الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة الخزرجي الحارثي، وهو من الأنصار من بني الخزرج ومن بني الحارث. هذا الصحابي الجليل كان من السابقين للإسلام، فهو من شهد بيعة العقبة، وكان من النقباء الاثني عشر، فهو من الداخلين في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ [التوبة: 100] رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

كان من الصحابة المؤمنين المتقين الورعين، كان يقول للصحابة: تعالوا نؤمن بربنا ساعة. ومما يدل على حبه للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى شدة إيمانه أنه مرة من المرات مر النبي عليهم وكان هو مع عبد الله بن أبي بن سلول، وكان رئيس المنافقين وهو من جماعته من بني الخزرج، فقال عبد الله بن أبي بن سلول للنبي صلى الله عليه وسلم: إليك عنا فقد آذانا نتن حمارك، فقال عبد الله بن رواحة: والله لحماره أطيب من ريحك، أو لريح حماره أطيب من ريحك.

وكان أيضاً من أهل التعلق بالدار الآخرة، فمرة من المرات وهو نائم على فخذ زوجته بكى فجأة فبكت امرأته من بكائه، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك بكيت فبكيت، فقال: إني أبكي من آية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، فوالله لا أدري أأنجو بعد الورود أم لا.

ومما يستطرف في قصته مع جاريته، كان مع زوجته نائماً ثم قام منها ووقع على الجارية، ويجوز للمرء أن يبيت مع زوجته وأن يبيت مع جاريته من باب التسري وهذا شيء معروف في الفقه، والجارية هي المملوكة التي كسبها الناس من الحرب أو من الجهاد. فقامت امرأته فقدته فوجدته على الجارية، فذهبت وأخذت شفرة وجاءت وكان قد قام فلقيها في الطريق، فقال: مهيم؟ فقالت: والله لو رأيتك على ما أنت عليه لوجأتك بهذه بين كتفيك، فقال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على الجارية، فقال رضي الله تعالى عنه: ما رأيتني وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ القرآن ونحن جنب، قالت: فاقرأ إذاً، فقال أبياتاً وهي قوله: أتانا رسول الله يتلو كتابه كما لاح مشهور من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع فقالت رضي الله تعالى عنها: آمنت بالله وكذبت البصر، وجاء وأخبر النبي بهذه القصة فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه.

كان رضي الله تعالى عنه أيضاً من الشعراء المطبوعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب شعره. شعراء رسول الله كانوا ثلاثة: عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت، وحسان أشهرهم وعبد الله أفضلهم، وكعب بن مالك له فضل كبير فهو من أهل العقبة رضي الله تعالى عنه. يقول العلماء إن شعر عبد الله بن رواحة كان يعير قريشاً أو الكفار بالكفر، وكان حسان بن ثابت وكعب بن مالك يعيرانهم بالوقائع وأمور الجاهلية، فكان لشعر حسان وكعب على قريش وقع كبير لأنهم يحاولون أن يعارضوه بما يعرفون، وأما عبد الله فكان شعره عليهم هيناً حتى أسلموا، فلما أسلموا أصبح شعر عبد الله بن رواحة عليهم أشد من شعر حسان ومن شعر كعب بن مالك، وكان النبي كما ذكرت يحب شعر عبد الله وكان يقول عنه: «إن لكم صاحباً لا يقول الرفث».

مرة من المرات يقول عبد الله: كنت ماراً بمجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الناس يضبون علي: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة، فعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم يريدني فجئت، فقال: يا عبد الله كيف تقول الشعر؟ وكأنه يتعجب صلى الله عليه وسلم، ثم قال لي: أريد أن تقول شعراً تقوله الآن وأنا أنظر إليك. كان الزبير بن العوام حاضراً ويقول: والله ما رأيت أشعر من عبد الله، فانبعث رضي الله تعالى عنه يقول: إني تفرست فيك الخير أعرفه والله يعلم أني ما خانني البصر أنت الشفيع فمن يحرم شفاعته يوم الحساب فقد أزرى به القدر فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنت ثبتك الله» وهو يتبسم صلى الله عليه وسلم، فثبته الله عندما استشهد في مؤتة رضي الله تعالى عنه.

وكان النبي يتمثل بشعره، فكان صلى الله عليه وسلم يقول أحياناً: «والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا» في غزوة الأحزاب، وهذا من شعر عبد الله. ومن شعره أيضاً لما دخل النبي عمرة القضاء دخل مكة، وكان عبد الله بن رواحة آخذاً بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل أو الحليل عن حليله يا رب إني مؤمن بقيله فقال عمر بن الخطاب: أشعر بين يدي رسول الله وفي حرم الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر دعه، فوالله لشعره أشد عليهم من وقع النبل».

وكان من لذيذ شعره ومن فرائد شعره قوله رضي الله تعالى عنه في النبي صلى الله عليه وسلم: نفسي الفداء لمن أخلاقه شهدت بأنه خير مخلوق من البشر عمت فضائله كل الأنام كما عم البرية ضوء الشمس والقمر لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر هذا من أبدع ما قيل في النبي صلى الله عليه وسلم، ومثله قول حسان: وأجمل منك لم تر قط عيني وأحسن منك لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء هذا والله هو الشعر في الحقيقة، وهؤلاء هم الشعراء الذين لا يتبعهم الغاوون، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 224-227].

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.