﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، ومعنا فيها صحابي جليل من السابقين الأولين إلى الإسلام، وهو جعفر بن أبي طالب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الصحابي الجليل أسلم قديمًا، فهو من السابقين إلى الإسلام، ومن الداخلين في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
هاجر قديمًا إلى الحبشة مع بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ولما هاجروا إلى الحبشة، أرسلت قريش في أثرهم رجلين وهما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، لكي يردوهم إلى قريش. فلما قدما على النجاشي في الحبشة، أتيا بهدايا معهما ووزعاها على البطارقة الذين هم أعوان الملك، وأخبرا أعوان الملك بأنهم يريدون المساعدة. لما دخلوا على النجاشي قدموا له الهدايا وفرح بها النجاشي، وكان يحب الأدم وهو الجلود، والهدايا من الجلود كانت تختص بها مكة في ذلك الوقت، ففرح بها.
ثم قال الرجلان: إن أشراف قومنا قد أرسلونا في غلمان قد فسدوا، وتركوا دين آبائهم وأجدادهم، ولم يدخلوا في دينك، وقومهم أعرف بهم، فنريد أن تسلمهم إلينا لنردهم عليهم. فقال البطارقة من حوله: صدقوا، قومهم أعرف بهم. فغضب النجاشي وقال: والله لا أردهم ولا أسلمهم حتى أكلمهم. فأقدمهم عليه، وطلبهم. فلما أراد النجاشي أن يحضرهم، تشاور الصحابة فيما بينهم وقالوا: ماذا نقول له؟ فقال بعضهم لبعض، ومنهم جعفر رضي الله تعالى عنه: نقول له ما عندنا من الإسلام، ونقول له ما قال الله وما قال رسول الله، ولا نحيد ولا نميل.
الحقيقة أننا في هذا العصر أحيانًا بسبب الضعف الذي انتاب الأمة وانتاب كثيرًا من المسلمين، يحاولون أن يلمعوا صورة الإسلام عند أعداء الإسلام، والحقيقة أن صورة الإسلام إنما تكون ناصعة إذا أخبر بها كما هي على حقيقتها. دخل هؤلاء الصحابة على النجاشي ولم يسجدوا له كما سجد الآخرون، فهذا أول شيء رآه النجاشي، وقال لهم: لما لم تسجدوا؟ فذكر جعفر بن أبي طالب أن الإسلام نهاهم عن ذلك، وأنهم لا يسجدون إلا لرب العالمين. فسكت ثم قال لهم: إن هؤلاء يقولون كيت وكيت، وإنكم خرجتم من دين آبائكم ولم تدخلوا في ديني.
فتكلم جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقال: إن الله بعث إلينا رسولًا، بعد أن كنا نسيء ونعبد الأصنام، ونقطع الأرحام، ونأكل الميتة، ونشرب الدماء، وذكر أشياء من سوء ما تفعله قريش في الجاهلية. ثم إن الله بعث لنا رسولًا، أمرنا بعبادة الله وحده لا نشرك به شيئًا، ونبذ الأصنام، وأمرنا بصلة الأرحام، وأمرنا بحسن الجوار، وأمرنا بالصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخذ يعدد له شيئًا مما يذكره النبي صلى الله عليه وسلم تبليغًا لرسالة الله سبحانه وتعالى.
فقال: هل عندكم شيء مما جاء به رسولكم؟ فقال جعفر: نعم، وقرأ عليه صدر سورة مريم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 1-2] إلى أن قرأ منها جملة. فبكى بسبب هذه القراءة النجاشي رضي الله تعالى عنه وقال: والله إن هذا ليخرج من المشكاة الذي جاء بها موسى، أو إن هذا لهو الناموس الذي جاء به موسى. فعند ذلك انتهز عمرو بن العاص الفرصة وخشي أن يسلمهم لهم، فقال: سلهم ما يقولون في عيسى، فإنهم يقولون فيه قولًا عظيمًا.
فقال: ما تقولون في عيسى؟ فقال: نقول إنه روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول، وذكر له شيئًا مما ورد في الإسلام عن عيسى عليه الصلاة والسلام. فعند ذلك أخذ النجاشي عودًا من الأرض ثم رفعه وقال: والله ما عدا ما قلتم ما نعتقد به في عيسى أو ما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام. فعند ذلك قال: اذهبوا في بلدي، فأنتم سيوم في بلدي، أي أنتم آمنون. من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم. ثم قال: ردوا على هذين الرجلين هداياهما، فوالله لا آخذ الرشوة فيهم، فإن الله لم يأخذ الرشوة حين ملكني.
وكان لذلك قصة، أنه أخذ منه الملك وكان صغيرًا لما مات أبوه، وأراد أهل الحبشة أن يأخذوا الملك إلى عمه أو أبناء عمه، فهي قصة طويلة. فالمهم أنه رد الله عليه ملكه بأن الحبشة لما لم يصلح ملكهم مع هذا الملك الجديد ذهبوا يبحثون عن النجاشي وقد باعوه أنفسهم لرجل، فردوه وملكوه. فلما ملكوه جاء الرجل الذي اشتراه وقال: إما أن تردوا عليَّ غلامي، وإما أن تعطوني أموالي. فقال النجاشي: أما أن تردوا عليه غلامه، يقصد نفسه، وإما أن تردوا عليه ماله. وكان هذا أول حزم في ملكه.
فالنجاشي رحمه الله عليه أسلم على يد جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وهنا يقولون لغزًا، وهو من هو التابعي الذي أسلم على يد صحابي؟ وإنما يقال عنه تابعي لأنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري