﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة. ما زلنا مع سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ ذكرنا بعض مواقفه في الحلقة الماضية، ونذكر شيئاً من مواقفه في هذه الحلقة المباركة بإذن الله.
ومن ذلك موقفه في غزوة أحد. نعلم جميعاً بأن غزوة أحد كان النصر في بداية الأمر للمسلمين، ثم لما خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأوا الغنائم توزع فتركوا الجبل إلا قليل منهم، ثم التف عليهم خالد بن الوليد، ثم كانت الدائرة مرة أخرى على المسلمين. ففي ذلك الوقت قتل مصعب بن عمير، وكان مصعب بن عمير يشبه النبي صلى الله عليه وسلم، فظن الذي قتله أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قتلت محمداً. وشاع في الناس صراخ بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فارتاع كثير من المسلمين وفر كثير منهم.
وأخذ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يبحث في القتلى، فلم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفر، وما أراه في القتلى، وما أراه إلا أن الله سبحانه وتعالى قد رفعه غضباً على المسلمين. ثم قال رضي الله تعالى عنه: لأقاتلن حتى أموت. فأخذ يقاتل المشركين، وكان قوي البنية رضي الله تعالى عنه، وإن كان إلى القصر أقرب، إلا أنه كان عظيم المنكبين وكان قوي الساعد، كان يقال إنه إذا أمسك رجلاً من ساعده أمسك التنفس عنده ولم يستطع ذلك الرجل التنفس، فقاتل رضي الله تعالى عنه.
فانفرجت الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم يقاتل ومعه بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم. فلما عرفه علي رضي الله عنه، جاء يقاتل دون النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتهى القتال، وحفظ الله نبيه صلى الله عليه وسلم. فجاء علي بعد ما انتهت المعركة وأعطى فاطمة سيفه، وقال: أفاطم هاك السيف غير ذميم، فلست بعديد ولا بليمي. لعمري لقد أبليت في نصر أحمد، ومرضاة رب بالعباد عليم.
ومن مواقفه رضي الله تعالى عنه، موقفه في غزوة الأحزاب. كما نعلم غزوة الأحزاب، النبي صلى الله عليه وسلم خندق على المدينة لأن الأحزاب كانوا كثيرين، فخندق صلى الله عليه وسلم برأي سلمان الفارسي، وبقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ثغرات الخندق يحمون المدينة. فمن الناس الذين تجاوزوا الخندق وهم قلة من قريش عمرو بن عبد ود، وعمرو هذا من أشجع قريش ومن أفرسهم، وكان حاضراً في غزوة بدر، وأثخنته الجراح في غزوة بدر، وقد قتل من المسلمين عدداً، فقتل عمير بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، ولم يحضر غزوة أحد بسبب الجراح التي كانت فيه.
كان عمرو من الذين اجتازوا الخندق، اجتاز الخندق جماعة من قريش منهم عمرو بن عبد ود، وكان كبيراً في السن، قيل إنه بلغ الثمانين. فكان ينادي على المسلمين: أبرزوا إليَّ رجلاً، أنا عمرو، أبرزوا إليَّ رجلاً. ثم يؤنبه ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من مات منكم دخلها؟ ألا تشتاقون إلى الجنة فإني اشتقت إلى النار، نسأل الله العافية والسلامة. فكان علي رضي الله تعالى عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أنا له. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنه عمرو، اجلس. مرتين، ثم الثالثة قال: إنه عمرو، اجلس. فقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، وإن كان عمراً؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع يديه ودعا له صلى الله عليه وسلم.
فعلي قدم إلى عمرو يمشي وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز. في نية وبصيرة، والصدق منجي كل فائز. إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز. من ضربة نجلاء تبقى ذكرها عند الهزاهز.
فلما رآه عمرو قال: من؟ قال: علي. قال: علي بن عبد مناف؟ قال: علي بن أبي طالب. وأبو طالب اسمه عبد مناف، لكن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كانه أحب اسم أبي طالب على عبد مناف بسبب التعبيد لمناف صنم. فقال عمرو: يا ابن أخي، إن من أعمامك من هو أسن منك، وإني والله أكره أن أهريق دمك. كان علي عمره 28 سنة، وهذا عمره في الثمانين، قد ناهز الثمانين وقيل تجاوز الثمانين، لكنهم كانوا في القدم يبقون أصحاء أقوياء، فقد بلغنا أنه منهم من بلغ 140 سنة و120 سنة ولا زال في صحة وعافية. فهذا الرجل قال: إني والله أكره أن أهريق دمك. فقال له علي رضي الله تعالى عنه: ولكني والله لا أكره أن أهريق دمك.
فسل سيفه كأنه شعلة نار ونزل عن فرسه، وكان سيفه معروفاً، فسل سيفه ثم أهوى به على علي فصده بترسه، فثبت السيف في الترس حتى بلغ رأس علي فشجه، ثم أهوى عليه علي بسيفه، وثبت سيف عمرو في ترس علي، ثم أهوى علي بسيفه على عاتق عمرو فضرب عاتقه، ثم ثار الغبار والصحابة ينظرون من سيقوم من هذا الغبار، فما راعهم إلا صوت التكبير، فعلموا أن علياً هو الذي قتله.
وإذا علي يخرج وإذا عمرو بن ود ساقط على الأرض، وعلي يقول: أعلي تقتحم الفوارس هكذا، عني وعنهم أخروا أصحابي. اليوم يمنعني الفرار حفيظتي، ومصمم في الرأس ليس بنابي. عبد الحجارة من سفاهة رأيه، وعبدت رب محمد بصواب. وصدرت حين تركته جدلاً، كالجذع بين دكادك وروابي. وعفوت عن أثوابه لو أنني، كنت المقطر بزني أثوابي. لا تحسبن الله خاذل دينه، ونبيه يا معشر الأحزاب.
ثم لما أقبل قال له عمر بن الخطاب: يا علي ألا سلبته درعه؟ فقال علي رضي الله تعالى عنه: انكشفت سوءته فسترته بها. وهكذا يطيح علي بهذا الجبل، هذا الرجل الذي هو من أعدى أعداء الله، ولكن علياً معه نصره الله سبحانه وتعالى. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
د. سعيد المري