﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا مع جعفر بن أبي طالب الطيار رضي الله تعالى عنه الذي كان في الحبشة. في هذه الحلقة سنتكلم عن قدومه من الحبشة واستشهاده رضي الله تعالى عنه.
قدم رضي الله تعالى عنه من الحبشة مع جماعة من الصحابة، وكان معهم أبو موسى الأشعري، فإنه كان مهاجرًا من اليمن، فذهبت به السفينة إلى الحبشة، فبقي مع جعفر بن أبي طالب إلى أن قدموا في وقت غزوة خيبر. قدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه والنبي قد فتح خيبر، فكان النبي يقول: «والله ما أدري بأيهما أفرح، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟». فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قبله بين عينيه والتزمه.
يقال إن جعفر بن أبي طالب لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حجل؛ والحجل هي حركة تعلمها رضي الله تعالى عنه من أهل الحبش، وهو أنه إذا رأى شيئًا يعجبه رفع رجلًا واحدة وأخذ يقفز على رجل واحدة. فيقال إنه لما رأى النبي حجل من فرحته، وكأنه يبين شعوره بالفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا التزم النبي جعفرًا وقبله.
في هذه المسألة هناك خلاف بين العلماء في لقاء الناس بعضهم بعضًا: هل يتصافحون أم يلتزمون أم يقبلون؟ فيقال إن سفيان بن عيينة رضي الله تعالى عنه -وهو تابع تابعي جليل ومن كبار علماء الحجاز، توفي سنة 198هـ- قدم على مالك بن أنس -توفي سنة 179هـ-، وكلاهما في القرن الثاني، فلما طرق الباب أو استأذن عليه أخبر مالكًا بأن سفيان بن عيينة بالباب فقام له. فلما اقترب منه قال: والله لولا أن الالتزام أو المعانقة بدعة لعانقتك. فقال سفيان بن عيينة: عانق من هو خير مني. قال: من هو خير منك؟ قال: تقصد رسول الله وجعفرًا؟ فقال: نعم. قال: ذاك خاص بالنبي. قال: ما يخص جعفرًا يخصنا، وما يعمه يعمنا. ثم حدث سفيان بن عيينة بحديث ملاقاة النبي لجعفر رضي الله تعالى عنه.
جعفر الطيار وأصحابه لما قدموا، كان بعض الصحابة في المدينة يقولون: سبقناكم بالهجرة؛ لأنهم هاجروا إلى المدينة في أول سنة للهجرة، وهؤلاء جاؤوا في السنة السابعة وهي فتح خيبر. فقال عمر لأسماء بنت عميس وقد وجدها عند ابنته حفصة: هذه الحبشية؟ يعني البحرية هذه؟ قالت: نعم. قال عمر: نحن أحق برسول الله منكم، ونحن أسبق إلى الهجرة منكم. فغضبت وقالت: والله لا أذوق طعامًا حتى أحكي ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقصت الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالت لعمر قبل ذلك: إنكم كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعلم جاهلكم، ونحن كنا في بلاد الغرباء البغضاء في الله وفي رسوله. فلما قالت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما هم بأحقر، فلكم هجرتان»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. يقول أبو موسى: كان أصحاب السفينتين يأتون إلى أسماء بنت عميس يستعيدون هذا الحديث، وما فرحوا بشيء في الإسلام فرحهم بهذا الحديث؛ لأنهم لم يدركوا بدرًا، ولم يشهدوا أحدًا ولا الخندق، ففاتهم خير كثير، وهذا الحديث كان مما يتعلقون به رضي الله تعالى عن الجميع.
أما استشهاده رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في السنة الثامنة إلى مؤتة في جيش من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يكون على الناس زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة». فشهد غزوة مؤتة، جعفر بن أبي طالب أخذ الراية، وزيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه قتل، فأخذ الراية جعفر الطيار وأخذ يرتجز ويقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها عليّ إن لقيتها ضرابها
قيل إنه أخذ الراية بيمينه فقطعت، فأخذ الراية بشماله فقطعت، فأمسك الراية بعضديه، فقتل رضي الله تعالى عنه، ويقال إنه عوضه الله من ذلك جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء.
لله در الشاعر الذي يقول: فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر تردى ثياب الموت حمرًا فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر عليك سلام الله وقفًا فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر
وفعلًا جعفر بن أبي طالب ليس له عمر؛ لأنه توفي وعمره بلغ 32 سنة فقط رضي الله تعالى عنهم. لما استشهد رضي الله تعالى عنه، كان النبي على المنبر وهو يخطب الناس ويقول: «أخذ الراية زيد فقتل، أخذ الراية جعفر ثم قتل ودخل الجنة» -وقال في زيد ودخل الجنة- ثم قال: «أخذ الراية عبد الله بن رواحة وقتل ودخل الجنة». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك وعيناه تذرفان على المنبر صلى الله عليه وسلم.
ثم نزل من المنبر وذهب إلى بنت زيد بن حارثة، ثم ذهب إلى أبناء جعفر الطيار رضي الله تعالى عنهم. فلما دخل على أسماء بنت عميس قال: «أخرجي لي أبناء أخي». فأخرجت له أبناء جعفر بن أبي طالب عبد الله ومحمدًا، فأخذ النبي يشمم ويقبلهم، فقالت أسماء: يا رسول الله، حدث لجعفر شيء؟ قال: «نعم، استشهد الليلة أو اليوم»، فأخذت تبكي رضي الله تعالى عنها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للناس: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم».
وأسماء رضي الله تعالى عنها زوجة جعفر، تزوجها بعد جعفر أبو بكر الصديق، ثم تزوجها بعد أبي بكر الصديق علي بن أبي طالب. فكان ابنا أبي بكر الصديق وجعفر بن أبي طالب كلاهما يسمى محمدًا، يتفاخران فيقول أحدهما: أبي أفضل من أبيك، والآخر يقول: أبي أفضل من أبيك. فقال علي لأسماء: احكمي بينهما أو افصلي بينهما. فقالت: ما رأيت كهلًا أفضل من أبي بكر، ولا شابًا أفضل من جعفر بن أبي طالب. فقال علي رضي الله تعالى عنه: ما تركت لنا، ولكن والله لو قلت غير ذلك لمقتك. فقالت رضي الله تعالى عنها: إن ثلاثة أنت أخذتهم لخيار، أو كما قالت رضي الله تعالى عنها.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري