﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة ومع صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من السابقين الأولين من المهاجرين، وهو زيد بن حارثة الذي كان يدعى زيد بن محمد.
هذا الصحابي كان من أوائل من أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال الزهري رحمه الله عليه: إنه أول الناس إسلامًا. وفي الحقيقة هو يعتبر ابن النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، فلا غرو أن يكون من أول من أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقول الجمهور كما هو معلوم أن أول من أسلم خديجة، ثم أبو بكر، ثم علي، ثم زيد بن حارثة. ومن الناس من يجمع بين هذه الأقوال فيقول: أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي رضي الله تعالى عنه، ومن الموالي زيد بن حارثة.
هذا الصحابي الجليل من أهل بدر، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الأولين، وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن استشهد أميرًا في غزوة مؤتة رضي الله تعالى عنه. كان رضي الله تعالى عنه مع أهله ثم أصبح في مكة، وأصبح يدعى زيد بن محمد، ولذلك قصة لتبني النبي صلى الله عليه وسلم له.
قصته مشهورة وهي أن أمه ذهبت تزور أخواله، فجاء أناس وخطفوه منها وباعوه في سوق عكاظ، واشتراه حكيم بن حزام بن خويلد وأهداه لعمته خديجة بنت خويلد. فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم أهدته للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار زيد مولى للنبي صلى الله عليه وسلم. وكان أبوه عندما خطف زيد يبكي عليه الليل والنهار، وكان يقول في ذلك أشعارًا منها قوله: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي فيرجى أم أتته المنية ووالله ما أدري وإني لسائل أغالة سهل الأرض أم غاله الجبل سأشعر هل لك الدهر رجعة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرني الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا قار الطفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه ويا وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
سأعمل نص العيس، معناه خبب العيس أو سيرها، العيس التي هي الإبل. سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا، ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل، حياتي أو تأتي علي منيتي، وكل امرئ فان وإن غره الأمل. وأوصي به قيسًا وعمرًا كليهما، وأوصي يزيدًا ثم من بعده جبل؛ هؤلاء أولاده يقول: إني سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا أبحث عنه، ثم إذا مت أوصي به بالبحث عنه أولادي.
ثم حج أناس من بني كلب وصادفوا زيد بن حارثة في الحرم وعرفوه وعرفهم، فلما رآهم قال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات، يقول فيها رضي الله تعالى عنه: أحن إلى أهلي وإن كنت نائيًا فإني قعيد البيت عند المشاعر فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الأرض نص الباعر فإني بحمد الله في خير أسرة كرام كابرًا بعد كابر
فلما علم أبوه بوجوده في الحرم خرج هو وأخوه إلى الحرم، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا ابن عبد الله، يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قريش، جئناك في فكاك أسيرنا عندك أو في فكاك ولدنا عندك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قالوا: زيد ولدنا، جئنا بفدائه فأحسن لنا في فدائه ونعطيك إياه وتعطينا ولدنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: أدعوه ثم أخيره، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا. فقالوا: زدتنا على الإنصاف.
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، فلما جاء قال النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا قبل الإسلام، قبل أن ينبأ النبي صلى الله عليه وسلم-: أتعرف هذا؟ قال: نعم، هذا أبي. قال: أتعرف هذا؟ قال: نعم، قال: هذا عمي. فقال: فأنا من قد عرفت صحبتي، إما أن تختارني وإما أن تختارهما. فقال زيد بن حارثة -وهذه الفاجعة الكبرى التي فجع بها والده-: والله إنك مني بمنزلة الأب والعم، والله لا أختار عليك أحدًا. فتعجب أبوه وقالوا: يا زيد، أتختار العبودية على أبيك وعمك وعلى أهلك وعشيرتك؟ قال: إني رأيت من هذا الرجل أخلاقًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا.
فلما سمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم منه، أخذ بيده ثم ذهب به إلى الحجر وأبوه حارثة وعمه كذلك يتبعان، فوقف على الحجر النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا معشر قريش، أشهدكم أن زيدًا ابني يرثني وأرثه. فعند ذلك طابت نفس أبيه ونفس عمه ورجعا إلى أهلهما.
لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم محبة زيد له أراد أن يكرمه بمحبة فجعله ابنًا له، فصار يسمى زيد بن محمد، وصار يسمى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإسلام. لأنه بعد الإسلام بقي يسمى زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]. فقال زيد: أنا زيد بن حارثة. فعند ذلك صار الصحابة يسمونه حب رسول الله، وكذلك ولده حب رسول الله ابن حب رسول الله الذي هو أسامة رضي الله تعالى عنه الجميع.
والعجيب مما يذكره العلماء أن زيد بن حارثة أسلم فصار صحابيًا، وولده أسامة بن زيد رأى النبي فهو صحابي، وولده محمد بن أسامة أيضًا رأى النبي فهو صحابي، وحارثة أبو زيد أيضًا صحابي، فهؤلاء أربعة كلهم صحابة متوالدون. وهذا ليس إلا لزيد ولأبي بكر الصديق، فإن زيد بن حارثة أبوه مسلم وهو مسلم وولده مسلم وولد ولده مسلم، وكلهم صحابة رأوا النبي صلى الله عليه وسلم. أما أبو بكر رضي الله تعالى عنه فهو أبوهم صحابي، وهو صحابي، وولده عبد الرحمن صحابي، وولد ولده محمد يسمى العتيق أيضًا صحابي، ولا يعرف أربعة متوالدون صحابة إلا لأبي بكر الصديق ولزيد بن حارثة رضي الله عنهم الجميع.
وإلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل أن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري