دخولتسجيل الدخول

الحلقة 19

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا فيها مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. هذا الصحابي الجليل له من المناقب الشيء الكثير، ذكرنا بعضًا منها، ومن ذلك مما ذكرناه سابقًا أنه يدخل في قول الله تباركت وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].

وهو داخل أيضًا في قول الله تباركت وتعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 117]. وهو من أهل بدر، وأهل بدر هم أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث أن الملائكة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هم أفضل أصحابي». فقال جبريل عليه الصلاة والسلام: وكذلك من شهدها من الملائكة هم أفضل الملائكة.

وهناك فضائل كثيرة لهذا الصحابي الجليل، من ضمن تلك الفضائل ما ثبت في الصحيحين في غزوة خيبر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». فالناس باتوا في تلك الليلة يدوكون أيهم يعطى هذه الراية ويرغبون فيها. فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول الله، هو يشتكي عينيه. فأرسل إليه فجيء به، فبصق النبي في عينيه وكان فيها رمد، فشفي حتى كأن لم يكن به وجع رضي الله تعالى عنه.

ثم أعطاه الراية وقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله». قال: يا رسول الله، وقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: «انفذ على رسلك، وادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم». فكان المراد هدايتهم في الحقيقة.

فلما ذهب علي رضي الله تعالى عنه إلى خيبر، كما جاء في صحيح مسلم، برز رئيس خيبر وهو مرحب، برز بالسيف وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز له قائد هذا الجيش وهو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم برايته، برز لمرحب وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أكيل بالصاع كيل السندره فأهوى إلى مرحب وقتله بضربة واحدة رضي الله تعالى عنه، ثم فتح الله على يديه.

ومن فضائل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه التي خصه الله بها على لسان نبيه، أنه قال له وهو ذاهب إلى تبوك -كما نعلم أن عليًا رضي الله تعالى عنه لم يتخلف عن رسول الله في مشهد قط، إلا أنه تخلف يوم الهجرة في مكان النبي صلى الله عليه وسلم، وبات في موضعه على فراشه حتى كادت قريش أن تقتل عليًا تظن أنه النبي صلى الله عليه وسلم، والحادثة الثانية هي غزوة تبوك، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة مع النساء والأولاد-.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد حظَّ الناس، جمهور الناس، وأمر أن لا يتخلف منهم أحد، فلم يتخلف إلا المنافقون، ومن ذكرهم الله وهم الثلاثة الذين تخلفوا: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وقصتهم مشهورة. فعلي لما أراد النبي أن يخلفه في المدينة، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أتخلفني مع النساء والأطفال أو الصبيان؟ وكان رضي الله تعالى عنه لا يريد أن يتخلف عن رسول الله ويريد أن يصاحبه، وهذا شيء معلوم في الفطر أن كل إنسان يريد مصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه.

فالنبي حتى يطيب خاطر علي رضي الله تعالى عنه، قال: «يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟». فعند ذلك رضي علي رضي الله تعالى عنه بهذه النيابة وهذا التخلف بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث احتج به أناس من أهل البدع -نسأل الله العافية والسلامة- على أمور ما أنزل الله بها من سلطان. فمنهم من قال إن خلافة أبي بكر باطلة، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وأنهم قد سلبوا الخلافة من علي؛ فإن النبي جعل عليًا منه بمنزلة هارون من موسى. والحقيقة لو كان في هذا الخبر أو الحديث دليل لاحتج به علي نفسه؛ فإنه كان من المبايعين لأبي بكر، ومن أول المبايعين لعمر، ومن أول المبايعين لعثمان.

ولو كان فيه دليل لاحتج به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين يعرفون مراد النبي من إخباره. ومن الدلائل على أن هذا الحديث ليس فيه حجة، أن هارون عليه الصلاة والسلام مات قبل موسى عليه الصلاة والسلام، وأن الذي خلف موسى في قومه بعد موت موسى هو يوشع بن نون كما هو معلوم عند عامة العلماء.

ومن مناقبه أيضًا ما ثبت في الصحيحين في القصة المشهورة، عندما ذهب النبي في عمرة القضاء، لما فرغ من العمرة قال المشركون: انتهت المدة وهي ثلاثة أيام فأخرج من مكة. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته بنت حمزة رضي الله تعالى عنهما وهي صغيرة، فقالت: يا عم، يا عم، وأمسكت بيدي. فرجع إليها علي وأخذ بيدها، ثم اختصم فيها علي وجعفر بن أبي طالب أخوه وكذلك زيد بن حارثة.

فعلي يقول: ابنة عمي وأنا الذي أخرجتها أو أمسكت بيدها، وجعفر يقول: ابنة عمي وخالتها تحتي -يقصد أسماء بنت عميس-، وزيد بن حارثة يقول: ابنة أخي ومولاي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما أنت يا زيد فمولانا، وأما أنت يا علي فمنك وأنت مني». وقضى بها لجعفر بن أبي طالب لأن عنده خالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم». وقال النبي في حديث آخر كما في الترمذي: «من كنت مولاه فعلي مولاه».

وهذه منقبة عظيمة لهذا الصحابي الجليل. وإلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة جديدة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].