﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة ومع صحابي جديد، وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد المطلب. علي بن أبي طالب، أبو السبطين، أبو الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما.
وهو من أوائل الذين يدخلون في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]. من أوائل من يدخل في هذه الآية لأنه أول من أسلم على قول بعض أهل العلم.
من المعلوم أن العلماء قد اختلفوا في من كان أول من أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمنهم من قال خديجة، ومنهم من قال أبو بكر، ومنهم من قال علي رضي الله تعالى عنه. وأكثر العلماء على أن أول من أسلم خديجة، ومنهم من يقول إن أبا بكر أسلم قبل ذلك بل قبل البعثة، وهذا قول من الأقوال. إلا أن الذي عليه الجمهور أن أول من أسلم خديجة، ثم أبو بكر، ثم علي. وهناك قول آخر: خديجة، ثم علي، ثم أبو بكر، وهذا قول جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن التابعين.
وعلي من الداخلين أيضًا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]، فهو من المبايعين تحت الشجرة. وممن يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل النار أحد شهد بدرًا».
في صلح الحديبية، وهو الصلح بين النبي وبين قريش، وكان سهيل بن عمرو هو الذي من طرف قريش يصالح النبي صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يكتبوا الصلح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب هذا: ما عاهد عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل بن عمرو: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قتلناك، اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي لعلي رضي الله تعالى عنه: «اكتب محمد بن عبد الله»، فأبى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو أنه قال له: امحُ رسول الله، فأبى علي أن يمحوها.
وهنا يقول العلماء: إذا تخالف الأدب والأمر، أو تناقض؛ هناك أمر من الرسول وهناك شيء يقتضيه الأدب يخالف الأمر، فينبغي أن هناك من يقدم الأمر وهناك من يقدم الأدب. فعلي هنا رفض الأمر احترامًا للأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن محو رسول الله هذا أمر كبير جدًا، فعلي كأنه هاب هذا الأمر ورفض أن يمحو محمد رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرني إياها»، فأراه إياها، فمحاها النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال له: «اكتب محمد بن عبد الله»، فكتب ذلك.
ومن مشاهد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مشهد بدر، فقد كان من أهل بدر رضي الله تعالى عنه، وقد حضر بدرًا وعمره ٢٥ سنة، كان صغيرًا لكنه كان من المبارزين في هذه المعركة العظيمة. في بداية الطريق كان رديفًا للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ومعه أصحابه بما وجدوا من الإبل، فكان معهم سبعة بعير، يعتقدونها كل ثلاثة على بعير، كما قال الناظم: "واعتقلوا في ذلك المسير كل ثلاثة على بعير وليس عندهم من السيوف سوى ثمان حتوف للعدا ولا من الخيل سوى اثنتين وقد كفتهم أهبة التمكين"
ما كان عندهم ذاك التجهيز، فكان النبي رديفه على بعيره علي بن أبي طالب وأبو لبابة بن عبد المنذر، فكان النبي يركب مرة وهم يركبون مرة. فقال الرجلان علي وأبو لبابة: يا رسول الله أنت تركب ونحن نمشي فنحن أقوياء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما». وبقي النبي يركب تارة وهما يركبان تارة أخرى.
ثم لما جاءت الصفوف وتراءى الفريقان، وخرج عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة للمبارزة، وطلبوا المبارزة من المسلمين، خرج للمبارزين ثلاثة من الأنصار؛ وهم عوف ومعاذ ابنا عفراء ابنا الحارث، وعبد الله بن رواحة. فقال عتبة وشيبة وهؤلاء الذين كانوا في صفوف المشركين من القوم فانتسبوا لهم أنهم من الأنصار: «أكفاء كرام، أكفاء كرام، ولكننا نريد أكفاء من بني عمومتنا».
هنا النبي صلى الله عليه وسلم فرح لأنه استاء لما خرج الأنصار وبقي المهاجرون في أول معركة مع قريش، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «قم يا عبيدة» -يعني عبيدة بن الحارث بن المطلب-، «قم يا حمزة» -يعني ابن عبد المطلب عمه-، «قم يا علي» -يعني ابن أبي طالب-. فقام عبيدة في مقابل عتبة، وحمزة في مقابل شيبة، وعلي في مقابل الوليد بن عتبة. أما علي فلم يمهل الوليد، ضربه ضربة فكأنه أمس الذاهب. وهكذا حمزة، واختلف عبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة، كل واحد منهم ضرب الثاني؛ فضرب عبيدة بن الحارث عتبة فطرح عاتقه، وضرب عتبة عبيدة فطرح فخذه.
ثم ذفف الذي هو حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب أكمل في قتل عتبة بن ربيعة، وسحب صاحبهما عبيدة بن الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فلما سحب صاحبهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال عبيدة بن الحارث للنبي صلى الله عليه وسلم -وقد أخذه النبي ووضعه على فخذه-: «يا رسول الله، والله لو أنا أبو طالب، وكان كافلاً للنبي صلى الله عليه وسلم في أيام مكة، لو رآنا أبو طالب لأعلم أن حق به من قوله: كذبتُم وبيت الله، نبذنا محمدًا ولما نطاعنا حوله ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلى»، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، أنا شهيد؟»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأنا عليك شهيد».
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري