دخولتسجيل الدخول

الحلقة 23

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا مع الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه، سنتحدث في هذه الحلقة عن زواجه من زينب وعن استشهاده رضي الله تعالى عنه.

أما زواجه من زينب، فقد زوجه النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش، وهي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، أمها اسمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي. تزوجها زيد بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن زينب بنت جحش لما خُطبت من قريش، خطبها بعض أناس من قريش، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أختها حمنة بنت جحش تستشيره، فلما استشارته قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين هي ممن يعلمها كتاب الله وسنة رسوله؟». فظنت أنه يعني نفسه، فلما علمت أنه يعني زيد بن حارثة استنكفت من ذلك، وقالت: أنا خير منه نسبًا؛ وكانت امرأة فيها حِدة. ثم نزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فقالت: أستغفر الله، ثم أطاعت الله وأطاعت رسوله، وتزوجت زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنها.

ولم يزل بينها وبين زيد بعد زواجها بعض المشاجرات التي تحصل بين الأزواج، فكان زيد يشتكيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي يوصيها به. ثم أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أنها ستكون زوجة له، فجاء زيد مرة من المرات يشكوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فصار النبي يقول: «اتق الله، وأمسك عليك زوجك»، كما ذكر الله سبحانه وتعالى. فاستمر ذلك الحال إلى أن طلقها زيد بن حارثة، ثم ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يتزوجها، وذلك بأمر الله سبحانه وتعالى، فأرسل زيد بن حارثة إلى زينب يخطبها أو يذكر النبي لها. فلما جاءها زيد ذكر أن النبي يذكرها، فقالت: ما أنا بفاعلة أمرًا حتى أستشير وأستأمر ربي. فدخلت مصلاها وصلت، ونزلت الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: 37]، أي: لا تطلقها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه؛ تخفي في نفسك أنك ستتزوجها بأمر الله، والله سيبدي ذلك بزواجك منها، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37].

فكان رب العالمين قد زوج النبي صلى الله عليه وسلم أو زوج النبي إياها زواجًا من عند الله بلا شهود ولا ولي، فالله هو المزوج سبحانه وتعالى. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ودخل عليها، فقالت: يا رسول الله، بلا إشهاد ولا خطبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا في صحيح مسلم-: «الله المزوج، وجبريل الشاهد». ثم كانت بعد ذلك تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح البخاري- وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، رضي الله تعالى عن هذه الصحابية الجليلة.

العلماء يذكرون في مسألة ذكر اسم زيد في القرآن أن الله ذكر اسم زيد مصرحًا به في القرآن ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾. ويذكرون لذلك تعليلًا عجيبًا، وهو أن زيدًا كان يسمى زيد بن محمد، فلما نزل ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]، قال زيد: أنا زيد بن حارثة. فلأجل ما ذهب من زيد من أبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي أمر عظيم أن يُسلب من شخص كان يعتبر النبي أباه، فيرجع إلى أبيه الحقيقي فيُدعى زيد بن حارثة، عند ذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يواسي زيدًا ويؤنسه، فذكر اسمه في القرآن: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾.

أما شهادته رضي الله تعالى عنه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبعث سرية وفيها زيد إلا أمر عليها زيدًا رضي الله تعالى عنه، وكان بعض الصحابة يطعنون أحيانًا في إمارته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما طعنوا في إمارة أسامة -وهذا في الصحيح- لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة وكان عمره ثماني عشرة سنة، طعن بعض الصحابة أنه صغير وكذا، فقال: «إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، والله إنه لخليق بالإمارة، وكما أن أباه كان خليقًا بالإمارة»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

بعث النبي زيد بن حارثة في جيش مؤتة، وأمر عليه زيد بن حارثة، ثم بعد زيد جعفر بن أبي طالب، وهو جعفر الطيار، ثم بعد جعفر يكون عبد الله بن رواحة على الجيش. وكانت سبب هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسولًا إلى الروم، فقتله أحد الغساسنة، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فجهز هذا الجيش وبعثه، وقال -كما في الصحيح-: «إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة».

فلما التقى الفريقان قاتل زيد أشد القتال حتى قتل، ثم قاتل جعفر أشد القتال حتى قتل، وهكذا عبد الله بن رواحة. وكان النبي على منبره في المدينة وهو يحكي هذه القصة على المنبر وعيناه تذرفان صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «أخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم بعد ذلك قال: ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل، ثم قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، ثم قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله عليه». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما يسرهم أنهم كانوا عندنا»، يعني هم الآن في الجنة فلا يسرهم أن يكونوا معنا، ولو كان النبي حاضرًا، وإنما يسرهم أنهم مجاهدون، ويسرهم أنهم استشهدوا في سبيل الله، كما وقع لهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر، وأخذ يتفقد بيوت هؤلاء الصحابة، ومن هؤلاء زيد بن حارثة، ذهب إلى بيته، فلما دخل بيت زيد خرجت ابنته رضي الله تعالى عنها، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم أجهشت بالبكاء؛ لأنها تذكرت والدها وتذكرت أنه استشهد في سبيل الله. لما دخل عليها النبي فأجهشت بالبكاء، بكى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله، ما هذا الذي نراه؟ فقال: «هذا شوق الحبيب إلى حبيبه».

توفي زيد في سنة ثمان من الهجرة، وله خمس وخمسون سنة رضي الله تعالى عنه. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل أن نلتقي بكم في حلقة جديدة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.