﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا فيها مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. تحدثنا في الحلقات الماضية عن شيء من مناقبه، وسنتحدث في هذه الحلقة المباركة عن علمه رضي الله عنه.
فقد كان من أعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة الكبار يرجعون إلى فتاواه ويسألون، وكان قاضيًا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، بل كان قاضيًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي بعثه إلى اليمن فشكا إليه علي قلة معرفته بالقضاء، فمسح النبي على صدره ودعا له، فقال علي بعد ذلك: فما شككت في قضاء قط. والنبي صلى الله عليه وسلم قد ورد عنه أنه قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وهناك أحداث حصلت في زمن الخلفاء الراشدين مما يُتعجب منه، وفي زمنه هو رضي الله تعالى عنه. فمما حدث في زمن عثمان أن عثمان أُتي بامرأة قد وضعت حملها لستة أشهر، يعني أن طفلها بلغ ستة أشهر أو بلغت من الحمل ستة أشهر فوضعت حملها، فجيء بها إلى عثمان فأمر برجمها، فأبى علي ذلك وقال: ما لك أن تفعل ذلك؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]. إذا كان الحمل والفصال ثلاثين شهرًا أو مدته ثلاثين شهرًا معناه أن الفصال، الفصال الذي هو الفطام، في العادة أو المعروف أنه عامان، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]. فإذا كان الفصال في عامين وهي أربعة وعشرون شهرًا، بقي من الثلاثين ستة أشهر، وهذا يدل على أن المرأة يمكن أن تنجب طفلها في ستة أشهر من الحمل، ولذلك أخذ بهذا القول عامة أهل العلم بعد علي رضي الله تعالى عنه.
ومن الأخبار التي حصلت في عهده رضي الله تعالى عنه ما ذكره زر بن حبيش في قصة رجلين كانا يأكلان أرغفة معهم، يعني خبزًا، كان أحدهما معه خمسة أرغفة، والآخر معه ثلاثة أرغفة، فجاءهم ثالث وأكل معهم وضيفه، وجعلوا الخبز سوية، فأكل الثلاثة من ثمانية أرغفة. فلما قام هذا الثالث أراد أن يتحف بشيء فأعطاهم ثمانية دراهم على عدد الأرغفة، فاختصموا؛ قال صاحب الخمسة: لي خمسة ولك ثلاثة. فقال صاحب الثلاثة: إنما أكلنا مع بعض فلي أربعة ولك أربعة، يعني نصافة أو تناصف. فذهبوا إلى علي رضي الله تعالى عنه واختصموا إليه، فقال لصاحب الثلاثة: اقنع بالثلاثة الدراهم. فقال: والله لا أقنع إلا بمر الحق. فقال: إذا كنت تريد مُرّ الحق فليس لك من الحق إلا درهم واحد. يعني بعد أن كان له ثلاثة قال: ليس لك إلا درهم واحد.
وحل هذه المسألة معروف أو قد ذكرها لهم رضي الله تعالى عنه؛ لأنها ثمانية أرغفة، والرجال الآكلون ثلاثة، فالثمانية لا تنقسم على الثلاثة إلا إذا قسمنا كل رغيف ثلاثة أقسام. فإذا قسمنا كل رغيف ثلاثة أقسام أصبحت الأقسام أربعة وعشرين رغيفًا، وكل واحد منهم سيأكل بالسوية -يعني على افتراض أنهم أكلوا بالسوية إذا لم نعلم كم أكل هذا وأكل هذا-، فالقضاء أن يُجعل كل واحد منهم قد أكل مثل صاحبه، فأربعة وعشرون ثلثًا أو قطعة، أكل هذا ثمانية وهذا ثمانية وهذا ثمانية. فأبو الثلاثة الأرغفة إذا أكل ثمانية قطع أو ثمانية أثلاث معناه بقي له من أرغفته ثلث واحد؛ لأن الثلاثة الأرغفة إذا قسمناها ثلاثة أقسام أصبحت تسعة، فهو أكل ثمانية وبقي له قسم واحد أكله الضيف، وصاحب الخمسة أكل ثمانية من خمسة عشر قطعة وأكل الضيف سبعة، فأصبح لهذا سبعة دراهم ولهذا درهم واحد، وهذه من العجائب.
ومن العجائب أيضًا الفريضة المسماة بالمنبرية، سُميت بالمنبرية لأنه سُئل عنها علي رضي الله تعالى عنه وهو على المنبر، جاءه رجل فقال: رجل ترك امرأة وأبوين وبنتين. فقال وهو على المنبر مباشرة: صار ثمنها تُسعًا. هذه المسألة معناها هي البنتان لهما الثلثان من التركة، والأبوان لكل واحد منهم السدس من التركة، أصبحت التركة هنا قد نفذت؛ لأن ثلثين وسدس وسدسًا معناها الثلثان والثلث فصارت التركة كلها ذهبت إلى الأبوين وإلى البنتين. لكن المرأة أيضًا من أصحاب الفروض ولها الثمن ولا بد أن تأخذ ثمنها، فالمسألة ثمن وفيها ثلث وفيها سدس، معناه أنها لا تنقسم إلا من أربعة وعشرين. فرأس المسألة أربعة وعشرون، ثلث الأربعة والعشرين للبنتين وهي ستة عشر، وسدس الأربعة والعشرين أربعة لكل أب، للأم سدس وهي أربعة، وللأب سدس وهي أربعة، صارت أربعة وستة عشر وأربعة هذه أربعة وعشرون. للمرأة الثمن، وثمن الأربعة والعشرين ثلاثة، أصبح المجموع سبعة وعشرين سهمًا، وكانت المسألة أربعة وعشرين سهمًا، فأُعطيت المرأة ثلاثة من سبعة وعشرين، كان ينبغي أن تكون ثلاثة من أربعة وعشرين فهي الثمن، لما صارت ثلاثة من سبعة وعشرين أصبحت تُسعًا، ولذلك قال وهو على المنبر: صار ثمنها تُسعًا. وهذا من العجائب، من عجائب هذا الصحابي الجليل في علمه.
وهناك أشياء وردت في علمه لا تصح، من ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، هذا الحديث لا يصح، بل هو موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يغض من علم هذا الصحابي الجليل، بل هو من أعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري