﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا فيها مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. سنتكلم في هذه الحلقة عن زهده وعن استشهاده رضي الله تعالى عنه.
أما زهده فهو مضرب المثل؛ في الحقيقة كان من أزهد الناس. كان وهو أمير على المؤمنين يلبس إزارًا غليظًا ثمنه خمسة دراهم. خرج مرة على أصحابه فرآهم ينظرون إليه، فقال -وكان فيه دعابة-: من يربحني فيه درهمًا أعطيه إياه أو أبيعه إياه؟ ومرة أكل تمرًا "دَقَلا" يعني رديئًا، ثم شرب عليه ماء، ثم ضرب بطنه وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله، ثم أنشد رحمه الله ورضي الله تعالى عنه يقول: فإنك مهما تُؤتِ بطنك سؤله ... وفرجك نال منتهى الذم أجمعا
ومن زهده الذي يذكر عنه ما ذكره ضرار بن ضمرة الكناني حين دخل على معاوية، فسأله معاوية عن علي رضي الله تعالى عنه، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أعفيك. قال: أما إذ لا بد، فوالله إنه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته. كان يجشب من الطعام ما جشب، ومن اللباس ما قصر.
كان رحمه الله يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له. فإذا تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يحب المساكين، ويعظم أهل الدين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله. وكان يستوحش من الدنيا وزهرتها، وربما رأيته في بعض الليالي وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، يتململ في محرابه تململ السليم -يعني اللديغ-، ويبكي بكاء الحزين، ويخاطب نفسه ويعنفها، ثم يخاطب الدنيا ويقول: إليَّ تغررت؟ إليَّ تشوفت؟ هيهات هيهات، غُرِّي غيري، فقد بتتك ثلاثًا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطر يسير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.
فما أتم كلامه حتى وكفت دموع معاوية على خده، وأخذ ينشفها بكمه حتى اختنق من حوله أيضًا بالبكاء. فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: ما وجدك عليه يا ضرار؟ يعني ما حزنك عليه؟ فقال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها. ثم انصرف رضي الله تعالى عنه.
وأما استشهاده رضي الله تعالى عنه، فكان ذلك بعد توليه خلافة المسلمين وإمارة المؤمنين بخمس سنين، في سنة أربعين من الهجرة النبوية. تولى رضي الله تعالى عنه الخلافة عند مقتل عثمان، أتاه بعض الصحابة أرادوا يبايعونه، فقال: ليس ذلك إلا لأهل بدر، أو أهل بدر هم الذين يبايعون، فمن رضوه فهو الخليفة. فلم يبقَ أحد ممن كان من أهل بدر في ذلك الوقت إلا أتاه وحضه على المبايعة وعلى إمارة المؤمنين، فصعد عند ذلك المنبر وبايعه الناس رضي الله تعالى عنه.
تولى الخلافة مدة خمس سنين، وكان في وقت هذه الخلافة شيء من الفتن والمنازعات له رضي الله تعالى عنه من قبل أهل الشام، ومن قبل أهل موقعة الجمل، ومن قبل الخوارج. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرضى عن الصحابة أجمعين. توفي رضي الله تعالى عنه مقتولًا على يد رجل يسمى عبد الرحمن بن ملجم، جاءه بسيف مسموم ثم قتله مع صلاة الفجر، نسأل الله العافية والسلامة. وهذا الرجل من الخوارج، وهي فرقة مبتدعة، وكان يرى في قتله لعلي أنه خلص الأمة من شر كان، وهذا من ابتداعه نسأل الله العافية والسلامة.
نسأل الله أن يعطيه ما يستحقه، وأن يكون من أهل النار كما قال الذهبي رحمه الله عليه: نرجو له أن يكون من أهل النار، بينما الخوارج يجعلون عبد الرحمن بن ملجم من أهل الجنة، نسأل الله العافية والسلامة. علي بن أبي طالب لما ضربه عبد الرحمن بن ملجم قال: فُزت ورب الكعبة، ثم أوصى بوصية، ثم لم يزل يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، إلى أن فارق الحياة.
هناك رجل من الخوارج يقال له عمران بن حطان، كان قد مدح ابن ملجم هذا بأبيات نسأل الله العافية والسلامة يقول فيها: يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكر حينا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
نسأل الله العافية والسلامة، يرد عليه أحد أهل السنة وهو أبو بكر الطبري يقول: يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليهدم للإسلام أركانا إني لأذكر حينا فألعنه ... كذلك ألعن عمران بن حطانا
وعمران بن حطان هنا مسألة أريد أن أوضحها، وهي أن البخاري قد أخرج له حديثًا واحدًا في الصحيح، وإخراجه له كان متابعةً، يعني لم يكن حديثه عمدةً. وبعض أهل البدع ينتقدون البخاري في إخراجه لحديث عمران بن حطان، والحقيقة أن عمدة أهل السنة في التحديث هو الصدق، وكان الخوارج من أصدق الناس، بل كانوا يعدون الكذب كبيرة، وأبو داوود يقول: أصدق أهل الفرق أو أهل الأهواء حديثًا هم الخوارج. وكان قتادة يقول: ما رأيت أصدق من عمران بن حطان، وقتادة كان من أهل السنة، لكن لصدقه وشدة صدقه علموا أنه ثقة في حديثه، وكان في البداية من أهل السنة ثم أصبح من الخوارج بسبب امرأة تزوج خارجية كانت جميلة وكان هو قبيحًا، فكانت تقول له: إني وأنت من أهل الجنة. قال: لمَ؟ قالت: أنت رزقك الله بي فشكرت فلك الجنة، وأنا رزقني الله إياك فصبرت فلي الجنة، والصابر والشاكر في الجنة.
الشاهد من الكلام أن أهل السنة عمدتهم هو الصدق، بينما هناك أناس من أهل البدع وهم الرافضة، عمدة تحديثهم الكذب، ولذلك يقول الشافعي رحمه الله عليه: اقبلوا شهادة جميع أهل الأهواء إلا أهل الرفض فإنهم يستحلون الكذب، نسأل الله العافية والسلامة. أهل السنة لم يوالوا أحدًا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحابوا، وورد عندهم التعليل والتجريح، وجرحوا آباءهم وإخوانهم وأصدقاءهم. علي بن المديني رحمه الله عليه جاءه أناس فسألوه عن أبيه عبد الله السعدي ابن المديني، فأطرق رأسه وقال: اسألوا غيري. فقالوا: لا بد أن تجيبنا، فقال: أبي.. إن الدين أبي ضعيف. فهكذا كان أهل السنة، وهذا هو اعتذار للإمام البخاري من إخراجه لحديث عمران بن حطان.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا، وإلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، ونكون بها قد استكملنا ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري